أو حل بعيراً من القطار في مسيره وبان به قطع.
ابن المواز قال مالك: وإذا سيقت الإبل غير مقطورة فمن سرق منها قطع, والمقطورة أبين وكذلك الزوامل.
قال: وكذلك إذا سيقت الإبل والدواب إلى المرعى سوقاً غير مقطورة, فمن سرق منها قطع ما لم تنته إلى الرعي, والمقطورة أبين.
وكذلك إذا نُحَّيَت من المرعى وهي راجعة تساق غير مقطورة, وقد خرجت من حد الرعي [106/أ] ولم تصل إلى مراحها فتسرق في تلك الحال فإنه يقطع سارقها.
قلت: وكيف وقد جاء «حتى يأويها المُرَاح», وقال كذلك في التمر: «حتى يأويه الجرِين», فلو حمله أحد إلى الجرين, أو إلى بيته,
أو حمله على دابته فسرق من عليها ألاّ يقطع, وإنما يؤخذ في الحديث بما أريد به.
وقد تقدم نحو هذا.
[39 - فصل: من سرق أو اختلس من محمل أو من على ظهر البعير, وفي المسافرين يسرق بعضهم بعضا]
قال في المدونة: ومن سرق من المحمِل شيئاً مستتراً, أو أخذ من على البعير غرائر وشقها وأخذ ما فيها, أو أخذ ثوباً من على ظهر البعير مستتراً, قطع في ذلك كله, إن بلغه ثمنه ما فيه القطع, وإن أخذ الثوب غير مستتر فهو خلسة, ولا قطع عليه.
والرُّفقة في السفر ينزل كل واحد على حدته, فإن سرق أحدهم من الآخر شيئاً قطع, كأهل الدار ذات المقاصير يسرق أحدهم من بعضها شيئاً؛ فإنه يقطع.
ومن ألقى ثوبه في الصحراء وذهب لحاجته وهو يريد الرجعة إليه ليأخذه فسرقه رجل, فإن كان منزلاً نزله قطع سارقه, وإلاّ لم يقطع.
ابن المواز قال أشهب: إن طرحه رجل بموضع ضيعة فلا قطع فيه, وإن طرحه خلفه فلا قطع عليه, وإن طرحه بقرب منه, أو من خبائه, أو من خباء أصحابه؛ فإن كان سارقه من غير أهل الخباء قطع, وقاله يحيى بن سعيد.
قال ابن المواز: وأما أهل السفينة يسرق بعضهم من بعض فلا قطع عليه, كالحرز الواحد, إلا أن يسرق منهم أحد من غير أهل السفينة مستتراً فليقطع إذا خرج ذلك من المركب.
وكذلك في المدونة, وبعد إيعاب القول فيها إن شاء الله.
الباب [الحادي عشر]
فيمن سرق ما لا يسوى دراهم وفيه ذهب أو فضة ولم يعلم بذلك
قال مالك: ومن سرق ثوباً أو خرقة لا تساوي ثلاثة دراهم وفي ذلك دنانير أو دراهم مصرورة ولم يعلم أن ذلك فيه, فأما الثوب وشبهه مما يعلم الناس أنه يُرفع ذلك في مثله؛ فإنه يقطع, وإن لم يدر ما فيه.
ولو سرق شيئاً لا يرفع ذلك فيه كالحجر والخشبة والعصا, لم يقطع إلا في قيمة ذلك دون ما فيه من ذهب أو فضة.
م: قال بعض فقهائنا: ومن سرق خرقة مما يعلم أن أحداً لا يصرّ ذلك فيها لدنائتها لم يقطع لما فيها إذا لم يعلم به.
قال ابن حبيب [106/ب] عن أصبغ: ومن سرق ليلاً عصاً مفضضة وفضتها ظاهرة فيها أكثر من ثلاثة دراهم, وقال: لم أر الفضة بالليل, فإن علم أنه لم يبصر الفضة لم يقطع, ويصير كما لو كانت الفضة في داخلها.
الباب [الثاني عشر]
بقية القول في الشهادة في السرقة, والاختلاف فيها
وقد تقدم القول أن شهادة الأخوين لأخيهما أن هذا سرق متاعه جائزة إذا كانا عدلين.
قال ابن المواز عن مالك: ولو كانا غير مبرزين ولو شهدا لغير أخيهما لقبلا فمثل هؤلاء عندي لا يقضي بهما للأخ بالمال, ولا يقطع بهما السارق حتى يكونا ثابتي العدالة فيقضي بهما في المال والقطع, إلا أن يشهدا في اليسير كربع دينار وشبهه فتجوز في المال والقطع وإن لم يكونا مبرزين, أو يكون السارق عديماً فتجوز أيضاً؛ لأنهما إنما شهدا على قطع بغير غرم.
