جائز إن لم ينقده.
قال ابن المواز: ومن اكترى إلى مكة بخمسة عشر ديناراً على أنه إن شاء الرجوع فبذلك الكراء فجائز إن استوى الوزن والحمولة، وكان الكراء واحداً غير مختلف.
قال أصبغ: ما لم ينقذه شيئاً من كراء الرجعة.
قال ابن القاسم: ولو قال إلى مكة بعشرة، فإن بدا لي إلى اليمين فبخمسة عشر لم يجز وهو من بيعتين في بيعة، إلا أن يقول: فبحساب ذلك، فيجوز.
قال ابن المواز: وإن قال فإذا بلغت إلى مكة ووضعت أحمالها أو بعضها ثم أردت الكراء إلى اليمن فبحساب ذلك لم يجز إذا كان ينقص من الحمولة ببيع أو غيره أو يزيد فيها.
وقال مالك فيمن اكترى من مصر إلى مكة بدينارين على أنه إن بلغ الطائف فبأربعة لم يجز.
قال ابن القاسم: وهو من بيعتين في بيعة.
قال مالك: وإن قال: فإن بلغت إلى الطائف فبحساب ذلك جاز، إن لم ينقده إلا كراء مكة فقط، وذلك لازم للمكري إن أراد المكتري التقدم، وقاله عبد الملك.
قال عبد الملك: ولو قال: أكريها إلى مكة بدينار، وإلى الطائف بأربعة جاز؛ لأنه
إنما وقعت الصفقة إلى الطائف بخمسة، وصار ذكر مكة لغواً، وإنما يفسد إذا قال: على أنه إن بلغ الطائف فبأربعة، ولو لم يجعل الطائف واجباً.
قال عبد الملك: وهذا إن لم تكن الوجيبة الأولى أقل من الذي فيه للمكتري الخيار أو تكون الثانية كثيرة، وإن استويا، خوفاً أن يرخص له في الوجيبة الأولى لطمعه بكثرة الكراء الثاني، فهذا فاسد في المسافة الأولى والثانية، ولو قال له بعد تمام العقد في المسافة الأولى: إن بلغت بلد كذا بحساب ذلك لكان جائزاً، وإن كثرت الوجيبة الثانية؛ لأنه سلم من الخديعة بذكر الزيادة على الوجيبة في العقد.
وذكر عنه ابن حبيب أنه لا يجوز من ذلك بعد الصفقة إلا ما يجوز فيها من أن يكون الكراء الثاني أقل، ويكون له حد معلوم، ويكون بحسابه.
[مسألة: الكراء في الدابة المعينة لا يكون إلا مشروعاً فيه]
قال: لا يجوز لغير المكتري أن يقول لرب الدابة: دابتك التي أوجبتها لفلان إلى مكة هي لي بعد بلوغه إلى مكة أركبها إلى الطائف بحساب ما اكترى؛ لأن الكراء في الدابة المعينة لا يكون إلا مشروعاً فيه، وإنما جاز ذلك للمكتري الأول؛ لأنه بيده قد شرع فيه.
[الفصل 3 - استزادة المكتري في مدة الطريق ومسافته، وتغيير الطريق الأولى]
قال: وإذا استزاده المتكاري في مدة الطريق ومسافته فذلك له ما لم يدع الطريق الأولى إلى غيرها، فلا يجوز له، بزيادة ثمن، ولا بغير زيادة، اتفقت المسافة أو اختلفت، ويصير كغيره ممن لا معاملة بينه وبينه.
م/ وإذا كانت مثل المسافة الأولى في البعد والسهولة والوعورة، ولم يزده على الكراء
الأول شيئاً فهو جائز على قول ابن القاسم، ولا يجوز على قول غيره.
وقد تقدم هذا.
قال ابن حبيب: ولو كانت وجيبة كراؤها إلى مكة ذاهباً وراجعاً فقال له لما وصل إلى مكة: ارجع بنا في طريق غير التي جئنا منها، وهي مثل تلك في المسافة أو أقرب أو أبعد، فإن كان رجوعه إلى البلد الذي اكترى منه، فذلك جائز بزيادة أو بغير زيادة من أحدهما، ولو أراد لما بلغ مكة أن يفسخ رجعته إلى بلد آخر في سفر يبتديه من مكة بزيادة أو بغير زيادة أو بوضعية لم يجز على حال كان الكراء في ذلك كله معيناً أو مضموناً، وقاله عبد الملك وابن الماجشون.
[الباب السابع]
في اختلاف المتكاريين في الدواب والمتكاريان كالمتبايعين والقضاء في اختلافهما كالقضاء في اختلاف المتبايعين، وأصل هذا وإيعابه قد تقدم في كتاب البيوع.
