الجامع لمسائل المدونةصفحات 134-173

كتاب الضحايا من الجامع

صفحات 134-173

قال: وإذا نقض أهل الذمة العهد بعد أن سرقوا لنا أموالاً وعبيداً وغير ذلك، فحاربوا وذلك في أيديهم ثم صالحونا على أن يعودوا لنا ذمة.
قال: يوفا لهم فإن لم يطلع على تلك السرقات إلا بعد الصلح فللإمام أن يخيرهم إما أن يردوها أو يرجعوا إلى حالهم من الحرب إلا أن يشترطوها في الصلح فلا كلام له، وأما ما أخذوا في حال حربهم فلا خيار للإمام فيه بعد الصلح.
فصل قال ابن حبيب قال ابن القاسم: في قوم أتونا بنسائهم وأولادهم فأسلموا ثم تركوا الإسلام ورجعوا إلى بلادهم فأدركناهم وأسرناهم أنهم كالمرتدين في المال والدم يستتاب كبارهم ويجبر صغارهم على الإسلام إذا بلغوا من غير استتبابة.
وقال أصبغ: ليسوا كالمرتدين وهم كالمحاربين لأنهم جماعة فهم كأهل النكث؛ لأن المرتد إنما هو كالواحد وشبهه.
وليس قول أصبغ بحسن؛ لأن أهل النكث إنما هم أهل الذمة ونحن نسترقهم إذا ظفرنا بهم، ولعمري أنه لأمر خالف فيه عمر أبا بكر في أهل الردة من العرب؛ جعلهم أبو بكر كالناقضين، فقتل الكبار وسبى النساء والصغار وجرت فيهم المقاسم في أموالهم، وسار فيهم عمر السيرة في المرتدين؛ فرد النساء والصغار من الرق إلى عشائرهم كذرية من ارتد فلهم حكم الإسلام إلا من تمادى بعد بلوغه والذين كانوا أيام عمر لم يأب أحد منهم الإسلام، وعلى هذا جماعة من العلماء وأئمة السلف إلا القليل منهم؛ فإنهم أخذوا في ذلك برأي أبي بكر -رضي الله عنه-، وبه قال أصبغ.

وذهب ربيعة وابن القاسم وابن الماجشون إلى فعل عمر وبه أقول.
ومن العتبية قال ابن القاسم فيمن لحق بأرض الحرب فتنصر وأصاب دماء المسلمين وأموالهم ثم أسلم: فإن ذلك يزيل عنه القتل وكلما أصاب، ولو كان أصاب ذلك قبل أن يرتد أقيد منه؛ يقتله الإمام ولا ينظر إلى أولياء من قتل؛ لأنه كالمحارب، ولا عفو فيه لولي الدم، ولا يستتاب استتابة المرت.
وذكر مثله سحنون وابن المواز.
قال سحنون عن ابن القاسم: إن ارتد أهل حصن عن الإسلام؛ فليقاتلوا ويقتلوا ولا تسبى ذراريهم ولا تكون أموالهم فيئا.
قال في كتاب محمد: وتجبر ذراريهم على الإسلام وما ولد لهم بعد الكفر فليردوا إلى الإسلام ما لم يكبروا على الكفر.
وكذلك قال عبد الملك: لا تسبى ذراريهم ولا نساؤهم؛ لأنهم يقولون: نحن لم نرتد، ولو كانوا أهل ذمة نكثوا وقاتلوا فظفرنا بهم لسبي نساؤهم وذراريهم واستحلت أموالهم بنقض رجالهم وكذلك فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في بني قريظة وغيرهم سباهم وحاشيتهم.

قال ابن حبيب: والسنة في المرتد يلحق بدار الحرب فيقتل المسلمين ويزني ويسرق ثم يتوب: أنه لا يؤخذ بشيء من ذلك، وإن فعل ذلك في دار الإسلام بعد ردته؛ فليؤخذ بذلك وإن أسلم.
وإن مجن مسلم بدار الإسلام ولحق بدار الحرب على مجونه فحارب معهم فقتل منا أو لم يقتل؛ أنه يحكم فيه بحكم المحارب في بلد الإسلام من القتل والصلب ويؤخذ فيه بأعظم عقوبة الله عز وجل في المحارب قتل أو لم يقتل، ولا تقبل توبته ولا عفو فيه وإن ادعى أنه كان في فعله ذلك مرتداً لم يصدق إلا ببينة فحينئذ يسن به سنة المرتدين في قبول التوبة وهدر ما كان فعل من ذلك وليس تركه الصلاة بدار الحرب وشربه الخمر بردة حتى يفصح بالردة.
وقاله ابن الماجشون، وقال أصبغ عن ابن القاسم.
ومن كتاب المحاربين قال عبد الملك: لا يجوز للإمام أن يؤمن المحارب وينزله على ذلك ولا أمن له بذلك؛ لأنه في سلطانك وعلى دينك إنما امتنع منك بعزة لا بدين.
قال سحنون: وإذا هرب المحارب ودخل حصناً من حصون الروم فحاصرنهم فنزل أهله بعهد وطلب المحارب العهد والأمان فأمنه أمير السرية قال: لا أمان له ولا يزيد حكم الحرابة عنه جهل من أمنه وقد ظفرنا به قبل التوبة.
محمد وقد اختلف فيه.