م: يريد: فتجوز في الكثير في هذا.
40 - فصل [في الاختلاف في الشهادة]
قال فيه وفي المدونة: وإذا شهد شاهد على رجل أنه سرق نعجة, وشهد آخر أنه سرق كبشاً واجتمعا في الوقت والموضع والفعل, فهي مختلفة فلا تجوز ولا يقطع بها.
ولو اجتمعا على الكبش وصفته, وقال هذا سرقه يوم الخميس, وقال الآخر سوقه يوم الجمعة لم يجز أيضاً.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم, وكله قول مالك: كما لو شهد واحد أنه شرب أمس خمراً, وشهد آخر أنه شربه اليوم, لم يجز؛ لأنه من باب الفعل لا من باب الإقرار, وشهادتهما في القذف من معنى الإقرار يقضى بها وإن اختلف اليوم.
قال: وكذلك إن شهد واحد أنه سرق بالمدينة وشهد آخر أنه سرق بمصر لم يجز, وقاله أصبغ.
الباب [الثالث عشر]
في السارق يحدث في السرقة في الحرز حدثاً
[41 - فصل: فيمن أكل طعاماً داخل الحرز أو ابتلع ديناراً أو ادّهن]
قال مالك: وإذا دخل السارق الحرز, فأكل الطعام, ثم خرج؛ لم يقطع, وعوقب, وضمنه في ملائه وعدمه, قلّت قيمة ذلك أو كثرت.
قال في العتبية: ولو ابتلع ديناراً في الحرز وخرج؛ لقُطع؛ لأنه خرج به وهو شيء يخرجه منه ويأخذه.
قال في المدونة, وكتاب محمد: وإن دهن السارق رأسه ولحيته في الحرز بدهن أو غالية [107/أ] ثم خرج, فإن كان ما في رأسه ولحيته من الدهن إن سلت -ابن المواز قال أشهب: أو غُسِل- يبلغ ربع دينار
قطع, وإلا لم يقطع.
ابن المواز: أمّا ما يساوى بعد السلت ما فيه القطع فإنه يضمنه في يسره لا في عسره, إذ فيه قطع, وباقي ذلك يضمنه في عدمه وملائه, ويحاص به غرماؤه.
[42 - فصل: فيمن ذبح شاة داخل الحرز, أو قطَع ثوبا خرقا, أو سرق زعفرانا وصبغ به]
قال في المدونة: وإن ذبح الشاة في الحرز ثم خرج بها مذبوحة, فإن سويت مذبوحة ما فيه القطع قطع.
قال في كتاب محمد: فإن كان له مال يوم سرقت ضمن قيمتها حية, وإن لم يكن له مال أتبع بما بين قيمتها حيه وقيمتها مذبوحة, في ذمته ولم يتبع بقيمة الشاة مذبوحة؛
لأن كل ما أفسد في الحرز من كسر جرة زيت, أو خرق ثوب فهو لقيمته ضامن إذا قُطع, كان له مال أو لم يكن؛ لأنه ليس فيه قطع, وإنما قطع في قيمة الذي خرج به, إن خرج بشيء منه.
قال: وإن لم يكن في قيمة ذلك على ما هو به من الإفساد ثلاثة دراهم لم يقطع, وأتبع بجميع القيمة في ملائه وعدمه.
وكذلك لو قطّع ثوباً من الوَشْي في الحرز خِرَقاً, فإن خرج بها وقيمتها ثلاثة دراهم ضمن قيمته صحيحاً في ملائه إلا أن يشاء ربها أخذ الخرق, فإن أخذها فلا شيء على السارق, وإن لم يأخذها فله تضمينه ما بين قيمته صحيحاً وقيمته مقطوعاً إن كان عديماً, وأما ذو المال فهو يغرم قيمة جميعه.
وإن دخل الحرز بثوب له فصبغه بزعفران من الحرز وخرج به, فإن زادت قيمته يوم خرج به ثلاثة دراهم قطع, وليس كالدهن الذي يتلف في الرأس؛ لأن ذلك لا يزيد في قيمة من ادهن به كان حراً أو عبداً, ويلزم السارق قيمة الزعفران كله في ملائه, وإن كان عديماً وقد قطع, فأما ما زادت قيمة الثوب بالصبغ فإن زادت عشرة دراهم فلا يسقط عنه؛ لأنه عين قائمة له في الثوب, -يريد: ولم يهلك الثوب-, وأما باقي قيمة زعفرانه فليأخذه من باقي ثمن الثوب إن لم يكن على السارق دين, فإن كان على السارق دين تحاصوا في ذلك الباقي مثل: أن يكون ثمن الزعفران ديناراً فصبغ به الثوب في الحرز, وقيمته أبيض نصف دينار, فصار به يسوى ديناراً, فإنما [107/ب] قطعت يده في نصف والنصف الآخر لزمه في داخل الحرز, فإن كان عديماً والذي على السارق من الدين دينار فرب الثوب أولى بالثوب حتى يأخذ نصف الذي زاد في الثوب؛ لأنه عين شيئه, ثم يحاص الغرماء
بنصف الدينار الذي لزمه السارق في الحرز, كما لو صبغ صباغ ثوباً وقبضه ربه, وقام الصباغ بحقه وفلس رب الثوب فالصباغ أحق بما زاد الصبغ في الثوب, ويحاص ببقية حقه.
