صفة, أو أردى؛ لأن ذلك بدل وتبرأ ذمته,
وفي الكفيل يدخله بيع الطعام قبل قبضه؛ لأن المطلوب مخير, عليه إن شاء
أعطاه مثلما أدى أو ما كان عليه, وأما في القرض فجائز أن يأخذ من الكفيل
بعد حلول الأجل مثل المكيلة أجود صفة أو أردى.
منع أن يصالح الكفيل بعد حلول الأجل على محمولة أدنى من
المحمولة التي له أو أجود منها.
قال بعض الفقهاء: والقياس أن ذلك جائز كدنانير يعطيها هاشمية
عن دمشقية, أو دمشقية عن هاشمية؛ إذ لا شك أنه لا يرجع إلا بالأقل؛
ولا اختلاف أغراض فيها, وهو إنما يعطي ذلك عن [10/أ]
الذي عليه الدين, فإن كان يدخل ذلك طعام جيد برديء ليس يداً بيد,
قيل: هذه العلة موجودة في الدمشقية من الهاشمية وهو قد أجاز ذلك في
الدنانير, وأما بيع الطعام قبل أن يستوفى فإنما يدخل فيما كان صنفاً آخر,
وهذا إنما هو القضاء.
وإذا كان الغالب من أمر المطلوب إنما يدفع الأدنى فلم لم يكن
كأن الحميل أسلف المطلوب طعاماً على أن يأخذ مثله أو أدنى منه فيجوز؟
وفي كتاب محمد: ومن تحمل بعبد, أو حيوان, أو عرض -
قال العتبية: أو طعام - فأداه الحميل من عنده رجع في ذلك كله
بمثله؛ لأنه سلف قاله ابن القاسم وأشهب وغيرهم
من أصحاب مالك.
قال ابن القاسم: وإن كلفه الحميل شراءه بثمن فله الرجوع بمثل الثمن
وقال ابن حبيب: قال أصبغ عن ابن القاسم فيمن تحمل بعبد
أو عرض أو حيوان أو غيره مما لا يكال ولا يوزن, فأداه من عنده رجع بقيمته.
والصواب بمثله كما قال في كتاب محمد؛ لأنه
سلف من الكفيل للغريم.
قال ابن حبيب: وإن اشتراه ليقضيه رجع بالثمن كان أقل من قيمة ما تحمل به أو
أكثر, وأما ما يكال أو يوزن فيرجع فيما أدى من عنده بالمثل وفيما اشتراه بالثمن.
فحكي عن بعض القرويين أنه قال: إنما وجب للكفيل أن
يرجع بالثمن فيما كُلف شراءه؛ لأن الغريم قد علم أن الكفيل إذا طولب
بما تحمل به فلم يكن عنده, أنه يُكلف شراءه؛ فكأنه دخل معه على أن يغرم
له ما غرم من ذلك قال: ولو تحمل عنه بغير إذنه لوجب أن يطالبه بالأقل
من الثمن الذي اشترى به أو من نفس ما عليه.
لأن من حجته أن يقول: أنا ممن يجب على التأخير في عسرتي فلا
أدفع إلا ما علي, وقد يشتريه اليوم بأضعاف ثمنه ويكون يوم اشترى
يساوي عشر الثمن الذي اشتراه به؛ فلذلك كان له أن يعطيه ما عليه وإن
أعطاه الثمن الذي اشتراه به لم يظلمه؛ فلهذا كان له أن يعطيه الأقل مما اشتراه
به أو ما عليه, وأما إذا أدى من عنده فهذا بين أنه يرجع بمثله؛ يريد: في
العروض وغيرها بخلاف ما ذكر ابن حبيب.
[(1)] فصل [في غرم الحميل وفيما يرجع به على الغريم]
ومن كتاب ابن المواز: ومن تحمل بثمن طعام فأداه فله أن يأخذ من الغريم
فيه طعاماً إذا رضيا كان من صنفه أو من غير صنفه أو أكثر من كيله.
قال ابن القاسم: وكذلك لو تطوع رجل بقضاء الثمن عنه جاز أن
يأخذ منه ما يأخذ الكفيل, وهما بخلاف البائع وبخلاف من أحاله البائع
بالثمن؛ لأن المحال بمنزلة المحيل.
وكذلك عنه في العتبية.
ابن المواز: ومن تكفل بطعام من بيع, فدفع إليه الغريم دنانير
ليشتري بها طعاما ويقضيه عنه, فقضى عنه طعاماً من عنده, وأخذ الثمن, فإن
لم يعلمه فبلغه فرضي فذلك جائز؛ لأنه سلف رضي له فيه بثمن؛ ولو كان
ذلك بأمر الغريم لم يجز؛ لأنه بيع يجب أن يقبضه الغريم من الحميل
قبل أن يقضيه عنه, فيدخله بيع الطعام قبل قبضه.
قال أبو زيد ابن القاسم في العتبية: ولا يحل للذي له
القمح أن يقبضه من الضامن حتى يكتاله الذي عليه الحق ويقبضه هو منه,
وأحب إلي أن يوكل المطلوب بالقمح من يقبضه من الضامن, ثم يقضيه
عنه, وإن وكل الضامن بذلك فأرجو أن يكون خفيفاً وضعفه, قال في
رواية عيسى: ولعله يجوز, وما يجوز إلا زحفاً.
[الباب الثاني عشر] في الكفالة بالدرك, وكيف إن
شرط خلاص السلعة, والحمالة بمعين أو كتابة.
[(1) فصل في الكفالة بالدرك وكيف إن اشرط خلاص السلعة في الدرك]
[11/أ] قال ابن القاسم: ومن اشترى من رجل جارية أو داراً أو غيرها
فتكفل له رجل بما أدركه في ذلك من درك, جاز ذلك, ولزمه الثمن حين
الدرك في غيبة البائع أو عدمه.