[الفصل 1 - في اختلاف المتكاريين قبل الركوب أو بعد المسير القريب]
قال مالك: وإذا اختلف المتكاريان قبل الركوب أو بعد مسير لا ضرر في رجوعه فقال: المكري أكريتك إلى برقة بمئة، وقال المكتري: إنما اكتريت منك إلى إفريقية تحالفاً وتفاسخا نقد الكراء أو لم ينقده.
قال غيره: إذا انتقد الجمال الكراء، وكان يشبه ما قال فالقول قوله؛ لأنه مدعى عليه.
ألا ترى لو قال: بعتك بهذه المئة التي قبضت منك مئة إردب إلى سنة.
وقال المبتاع: بل اشتريت بها منك مئتي إردب إلى سنة وكان ما قال البائع يشبه فالقول قوله والمشتري مدعى عليه.
م/ وهذا الذي احتج به الغير يخالف فيه مالك ويرى أن يتحالفا ويتفاسخا للحديث.
م/ وقول الغير هاهنا جارٍ على رواية ابن وهب فيما إذا قبض المبتاع السلعة في بيع النقد، ثم اختلفا في ثمنها، فجعل قبض الدنانير هاهنا كقبض المبتاع السلعة في بيع النقد، وصار البائع هاهنا مطلوباً في زيادة المثمون كما كان المبتاع في قبض السلعة مطلوباً بزيادة
الثمن فيجعل القول قول المبتاع في الوجهين.
قال ابن المواز: اختلف في اختلاف المتكاريين في الدواب، والذي أختار أنهما إذا اختلفا في البلد أو بعد المسير القريب كبئر عميرة وكان ذلك في قلة الكراء أو كثرته أو في المسافة فإنهما يتحالفان ويتفاسخان في كراء الدابة بعينها وكذلك إن كان مضموناً لقرب العقد في المضمون لم يمض الشهر ونحوه ويبدأ صاحب الظهر باليمين، وإن اختلفا بعد طول السفر في المعينة أو بعد طول المدة في المضمون وإن لم يشرعا فيه فالقول قول المكري في المسافة وقول المكتري في الثمن إن لم ينقد وجاء بما يشبه بعد التحالف ويبلغ من المسافة ما يقول المكري لا يزيد ويغرم له الراكب حصة ذلك من الثمن على ما يدعى الراكب، وكأنهما في القرب سلعتهما بأيديهما لم تفت، وإذ فاتت ببعد السفر فهو كقبض المشتري وفوت ما في يديه وفات رد البيع وصار ما يطلب بالثمن فهو يدعي عليه فيه ويبدأ البائع باليمين، ثم يحلف المبتاع.
[الفصل 2 - اختلاف المتكاريين بعد بلوغ الغاية المكتري إليها في دعوى أحدهما]
ومن المدون قال مالك: وإن اختلفا بعد أن بلغا برقة فقال المكري: إنما أكريتك إلى برقة بمئة درهم، وقال المكتري: إلى إفريقية بمئة درهم فإن انتقد المكري الكراء فهو مصدق إن أشبه أن يكون كراء الناس إلى برقة بمئة درهم ويحلف.
قال ابن القاسم: وإن لم يشبه إلا قول المكتري كان للجمال حصة مسافة برقة على دعوى المكتري بعد أن يتحالفا، ولا يلزمه التمادي، وإن لم ينتقد وأشبه ما قالا؛
لأن ذلك مما يتغابن الناس فيه تحالفا وفض الكراء، فيأخذ الجمال حصة مسافة برقة ولم يتماد، وأيهما نكل قضي عليه لمن حلف، وإن أقاما بينة قبل الركوب أو بعده أي بعده أي بعد أن بلغا برقة بأعدل البينتين، فإن تكافأتا تحالفا، وإن لم يركب فسخ الكراء كله.
وقال غيره: يقضي بالبينة التي زادت وليس بتهاتر.
وقاله ابن القاسم في اختلاف المتبايعين قبل القبض في الثمن أنه يقضي ببينة البائع إذا زادت.
قال بعض فقهاء القرويين: اختلف في الزيادة إذا كانت في مجلس واحد مثل أن تشهد إحدى البينتين بمائة وتشهد الأخرى بخمسين فقيل يحكم بالزيادة وقيل إنه تكاذب وهو الأشبه في القياس لأن كل بينة لم تقل القول الذي قالته الأخرى فقد كذبت كل واحدة صاحبتها.
م/ تلخيص هذه المسألة وبيانها على أصل ابن القاسم، أن ينظر فإن أشبه قول المكري خاصة فالقول قوله انتقد الكراء أو لم ينتقده، وإن أشبه قول المكتري خاصة فالقول قوله نقد الكراء أو لم ينقده.
وإن أشبه ما قالاه جميعاً نظرت، فإن انتقد الكراء فالقول قوله، وإن لم ينتقد فالقول قول المكتري، وإذا كان القول قول المكري فليحلف ويكون له جميع الكراء، وإن كان القول قول المكتري حلف ولزم الجمال ما قال إلا أن يحلف على ما ادعى فتكون له حصة مسافة برقة على دعوى المكتري ويفسخ عنه الباقي.