ولو أخرج السارق الزعفران من الحرز وقيمته دينار فصبغ به ثوبه فزادت قيمته نصف دينار وعليه دينار دينا فرب الزعفران أولى بالثوب حتى يقبض ما زاد فيه زعفرانه وهو نصف دينار, ويكون الغرماء أحق بما بقي من ثمن الثوب الذي صبغه؛ لأنه قطع فيه وهو عديم فلم يلزم ذمته وإن لم يزد في قيمة الثوب الذي صبغه السارق وقطع فيه وهو عديم فإنه لا يتبع السارق بشيء منه, وغرماؤه أحق بالثوب, وذلك بخلاف أن لو سرق ثوباً وصبغه بزعفران نفسه فلم يزده فهذا لا شيء لغرمائه فيه مع صاحب الثوب, وفيه اختلاف.
قال: وإذا سرق زعفراناً فصبغ به ثوبه ثم باعه فقام رب الزعفران والسارق عديم فرب الزعفران أحق بالثوب حتى يستوفي منه ما زاد فيه صبغة على قيمته أبيض.
وكذلك لو باعه المبتاع من ثان والثاني من ثالث فله ذلك فيه؛ لأنه عين شيئه, والبائع متعدٍ وليس كما لو باع ثوبه الذي صبغه له الصباغ, هذا
ليس للصباغ فيه طلب بحق إذا بيع؛ لأنه غير متعد في بيعه.
م: كما لو اشترى سلعة فباعها.
قلت: فإذا أفسد السارق المتاع في الحرز ثم خرج به وقيمته ثلاثة دراهم فقطع فيه, فهل ربه أحق بما وجد من متاعه وإن قطع فيه, ويتبعه بما نقصه الفساد مما لم يقطع فيه أم لا؟
قال: أما في الفساد الكثير فليس له ذلك؛ لأني لا أسلمه إليه إلا بعد وجوب القطع فيما خرج به, فإن شاء أخذ ذلك بما لزم السارق داخل الحرز من الفساد فذلك له ما لم يكن على السارق دين فيحاص غرماؤه فيه بقدر ذلك, وإن لم يكن فساداً كثيراً فله أخذه.
[108/أ] قال ابن القاسم: ويتبعه مع ذلك بما نقصه فعله به في الحرز.
ابن المواز: وهو أحب إليّ؛ لأنها جناية لزمته قبل السرقة إذا لم
يكن ذلك يبلغ به التلف.
قال: ولو أخرجه ثم أفسده فساداً فليس له أخذه وما نقصه عند أشهب, وإنما له أن يضمَّنه قيمته يوم سرقة أو يأخذه مفسوداً ولا شيء له؛ لأنه أحدث ذلك فيه بعد أن ضمنه.
قلت: فلم قطعته فيما خرج به وقد ضمَّنته إياه قبل أن يخرج به حين ذبح الشاة ثم أخرج اللحم وهو يسوى ثلاثة دراهم؟
قال: لأن ذلك اللحم ليس بحلال له ولو تاب مكانه لم يجز له أكله حتى يقضي عليه بالقيمة, ألا ترى أن لو سرق أمه أعجمية من حرزها وأصابها عنده عيب مفسد تلزمه به قيمتها يوم سرقها, فوطئها لقطع وحُدَّ للزنا إن كان بكراً, وإن كان محصناً رجم ولو لم يقطع.
م: يريد: فكل من فعل فعلاً في مال غيره تلزمه به قيمة ذلك الشيء يوم الفعل فإن الحدود جارية عليه فيه حتى يقضي عليه بالقيمة فيه فيصير حينئذ مالاً من ماله يطأ ويأكل.
الباب [الرابع عشر]
في ضمان السارق وصفة قطعه
[43 - فصل: في ضمان السارق ولو سرق ما لا قطع فيه]
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:38].
فلا يجوز أن يجازى بأكثر من الجزاء الذي جعله الله تعالى جزاءه.