م: وفي كتاب المحاربين والمرتدين إيعاب هذا.
فصل ومن كتاب ابن سحنون عن أبيه: وإذا وجدنا بأرض الإسلام عينا لأهل الشرك وهو حربي دخل بغير أمان، أو كان ذمياً أو مسلماً يكاتبوهم بعورات المسلمين؛ فأما الحربي: فللإمام قتله واستحياؤه كمحارب ظفرنا به، وللإمام أخذ ماله ولا خمس فيه وهو فيء، فإن أسلم قبل أن يقتل فلا يقتل ويبقى رقيقاً كالأسير يسلم.
وأما المسلم يكاتبهم؛ فإنه يقتل ولا يستتاب وماله لورثته وهو كالمحارب والساعي في الأرض فساداً.
وقال بعض أصحابنا: يجلد جلداً منكلاً ويطال سجه وينفي من موضع كان فيه بقرب المشركين.
قال: وإن كان ذمياً قتل ليكون نكالاً لغيره.
ومنه ومن العتبية قال ابن القاسم: يقتل لجاسوس ولا تعرف لهذا توبة.
قال عنه ابن المواز: إن ظاهر على أمور المسلمين بأمر دل على عوراتهم قتل، فإن لم يكن فيما كان منه مظاهرة على عوراتهم سجن حتى تعرف توبته.

فيمن أسلم من عبيد الحربيين بعد خروجه إلينا أو قبل وكيف إن أقام ببلدنا مسلما روى ابن وهب أن المغيرة بن شعبة نزل وأصحاب له بأيلة وهم حينئذ كفار فشربوا خمراً وسكروا وناموا فقال إليهم المغيرة فذبحهم وأخذ ما كان معهم وقدم به على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأسلم ودفع إليه وأخبره الخبر فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنا لا نخمس مالاً أخذ غصباً» وترك المال في يد المغيرة بن شعبة.

قال ابن القاسم: وإذا قدم إلينا عبد لرجل من أهل الحرب بأمان فأسلم ومعه مال لسيده: فالمال للعبد ولا يخمس؛ كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمغيرة.
ابن حبيب وقال أصبغ: المال لسيده إلا أن يكون استأمن على الإسلام وعلى ما معه في أول نزوله فهذا يكون له؛ كما لو هرب به مسلماً، بخلاف إسلامه بعد أن استقر نزوله بالعهد، وقول ابن القاسم أحب إلينا.
وقال أشهب في كتاب ابن سحنون: هو حر في حكم الإسلام ولا يعرض له في المال إلا أن عليه أن يفي لسيده لأنه خرج على أن يرجع إليه فليرجع إليه ويرد إليه المال وهو حر على سيده، ألا ترى أن لو بعث أسيراً مسلماً بتجارة فهو حر لا يكلف أن يرجع، ولا يمنع مما في يديه إلا أن عليه الوفاء لمن بعثه بما خرج إليه.
ومن المدونة قال ربيعة في قطبي فر من أرض العدو بمال: فهو حر وعليه الجزية والمال له، وإن جاء مسلماً فالمال له وهو من المسلمين.
قال يحيى بن سعيد: وإن أؤتمن أسير على شيء.
سحنون.
أو على ألا يهرب.

قال: فليؤد أمانته، وإن كان مرسلاً وقدر على أن يأخذ من أموالهم شيئاً لم يؤتمن عليه ويتخلص فليفعل.
ابن المواز: وإن خلوه على أيمان حلف لها بها؛ فأما مثل العهد والوعد فذلك يلزمه، وأما بالطلاق والصدة فلا يلزمه ولا حنث عليه؛ لأنه مكره.
وقال ابن القاسم.
ولو هرب بجارية أو غيرها وقد كان أسر من بلد الإسلام فلا خمس عليه فيه؛ لأنه مما لم يوجب عليه فيه.
قال: وإن كان إنما خرج إلى بلد الحرب غازياً فأسر؛ فعليه فيما هرب به الخمس ما لم يصل إلى بلد الحرب إلا بالإيجاف.
قال ابن القاسم: ولا يحل له وطء الجارية ما دام في بلد الحرب فإذا دخل بلاد الإسلام حل له وطؤها إذ قد صارت له فيئاً.
م: يريد التي لا خمس فيها.
قال: وللأسير أن يسرق من مال العدو ولا يعاملهم بالربا.
قال أشهب: وإن دفعوا إليه ثوباً يخيطه فلا يحل له أن يسرق منه.
م: لأنه أؤتمن عليه فلا يجوز.

قال ابن المواز: وما أقر به بعد تخلصه إلى بلد الإسلام أنه كان فعله من سرقة أو زنا أو خيانة أو ربا فلا شيء عليه في السرقة وأحب إليّ أن يتصدق بقدر ما أربى أو خان إذ لا يقدر على رد ذلك إلى أهله، واختلف في زناه: فقال ابن القاسم: يقام عليه الحد إن شهد أو أقر وأقام على إقراره ولم يرجع وقال أصبغ، وسواء زنا بحربية أو مملوكة.
وقال عبد الملك: لا حد عليه في زناه ولا في سرقته منهم.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أسلم من عبيد الحربين لم يزل ملك سيده عنه إلا أن يخرج العبد إلينا أو ندخل بلادهم نحن فغنمه وهو مسلم وسيده مشرك فهو حر، ولا يرد إلى سيده إن أسلم سيده بعد ذلك.
واختلف: إذا لم يخرج حتى وقع الفتح ودخل المسلمون عليهم: فقال ابن القاسم: هو حر.
وقال ابن حبيب: هو رقيق لذلك الجيش.
وهو أقيس.