وإن لم يشبه قول واحد منهما تحالفا وتفاسخا وكان له كراء المثل فيما مشى وأيهما نكل قضي لمن حلف عليه وبالله التوفيق.
[الفصل 3 - اختلاف المتكاريين بعد مسير نصف الطريق]
قال بعض فقهاء القرويين: وإن كان اختلافهما بعد أن سارا نصف طريق برقة وقد نقده المئة فالقول قول المكري إذ أشبه ويبلغه إلى برقة بالمئة؛ لأن التفاسخ هناك فيه ضرر لعدم الكراء هناك بخلاف سكنى الدار، وقد سكن بعض السكنى؛ إذ لا ضرورة في التفاسخ في الدار فيجب أن يتحالفا ويتفاسخا في البقية.
قال مالك: وكذلك لو لم ينقده المائة في الرواحل لأتم له المسافة إلى برقة التي اتفقا عليها على حساب ما يقر به المكتري أنه اكترى إلى إفريقية بمائة إذا أشبه ولم يصل به إلى إفريقية لأن رب الدابة لم يقر بذلك.
[الفصل 4 - اختلاف المتكاريين في الغاية وفي مقدار الكراء]
قال ابن القاسم: ولو المكري: أكريتك إلى المدينة بمئتين، وقد بلغاها، وقال المكتري: بل إلى مكة بمئة، فإن نقده المئة، فالقول قول الجمال فيما يشبه.
م/ معناه إذا أشبه ما قالاه حميعاً.
قال ابن القاسم: ويحلف له المكتري في المائة الباقية ويحلف الجمال أنه لم يكره إلى مكة بمئة ويتفاسخان.
وإن لم ينقده صدق الجمال في المسافة، وصدق المكتري في حصتها من الكراء الذي يذكر بعد أيمانها ويفض الكراء على ما يدعي المكتري.
وإن أقاما بينة قضي بأعدلهما وإن تكافأتا سقطتا.
قال هو وغيره: وذلك إذا أشبه ما قالاه حميعاً أو ما قال المكتري خاصة.
وأما إن أشبه قول المكري خاصة فالقول قوله ويحلف على دعوى المكتري ويأخذ المائتين.
وقال غيره: إذا أقاما بينة قضيت ببينة كل واحد منهما إذا كانت عادلة؛ لأن كل واحد ادعى فضلة أقام عليها بينة فيقضي بأبعد المسافتين وبأكثر الثمنين، وليس هذا من التهاتر وسواء انتقد أو لم ينتقد إذا أقاما البينة وكانت عادلة.
[الفصل 5 - القول قول المكتري في المسير إلى الحج إذا كانت غايته مكة]
قال ابن المواز: وإذا انتقد المكري المئة وبلغا المدينة فقال إلى هاهنا أكريتك بمئتين وقال الراكب: بل إلى مكة فليتحالفا ويفسخ ما بقى، ولا يكون له غير ما قبض ولا يرد منه شيئاً لحيازته إياه ولا يكون عليه التمادي إلا أن يكون في الحج فعليه أن يبلغه مكة لأن الحاج إليها يكرون.
قال محمد: فيلزمه التمادي إلى مكة بما انتقد ولو لم ينقده فبالكراء الذي يقر به المكتري.
قال مالك: وسواء اكترى على حمل رجل أو حمل أحمال فالمكري مصدق في الغاية إلا في أيام الحج، وكأنه يقول القول قول المكتري.
وفي العتبية من سماع عيسى القول قول المكتري في الحج إن كانت حمولته
محامل أو زوامل وإن كانت أعكاما فالقول قول المكري إذا انتقد ويحلف.
[الفصل 6 - اختلاف المتكاريين بعد أن سارا ما في رجوعه ضرر في غير الحج،
وكانت غاية المكتري مكة]
م/ وإذا اختلفا بعد أن سارا من الطريق ما في رجوعه ضرر وقبل أن يصلا إلى المدينة فقال المكري: أكريتك إلى المدينة بمئتين.
وقال المكتري: بل إلى مكة بمئة وذلك في غير حج وقد نقده المئة وأشبه ما قالاه فإنك تفض المئتين على قول المكتري، وإن وقع لما سار من الطريق مئة فأكثر لم يكن للجمال غير المئة لأنه قبضها فيصدق في حصتها ويتحالفان ويتفاسخان.
وإن وقع لما سار أقل من مائة فاستحسن أن يلزم الجمال التمادي إلى مقدار ما يخص المئة من الطريق على دعواه إن شاء ذلك المكتري؛ لأن الجمال قد قبض المئة وأشبه قوله ويتحالفان ويتفاسخان.