فلذلك قال مالك: لا يضمنها إلا في وجده؛ كنفقة الزوجة, والقيمة على من أعتق شِقْصاً له في عبد, ومن جعلها في ذمته عاقبة عقوبتين, فأما المليء فإنما يغرمه من المال الذي أصابه بالسرقة وأنماه بها.
ابن المواز قال مالك وأصحابه: ولو سرق ما لا يجب فيه القطع إما لقلّته أو لأنه من غير حرز, أو لغير ذلك, فإنه يتبع بذلك في عدمه, ويحاص به
غرماءه, وإذا كان يجب فيه القطع لم يتبع في عدمه ولا يتبع إلا في يسر متصل من يوم سرق إلى يوم يقطع, وإلا لم يتبع, وإن كان الآن مليئاً بعد عدم تقدم.
قال مالك: وهذا الأمر المجتمع عليه عندنا.
قال مالك: ولو كان يلزمه الغرم إذا أيسر بعد عدم لكان ذلك في رقبة العبد إذا أعتق.
قال ابن المواز: وإن قطعت يده وقد استهلك السرقة وبيده مال قال: أدْته بعد السرقة, وقال الطالب: بل قبل.
فالقول قول السارق, إلا أن يقام عليه بالقرب مما سرق مما لا يكون فيه كسب ولا ميراث فلا يصدق.
ولو قطع وهو مليء [108/ب] يوم سرق إلى يوم قطع ثم أعدم بعد القطع قبل أن يغرم فقال أشهب: لا شيء عليه إلا من الشيء الذي سرق منه.
وقال ابن القاسم: يتبع بها دينا, وإنما ينظر من يوم أقيم الحد.
قال: وإذا سرق فاستهلك السرقة وعليه دين, فإن لم يكن بيده إلا قدر الديون فأهل الديون أحق من صاحب السرقة, إلا أن يفضل شيء عن دينهم فلا يتبع بشيء غيره.
44 - فصل [في صفة قطع السارق]
قال مالك في غير المدونة: وتقطع يد السارق ثم يحسم موضع القطع بالنار, وكذلك في الرِّجل.
وحد القطع في اليد من مفصل الكوع, وفي الرجل من مفصل الكعبين, وكذلك في المحارب.
قال في المدونة: ومن سرق مرة قطعت يمينه, ثم إن سرق قطعت رجله اليسرى, ثم إن سرق فيده اليسرى, ثم إن سرق فرجله اليمنى.
قال ابن المواز: وقد قطع الصديق والفاروق اليدين والرجلين من خلاف في السرقة.
قال أبو محمد: وقد أمر الله عز وجل في المحاربين بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف لسعيهم في الأرض فسداً, والسرقة من الفساد في الأرض.
قال مالك: ثم إن سرق بعد أن قطعت يداه ورجلاه ضرب وسجن.
قال أبو محمد: وذكر ابن حبيب حديثاً في السارق إذا قُطع أربع مرات ثم سرق أن يقتل, وليس بالثابت.
ومالك وأصحابه على أنه يعاقب, إلا أبا المصعب فإنه قال: يقتل.
ولو سرق أولاً ولا يمين له قطعت رجله اليسرى قال مالك, وأخذ به ابن القاسم.
ثم قال مالك بعد ذلك: تقطع يده اليسرى.
قال مالك: وإن سرق ويده اليمنى شلاء قطعت رجله اليسرى.
قال ابن القاسم: ثم عرضتها عليه فمحاها وأبى أن يجيبني فيها بشيء, ثم بلغني عنه أنه قال: تقطع يده اليسرى, وأراه تأول قول الله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:38], والقول الأول أحب إليَّ.
وإن سرق ولا يدين له ولا رجلين, أو كان أشل اليدين والرجلين, واستهلك السرقة وهو عديم لم يقطع منه شيء, ولكن يضرب ويسجن, ويضمن قيمة السرقة.
قال أبو محمد: وقال أشهب: لا يتبع في عدمه بشيء.
قال ابن القاسم: وكلّ ما درأت به الحد في السرقة ضمَّنت السارق قيمة السرقة وإن كان عديما.
قال: وإن سرق وقد ذهب من يمنى يده أصبع [109/أ] قطعت يده, كما لو قطع يمين رجل وإبهام يده مقطوعة أن يده تقطع, وإن لم يبق من يمنى يده إلا أصبع أو أصبعان قطعت رجله اليسرى, وإن كانت يداه ورجلاه كذلك لم يقطع وضرب وسجن, وضمن قيمة السرقة.
م: المقطوع الأصبع الواحدة كالصحيح, تقطع يده في السرقة, ويقتص له إن قطعها رجل, ويقتص منه إن قطع هو يد رجل.
ولا نص في المدونة إن كان ذهب من يد السارق أو القاطع أصبعان.