وقد أعتق النبي -صلى الله عليه وسلم- عبيداً لأهل الطائف لخروجهم مسلمين، وابتاع أبو بكر بلالاً إذ أسلم قبل مولاه فأعتقه، والدار يومئذ دار حرب وأحكام الجاهلية ظاهرة، فلو انتقل ملك ربه عنه كان ذلك فداء ولم يكن ولاؤه لأبي بكر.
وقيل: إلا بلالاً أعتقه أبو بكر قبل الهجرة وقبل ظهور أحكام النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ وإنما يكون حجة لو كان بعد الهجرة وظهور أحكام النبي -صلى الله عليه وسلم/.
قال: هي الحجة حتى يأتي ما ينقضها.
قال ابن القاسم: وإن خرج العبد إلينا مسلماً وترك سيده مسلماً فهو له رق إن أتى.
وإن أسلم عبد الحربي بدار الحرب فدخل إليهم مسلماً بأمان فاشتراه فهو لمبتاعه لما صنع مولى بلال وشراء أبي بكر له؛ ولأن سيده لو أسلم قبل أن يخرج العبد إلينا بقي له

رقاً، ألا ترى أن مالكاً قال في عبد مسلم يأسره العدو فيبتاعه منهم رجل من المسلمين: أنه رقيق له فكذلك هذا أنه ملك لمن اشتراه.
وقال أشهب وغيره: إسلام العبد في دار الحرب يزيل ملك سيده عنه خرج إلينا أو أقام ببلده.
وإن اشترى كان كالحر المسلم يفدى يتبعه مشتريه بالثمن.
وتسترق العرب إذا سبوا كالعجم.
في المستأمن يموت عندنا ويترك مالاً والحكم في ديته إن قتل قال مالك -رضي الله عنه-: وإن مات عندنا حربي مستأمن وترك مالاً فليرد.
ماله إلى ورثته ببلده، وكذلك إن قتل فديته تدفع إلى ورثته ويعتق قاتله رقبة وكذلك في كتاب محمد.
وقال سحنون: يدفع ماله وديته إلى حكامهم وأهل النظر لهم حتى كأنهم تحت أيديهم وماتوا عندهم ونقلها أبو محمد: أن من مات رد ماله إلى من يرثه ببلده، وإن قتل دفعت ديته إلى حكامهم، ويعتق قاتله رقبة.

قال ابن حبيب: وإن ظهرنا على ورثته قبل أن يأخذوا ذلك فذلك فيء لذلك الجيش الذين ظهروا عليهم.
م: وإنما يرد ماله لورثته إذا مات عندنا إذا استأمن على أن يرجع أو كان شأنهم الرجوع، وأما لو استأمن على لمقام أو كان ذلك شأنهم فإن ما ترك يكون للمسلمين وكذلك في كتاب ابن سحنون، قال فيه: إذا مات المستأمن عندنا ولم يكن ذكر رجوعاً كان أكثر المستأمنين بذلك البلد إنما هو على المقام فميراثه للمسلمين ولم يكن لهذا أن يرجع، وإن كان شأنهم الرجوع فله الرجوع وميراثه إن مات يرد لورثته ببلده إلا أن تطول إقامته عندنا فليس له أن يرجع ولا يرد ميراثه، وإذا لم يعرف حالهم ولا ذكروا رجوعاً فميراثه للمسلمين.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا أودع المستأمن عندنا مالاً ثم رجع إلى بلده فمات؛ فليرد ماله إلى ورثته وكذلك لو قتل في محاربة للمسلمين فإنا نبعث بماله الذي له عندنا إلى من يرثه وأما لو أسر ثم قتل صار ماله فيئاً لمن أسره وقتله؛ لأنهم ملكوا رقبته قبل قتله.
وقال ابن القاسم وأصبغ.
وكذلك قال ابن حبيب: إن قتل بعد أن أسر قال: وأما إن قتل في المعركة فهو فيء ولا خمس فيه؛ لأنه لم يوجف عليه.
وقال ابن الماجشون وابن القاسم وأصبغ.
[قال ابن المواز: ولو قتل المستأمن عندنا مسلماً أو ذمياً لقتل به في العمد، وإن كان خطأ فعلى قاتله الدية متى قدر على ذلك، وهو ما دام في عهده كالذمي في جميع أموره عند ابن القاسم وعبد الملك].

قال ابن المواز: وإذا داين المستأمن الناس عندنا ببيع أو سلف ثم عاد إلى بلده فدخلناها فغنمناه وماله وله عندنا ودائع دين، قال: فماله الذي ببلد الحرب لمن غنمه وماله الذي ببلد الإسلام لغرمائه، ولولا غرمائه لكان ذلك كله لمن غنمه.
وقال ابن القاسم وأصبغ.
وقال غيره في كتاب ابن سحنون: ماله الذي ببلدنا علينا فيه أمانة فليرد إلى أهله إذا لم يكن عليه دين.
قال فيه ابن القاسم: وإن وقع في سهمان رجل أو ابتاعه فأخرج لسيده مالاً بأرض الشرك فذلك فيء للذين غنموه وليس للسيد إلا ما أفاد عنده.
وقال ابن عبدوس: إذا أودع الحربي وديعة فغنم وصار في سهمان رجل فإن تلك الوديعة للعبد لا للجيش الذين سبوه.
قال ابن المواز: ولو سرق المستأمن من مسلم أو ذمي لقطع، ولو قذف مسلماً حراً؛ لحد.
وقال أشهب لا قطع على الحربي المستأمن في سرقته من مسلم أو ذمي، ولا على من سرقه منه، ولا حد عليه إن قذف مسلماً ولكن يعاقب.
وقد قال مالك: إن خصى عبده لا يعتق عليه وكأنه خصاه ببلده.

قال أشهب: بخلاف الذمي؛ لأن الذمي لو أخصى عبده لعتق عليه، وقد أعتق النبي -صلى الله عليه وسلم-/ على سندر غلاماً له حين خصاه وجدع أنفه وسندر يومئذ كافر.
وقال ابن القاسم: لا يعتق على الذمي ولا على الحربي المستأمن عبيدهما إذ مثلاً بهما، وأمرهما واحد ما دام الحربي في أمانه.
ابن المواز: وهذا رأينا وأوثق عندنا.