ولو شرط المشتري خلاص السلعة لم تجز
الكفالة, ولم تلزمه؛
وقال غيره: تلزمه وهو أدخل المشتري في غرم ماله, فعليه الأقل
من قيمة السلعة يوم تستحق أو الثمن الذي أدى, إلا أن يكون الغريم مليئاً
حاضراً, فيبرأ.
فوجه قول ابن القاسم: أن المعاملة إذا وقعت فاسدة
بين المتبايعين فما سميا من الثمن الذي تحمل به الحميل غير
لازم, فيسقط عنه؛ لسقوطه في أصل الشراء.
ووجه قول غيره: أن الحميل لما أخرج من يد المشتري ماله وجب
عليه غرمه لحجته؛ إذ لو لم يتحمل له به ما ابتاع منه, فإن
كانت قيمة السلعة أقل لم يلزمه إلا ذلك؛ إذ لو لم يستحق لم
يكن على الحميل شيء, فإذا غرم له قيمتها في الاستحقاق لم
تكن له حجة؛ كما لو استهلكا له.
وروي مثل ذلك عن ابن القاسم أيضاً.
قال ابن القاسم: ولو شرط
المبتاع على البائع خلاص السلعة في الدرك, وأخذ منه بذلك كفيلاً بطل
البيع والكفالة؛ كمن باع ما ليس له شرط وخلاصه؛ ولولا أن الناس كتبوا
ذلك في وثائق الأشرية لا يريدون به الخلاص ولكن تشديداً في التوثيق
لنقضت به البيع, ولو عقدوا البيع على اشتراطه فسد البيع.
[(2) فصل: [في الحمالة بمعين]
وما ابتعت من شيء بعينه لم يجز أن تأخذ به كفيلاً كان حاضراً أو غائباً, على
صفة قريب الغيبة أو بعيدها؛ كما لا يجوز للبائع ضمان مثله إن هلك.
[3] فصل: في الحمالة بكتابة المكاتب]
ولا تجوز الكفالة بكتابة المكاتب, قال ابن القاسم: وأما إن عجل
عتق عبده على مال جازت الكفالة بذلك - عند مالك, يريد: لأنه
في الذمة - وكذلك من قال لرجل: عجل عتق مكاتبك وأنا بباقي كتابته
كفيل, جاز, وله الرجوع وبذلك على المكاتب.
[الباب الثالث عشر] في الحمالة بنفع أو جُعل, وما يفسد من شروطها أو يصلح.
قال مالك في كتاب محمد: لا خير في الحمالة بجعل قال ابن القاسم: فإن ترك - وكان يعلم صاحب الحق - سقطت الحمالة, ورد الجعل, وإن لم يكن يعلمه فالحمالة لازمة للحميل, ورد الجعل على كل حال, وقاله أصبغ, وكل حمالة وقعت على حرام فيما بين البائع والمشتري في أول أمرهما أو بعده فالحمالة ساقطة عن الحميل, علم صاحب الحق أو الذي عليه الحق, أو الحميل بمكروه ذلك أو جهلوه, وذلك مفسوخ على كل حال.
وقال أصبغ: وكل حملة وقعت في حرام بين الحميل وبين الذي عليه الحق
ولم يعلم بذلك صاحب الحق فالحمالة لازمة للحميل.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن له دين على رجل إلى
أجل فأخذ منه الأجل حميلاً أو رهناً على أن يوفيه حقه إلى الأجل أو إلى
دونه, فذلك جائز؛ لأنه زيادة توثيق.
فإنما يجوز إلى دون الأجل إذا كان الحق مما له تعجيله, وأما
إذا كان عرضاً أو حيواناً من بيع فلا يجوز؛ لأنه: حط عني الضمان وأزيدك
توثيقاً
قال: وكذلك إن حل الأجل فأخره على أن يأخذ منه حميلاً
أو رهناً جاز؛ لأنه ملك قبض دينه [11/ب] مكانه, فتأخيره به كابتداء
سلف على حميل أو رهن.
قال: وإن لم يحل الأجل فأخره به
إلى أبعد من الأجل بحميل أو رهن لم يجز؛ لأنه سلف بنفع.
قال غيره: ولا يلزم الحميل شيء, ولا يكون الرهن به رهناً, وإن قبض في
فلس الغريم أو موته.
أراه إنما قال ذلك لأن الرهن لم يكن في أصل الدين, ولو كان في
أصل الدين لكان المرتهن أحق به من الغرماء حتى يستوفي حقه وإن كان
فاسداً.
وقد قال مالك في كتاب الرهن - فيمن أقرض أو باع سلعة
بثمن إلى أجل وأخذ بذلك رهناً على أنه إن لم يفتكه منه إلى الأجل فالرهن له
بدينه-: إن ذلك لا يجوز, وينقض الرهن, ولا ينتظر به الأجل, وله أن
يحبس الرهن حتى يأخذ حقه وهو أحق به من الغرماء.
وقال في كتاب محمد في مسألة الكتاب: إن مات الغريم أو فلس
قبل الأجل الأول, لم يلزم رهن ولا حمالة, وإن مات أو فلس بعد الأجل,
ثبت الرهن, وبطلت الحمالة.
وهذا على قول أشهب الذي يجيز الرهن, بجعل, وكأنه رآه
قبل الأجل لم يصح له جعل؛ إذ لم يؤخره بعدما بطل الرهن, وبعد الأجل
صح له الجعل بالتأخير فثبت الرهن, والله أعلم.
ويحتمل إنما بطل الرهن قبل الأجل؛ لأنه رهن فاسداً ولم يدخله
به في تأخير فهو قبل الأجل كلا رهن فوجب فسخه, وبعد الأجل أدخله
به في التأخير فصار كالرهن في أصل العقد, وهذا أشبه.