وقال في الصحيح يقطع يد رجل وقد ذهب منها أصبعان: ليس له إلاّ العقل.
وإن كان إنما ذهب من أيديهم ثلاثة أصابع فتقطع رجل السارق اليسرى, وخيّره في القاطع بين أن يقتص منه من اليد الناقصة وإلا لزمه العقل.
وأما الصحيح يقطع يد ناقصة فليس عليه إلاّ العقل.
الباب [الخامس عشر]
في رجوع البينة قبل الحكم أو بعده, والكشف عنهم, وجرحتهم وجامع مسائل الشهادات.
[45 - فصل: في رجوع البينة قبل الحكم أو بعده]
قال مالك: وإذا شهد رجلان على رجل بالسرقة ثم قالا قبل القطع: أوهمنا بل هو هذا الآخر؛ لم يقطع واحد منهما.
وما بلغ من خطأ الإمام ثلث الدية فأكثر فعلى عاقلته, مثل خطأ الطبيب والمعلم والخاتن.
قال ابن القاسم: وأبي مالك: أن يجيبنا في خطأ الإمام بشيء.
وإذا رجع الشاهدان قبل الحكم ولهما عذر بيّن يعرف به صدقهما وكان بيني العدالة؛ أقيلا وجازت شهادتهما بعد ذلك, وإن لم يتبين صدقهما لم يقبلا فيما يُسْتَقْبل ولو أُدَّبا لكانا بذلك أهلا, ولو رجعا بعد
الحكم وقد شهدا على دين أو طلاق أو حد أو عتق أو غير ذلك, فإنهما يضمنان الدَّين, ويضمنان العقل في أموالهما, ويضمنان قيمة المعتق, وفي الطلاق إن دخل بالزوجة فلا شيء عليهما, وإن لم يدخل ضمنا الصداق للزوجة.
46 - فصل [في الكشف عن البينة وتجريحهم]
ولا يقضي القاضي ببينة حتى تزكى عنده وإن لم يطعن فيهم الخصم, ويكشف عنهم إن شاء في السر والعلانية, ولا يقبل إلا تزكية رجلين عدلين, لا يبالي فيما كانت الشهادة, في حق الله عز وجل أو للناس, من حد أو قصاص.
إذا ارتضى القاضي رجلاً للكشف جاز, ويقبل منه ما نقل إليه من التزكية عن رجلين لا أقل من ذلك.
فإذا زكيت البينة والمطلوب يجهل وجه التجريح من جهلة الرجال, أو من ضعفة النساء فليخبره [109/ب] القاضي بماله من ذلك ويبينه له لعل بينه وبينهم عداوة أو شركة مما لا يعلمه المعدِّلون.
وإن كان مثله لا يجهل وجه التجريح لم يدعه إليه, ليس كرد اليمين الذي لا يتم الحكم إلا بها.
وإن أقام المشهود عليه بينة على الشهود بعد أن زكوا أنهم شربة خمر, أو أكلة ربا, أو فجّار, أو أنهم يلعبون بالشطرنج, أو بالنرد مدمنون عليها, أو بالحمام, فذلك كله مما تجرح به شهادتهم.
وإن ثبت أنهم حدوا في قذف, فمن تاب ممن حد في القذف وحسنت حالته, أو زاد على ما كان يعرف منه من حسن الحال جازت شهادته.
ولو حُدّ نصراني في قذف ثم أسلم بالقرب قبلت شهادته.
47 - فصل [جامع مسائل الشهادات]
ولا تجوز شهادة العبد في شيء من الأشياء.
وإن شهد رجل وامرأتان على رجل بالسرقة لم يقطع؛ وضمن قيمة ذلك, ولا يمين على صاحب المتاع.
وإن شهد بذلك رجل واحد حلف الطالب مع شهادته وأخذ المتاع إن كان قائما بعينه, ولا يقطع السارق, وإن كان المتاع مستهلكاً ضمن السارق قيمته وإن كان عديماً.
وتجوز الشهادة على الشهادة في السرقة وغيرها إذا شهد رجلان على شهادة رجل.
وإذا شهدت بينة على رجل غائب بالسرقة ثم قدم فإنه يقطع, ولا تعاد البينة حضروا أو غابوا إذا كان الإمام قد استأصل تمام شهادتهم, وإذا لم يقم بالسرقة حتى طال الزمان, وحسنت حالة السارق, ثم اعترف, أو قامت عليه بذلك بينة فإنه يقطع, وكذلك حد الزنى, والخمر, ولا يحد السكران حتى يصحو.
وقد تقدم في كتاب الشهادات إيعاب مسائل هذا الباب فأغنى عن إعادتها.