م/ وهذا إذا كان يجد الكراء هناك، فإن لم يجد كراء هناك لزمه التمادي إلى المدينة، ويعطي في حصة البقية إلى المدينة على دعوى المكتري؛ لأنه لم ينقد في ذلك شيئاً، وأشبه قوله، وإن لم ينقده شيئاً، وأشبه ما قالاه لزم الجمال التمادي إلى المدينة التي ادعى أن الكراء إليها وكان له حصة ذلك من الكراء على دعوى المكتري، ويتحالفان ويتفاسخان في بقية الطريق.
وإنما لزم الجمال التمادي إلى المدينة؛ لأنها مسافة اتفقا أنها داخلة في الكراء وقبض بعضها، واختلف فيما يخصها من الكراء فالمكتري مدعى عليه؛ لأنه لم ينقده.
هكذا ظاهر كلام محمد أنه يلزم التمادي إلى المسافة التي أقر بها، ووجهه ما ذكرناه وكاختلافها في ثمن الكراء.
وهو ظاهر كلام غير ابن القاسم في اختلافهما في كراء الأرض.
وظاهر رواية ابن القاسم في المدونة ورواية عيسى في العتبية أنهما يتحالفان ويتفاسخان بالموضع الذي بلغا إليه، ويكون للجمال حصة ذلك من الكراء على دعوى المكتري.
م/ ووجه ذلك أن الجمال سلعته التي هي بقية المسافة بيده لم تقبض منه.
وقد اختلفا فيها فوجب أن يتحالفا ويتفاسخا.
م/ يريد إلا ألا يجد هناك كراء فيلزمه التمادي على القولين، والله أعلم.
م/ وإن كان إنما نقده خمسين فلما بلغا المدينة اختلفا فإنك تفض المئة على دعوى المكتري فإن وقع إلى المدينة أكثر من خمسين لزم المكتري أن يدفع تلك الزيادة إلى الجمال فإن وقع لها أقل من خمسين لم ينقص الجمال من الخمسين التي قبض ويتحالفان ويتفاسخان في بقية المسافة.
[الفصل 7 - اختلاف المتكاريين في ثمن الكراء بعد مسير بعض الطريق]
ومن المدونة قال ابن القاسم: إذا تكارى منه من مصر إلى مكة فاختلفا في الكراء بأيلة، يريد اختلفا في ثمن الكراء فالقول قول المكتري إن أتى بما يشبه.
قال ابن القاسم: وسواءً كان الكراء في راحلة بعينها أو مضموناً؛ لأن مالكاً قال إذا حمل الجمال المكتري على بعير من إبله لم يكن للجمال نزعه من تحته إلا أن يشاء
المكتري، ولو فلس الجمال كان هذا المكتري أحق بما تحته من الغرماء ومن أصحابه حتى يستوفي حقه وإن كان الكراء مضموناً لأنه بحوزه إياه صار كالمعين.
قال ابن القاسم: فهذا يدلك أن الكراء المضمون والمعين سواء في اختلافهما في الكراء كما وصفنا.
وقال غيره: ليس الراحلة بعينها مثل المضمون.
م/ واختلف في تأويل قول غيره.
فقال ابن حبيب: الدابة بعينها كأكريه الدور إذا اختلفا في ثمن الكراء تحالفا وتفاسخا في بقية المسافة.
قال ابن أبي زمنين: وهو معنى قول الغير في المدونة أنه إذا كانت دابة بعينها تحالفا وتفاسخا كأكريه الدور.
وقال غيره: معنى قول الغير أن المضمون يتفاسخان فيه.
م/ يريد: لأن حقه إنما هو في ذمة المكري فهي كسلعة لم تقبض اختلفا في ثمنها أو كالسلم المضمون وإن كانت دابة بعينها فحقه فيها وقد حازت وأفات بعضها كفوت بعض السلعة فهو المدعى عليه في زيادة ثمنها.
ولو هلكت الدابة أي المضمونة على هذا
القول لاتفق جواب ابن القاسم وغيره أنهما يتحالفان ويتفاسخان لأن المكتري لم يجز شيئاً هو بيده فيصدق من أجله، وإنما هو يطلب ذمة المكري والمكري عليه في ثمنه أكثر مما يقر به المكتري فيجب التفاسخ عندهما على قوله، وبالله التوفيق.
فصل [8 - اختلاف المتكاريين في كون الكراء مضموناً أو معيناً بعد موت الدابة
في بعض الطريق]
ومن العتبية قال مطرف: ومن اكترى من مصر إلى مكة فلما بلغا المدينة ماتت الدابة فقال الراكب اكتريت منك تلك الدابة بعينها فاردد علي بقية الكراء، وقال المكري كان الكراء مضموناً وإنما لك ركوب، أو قال الراكب كان الكراء مضموناً وقال ربها بل كان معيناً، فالقول من ادعى التعيين، وكأن مدعى المضمون قال: اكتريت هذه الدابة ودابة أخرى، فهو المدعي.
[الباب الثامن]
جامع الدعوى في الكراء وفي نقده وتأخيره
وزيادة الحمل ونقصه وما أشبه.