وقال غيرنا وعلى قول غيره, وما روى ابن القاسم في غير
المدونة: فالحمالة ثابتة بعد الجل؛ لأنه كالمخرج من يده شيئاً, لإمكان
أن يكون قادراً حين الأجل على أن يأخذ منه فصار الحميل أوجب تأخيره,
فأشبه الإخراج من يده, وأما الرهن فرهن إذا دخل في الأجل الثاني.
قال ابن المواز [قال ابن القاسم]: لو قال له قبل الأجل:
أسلفني مئة أخرى, وخذ رهناً بالمئتين إلى شهر بعد الأجل, لم يجز,
ويرد المئة السلف, ويأخذ رهنه, ويرد الدين إلى أجله, وكذلك لو لم يزده في
الأجل شيئاً؛ وهو سلف جر منفعة.
قيل: فإن لم يعثر على ذلك حتى مات الراهن, أو فلس, وقام الغرماء؟
قال: ما سمعت فيها إلا ما خاض فيه أصحابنا:
أن يكون نصف الرهن رهناً بالمئة الآخرة, ويرد نصفه إلى الغرماء.
وقال ابن المواز: بل الرهن كله رهن بالمئة الآخرة؛ لأنه يسببها.
وهو مذهب المدونة.
قال ابن المواز: ولو كانت المئة الآخرة بحمالة لسقطت عن المئتين؛ لأنه
لا تثبت حمالة في معاملة فاسدة, ولا يثبت فيه تأخير, ولا سلف.
قال: ومن حل دينه فقال له رجل: ضع لغريمك منه كذا وكذا, وأنا
حميل لك بباقيه إلى أجل كذا, فذلك جائز؛ لأنه لو شاء تعجله فكأنه أسلفه
وحطه, وقاله ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم ورووه
عن مالك: واختلفت رواية أشهب فيه عنه: فكرهه, وأجازه, وإجازته
أبين؛ لأنه 'ذا جاز أن يؤخر بحميل جاز أن يحطه, ويؤخره.
قال ابن وهب: وأجاز ابن أبي سلمة إذا حل الأجل أن يعطيك
غريمك بدينك رهناً وتؤخره؛ لأنه ليس لك في تأخيره منفعة- لأنك لو
شئت قمت عليه فيبيع لك هذا الرهن - إلا أن يكون غريمك قد تبين فلسفه فلا
يجوز؛ لأنك إذا قمت عليه قد يقع لك في الحصاص بعض حقك؛ فأخرته
على أن تستبد بالرهن أو يضمن لك الحميل أكثر مما يقع لك في الحصاص,
فهو سلف جر منفعة.
قال ابن القاسم: ولو قال للطالب: هب فلاناً ديناراً - غير الغريم
- وأنا حميل لك بدينك, لم يجز؛ وهي كحمالة بجعل.
قال مالك: وإذا حل أجل الدين فقال له: أسلفني مالاً آخر وأخرني على أن أرهنك بهما رهناً أو أعطيك حميلاً, فذلك جائز.
[12/أ] وقد قيل: ذلك جائز إلا أن يكون تبين عدم الغريم.
قال ابن المواز: وهو عندي جائز وإن تبين عدمه إن كان الرهن لنفسه.
يريد: لأنه لو شاء باعه عليه فقبض منه دينه, فلا منفعة له في تأخيره.
قال ابن المواز: ما لم يكن عليه دين محيط, فلا يجوز تأخيره بالدين الأول
بذلك الرهن أسلفه الآن شيئاً أو لم يسلفه؛ لأنه يزداد بما أخر منفعة.
يريد: لأنه لو قام عليه الآن لحوصص فيما أراد أن يرهنه وأخذه
ليختص بالرهن.
قال ابن المواز: وأما تأخيره بحميل فجائز ما لم يسلفه سلفاً ثانياً.
وإنما يجوز إذا لم يكن عليه دين محيط لغيرك أو كان عديماً لا شيء له
أصلاً, وأما إن كان عليه دين محيط لو قمت عليه الآن لنابك في
الحصاص أقل من دينك, يجوز تأخيره بحميل؛ لأنه سلف جر نفعاً.
قال ابن المواز: ولو كان عديماً لا دين عليه لغيرك أو عليه دين لغيرك
ولا شيء له أصلاً, لأجزت لك تأخيره بحميل ما لم يكن معه سلف آخر
لأنك لو أردت القيام عليه بأخذ دينك لم تقدر لفلسه فقد وجب
عليك تأخيره على ما أحببت أو كرهت حين لا تجد شيئاً تأخذه منه,
فكأنك تطوعت بالحميل بلا منفعة استجلبتها.
وقوله: أو عليه دين لغيرك.
ليس في أصل كتاب محمد, وهو في
النوادر وهو جيد.
قال أشهب: ومن لك عليه عشرة دنانير سلفاً, فبعت منه بيعاً على أن
يعطيك بالعشرة الدنانير السلف رهناً, فذلك جائز, واو كانت العشرة
الأولى من بيع فأسلفته عشرة أخرى على أن يرهنك بالعشرة الأولى رهنا لم
يجز؛ لأنه سلف بنفع, فلا خير في أن يسلفه ويشترط منفعة, ولا بأس
أن يبيع ويشترط منفعة.
قال ابن المواز: ولم يُجزه ابن القاسم في الوجهين؛ لأنه إذا باعه
واشترط رهنا بسلف له عليه كان رهنا بجعل, وذلك لا يحل.
لأنه باع منه السلعة بعشرة وهي تسوى اثني عشر على
أن يعطيه رهناّ أو حميلاً بالسلف, فصار كالحطيطة من الدين على أن يعطيه
فيه حميلاً أو رهناً, فلا يجوز عند أبن القاسم ويجوز عند أشهب
قال محمد: ولم ير أشهب بالرهن بجعل بأساً؛ لأن الجُعل فيه إنما يصل إلى
غريمه نفسه, فهو كالوضيعة له من حقه بعد أن حل على أن يرهنه, والجعل
في الحمالة للحميل فهو لغير غريمه, فلا يحل يريد ولو كان
الجعل لغريمه لجاز.