الباب [السادس عشر]
[48 - فصل: في السارق يُحدث فيما سرق بيعاً أو صبغاً أو غيره]
قال مالك: وإذا باع السارق السرقة فقطع ولا مال له ثم أُلْفِيَت عند المبتاع قائمة فلربها أخذها.
وكذلك لو كانت غنماً فتوالدت عند المبتاع لأخذها ربها وأولادها, وأتبع المبتاع السارق بالثمن.
فإن هلكت السرقة عند المبتاع بسببه أكلها, أو لبسها, أو حرقها, أو باعها, فلربها أن يرجع على المبتاع بقيمتها, وإن هلكت عنده بأمر من الله تعالى فلا شيء عليه.
قال ابن المواز: وأما إذا باعها المشتري فلا يلزمه إلاّ الثمن الذي باعها به, وإن أكلها فعليه [110/أ] قيمتها, ويرجع هو على السارق بالأقل مما دفع إلى صاحبها, أو بالثمن الذي كان دفع إلى السارق.
وقاله أشهب.
قال: وإن ألفى ربها المشتري عديما فلربها أن يتبعه بذلك في ذمته, وإن أيسر السارق قبله رجع عليه ربها بالأقل من قيمتها يوم أكلها المشتري, أو الثمن الذي دفع إلى السارق, أو من قيمتها يوم سرقها.
فإن كانت قيمتها يوم أكلها المشتري أكثر, رجع على المشتري بتمام ذلك يتبعه بها دينا.
وإنما يرجع بما ذكرنا على السارق؛ لأنه غريم لغريمه المشتري.
قال أبو محمد: كذا في الأم, فانظر لو أكلها وقيمتها يوم الأكل مثل الثمن, وقيمتها يوم السرقة أقل, لِم لا يأخذ من السارق وهو غريم غريمه؟ وهو لو أخذ قيمتها من المشتري كان له على السارق الثمن.
49 - فصل [في السارق يُحدث فيما سرق صبِغاً أو غيره]
ومن المدونة: ومن سرق ثوباً فصبغه ثم قُطع ولا مال له غيره فلرب الثوب
أن يعطيه قيمة الصبغ ويأخذ ثوبه, فإن أبى بِيع الثوب وأخذ ربه من الثمن قيمة ثوبه يوم سرقه وكان الفضل للسارق, وإن عجز ثمنه لم يتبع السارق بشيء لعدمه.
قال في كتاب محمد: وإن كان عليه دين فالغرماء أحق بثمنه دون ربه, إلا أن يفضل منه شيء, لأنه أسلمه وفات بالبيع وليس لربه نقض بيعه ولا أخذ ثمنه, لأنه بعد إسلامه بيع, وليس هو ثمن سرقته بعينها.
م: واختُلف إذا قام ربه فوجده مصبوغاً.
فروى عن ابن القاسم أنه قال: له أخذ الثوب بعد أن يدفع قيمة الصبغ كما في المدونة.
وروى عنه: أنه ليس له أخذ الثوب بحال, وإن دفع قيمة الصبغ.
وقال أشهب: ربه مخير, إن شاء أخذ قيمة يوم السرقة, وإن شاء دفع قيمة الصبغ, وأخذ ثوبه, وإن شاء كان فيه شريكاً بقيمته أبيض.
وروى عنه: أن له أخذه مصبوغاً ولا غرم عليه في الصبغ إن شاء أخْذه, كمن غصب داراً فبيّضها وزوقها وهذا الثابت من قوله, وبه أخذ أصبغ
وغيره.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قطع السارق الثوب وجعله ظهارة لجبة أو لقلانس, فأراد ربه فتقه وأخذه مقطوعا فذلك له, لأن مالكاً قال فيمن سرق خشبة فبني عليها: فلربها أخذها وإن خربت بنيانه, فكذلك هذا.
وإن أبى أن يأخذ ثوبه مقطوعا والسارق عديم صنع به كما وصفنا في الصبغ.
قال: ومن [110/ب] سرق حنطة فطحنها سويقا ولتها ثم قطع ولا مال له غير ذلك فأبى رب الحنطة أخذ السويق, فهو مثل ما وصفنا, يباع السويق ويشتري له من ثمنه مثل حنطته.
م: وفي الأم فقال رب الحنطة: أنا آخذ السويق فهو مثل ما وصفنا, يباع السويق ويشتري له من ثمنه مثل حنطته.
م: وهذا أصوب؛ إذ ليس لرب الحنطة أخذ السويق ملتوتاً.
وقد قال ابن القاسم وأشهب في كتاب محمد: ليس لرب الحنطة أخذ السويق ولكن يباع ويشتري له مثل حنطته, وما فضل للسارق, وما عجز فلا يتبع بشيء لعدمه.