قال ابن المواز: إن لم يقم على الحربي حتى هرب إلى دار الحرب ثم عاد إلينا بأمان ثان فليؤخذ بما تقدم ولا يزيله أمانه الثاني، ولا يؤخذ بما صنعه في بلده وفي غير عهده من قذف وقتل وغضب ونهب.
وفي كتاب ابن سحنون عن ابن القاسم: نحوه إلا أنه قال في جناية المعاهد الخطأ: لا عاقلة له؛ لأن العواقل على ثلاثة أوجه: 1 - عشيرة الجاني.
2 - وأهل جزية النصراني.
3 - ومسلم لا عشيرة له ولا ولاء، كمن أسلم فعقله على بيت مال المسلمين وميراثه لهم.
والمعاهد ليس من هذه الأوجه فذلك في ماله وإلا ففي ذمته، وللإمام منعه من الرجوع حتى يؤديها أو يبعث إلى بلده في ذلك إلا أن الدية عليه في ثلاث سنين مؤجلة.
قال أشهب: فإن أبوا أن يبعثوا إليه شيئاً فإنما عليه بقدر ما يلزمه معهم لو أطاعوا على اجتهاد الإمام.
وقال سحنون: بل ذلك في ذمته.

في محاصرة حصون العدو وتحريقها وتغريقها ورميها بالمجانيق وفيها ذرية لهم أو أسارى مسلمين وتحريق مراكبهم وتحريقهم مراكبنا قال ابن القاسم: وإذا كان مسلم في حصن للعدو أو مركباً لم أر أن يحرق أو يغرق.
قال مالك والأوزاعي: إذا كان في مراكبهم مسلمون فلا تحرق قال مالك وقد قال الله تعالى في أهل مكة ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ فإنما صرف النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أهل مكة لما فيها من المسلمين.
قال ابن القاسم: ولو لم يكن فيها مسلم وكان فيها ذراري المشركين ونساؤهم لم يعجبني ذلك إلا أن تكون عارية من ذلك كله وإنما فيها الرجال المقاتلة فلا بأس بذلك.
وروى ابن وهب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رمى أهل الطائف بالمجانيق، فقيل له: إن فيها النساء والصبيان؟ فقال: هم من آبائهم، وقال: ذلك أيضاً فيما أصيب منهم في غشم الغارة.

.................................................

قال ابن القاسم في المستخرجة: لا بأس أن ترمى حصونهم بالمجانيق ويقطع عنهم الميرة والماء وإن كان فيهم مسلمون أو ذرية.
وقال أشهب.
قيل لابن القاسم: فهل ترمى حصونهم بالنار ومعهم الصبيان؟ قال: لا أحب ذلك، وأما المركب فبخلافه؛ لأنهم بدأونا برمي النار فلنا أن نرميهم بها.
قيل: فإن كان في مراكبهم مسلمون وبدأونا برمي النار؟ فقال: لا أرى أن يرموا بالنار لما معهم من المسلمين خوفاً أن يقتلوا مسلماً.
وقال أشهب: أرى أن يرموا بالنار، وكيف لا يرموا بالنار وهم رمونا بها.
[قال أبو إسحاق: وأما ما لا يقدر على صرفه لموته بين أرجل الخيل وشبه ذلك فموسع أيضاً كرمي المجانيق وانظر لو رمونا بالنار ما يجوز لنا أن نرميهم بها وفيهم المسلمون لننجي أنفسنا منهم ولو لم نفعل لقتلونا بها، وكيف إن كان إنما معهم الواحد والاثنان والذين رمونا لهم عدد كثير يقول المسلمون: إن كان لابد من موتنا أو موتهم أو موت من معهم من المسلمين بموت الواحد والاثنان خير للمسلمين من موت مائة].
ابن حبيب: لا بأس بتحريق حصونهم وتغريقها بالماء ويقطع عنهم مجراه، ويقطع عنهم الميرة، وإن كان فيهم النساء والذرية ما لم يكن فيها أسارى مسلمون وقاله مالك وأصحابه ونحوه في كتاب ابن سحنون عن سحنون.

م: وتحصيل ذلك: أنه لا خلاف إذا كان مسلم في حصن العدو أنه لا يحرق ولا يغرق.
واختلف إذا كان فيه ذرية مشركون: فقيل: هم كالمسلمين.
وقيل: بل يغرقون، ويقطع عنهم الميرة ولم نختلف في رمي حصونهم بالمجانيق وإن كان فيهم مسلمون أو ذرية مشركون.
واختلف في رمي مراكبهم بالنار وفيهم مسلمون أو ذرية: فقيل: لا يرمون.
وقيل: يرمون.
وقيل: إن كان فيهم مسلمون لم يرموا وإن كان فيهم ذرية رموا وكره مالك أن يقاتل العدو بالنبل المسموم والسلاح المسموم.
وقال: ما كان هذا في ما مضى.
م: لأن ذلك قد يعاد إلينا.
ومن المدونة قال مالك: وإذا أحرق العدو سفينة للمسلمين فلا بأس أن يطرحوا أنفسهم في البحر؛ لأنهم فروا من الموت إلى موت.
ابن وهب: ولم يرد ذلك ربيعة إلا لمن طمع بنجاة أو اختيار للأيسر ونحوه فلا بأس به وإن هلك في ذلك.

وقال أيضاً ربيعة: إن صبر فهو أكرم له، وإن اقتحم فقد عوفي، ولا بأس به، وإن احترقت سفينة فلا يقتل رجل نفسه ويثبت لأمر الله عز وجل.