قال: وكذلك لو كان الرهن لغير غريمه بجعل من الغريم لم يجز,
وينتقض الرهن إن علم رب الحق,
وإن لم يعلم ثبت الرهن, وسقط الجعل.
ولو كان له عليه عشرة إلى شهر, فقال: أعطيني حميلاً وأنا أضع عنك
درهمين وآخذ ثمانية عند الشهر.
فلم يجز ذلك ابن القاسم.
لأن ذلك كالحمالة بالجعل؛ لأن الحميل إن لم يأخذ الدرهمين فكأنه قال
للذي له الدين: هبها للذي عليه الدين, فكأنه لم يرض أن يتحمل له إلا
بجعل يأخذه الذي عليه الدين, كما لو قال له: لا أتحمل لك إلا أن تهب
لفلان ديناراً.
قال أشهب: إذا حط عنه على أن يعطيه حميلاً أو رهناً إلى أجل إن ذلك
جائز قال أصبغ: ولو قال له: خذ مني دينارين وأعطني حميلاً إلى أجل لجاز
ذلك كما لو حطها عنه من دينه.
قال بعض الفقهاء: الأشبه ما قال [12/ب] ابن القاسم؛ لأنهم لم
يختلفوا أن لو كان الذي عليه الدين سأل أن يتحمل عنه بجعل أن ذلك لا
يجوز, فإن كان الذي له الدين هو الذي يعطى الجعل لمن يتحمل له, فكذلك
ينبغي ألا يجوز إذا حط عن الذي عليه الدين على أن يعطيه حميلاً,
فالحميل وإن لم يأخذ جعلاً فقد أخذ الجعل من سأله أن يتحمل عنه؛ وهو
الذي عليه الدين, فصار الحميل كالواهب للذي عليه الدين بما أعطي من
جُعل, ومع أن ذلك غرر أيضاً؛ لأن رب المال يحط من ماله لأمر يمكن أن
يحتاج إليه لعُسر الغريم, ويمكن ألا يحتاج إليه ليسره.
وأما 'ذا حل الأجل فأعطاه حميلاً على أن يضع عنه, فهذا جائز؛ إذ لا
غرض له في هذا - يريد: إذا كان الغريم موسراً- وأما إن كان معدماً
فينبغي ألا يجوز على مذهب ابن القاسم؛ لأن الغريم إذا لم يقدر على الأخذ
منه صار كدين لم يحل, فيجري فيه الاختلاف على ما ذكرنا.
وقد ذكر في كتاب محمد عن أشهب: أن روايته اختلفت في
الحال, فأراه يريد: إذا كان الذي عليه الدين معسراً, فيصير على هذا
وافق ابن القاسم في إحدى روايتيه.
وأما إذا أعطاه حميلاً بعد حلول الأجل, ولم يضع عنه شيئاً على أن يؤخره
وكان موسراً فهذا جائز, وإن كان معسراً اعتبرت: فإن أخره أمداً يمكن أن
يوسر قبله لم يجز ذلك, ويصير بمنزلة من أعطاه حميلاً قبل الأجل على أن
يؤخره إلى بعده, وذلك وإن كان يسره إلى شهر فكأن الدين لم يحل
إلا إلى الشهر, فإن أعطاه حميلاً على أن يؤخره
شهرين, صار قد دفع ما لا يلزمه من
الحميل لمكان تأخيره إياه بعد يسره شهراً آخر.
وإن كان إنما أعطاه حميلاً إلى شهر وهو الذي يوسر إليه,
فهذا جائز كمن أعطي حميلاً قبل الأجل.
وحكم العسر كحكم ما لم من الأجل, إلا أن يكون معه سلف, فلا
يحل؛ لأنه إن كان يسره إلى شهر, فالحكم يوجب تأخيره إليه بلا حميل؛
فكأنه قال له: أنا أعطيك حميلا لا يلزمني, أن تسلفني كذا فصار سلفاً
جر نفعاً وهو زيادة التوثيق.
وقد زدت في هذا الكلام من لفظي ما يتم به الكلام عندي.
قيل لمحمد: لم لا تجيز كراء الشيء لرهنه, وأنت تجيز كراء الحلي
والمتاع للبس؟ قال: ليس من اكترى متاعاً ليرهنه كمن اكترى حلياً أو متاعاً
ليلبسه؛ لأن الرهن كلما مطل المديان بالدين ازداد صاحب الرهن في الرهن
كراء؛ فكأن رب الحق أخره بزيادة يعطيها لغيره.
قلت: فلو أكراه إلى أجل؟ قال: الأجل في الكراء للبس جائز,
ولا يجوز إلا به, ولا يجوز الرهن إلى أجل ولا يكون رهناً؛ لأنه إذا انقضى
ذلك الأجلُ بَقِيَ الحقُّ بلا رَهْنٍ, فَيبْطُلُ مِنْ أَوَّلِهِ, وإنْ فلَّسَ أو مات الغَرِيمُ قبلَ الأجلِ دَخَلَ فيه الغرماءُ.
وقال البرقي عن أشهبَ -فيمن ارتهنَ رهناً في بيعٍ فاسدٍ, وفاتت السلعةُ-: إنَّ الرهنَ رهنٌ بالأقلِّ من القيمةِ أو الثمنِ, وقال في دافعِ دنانيرَ في دراهمَ إلى أجلٍ وأخذَ بذلك رهناً أن الرهنَ رهنٌ بالأقلِّ, وإنْ كان حميلاً فالحمالةُ باطلةٌ, وابن القاسم يُبْطِلُ الرهنَ والحميلَ.