والقضاء أن العرف في الأكرية وغيرها كالشرط.
[الفصل 1 - اختلاف المتكاريين في نقد الكراء بعد بلوغ الغاية]
قال مالك: وإذا قال المكتري دفعت الكراء، وأكذبه الجمال، وقد بلغا الغاية فللقول قول الجمال مع يمينه إذا كانت الحمولة بيده أو بعد أن أسلمها بيوم أو يومين وما قرب، وعلى المكتري البينة؛ لأن الكراء مخلد في ذمته فعليه البينة بزواله منها، وكذلك الحلج إن قام المكري بقرب بلوغهم ما لم يبعد فيصدق مع يمينه وإن تطاول ذلك فكله فالمكتري مع يمينه.
م/ يريد لأن من شأن الأكرياء انتقاد أكريتهم ببلوغهم الغاية المكترى إليها أو بعد يوم أو يومين وما قرب من ذلك، فإذا بعد صاروا مدعين لغير العرف والمكتري مدع للعرف فكان القول قوله، إلا أن يكون المكري لم يسلم المتاع إلى ربه فيكون القول قول المكري مع يمينه.
وكذلك إذا اختلفا في ثمن الحمولة ولم يدفعها المكري لوجب أن يكون القول قوله إن أتى بما يشبه، وإن كان قد قبضت منه المنافع؛ لأن المحول في يده كالرهن فأشبه الخياط
إذا خاط الثوب ولم يسلمه.
ولأن الجمال أحق بالمتاع في الموت والفلس حتى يقبض كراءه فصار غير مجبور على دفعه كالرهن.
قال مالك: إلا أن يقيم المكري بينة يريد: على إقرار المكتري أنه لم يدفع إليه شيئاً فيقضي بها.
قال مالك: وكذلك قيام الصناع بالأجر بحدثان رد المتاع فإن قبض المتاع ربه وتطاول ذلك فالقول قول المتاع وعليه اليمين.
[الفصل 2 - اختلاف المتكاريين في بلوغ الغاية المكترى إليها]
قال ابن القاسم: وإن آجرت رجلاً على أن يبلغ كتاباً من مصر إلى إفريقية بكذا فقال بعد ذلك أوصلته فأكذبته فالقول قوله مع يمينه في أمد يبلغه في مثله لأنك ائتمنته عليه فعليك دفع كرائه إليه، وكذلك الحمولة كلها يكريه على توصيلها إلى بلد كذا فيدعى بعد ذلك أنه وصلها فالقول قوله مع أمد يبلغ في مثله.
وقال غيره: على المكري البينة أنه قد أوفاه حقه وقد بلغه غايته.
م/ وكوكيل البيع يقول بعت ويقول الموكل لم تبع فالقول قول الوكيل.
وقال بعض فقهاء القرويين: لعل ابن القاسم إنما أراد أن مثل هذا لا يحتاج فيه إلى إثبات لأنه عرف عندهم أو لتعذر ذلك فصار كالمشترط أن يصدق في قوله أو صلته وإلا فهو إدخال في ذمة الذي أرسله بقول الأجير.
فصل [3 - العادة محكمة في نقد الكراء وتأخيره]
ومن المدونة قال مالك: وإذا طلب الجمال قبض الكراء قبل الركوب أو بعد المسير القريب، وقال المكتري: لا أدفع شيئاً حتى أبلغ إلى الموضع الذي اكتريت إليه، ولم يكونا شرطاً شيئاً، حملاً على سنة في نقد الكراء وتأخيره.
قال ابن القاسم: فإن لم تكن لهم سنة في ذلك كان كالسكنى لا يعطيه إلا بقدر ما سكن وكذلك الركوب لا يعطيه إلا بقدر ما ركب.
قال: وإن عجل الكراء من غير شرط فلا رجوع له فيه.
[الفصل 4 - القضاء بنقد بلد التعاقد عند الاختلاف، والصرف في نقد الكراء]
قال مالك: وإن أراد أحدهما نقد البلد الذي بلغا إليه وطلب الآخر نقد بلد التعاقد قضي بنقد البلد الذي تعاقدا فيه الكراء؛ لأنه يومئذ تقرر الدين في ذمته بسكة ذلك الموضع.
وإن أكريت بدراهم ولم تشترط نقدها وكراء الناس مؤخر.
م/ يريد إلى الغاية.
أو لم يكن مؤخراً وشرطت تأخيرها لم يجز أن تعطى بها دنانير نقداً قبل الركوب أو بعده ما لم تحل الدراهم ببلوغ الغاية، وكذلك لو دفعت دراهم عن دنانير.
م/ يريد وكذلك لو لم يكن عرف ولا شرط لم يجز أن ينقد أحد العينين عن الآخر؛ لأن عقد الكراء لا يوجب نقد جميعه بل لا ينقد إلا بحساب ما سكن أو ركب فتعجيل
خلاف ما عقد عليه من العين صرف مستأخر.