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً كتاب الجهاد الثاني جامع القول في الفيء والخمس وأرض العنوة والصلح قال ابن حبيب: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي».
قال ابن حبيب: فكان يوم بدر استباح الصحابة الغنيمة قبل أن تنزل فيها إباحة إلا عمر، فعاتبهم الله سبحانه بقوله: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ يقول: في تحليلها {لَمَسَّكُمْ

فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ} الآية، ثم تنازعت فيها طائفة غنموها وطائفة اتبعت العدو وطائفة أحدقت بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فتنازعت الغنيمة كل طائفة منهم دون غيرها فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ فسلموا ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان هذا ببدر ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ والله تعالى غني عن الدنيا وما فيها وإنما يريد الله ورسوله الحكم فيه فكان حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- في الخمس من حكم الله تعالى وأما الأربعة أخماس فالله تعالى حكم بها لمن غنمها ورد الحكم في الخمس إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فقال -صلى الله عليه وسلم-: مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم يعني على الغني والفقير والصغير والكبير والذكر والأنثى كالفيء الذي أنزل الله عز وجل فيه ما أنزل.

وتأول عمر قول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية: أنه أبقى لمن يأتي في ذلك حقاً، فأقر الأرض ولم يقسمها لتكون لنوائب المسلمين ومرافقهم، وطلب عمر في قسمها وامتنع فألح عليه بلال فقال: اللهم اكفي بلالاً وذوي بلال.
قال عبد الوهاب: ولم ينكر أحد من الصحابة عليه ذلك، وتلاه عثمان وعلي على مثل ذلك؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- غنم غنائم وأراضي ولم ينقل أنه قسم منها إلا خيبر، وهذا إجماع من السلف والله أعلم.
قال: وإن أرى الإمام في وقت من الأوقات رأياً لم يمتنع أن يقال: أن له ذلك فيما يفتتحه من بعد.
قال الشيخ: كما قسم النبي -صلى الله عليه وسلم- خيبر.
قال سحنون: وما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «خمس الخمس في خاصة» فغير معروف عند أهل المدينة.
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «والخمس مردود عليكم» لم يستثن منه شيئاً.

قال ابن دينار: ولو كان الخمس على هذا التقدير لكان سهم ذوي القربى تجري فيه المواريث، وقد أجمع الخلفاء على خلاف ذلك وأن ليس لهم سهم راتب.
ومن المدونة قال مالك -رضي الله عنه-: والخمس والفيء سواء يجعلان في بيت المال ويعطي منه الإمام أقرباء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقدر اجتهاده ولا يعطونه من الزكاة لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تحل الصدقة لآل محمد» وهم: بنو هاشم.
والفيء ما لم يوجف عليه، وجزية الجماجم، وخراج الأرضين الصلح والعنوة والهدنة، وعشور أهل الذمة، ويسلك بالخمس مسلك الفيء.
ابن المواز: وقد قال الله سبحانه في قسمة الفيء: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.

وقال في آية الخمس: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾] فالآيتان متفقتان.
واختلف في سهم ذوي القربى: فقيل: هم آل محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ قاله ابن عباس وغيره وهو الأصح.
وقيل: بل هم على قريش كلها.
قال سحنون وأصبغ: وليس في ذلك قسم محدود لكل نفس؛ وقد ساوى أبو بكر بين الناس كافة فيه.
وفضل عمر بقدر السابقة والهجرة والحاجة وكل صواب على الاجتهاد.
ومن المدونة وقد قال عمر: أيها الناس إني عملت عملاً وإن صاحبي عمل عملاً ولئن بقيت إلى قابل لألحقن أسفل الناس بأعلاهم.
قال مالك: وبلغني أن عمر قال: ما من أحد من المسلمين إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه حتى لو كان راعياً أو راعية بعدن فأعجبني ذلك.
قال ابن حبيب: قال أشهب: فما كان من خمس الغنائم، وجزية أهل الذمة، وما يؤخذ من أهل الصلح، ومن تجار أهل الذمة وأهل الحرب، وخمس الركاز؛ سبيله سبيل الفيء، ويبدأ فيه بالفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل ثم يساوي بين الناس فيما بقي غنيهم وفقيرهم وشريفهم ووضيعهم.

ومن الفيء يرزق والي المسلمين وقاضيهم، ويعطي غازيهم، وتسد ثغورهم، وتبنى مساجدهم وقناطرهم، ويفك أسيرهم، وتقضي حوائجهم، ويقضي دين ذي الدين منهم، وتعقل جنايتهم، ويزوج عازبهم، ويعان حاجهم، وشبه ذلك من الأمور.
ولا يحل أن يعطي من العشور والصدقات في شيء من هذه الوجوه، ولكن على الفقراء والمساكين ومن سمي معهم في آية الزكاة، ولا تحل لغني إلا لغاز أوغارم وهو المديان، وابن السبيل يضعف وهو غني ببلده، أو عامل عليها، أو غني أهدى له منها جاره المسكين؛ قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- بجميع ذلك، وفي كتاب الزكاة كثير من هذا.
ومن المدونة قال مالك: وأما جزية أرض العنوة فلا أدري كيف كان يصنع فيها؛ إلا أن عمر قد أقر الأرض ولم يقسمها، وأرى لمن نزل ذلك به أن يكشف عنه من يرضى فإن وجد عالماً يستفتيه وإلا اجتهد في ذلك هو ومن حضره من المسلمين.
قال ابن القاسم: وكل أرض افتتحتها أهل الإسلام فهذا فيء ولا يقسمها الإمام وأهلها على ما صولحوا عليه.
وأما الجماجم في خراجهم فلم يبلغيني عن مالك فيه شيئاً، وأنا أرى الجماجم تبعاً للأرض كانوا عنوة أو صلحاً.
وقيل له في موضع آخر: أرأيت جزية جماجم أهل الذمة وخراج الأرضين ما كان منها عنوة أو صلحاً ما يصنع بهذا الخراج؟ قال: قال مالك: هذه جزية، والجزية عند مالك فيء، وقد أعلمتك ما قال مالك في العنوة.

وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: لا يزاد عليهم في جزية جماجمهم على ما فرض عمر أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهماً علىهل الورق، وأما جزية الأرض فلا علم لي بها، فذكر نحو رواية ابن القاسم.
قال سحنون: هذه أصح من رواية ابن القاسم؛ أنه إنما شك في جزية الأرض ولم يشك في جزية الجماجم.
قال الشيخ: وبلغني أن أبا محمد قال: قول مالك لا علم لي بها ولا أدري كيف كان يصنع فيها: يعني أنه لم يدر هل على الأرض جزية دون جزية جماجمهم أو لا جزية عليها وتكون عوناً لهم وتكون الجزية على جماجمهم فقط دون الأرض.
ثم رجع أبو محمد فقال: قوله لا علم لي بها: يعني بمبلغ ما على الأرض؛ لأن جزية الجماجم معلومة والذي كان على الأرض مجهول والله أعلم.
وذكر ابن حبيب: أن عمر جعل ما افتتح عنوة من الأرض خراجاً، وجعل على كل علج من الذين أقروا لعمارته أربعة دنانير كل سنة غير خراج الأرض، وهذا نحو ما رجع إليه أبو محمد.
وقيل لابن المواز: أرأيت ما افتتح عنوة هل يخرج من تلك الدور أهلها الذين كانوا يملكونها أم يقرون لعمارتها؟ فقال: يقرون فيها على حالهم وتكون لهم الذمة ويكونون أحراراً ويكتفي منهم فيها بما يؤخذ من خراج جماجمهم.
قال عيسى: وتترك الأرض بأيديهم عوناً لهم كما فعل عمر.

قال الشيخ: وهذا نحو ما تأول أبو محمد أولاً.
قال عيسى: ومن أسلم منهم كان حراً وماله للمسلمين.
قال ابن الموز: ما كان لهم قبل الفتح.
قال عيسى: ونساؤهم كالحرائر؛ لا ينظر إلى شعورهن، ودية المرأة منهم كدية حرة ذمية، وإذا لم يقدر على الأرض لبعدها؛ فإن أهلها يباعون.
ومن المدونة: وكل ما يقسم مما يؤخذ من أوجه الفيء كلها فإنه ينظر إلى البلدان فإنه تكافت في الحاجة بدأ بالذين فيهم المال حتى يغنوا وما فضل أعطاه غيرهم أو يوقفه الإمام إن رأى ذلك لنوائب المسلمين.
ابن القاسم: وبذلك كتب عمر أن لا يخرج في قوم عنهم إلى غيرهم.
قال: وإن كان في غير ذلك البلد من هو أشد منهم حاجة أعطى البلد الذي به المال من ذلك ما يكفيهم ونقل أكثر ذلك إلى البلد المحتاج كما فعل في أعوام الرمادة الست.
قال مالك: ولا بأس أن يعطي الوالي للرجل يراه أهلاً للجائزة فيجيزه لقضاء دين عليه ونحوه، ولا بأس على ذلك الرجل بقبولها، ويعطي للمتقوسين يبدأ منهم بمن أبوه فقيراً، [وكان عمر يعرض للمقوس مائة درهم.
قال أبو إسحاق: يريد في السنة] وقد جرى هذا موعباً في كتاب الزكاة.

جامع القول في الأنفال وذكر السلب قال مالك -رضي الله عنه وأصحابه: النفل من الخمس.
قال بعضهم: لأن الله تعالى قال: ﴿{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية.
وجعل الأربعة أخماس لمن غنمها فلا يجوز أن يؤخذ لهم منها شيئاً بالاحتمال.
وقولنا: أن ما نفل النبي -صلى الله عليه وسلم- من السلب إنما هو من الخمس أولى من قول من قال: أنه من جميع الغنيمة؛ لأن الله سبحانه فرض للنبي -عليه السلام- أمر الخمس يجتهد فيه، وأما الأربعة أخماس فمملوكة لهؤلاء.
ودليل آخر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطاه لأبي قتادة بشهادة واحد بلا يمين؛ فلو كان من رأس الغنيمة لم يخرج من حق من غنم إلا بما تنتقل به الأملاك من البينات أو بشاهد ويمين.
قال ابن حبيب: وحديث ابن عمر في السرية التي كان فيها بعثها النبي -صلى الله عليه وسلم- فغنمت إبلاً فكان سهمانهم أحد عشر بعيراً أو اثني عشر بعيراً ونفلوا بعيراً بعيراً؛ فدل هذا أن النفل من غير حقوقهم وليس ذلك إلا من الخمس.

قال أبو محمد عبد الوهاب: وسئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الغنيمة؟ فقال: لله خمس، وأربعة أخماسها للجيش.
فقيل: فهل أحد أحق بها من أحد؟ فقال: لا، ولا السهم تستخرجه من جنب أخيك المسلم.
قال: والنفل كله من الخمس سلباً كان أو غيره.
والنفل هو: زيادة على السهم، أو هبة لمن ليس من أهل السهم يفضله الإمام لرأي يراه مما يؤديه اجتهاده إليه.
فصل من المدونة: قيل لابن القاسم: فمن قتل قتيلاً هل يكون له سلبه؟ قال: قال مالك: لم يبلغني أن ذلك كان إلا في يوم حنين وإنما هذا إلى الإمام يجتهد فيه.
قال الشيخ: مثل أن يرى ضعفاً من الجيش فيرغبهم بذلك في القتال [وقد فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين من الخمس].
قال ابن القاسم: وإنما نفل النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين بعد أن برد القتال.

قال: ومن قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه.
ولم يبلغني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك، ولا عمل به بعد حنين.
وذكر ابن وهب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما نفل من نفل يوم حنين من الخمس.
قال ابن المسيب: إنما كان الناس يعطون النفل من الخمس.
مالك: وذلك أحسن ما سمعت.
قال ابن القاسم: ولا يجوز عند مالك النفل قبل الغنيمة.
قال مالك: ويجوز النفل في أول المغنم وآخره على وجه الاجتهاد من الإمام ولا يكون إلا من الخمس.