ابن المواز: قال ابنُ القاسم: ومَنْ باع سلعةً وأخذ حميلاً على أنه إنْ مَاتَ الحميلُ -يريد: قبل الأجلِ- فلا تِباعةَ في تَرِكَتِهِ, وإن مات البائعُ قبل ذلك الأجلِ فلا حمالةَ له على الحميلِ ولا لورثَتِهِ.
فقال: هذا بَيْعٌ
حرامٌ لا يجوزُ [13/أ], والحمالةُ ساقطةٌ, وعلى المشترِي في فَوْتِ السَّلْعةِ القيمةُ.
قال أَصْبَغُ: أَجَابَ على غير تأمُّلٍ, وهذا عندي جائزٌ, والشَّرْطُ ثابتٌ؛ لأنه ليس هو بَيْنَ البائعِ والمبتاعِ وهو شرطٌ بينه وبينَ الحميلِ, كما لو تحمَّل على هذا من غير بَيْعٍ؛ وكذلك لو تحمَّل بمهْرٍ على أنه إنْ دخل فالحمالةُ له ثابتةٌ, وإنْ مات أو طَلَّقَ قبل البناء فلا حمالةَ لع عليه, فذلك جائزٌ, وإنما يَفْسُدُ لو شرط المشترِي أنه إنْ مات بائعٌ أو مبتاعٌ قبل الأجل فالثمن هدرٌ, ولا تِباعة به فهذا بيعٌ فاسدٌ.
قال ابنُ المواز: وأرى قولَ ابْنِ القاسِم إنْ كان ذلك شَرْطَهُ مع البيعِ على المشتري فالبيعُ فاسدٌ, والحمالةُ ساقطةٌ؛ لأنَّ ثمنَ السلعةِ مع حميلٍ أو رهنٍ أكثرُ منه بلا رهن ولا حميلٍ فقد تخاطرا, وإنْ شرط ذلك في سلفٍ غير بَيْعٍ كان ذلك جائزاً.
قال ابنُ حبيب: ومَنْ باع سلعةً مِنْ ثلاثةٍ على أَنَّ بعضَهم حميلٌ ببعضٍ, فإن لم يكونُوا شركاءَ في غيرها, فذلك جائزٌ, ولم يزلْ هذا من بُيُوع الناسِ, وما عملتُ مَنْ أنكره, وإنما لا يجوزُ أن يقول: تحمَّل عَنِّي في شيء على أنْ أَتَحَمَّلَ عنك في شيءٍ آخرَ.
[الباب الرابع عشر] في الحميل يَدَّعِي أنه وافاه بغريمِه, وما تجبُ
فيه الحمالة ودعوى ورثةِ أحدِ الحملاءِ أنَّ وليَّهُم دَفَعَ المال.
[(1) فصل: في الحميل يدَّعي أنه وافاه بغريمه, وما تجبُ فيه الحمالة.]
[المسألة الأولى: فيمن قال لرجل إن لم أوافك بغريمك غداً فأنا ضامن لما عليه]
قال ابن القاسم: ومَنْ قال لرجلٍ: إنْ لَمْ أُوَافِكَ بغريمِكَ غداً فأنا ضامنٌ لما عليه.
فمضى الغدُ وادَّعى الحميلُ أنه وافاه به, فالبيِّنَةُ عليه وإلا غَرِمَ إلا أن يُوَافِيَه به الآن قبل الحكمِ عليه, فيبرأُ مِنَ المالِ.
وكذلك يقول غيرُه من الرُّواَةِ.
[المسألة الثانية: فيما تجب فيه الحمالة]
قال ابنُ القاسم: ومَنْ كان بَيْنَهُ وبَيْنَ رجُلٍ خُلْطَةٌ في معاملةٍ,
فادَّعى عليه حقَّاً لم يجِبْ له عليه كَفِيلٌ بوجْهِه حتى يَثْبُتَ حقُّه, وقال غيرُه: إذا ثَبَتَتِ الخلطةُ بينهما فله عليه كفيلٌ بنفسه لِيُوقِعَ البَيِّنَةَ على عَيْنِه.
م: يعني غيره: إذا لم يكن المدعَّى عليه معروفاً مشهوراً فللطالب عليه كفيلٌ بوجهه ليوقع البينةَ على عَيْنِه, وأما لو كان المطلوب معروفاً مشهوراً فليس للطالب عليه كفيلٌ بوجْهِه؛ لأنا نسمع البينةَ عليه في غيبتِه, وكذلك معنى قولِ ابْنِ القاسِمِ, والله أعلم.
قال ابنُ القاسم: وإنْ سأله وكيلاً بالخصومةِ حتى يُقيمَ البيِّنَةَ عند
القاضِي لم يَلْزَمِ المطلوبَ ذلك, إلا أن يشاءَ؛ لأنَّا نسمعُ البينةَ في غيبةِ المطلوبِ, وإنْ سأله كَفِيلاً بالحقِّ حتى يقيمَ البيِّنةَ لم يكن له ذلك, إلا أن يُقِيمَ شاهداً, فله أَخْذُ الكفِيل, وإلّا فلَا, إلا أنْ يَدَّعِيَ بينةً قريبةً يُحْضِرُها مِنْ السُّوقِ أو مِنْ بعضِ القبائلِ فليوقِفِ القاضِي المطلوبَ عنده لمجيء البيِّنةِ, فإنْ جاء بِها وإلا خلّى سبيلَه, ومَنْ قُضي له بِرَبعٍ أو غيره أنه وارثه فلا يُؤْخَذُ بذلك من الْمُقْضَى له كفيلٌ, وهذا جَوْرٌ ممن فعله مِنَ القضاة, وكذلك مَنِ استحقَّ دَيْناً قِبَلَ غائبٍ وله رِباَعٌ أو عُروضٌ حاضرةٌ, فإنّ القاضِيَ يبيعُها ويؤَدّي دَيْنَهُ, ولا يؤخذُ مِنَ الْمْقَضى له بذلك كفيلٌ.