قال أشهب: وهو كالخشبة يعمل منها بابا, وهما بخلاف الصبغ, لأن ثوبه قائم بعينه.
قال فيه وفي المدونة: وإن سرق فضَّة فصاغها حلياً, أو ضربها دراهماً, ثم قطع ولا مال له غيرها, فليس لربها إلا وزن فضته, لأني إن أجزت له أخذها ظلمت السارق, وإن أمرته بأخذها ودفع أجرة الصياغة كانت فضة بفضة وزيادة, وهذا ربا.
وإن سرق نحاساً, فعمل منه قمقماً, فعليه مثل وزنه, ليس له أخذه, كالنُّقرة يصوغها دراهماً.
محمد, وقاله أشهب.
وقال أيضاً: إن ربه مخيرا, إن شاء أخذ القمقم وأعطاه قيمة صنعته, وإن شاء أغرمه مثل وزن نحاسه.
محمد: وهذا أحب إليَّ, وليس في النحاس حجة إلا إحالته عن حاله, فإذا أخذ قيمة صنعته لم يظلم, والدراهم لا يقدر أن يعطيه قيمة صنعته, لأن يصير فضلا بين القضيتين, وإن أخذه بغير غرم لأجر الصنعة ظلم السارق.
قال فيه وفي المدونة: ومن سرق خشبة فعملها باباً فعليه قيمتها.
محمد: يوم سرقها, وليس لربها أخذها وإن أدى قيمة الصنعة.
قال سحنون: كل ما غيره حتى صار له اسم غير اسمه, فليس لربه أخذه, وإنما له أخذ قيمته فيما يقوَّم, أو مثله فيما له مثل.
محمد, قال ابن القاسم: فيمن غصب عموداً أو خشبة وبنى عليها قصراً فلربه أخذه, وإن أخرب بنيانه.
واستحسن أشهب: أنه إن كان يخرب به سائر بنيانه ألاّ يأخذ إلا قيمته
يوم السرقة.
قال ابن حبيب عن ابن الماجشون: فيمن سرق فضة فصاغها حلياً, أو صفراً فعمله آنية, أو ثوباً فصبغه أو خاطه وجعله بطانة لجبة أو ظهائر قلانس, أو خشبة عمل منها باباً, أو تابوتاً, أو حنطة [111/أ] فطحنها فكل ما أثر فيه من هذا ولا يقدر على أخذ صنعته إلا بأن يشاركه فيه, فإن لرب السرقة أخذها بما في ذلك من الصنعة بلا غرم شيء, نقصه ذلك أو زاده, لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقَّ».
فيأخذ الثوب المصبوغ, والقمح المطحون, والفضة والنحاس المعمولين, والباب والتابوت.
وأما الثوب الذي جعله ظهائر قلانس, أو بطانة جبة, فله أن يفتق ذلك ويأخذه, ويسلَّم إليه ما زاد, لأنه عين شيئه, والمسروق منه مخيّر في أخذ ذلك كله بلا غرم عليه, أو يسلمه ويغرم السارق قيمته يوم سرقه, والغاصب والسارق سواء.
وقد قال مالك: في غاضب الأرض يبنيها, أو يزوق الدار أو يجصصها؛ فلربها أخذ ذلك ولا شيء عليه في التزويق والتجصيص, وأما البناء, وماله قيمته, إذا نقص فيأذن له في أخذه, أو يعطيه قيمته منقوصا, فهذا أصل ذلك.
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: وإذا سرق عصفراً أو زعفراناً لرجل, وثياباً لآخر, فصبغها بذلك, وأخذ وقطعت يده؛ فإن
كان له مال يوم السرقة لزمته قيمة الثياب, ومثل العصفر أو الزعفران, وإن لم يكن له مال ووجدت الثياب مصبوغة فليتحاصّا في ثمنها هذا بقيمة ثيابه, وهذا بقيمة عصفره أو زعفرانه.
وكثير من معاني هذا الباب في كتاب الغصب.
م: قال بعض أصحابنا: الفرق عند ابن القاسم بين صبغ الثوب, وبين عمل النحاس قمقماً: أن رب النحاس إذا أعطيناه مثل صفة نحاسه ووزنه لم يُظلم, ولم يظلم السارق بجبره على بيع صنعته, والثوب ليس مما يقضي فيه بمثله, فلو لم يبح لربه أن يعطى السارق قيمة الصبغ لم يبق إلا أن يعطيه السارق قيمة ثوبه.
فلما كان كل واحد منهما يباع عليه شيئه كان أولاهما الحمل عليه السارق, وكان رب الثوب مقدماً عليه.
والله أعلم.