قال ابن القاسم: ولو شرطتما النقد أو كان كراء الناس بالنقد جاز دفعك عن الدراهم دنانير نقداً، كان الكراء معيناً أو مضموناً، ثم إن هلكت الراحلة بعينها في بعض الطريق رجعت بحصة ما بقي دنانير كما نقدت، ولو كنت دفعت عن الدراهم عرضاً لكنت رجعت بدراهم كما عليه عقدت؛ لأنك إنما اكتريت منه بدراهم فباعها هو قبل قبضها بعرض، وذلك جائز، فإذا هلكت الدابة ببعض الطريق رجعت بحصة ما بقي دراهم؛ لأنها ثمن الكراء، ولم يجز ذلك إذا دفعت عن الدراهم دنانير أن ترجع بالدراهم التي عقدت؛ لأنك تصير دفعت دنانير وترجع بدراهم فيدخله تأخير الصرف.
وكذلك فسره سحنون.
قال مالك: ولا تأخذ من ذهب لك إلى أجل فضة نقداً، ولا من فضة إلى أجل ذهباً نقداً؛ لأنه فضة بذهب ليس يداً بيد، ومن أكرى بعيراً بطعام بعينه كيلاً، أو بطعام إلى أجل فلا يبيعه حتى يقبضه، وإن كان الذي بعينه مصبراً فلا بأس بيعه قبل قبضه.
فصل [5 - في زمن الخروج إلى الحج إذا اختلف المتكاريان في ابتدائه وفي نقص الحمل المشترط وزيادته على الدابة]
قال مالك: ومن اكترى إلى مكة، فأراد تعجيل الخروج، وأباه الجمال، فإن كان في الزمان بقية لم يجبر إلا إلى خروج الحاج، وإذا انتقصت زاملة الحاج أو نفدت فأراد تمامها وأباه الجمال حملاً على ما يتعارفه الناس.
قال غيره: فإن لم تكن له سنة فله حمل الوزن الأول المشترط إلى تمام غاية الكراء.
ومن كتاب الأقضية لسحنون: وسئل عمن تكارى دابة على حمل فيه خمسمائة رطل فحمله، وصار في بعض الطريق، فأصابه مطر، فصار أكثر من خمسمئة رطل، فقال الجمال: لا أحمله؛ لأنه قد زاد، وقال ربه: هو المتاع بعينه.
قال سحنون: إذا زاد فكأنه ليس بعينه، فليس عليه أن يحمل أكثر من خمسمئة رطل، فإن نقص منه حتى صار خمسمئة لزمه حمله، وإلا لم يلزمه.
ومن المدونة: ومن اكترى دابة أو بعيراً إلى الفسطاط فله النزول بمنزله، وإن كان بأقصى الفسطاط.
[الباب التاسع]
جامع القول في ضمان المتكاريين
[الفصل 1 - فيما يضمنه المكري وما لا يضمنه]
والقضاء أن الأكرياء والجراء فيما أسلم إليهم الناس كالأمناء عليه لا يضمنون إلا الصناع إذ لا غنى عنهم، فضمنوا لصلاح العامة، وكذلك الأكرياء على حمل الطعام والشراب والإدام خاصة؛ إذ لا غنى عنهم، فضمنوا لمصلحة العامة كالصناع، إلا أن تقوم بينة بهلاكه بغير سببهم، أو يكون معه أربابه لم يسلموه إليهم فلا يضمنون، وسواء حملوه على سفينة أو دابة أو رجل.
قال ربيعة: ولا يضمنون المال والعروض ولا يحل لأحد أن يأخذ لضمانه أجراً.
قال ابن عمر: لا يجوز كراء وضمان.
قال السبعة من فقهاء التابعين: وإن شرط عليهم ضمان العروض لم يلزم إلا أن يخالفوا في شرط يجوز كشرطه عليه أن لا يسري بليل ولا ينزل بلد كذا أو وادي كذا
ففعل ما نهي عنه فهلك المتاع فإنه ضامن.
ابن المواز، قال مالك: وإذا شرط الحمالون على صاحب الطعام ألا ضمان عليهم في الطعام، أو أن عليهم ضمان العروض، وما لا يضمن، فالشرط باطل والعقد فاسد، فإن فات ضمنوا الطعام ولا يضمنون غيره، ولهم كراء مثله من غير شرط.
قال ابن حبيب: والذي يضمنونه من الطعام والإدام ما كان قوتاً خاصة، فمن ذلك القمح والشعير والدقيق والسلت والذرة والدخن والعلس والكرسنة، وليس الأرز من ذلك؛ لأنه مما يتفكه به.
قال أبو محمد: لعل هذا في بلد غير بلد الأرز، وإلا فبعض البلدان هو جل قوتهم.