[2] فصل: [في دعوة ورثةِ أحدِ الحملاء أنَّ وليَّهُمْ دفع المال]
وإذا اشْترى ثلاثةُ رجالٍ سلعة [13/ب] منِ رجل وتحمَّل بعضُهم ببعضٍ في الثمن على أن يأخذ البائعُ أيَّهُمْ شاء بحقه, فمات أحدُهُم, فادَّعى ورثةُ الميتِ أنَّ الميتَ دفع الثمنَ إلى البائعِ, وأقاموا شاهداً, أنهم يحلفون معه,
ويبرأُ وليُّهُم, ويرجِعُون على الشريكْين بما ينوبهُما, فإن نَكل الورثةُ, لم يحلفِ الشريكَان لأنهم يغْرَمُونَ, إلا أن يقولَا: نحن أمرناه ووكَّلناه بالدفعِ عَنْهُ وعَنَّا ودَفعْنَا ذلك إليه وإنما هو حقٌّ علينا والشاهدُ لنا, فيحلفُون, ويبرأُونَ.
قال أبو محمد: معنى قولِ ابنِ القاسم: لا يمينَ على الشريكْين يعني: إذا ادَّعَيَا أَنَّ الميتَ دفع الثمن مِن مالِه, ويغرمان ما ينوبُهُما للبائعِ؛ وذلك أَنَّ المالَ على جميعِهِم في أنفسِهِم وهم حملاءُ بعضُهم عن بعضٍ, فلا يغرمان للورثةِ شيئاً منْ أجلِ قَوْلِهم: إن الميتَ دفع عنا الثلثْين؛ لأنهما يقولَانِ: الميتُ
فرَّط إذ لم يشهد حين دفع ولم يدفع بحضرتِنا شيئاً, وإنما بلغنا ذلك عنه, فلا يلزمُنا للورثة شيءٌ بإقرارنا هذا -ولكن يغرمان للبائع حَسَب ما تقدَّم- ويغرمُ الورثةَ للبائعِ ما ينوبهم؛ لنكولهم بعد ردِّ اليمينِ على البائعِ أنه ما قبضَ مِنْ وليِّهِم شيئاً, وهذا إذا كان الميتُ مليئاً بما ينوبُهُم اليومَ, فإنْ كان عديماً اليوم لم يكن على الورثة شيءٌ وكان لهذيْن أن يحلفا مع الشاهدِ, وإنْ كان دعواهما: أنَّ الميت دفع الجميعَ من مالِه؛ ليبرآ من حمالة الثلثِ الذي الميتُ به عديمٌ, فإنْ حلفا غَرِما الثلثْين للورثةِ, وغرم الورثةُ للبائع ثلثَ الحقِّ مما قبضُوا من الشريكْين؛ لنكولِ الورثةِ.
وإنِ ادَّعَيَا أن الثمنَ من عندِهما حلفا لقد دفع ذلك وبرئَا, ورجعَ البائعُ على الورثةِ بالأقلِّ مما ورِثُوه أو مما ينوبُهم؛ لنكولِهم بعد أن يحلفَ البائعُ أنه ما قبض مِنْ وليِّهم شيئاً, وللشريكْين أن يَرْجِعَا عليهم فيقولَان لهم: نحنُ دفعنا جميعَ الثَّمَنِ للميِّتِ فإما أنْ تَحْلِفُوا على عِلْمِكم أَنَّا ما دفعنا إليه شَيْئاً, وتبرأوا, وإنْ نكلتم حَلَفْنَا لقد دفعنا
الجميعَ وغرِمْتُمْ ثُلُثَ جميعِ الثمنِ لَنَا.
وإنْ مَاتَ عدِيماً فلا شيءَ على الورثةِ؛ لأنهم لم يَرِثُوا شيئاً.
م: وتعقَّب بعضُ فقهاءِ القرويِّينَ كلامَ أبِي محمد هذا, فقال -في قوله: إذا كان الميتُ عديماً وادَّعيا أنَّ الميت دفع الجميعَ من مالهِ ليبرآ مِنْ حَمَالةِ الثلثِ الذي الميِّتُ به عديمٌ, فإن حَلفا غَرما الثلثْين للورثةِ وبرئا, وغرم الورثة ثلث الحقِّ للبائعِ مما قبضوا من الشريكْين قال -: فقولَه: يغرمان الثلثْين للورثةِ ليس بِبَيِّنٍ في القياس؛ وذلك أنَّ الورثة قد نكلوا, وإنما يحلف هذانِ ليَبْرَأَى من حمالةِ الثلثِ, فإذا حلفا, دفعا الثلثْين للذي له الدَّيْنُ, وحلف الغريمُ, واتَّبَع الورثةَ بالثلث, هذا يجبُ في القياسِ؛ لأنَّ أحداً لا يحلفُ ليستحقَّ غيرُه, فإذا جاز أن يحلف في الثلثْينِ فَيمْلِكُ ذلك الورثة, فلِمَ لَمْ تكن يمينهم قد بَرَّأتِ الورثةَ من الثلث أيضاً؟ الذي جَعَلَ هو: أنهم يغرمونه للغريمِ.
قال:-قال أبو محمد: فإنِ ادَّعيا أنَّ الثمنَ من عندِهما حلفا لقد دفعَ
ذلك الميتُ وبرئَا, ورجع البائعُ على الورثةِ بما ينوبُهم لِنُكُولهم بعد أن يحلفَ البائعُ أنه ما قبضَ من وليِّهِم شَيْئاً, وللشريكْين أنْ يرجعا عليهم فيقولان لهم: نحن دفعنا جميعَ الثَّمَنِ إلى الميَّتِ, فإما أن تحلِفُوا على عِلْمِكم أنا ما دفعنا إليه شيئاً, وإن نكلتم حلفنا لقد دفعنا الجميعَ وغرمتم ثلثَ الثَّمنِ.