قال سحنون: وقال مكحول: لا سلب يوم هزيمة أو فتح، ولسنا نقول هذا، وللإمام أن ينفل الأسلاب يوم الهزيمة ويوم الفتح بالاجتهاد.
قال سحنون: وإذا قال الأمير في أول القتال: من قتل قتيلاً فله سلبه فنحن ننهي عن هذا فإن نزل مضى، فإذا قال هذا ثم لقي هو علجا فقتله فإن له سلبه، وكذلك إن قتله في مبارزة ولو قال من قتل قتيلاً منكم فله سلبه.
أو قال لما برز رجل من العدو: من قتله منكم فله سلبه، لم يكن له هو سلب من قتل، كان المبارز هو أو غيره؛ لأنه أخرج نفسه بقوله: منكم.
وإن قال الأمير: إن قتلت قتيلاً في سلبه؛ فلا شيء له لما خص نفسه.
وكذا لو قال بعد ذلك: من قتل منكم قتيلاً فله سلبه فلا شيء له فيمن قتل.
وكذلك لو قال بعد أن خص نفسه: من قتل قتيلاً مجملاً فإنما له في المستقبل.

ولو قال: من قتل منكم قتيلاً فله سلبه؛ فمن قتل منهم اثنين أو ثلاثة فله سلبهم.
ولو قال لرجل: إن قتلت قتيلاً فلك سلبه، فقتل اثنين أحدهما بعد الآخر؛ فغيرنا يجيزه ويعطيه سلب الأول خاصة ونحن نكرهه، فإن نزل على وجه الاجتهاد مضى وكان له سلب الأول خاصة، فإن جهل سلب الأول؛ فقيل: له سلب نصفهما.
وقيل: أقلهما.
قال ابن المواز: وإن قتل قتيلين معاً: فقيل: له نصف سلبهما.
وقيل: له أكثرهما.
وإذا قال الأمير: من قتل قتيلاً فله سلبه فليس له سلب من قتل ممن لا يجوز له قتله من امرأة أو صبي أو زمن أو راهب إلا أن يقاتل هؤلاء فله سلبهم؛ لإجازة قتلهم وله سلب كل من يجوز قتله.
قال: وإذا قال الإمام بعد أن برد القتال أو قبل: من قتل قتيلاً فله سلبه، فلا شيء من السلب للذمي وإن ولي القتل إلا أن يقضي به الإمام وينفذه له فلا يتعقب.
يريد: لأن أهل الشام يرون ذلك للذمي، وكذلك لو قتلته امرأة فلا شيء لها إلا أن يحكم لها بذلك فيمضي.
وأشهب يرى أن يرضخ لأهل الذمة؛ ففي قياس قوله: له السلب من الخمس؛ لأنه نفل.
ونحن نقول: لا حظ له في الغنيمة، فكذلك النفل.
وكذلك لو قال: من قتل كافراً من المسلمين فله سلبه فقتله ذمي فلا شيء له بإجماع للشرط.

وإن قال: من قتل قتيلاً فله سلبه فسمع ذلك بعض الناس دون بعض فالسلب لمن قتل وإن لم يسمع.
ومن المدونة: وسئل ابن عباس عن الأنفال؟ فقال: السلب والفرس من النفل.
وقال سليمان بن موسى: لا نفل في عين ولا فضة.
قال سحنون: وقال أصحابنا، وأهل الشام قالوا: وإنما النفل في العروض: السلب والفرس والسلاح ونحوه.
وقال أهل العراق: وإذا نادى الإمام بنفل السلب للقاتل فإنه يكون له ما على المقتول من سوارين ومن طوق ذهب ودنانير ودراهم وحلية سيف ومنطقة.
وذكر عن مكحول في المبارزة: أنه جعل من السلب الطوق والسوارين بما فيها من جوهر.

قال سحنون: أما حلية السيف فتبع للسيف ولا شيء له في السوارين والطوق والعين كله، وكذلك إن كان عليه تاج وقرطان فلا شيء له في ذلك، يكون له فرسه وسرجه ولجامه وخاتمه ودرعه وبيضته وسيفه ومنطقته بما في ذلك من حليه وساعديه وساقيه ورايته.
قال مكحول: بما في ذلك من حلية وجوهر.
قال سحنون: ولا يكون الصليب في عنقه من النفل.
قال الوليد: وقال الأوزاعي: يدخل الصليب في السلب.

وهو أحب إلي.
قال سحنون والأوزاعي: وإنما يكون له سلب من قتل أو أنفذ مقاتله، لا ما أتى به إلى الإمام أسيراً فقتله الإمام؛ لأنه لم يقتله هو وإنما قال الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه.
قال سحنون: من أصاب ذهباً أو فضة فله منه الربع بعد الخمس أمضيناه على ما قال كقضاء نفذ بقول قائل، ولمن أصاب ذلك نفله كان مسكوكاً أو غير مسكوك.
ومن المدونة: وكره مالك للإمام أن يقول للناس: قاتلوا ولكم كذا، أو من قاتل مو ضع كذا أو تقدم إلى الحصن أو قتل قتيلاً له كذا أو نصف ما غنم.
وكره مالك أن يسفك أحد دمه على مثل هذا.
وما نفل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا بعد أن برد القتال فقال: من قتل قتيلاً تقوم له عليه ببينة فله سلبه وفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة.
ولم يبلغنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك ولا عمل به بعد حنين ولو سن ذلك أو أمر به بعد حنين لكان ذلك أمراً فاشياً ليس لأحد فيه قول، وقد كان أبو بكر وعمر بعده فلم يبلغنا أنهما فعلا ذلك.