قال ابن حبيب: ويضمنون الفول والحمص والعدس واللوبيا والجلبان، ولا يضمنون الترمس لأنه تفكه ولا يضمنون من الإدام إلا الزيت، والعسل والسمن والخل، وأما المرى والرب والأشربة الخلال والجبن والشيراز واللبن والزبد وسائر اللحم والبيض والأبزار فلا يضمنونه، ولا يضمنون من خضر الفواكه ورطبها
ويابسها إلا التمر والزبيب والزيتون، ويضمنون الملح ولا يضمنون شيئاً من الأدهان، وكل ما وصفنا أنهم لا يضمنونه فهم مصدقون في تلفه كسائر العروض.
م/ هذا الذي ذكر ابن حبيب استحسان.
وظاهره خلاف المدونة.
والذي يدل عليه ما في المدونة أنهم يضمنون سائر الطعام والإدام، وهل الترمس والزبد واللبن واللحم إلا أقوات وإدام!.
[الفصل 2 - في دعوى المكري أن العروض سرقت أو هلكت]
ومن المدونة، قال ابن القاسم: وإذا قال المكري في كل عرض أنه هلك أو سيق أو عثرت به الدابة فانكسرت القوارير فذهب الدهن، صدق إلا أن يستدل على كذبه ولا يصدق في الطعام.
قال مالك: ومن استأجرته يحمل لك على دوابه دهناً أو طعاماً إلى موضع كذا، فعثرت الدواب، ثم سقطت القوارير، فانكسرت، فذهب الدهن، أو هلك الطعام، أو انقطعت الحبال فسقط المتاع ففسد لم يضمن المكري قليلاً ولا كثيراً إلا أن يغر من عثار أو ضعف الحبال عن حمل ذلك، فإنه يضمن حينئذ.
قال ابن حبيب: يضمن قيمته بموضع هلك فيه، وله من الكراء بحسابه إلى ذلك الموضع.
م/ وعلى قول غيره إن شاء أن يضمنه قيمته يوم تعدى أو يوم هلك.
فوجه قول ابن حبيب في الضمان وهو قول ابن القاسم فلأنه أمر قد يسلم فيه وليس بتعد صريح فوجب ألا يضمن إلا بصحة وجه تعديه.
ووجه قول غيره أنه لما صح تعديه بكون العثار صار كأنه متعد من يوم العقد فإن
شاء أخذه بذلك وإن شاء يوم صحة التعدي.
ولم يكن كالغاصب لا يضمن إلا يوم الغصب؛ لأن هذا ليس بتعد صريح إذ قد يسلم فيه، فإذا لم يسلم صح تعديه فإن شاء أخذه بالعقد لصحة تعديه وإن شاء أخذه بما أوجب تضمينه، والغاصب هو متعد صريح من يوم الغصب فوجب ألا يضمن إلا يوم تعديه.
[الفصل 3 - في ضمان ما هلك بسبب حامله من دابة أو غيرها والكراء في ذلك]
قال ابن القاسم: وإن لم يغره من شيء كان ما جاء من قبل الدواب هدراً لأن فعل العجماء جبار ما لم يفعل بها رجل شيئاً عثرت لأجله فيضمن الفاعل.
قال: وكل ما عطب من سبب حامله من دابة أو غيرها من عثار أو غيره فلا كراء فيه إلا على البلاغ ولا يضمن الجمال إلا أن يغر وكذلك ما حمله رجل على ظهره فعطب فلا كراء له ولا ضمان عليه ولا على المكتري أن يأتي بمثل ذلك ليحمله الجمال.
وكذلك هروب الدابة وكذلك السفينة إذا غرقت في ثلثي الطريق وغرق ما فيها من طعام وغيره فلا كراء لربها ولا ضمان عليه في شيء من ذلك؛ لأنه من أمر الله تعالى ورأى مالك أن ذلك كله على البلاغ.
وقال غيره: ليس الدواب كالسفن فيما هلك بسبب حامله إذ لا يضمنون بسبب العثار إن لم يغروا فلهم جميع الكراء فيما هلك عن العثار ولربه حمل مثله إلى غايته كالذي هلك بلصوص أو سيل وإن غروا ضمنوا.
وقال ابن نافع: لرب السفينة بحساب ما بلغت.
م/ فوجه قول مالك أن كل ما هلك بسبب حامله لا كراء له لأنه إنما دفع إليه الكراء ليحصل له غرضه فلم يحصل له شيء فأشبه ذلك الجعل الذي بطلان تمامه من أجل الأجير وأيضاً فإن العرف قد جرى بين الناس أن الكراء في ذلك على البلاغ فكأن المكري دخل عليه إلا أن يشترط أنه كلما سار شيئاً أخذ بحسابه فذلك له.