قال:-وفي هذا أيضاً نظرٌ؛ لأن الشريكْينِ [14/أ] لم يَثْبُتْ دفعُهما إلى الميت, وورثته قد نكلوا عن اليميِنِ, وما في يد الميتِ على مِلْكِه, فَيجِبُ أن يحلف الذي له الديْن ويأخذَ من جملتِهم إذا كان الميتُ مُوسِراً، ويحلفُ الورثَةُ للشريكَيْنِ أنَّا ما نعلم أنكم دفعتم إلى وَلِيِّنَا شَيْئاً إذا كانوا ممن يُمْكِنُ أن يَعْلَمُوا ذلك، وإن لم يترك شيئاً حلف الشريكَانِ مع الشاهد ليَبْرآ مِنْ حمالةِ الثلُثِ، ويغرِمانِ الثلثْين، ويحلفُ الذي له الدَّيْنُ، ويَتْبَع ذمةَ الميتِ متى طرأ له مالٌ.
وقال ابنُ أبِي زمنين في هذه المسألة نظرٌ، وينبغي على أصُولِهِم إذا حلف الشريكَان أنهما دفعا إلى الميت ما لزمهما، وأنهما أمراه بالدفع، أن يكون للبائع أن يتبعَ ذِمَّةَ الميتِ بحصَّتِهِ بعد أن يحلفَ أنه ما دفع إليه شَيْئاً، وإن قال الشريكَان: دفعنا إليه الجميعَ، وأمرناه بالدفع عنه وعنا، وحلَفَا على ذلك، كان لَهُمَا أن يَتْبَعَا ذِمَّةَ الميتِ بحصتِه إذا لم يحلف ورثَتُه، وعلى الشريكْين إذا حلفا أن يزيدَا: ولقد دفع ما أمرناه بدفْعِه، وبالله التوفيق.
[الباب الخامس عشر] في الكفالة في الحدود، وكفالة الأخرس
والمريض وما يجوز من إقراره
[(1) فصل: في الكفالة الحدود]
والقضاء أن كل ما يلزم الذمة فالكفالة به جائزة، وأما الحدود والأدب، والتعزيز فلا تجوز الكفالة به، وقاله مالك.
قال بكير: ولا تجوز في دمٍ أو وزناً أو سرقةٍ أو شرب خمرٍ ولا
في شيء من الحدود.
م: لأن فائدة الحمالة أن يحل الضامن محل المضمون في تعذر أخذ الحق منه، وهذا المعنى يتعذر في الحدود؛ لأن استيفاءها من الضامن غير جائزٍ.
[2] فصل [: في كفالة الأخرس]
قال ابن القاسم: وما ثبت بالبينة أن الأخرس فهمه من كفالةٍ، أو غيرها لزمه.
[3] فصل [: في كفالة المريض]
والسنة أن معروف المريض من ثلثه، والكفالة معروف.
قال ابن القاسم: ومن تكفل في مرضه فذلك من ثلثه؛ لأنها من
ناحية العطية لا كالبيع.
قال ابن القاسم: وإن تداين بعدما تكفل في مرضه كان دينه في رأس ماله، فإن اغترق الدين ماله سقطت الكفالة، ولا يحاص بها الغرماء؛ لأنها من الثلث، وما كان من رأس المال أولى؛ كمن أوصى لرجل بثلث ماله ثم اغترق الدين جميع ماله فالوصية تبطل.
قال ابن المواز: حمالة المريض جائزة ما لم يدخل على أهل دينه نقص بها ولا يكون المتحمل به مليئاً، ويكون المريض متهماً في إحياء حقه، فإن كان مليئاً جازت بكل حالٍ.
وقال عبد الملك: إن كان المحمول به، مليئاً فهي لازمة، وإن كان عديماً بطلت، ولم تكن في الثلث؛ إذ لم يرد بها الوصية، ولا له أن يعطي في مرضه من رأس ماله.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن تكفل في مرضه لوارثٍ، أو غير وارث ثم صح لزمه ذلك؛ كما لو بتل صدقه في مرضه لوارثٍ أو غيره، ثم صح لزمته الصدقة إذا لم تكن على وجه الوصية.
ابن المواز: وقال أشهب وعبد الملك: حمالة المريض عن وارثه لأجنبي، أو عن أجنبي لوارثه؛ باطلةٌ.
قال أشهب: إلا أن يكون المحمول به، موسراً حاضراً النقد حين تحمل به المريض، فتجوز الحمالة به.
وقد قال عبد الملك: هي باطلة، كان المحمول موسراً، أو معدماً.
قالا: ولو صح بعدما تحمل، لثبتت الحمالة، كان المحمول به موسراً أو معدماً، مات الحميل بعد ذلك أو بقي.
[(4) فصل: فيما يجوز من إقرار المريض]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أقر في مرضه أنه تكفل في مرضه هذا، فإن كان لوارث لم يجز، وإن كان لأجنبي أو صديقٍ ملاطفٍ جاز إقراره في ثلثه.
يريد: كان ورثته كلالة أو ولداً.
قال ابن القاسم: إلا أن يكون عليه دين يغترق ماله فلا يجوز، وكذلك إن أقر للصديق بدينٍ في مرضه، فإنما يرد إقراره إذا كان عليه دين يغترق ماله، فإن لم يكن عليه دين فإقراره له جائزٌ إن ورثه ولده.