الباب [السابع عشر]
في السارق يقطع رجل يمينه, أو يغلط القاطع فيقطع يساره وفيمن اجتمعت عليه حدود
[50 - فصل: في السارق يقطع رجل يمينه]
قال مالك: ومن شهدت عليه بينة زكَّيت أنه سرق فحبسه القاضي حتى يقطعه رجل يمينه في السجن؛ لم يقتص منه, ونُكِّل, واجزأ ذلك من قطع السرقة.
ولو فعل ذلك به قبل عدالة البينة [111/ب] أرجئ الحكم, فإن عدل البينة كان الأمر كذلك, وإن لم تعدل البينة اقتص منه.
محمد قال مالك: ومن سرق ثم قطع رجل يمينه عمداً أو خطأ, فقد زال عنه قطع السرقة, ولا قصاص في يده في عمده, ولا دية في الخطأ, ويعاقب المتعمد.
وكذلك المحارب الذي وجب عليه القتل لو تعمد رجل قتله لم يقتص منه, وإن قتله خطأ فلا دية فيه.
[51 - فصل: في السارق يغلط القاطع فيقطع يساره]
ومن المدونة: وإذا أمر القاضي بقطع يمين السارق فغلط القاطع فقطع يساره أجزأه ولا تقطع يمينه ولا شيء على القاطع.
محمد قال أشهب: وقد روى ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ابن حبيب: وقاله مطرف عن مالك, ولا شيء على الإمام ولا على القاطع.
وقال ابن الماجشون: ليس خطأ الإمام والقاطع مما يزيل القطع عن اليد التي أمر الله تعالى بها, ولتقطع يمين السارق, ويكون عقل يساره في مال
الإمام خاصة إن كان هو المخطئ, أو في مال القاطع دون عاقلته إن كان هو المخطئ, أو في مال المسروق منه إن كان هو قطع يساره دون أمر الإمام, وإن قطع يمينه عوقب ولا شيء عليه في ماله, هذا إذا أقام شاهدين أنه سرق ما يحجب فيه القطع, وإلا اقتص منه.
ابن حبيب: وبالأول أقول, وإليه ذهب المصريون.
[52 - فصل: فيمن اجتمعت عليه حدود]
ومن المدونة قال مالك: وإذا قطعت يمين السارق كان ذلك لكل سرقة تقدمت أو قصاص وجب في تلك اليد, وإن ضرب في شرب خمر, أو أقيم عليه حد الزنا أجزأه لهذا ولما كان قبله من ذلك, فإن فعل بعد ذلك شيئا أقيم عليه ذلك.
الباب [الثامن عشر]
في التحصص في مال السارق وتقويم السرقة
قال مالك: ومن سرق فقطعت يده ولا مال له إلا قدر قيمة السرقة فغرمها ثم قام قوم سرق منهم قبل ذلك؛ فإن كان من وقت سرق منهم لم يزل مليئا بمثل هذا الذي غرم الآن تحاصوا فيه كلهم, وإن أعدم في خلال ذلك ثم أيسر, فكل سرقة سرق من يوم يسره المتصل إلى الآن فأهلها يتحاصون في ذلك دون من قبلهم, وإن لم يحضروا يوم القطع كلهم فلمن غاب الدخول عليهم فيما أخذوا كغرماء المفلس.
ومن سرق سرقة لرجلين وأحدهما غائب؛ فإنه يقطع إن كانت قيمتها ثلاثة دراهم فأكثر ويقضي للحاضر [112/أ] بنصف قيمتها إن كانت مستهلكة, ثم إن قدم الغائب والسارق عديم؛ فإن كان يوم القطع مليء بقيمة الجميع رجع على شريكه بنصف ما أخذ, ويتبعان السارق بنصف القيمة,
فإن لم يكن معه يوم القطع إلا ما أخذ الشريك رجع على الشريك بنصف ما أخذ, ولم يتبعا السارق.
وهذا مثل ما قال مالك في الشريكين يكون لهما دين على رجل فيقبض منه أحدهما حصته وصاحبه غائب, ثم يقدم الغائب فيجد الغريم عديماً فإنه يدخل مع صاحبه فيما كان أخذ.
م: وحكى عن الشيخ أبي محمد رحمه الله: أنه فرّق بين هذه المسألة وبين مسألة الكفالة إذا قضى للشريك بحقه والغريم مليء بحقيهما ثم قدم الغائب أنه لا يدخل على المقتضي فيما أخذ وإن أعدم الغريم.
وقال في المسروق منه: أنه يدخل على شريكه.
قال: والفرق بينهما أن السارق لم يأمنه المسروق منه على بقاء ما وجب له في ذمته؛ فكان يجب أن يوقف القاضي نصيب الآخر, فلما جهل وغلط صارت قسمة غير جائزة فلم يتم للقابض ما قبض.