قال سحنون: وإنما ينبغي أن يخرج المجاهد على إعزاز دين الله وإعلاء كلمته ثم إن عرض له رزق قبله، فأما أن يكون أصل جههاده على دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهذا فهذا يدخل في الحديث في قوله: «من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه».
قال سحنون: فكل شيء يبذله الإمام قبل القتال لا ينبغي عندنا، إلا أنه إن نزل وقاله الإمام أمضيناه، وإن أعطاهم ذلك من أصل الغنيمة للاختلاف فيه، وكذلك الطائفة يبعثها أميرها على أن لهم الثلث بعد الخمس أو قال: قبل الخمس؛ فإنه يمضي، ويعطون ما قال، ويدخلون في السهام فيما بقي بعد الخمس.
قال: وإذا قال الأمير للسرية: ما غنمتم فلكم بلا خمس؛ فهذا لم يمض عليه السلف، وإن كان فيه اختلاف، فإني أبطله؛ لأنه كقول شاذ حكم به فلا يمضي.
قال ابن سحنون: إلا أن يكون مضى في هذا اختلاف من صدر الأمة مثل ما مضى في نفل حنين بعد الخمس فليمض، ويكون سبيله سبيل النفل: يساوي فيه بين الفارس والراجل.

وإن كان في السبي من يعتق على أحد من أهل السرية بالقرابة أو أعتق أحد منهم علجا: فإن يعتق عليه على قول سحنون.
ولا يعتق عليه على قول ابن القاسم وأشهب.
وفرق أهل العراق في ذلكبين الطليعة مثل الاثنين والثلاثة وبين السرية في عتق القرابة ولا فرق في ذلك.
قال الشيخ: قال بعض شيوخنا: وما قال أهل العراق لا يخالفه ابن القاسم؛ لأن علته جهل نصيبه مع الكثرة، والقلة لا يجهل نصيبه منها.
قال سحنون: وإذا بعث الإمام سريتين على أجزاء مختلفة على قدر صعوبة المواضع وسمى لكل سرية قوماً بأعيانهم فلا شيء لمن انتقل إلى غير سريته إلا أن يقول: يخرج في كل سرية من شاء فللذي دخل في غير سريته النفل مثل أصحابه.
قال: ولو ضل من السرية رجل فغنم ابقية ورجعوا ثم قدم الضال فلا نفل له بخلاف الغنيمة، ولو رجع الضال غانماً أيضاً فلهم نفلهم فيما غنموا وللضال نفله فيما غنم، وما بقي يجمع إلى ما غنم العسكر فيقسم بين الجميع، ولو رجعت جميع السرية غانمة فلم يأخذوا النفل حتى مات الوالي أو عزل وولي من يرى قولنا؛ فإن ذلك لا ينفذ؛ لأنه لم يقبض.

قال ابن سحنون: وأنا أراها قضية نافذة قبضت أو لم تقبض.
قال أصبغ إن ابن القاسم: وقول الإمام للسرية: لك ثلث ما يغنم أو جزء معلوم؛ أن ذلك مما يفسد النيات، ويصير عملهم للدنيا، ولا يجوز الخروج معهم على هذا، ومن خرج على هذا فلا يأخذ منه شيئاً، ولا بأس بالخروج معهم لمن لا يريد أن يأخذ من ذلك شيئاً.
قال أصبغ: وما أراه حراماً لمن أخذه.
قال ابن حبيب: وإذا فعل ذلك الأمير جهالة فليعرف قيمة ما يسمى لهم فيعطيهم ذلك من الخمس لمن رأس الغنيمة وهذا بخلاف قول سحنون.
قال ابن حبيب: وهذا مما يكرهه العلماء وقد استحقه بعضهم إذا احتاج إليه الإمام مثل أن يهزمه كثرة العدو ونحوه وقد فعله أبو عبيدة بن الجراح يوم اليرموك لما هزمه كثرة العدو حتى قاتل يومئذ نساء من قريش.
ومن المدونة قال مالك: ولا أرى للأسير المسلم أن يقاتل مع الروم عدواً لهم على أنهم يخلوه إلى بلد الإسلام ولا يحل له أن يسفك دمه على مثل هذا.

في سهمان الخيل والرجال ومن يسهم له ومن لا يسهم له روى ابن وهب أن الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «أسهم للفرس سهمين وسهماً لفارسه والراجل سهماً» وفعله عمر بن الخطاب، ومضت به السنة.
قال ابن سحنون: وما علمت من علماء الأمة من قال: أن للفرس سهماً ولفارسه سهماً غير أبي حنيفة وقد خالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد.
وما أرى أن يجوز أن يدخل هذا في الاختلاف.
ومن المدونة قال مالك: ويسهم للفرس سهمان وسهم لفارسه وللراجل سهم.
قال: والراذين إن أجازها الوالي كانت كالخيل.
قال: ومن له أفراس فلا يزاد على سهم فرس واحد كالزبير يوم حنين.
قال ابن حبيب: اختلفت الرواية في السهم لفرسين: فروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يسهم للزبير إلا لفرس واحد، وكان معه ثلاثة أفراس.

وروي: أنه أسهم له لفرسين؛ وأخذ به عمر بن عبد العزيز وغيره.
قال ابن سحنون: وكذلك في رواية ابن وهب وبه قال.
قال الشيخ: وقول مالك أولى؛ لأنه لا يمكن أن يقاتل العدو إلا على فرس واحد وما زاد على ذلك فزيادة عدة كزيادة رماح أو سيوف واعتباراً بالثالث والرابع.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يسهم لبغل أو حمار أو بعير وصاحبه راجل، وقد غزا النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإبل فلم أسمع أنه أسهم إلا للخيل.
قال غيره: وكذلك الأئمة من بعده؛ وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «للفرس سهمان» فخصه بالإسهام.
ولأنه لا يتأتى القتال على غير الخيل وإنما تصلح للحمولة.

جارٍ التحميل