وقال سحنون في غير المدونة: وإن كان ورثته كلالة لم يجز إقراره له في ثلثٍ ولا غيره.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وتجوز الوصية له في الثلث ورث بولدٍ، أو كلالة، وما أقر المريض أنه فعله في مرضه من عتق أو غيره فهي وصيةٌ، وما أقر به الصحيح أنه فعله فللذي أقر لهم أخذ ذلك ما لم يمرض المقر أو يموت، فإن مرض أو مات فلا شيء لهم
وإن قامت لهم بينة، إلا العتق والكفالة فإنه إذا قامت بعد موته بينةٌ أنه أقر في صحته بعتق عبدٍ أو بكفالةٍ لوارثٍ أو لغير وارثٍ، كان ذلك من رأس ماله؛ لأنه دين قد ثبت في رأس ماله في صحته، وما أقر به المريض أنه فعله في صحته من عتقٍ أو كفالةٍ أو حبس أو صدقةٍ أو غيرها لوارثٍ أو لغير وارثٍ فإقراره باطل، ولا يجوز في ثلث ولا غيره ويكون ميراثاً، فإن أوصى مع ذلك بوصايا كانت الوصايا في ثلث ما بقى بعد ذلك، فإن قصر الثلث عن وصيته لم تدخل الوصايا في شيءٍ مما أقر به، لأنه كذلك أراد.
م: وقال بعض الفقهاء: ينبغي إذا أقر في مرضه أنه تكفل في صحته، فلم يجز أن يدخل في ذلك الوصايا؟، بخلاف من أقر في المرض أنه تصدق في الصحة أو أعتق فبطل إقراره فلا تدخل في ذلك الوصايا؛ لأن ذلك على إقراره خارج على كل حالٍ، والكفالة مال يرجع به، فلما بطل أن يؤخذ دخلت فيه الوصايا؛ كما لو رجع لدخلت فيه الوصايا؛ فبطلانه كرجوعه.
[الباب السادس عشر] في الحمالة بالخدمة والصنعة
والكراء وحمالة العبد ومن فيه بقية رقٌ
[(1) فصل: في الحمالة بالخدمة والصنعة والكراء]
قد تقدم أن الحمالة لا تجوز إلا فيما يتعلق بالذمة أو ما يجر إليها.
قال ابن القاسم: ومن استأجرته بعينه يخدمك شهراً لم يجز أن تأخذ منه حميلاً بالخدمة؛ لأنها ليست في الذمة.
قال: وإن مات عبد في إجارتك فأعطاك سيده عبداً يعمل كعمله، لم يجز وهو دينٍ في دينٍ والحمالة في هذا أيضاً لا تجوز؛ لأن الغلام لو مات لم يلزم الحميل أن يأتي بغيره يخدم مكانه؛ لأنه بعينه، وكذلك من استأجرته يخبط لك ثوباً بعينه، جاز ذلك، ولا تجوز الحمالة بذلك العمل في حياة الصانع أو موته، ولا كفيلٌ به حتى يعلمه، ولو كان
عملاً مضموناً في ذمته جاز أن يؤخذ به كفيلٌ.
قال مالك رحمه الله: ولا بأس أن يؤخذ الكفيل بالحمولة المضمونة، ولا يجوز ذلك في دابة بعينها، إلا أن يتكفل برد بقية الكراء عند موتها، فيجوز ذلك- وكذلك أجير الخياطة والخدمة في هذا- فإن قر الكراء في المضمون، فأكرى الكفيل للطالب بضعف الكراء، وجب للكفيل الرجوع بذلك على المكري ولا ينظر إلى الكراء الأول.
وهذا مذكور في كتاب الكراء الرواحل والدواب.
[(2) فصل في حمالة العبد ومن فيه بقية رق]
قال ابن القاسم: ولا يجوز لعبدٍ أو مكاتبٍ أو مدبرٍ أو أم ولد عتقٌ ولا كفالةٌ ولا هبةٌ ولا صدقةٌ ولا غير ذلك مما هو معروفٌ عند الناس إلا بإذن السيد، فإن فعلوا ذلك بغير إذنه، لم يجز رده السيد، فإن رده
لم يلزمهم ذلك وإن عتقوا، وإن لم يرده حتى عتقوا لزمهم ذلك علم به السيد قبل عتقهم أو لم يعلم.
وقال غيره: ولا يجوز ذلك للمكاتب وإن أذن له السيد؛ لأن ذلك داعية إلى رقه.
قال ابن القاسم: ولا تجوز كفالة المأذون إلا بإذن سيده، فإن كان عليه دين يغترق ماله لم تجز كفالته وإن أذن له السيد؛ كما لا تجوز كفالة الحر ومعروفه إذا اغترق الدين ماله، وتجوز حمالة العبيد ووكالتهم في الخصومة وغيرها بإذن السيد؛ لأن مالكاً قال: من وكل عبده لقضاء دينٍ عليه فقام للعبد شاهد أنه قضاه، حلف العبد وبريء السيد؛ كالوكيل الحر سواء، ولا يحلف السيد.
م: قال بعض الفقهاء: فإن نكل العبد وجب أن يحلف
السيد مع الشاهد؛ لأنه لم يدفعه عن نفسه بشاهدٍ قام له.
م: وأما الوكيل فإن كان عديماً فكالعبد، يحلف الموكل ليبرأ من الغرم أيضاً، ولكنه ينبغي متى أيسر الوكيل، حلف الذي له الدين ورجع على الوكيل بما كان غرمه، وإن كان الوكيل مليئاً فنكل حلف الذي عليه الدين وبريء، وغرم الوكيل للذي له الدين.
[قال]: وإن تحمل عبدٌ بدين على سيده بإذن سيده، ثم فلس السيد أو مات، فإن اتبع الطالب بدينه ذمة السيد بيع العبد في ذلك، وإن رضي بإتباع العبد دون السيد كان ذلك في ذمة العبد.
وقال غيره: ليس له أن يتبع ذمة العبد إلا بما عجز عنه مال السيد.