قال بعض البغداديين: ووجه قول ابن نافع أن هذه إجارة فيجب أن يكون سبيلها سبيل الإجارة كسكنى الدار ونحوه لا يراعى انتفع المكتري أو لم ينتفع ألا ترى أنه لو اكترى داراً سنة فقبضها وأغلقها شهراً ثم احترقت أن عليه كراء ذلك الشهر وكذلك مكتري السفينة.
م/ وقول مالك أولى؛ لأنه عرف قد دخل عليه؛ ولأن سكنى المكتري تعمد ترك الانتفاع وهو يقدر أن ينتفع كل يوم بسكناه ويتم له انتفاعه والسفن ونحوها لا يتم انتفاعه إلا ببلوغ الغاية المكترى إليها وكالخياط إذا خاط نصف القميص فليس له أخذ نصف الأجر إذ لا ينتفع بها إلا بالتمام.
فصل [4 - الكراء فيما هلك من غير سبب حامله]
قال ابن القاسم: وما استحملت في السوق على رجل أو دابة من كل شيء إلى بيتك أو من بلد إلى بلد فعطب أو سرق أو غصب أو كان ذلك طعاماً فهلك ذلك كله ببينة فللمكري الكراء بأسره وعليه حمل مثله.
قال ابن المواز: من موضع هلك فيه.
قال ابن القاسم: وكذلك الدواب والإبل إذا هلك ما حملت من طعام بعينه أو متاع بأمر من الله تعالى من غير سبب الدواب والإبل فالكراء قائم بينهما لا ينفسخ وللمكري الكراء بأسره وعليه حمل مثله، وللمكتري أن يأتي بمثل ذلك فيحمله أو يكتري الإبل في مثل ذلك وإلا فلا شيء له على الجمال، وللجمال الكراء كاملاً فإن لم يكن مع الجمال صاحب الطعام ولا خليفته رفع ذلك الجمال إلى العامل بالموضع فيكري له الإبل فإن لم يجد كراء فليطلب ذلك الجمال أمامه فإن لم يجد فله جميع الكراء؛ لأن مالكاً قال في الرجل يتكارى إلى الحج فيهلك في الطريق فإنه يكري للميت شقصه ويطلب ذلك في الطريق فإن وجد من يكتري أكرى له وإلا كان على الميت لرب الإبل الكراء كله كاملاً وإن كان رب الطعام مع المكاري فأصاب الطعام تلف من السماء أو من غير السماء لم يلزم المكاري شيء لأن رب الطعام معه لم يأتمنه عليه وكذلك إن كان في السفينة مع طعامه فنقص فلا شيء على صاحب السفينة.
قال: وإن كان المكري وحده فلا يصدق في الطعام والإدام إذا قال سرق مني، حمله على نفسه أو على دوابه او على سفينته، إلا أن تقوم له بينة في ذلك أنه هلك من غير سببه فلا يضمن.
الفصل [4 - في ضمان الطعام إذا صحبه ربه أو وكيله ولم يسلماه للحمال أو غابا عنه في بعض الطريق]
ابن المواز: قال أصبغ: ومن اكترى على طعام فركب معه أو أرسل معه رسولاً فكان يسلمه في بعض الطريق ويصحبه في بعضها فنقص فلا ضمان على حامله.
ابن المواز: يريد لأن أصل حمله على غير التسليم للحمال.
م/ وحكي عن بعض فقهائنا أنه قال: إذ أكرى على حمل طعام وهو معه، فذهب عنه في بعض الطريق، فإن كان ذهب على ألا يعود إليه أو لمرض أصابه ولا يرجى أن يدركه فإن الجمال يضمن إذا قال: هلك أو سرق، ويرجع إلى أصل الضمان.
وإن كان على أن يرجع إليه فلا ضمان على الجمال.
قال: وهذا كقوله في الأكرياء إذا بلغوا المسافة وحازوا العروض حيازة الرهن ليقبضوا كراهم أنهم يضمنونها، فكما نقل هؤلاء إلى الضمان بفعلهم، فكذلك ينقل هؤلاء إلى الضمان، ويردهم إلى أصلهم، وكأنه اليوم ابتداء كرائه منهم.
وحكي عن أبي الحسن القابسي فيمن دفع طعاماً بالساحل إلى صاحب مركب وكاله عليه وانصرف فوسقه رب المركب بغير حضرة ربه، فإذا جاء وقت الإقلاع ركب معه رب الطعام أن رب المركب ضامن لما نقص، ولو لم يفارقه ربه حتى أوسقه في المركب بحضرته ثم غاب عنه فأتى وقت الركوب فركب معه فلا يضمن رب المركب
كمن صحب طعامه ثم تخلف عنه في الطريق؛ لأنه لم يسلمه إلى الحمال من أول ما حمله.
م/ ولا فرق عندي بين أن يسلمه إليه في الساحل أو في المركب لأنه أسلمه إليه وغاب عنه ثم عاد فركب معه فأما أن يضمن لغيبته عليه أو لا يضمن لأنه عاد فركب معه والصواب أن يضمن.
[الفصل 5 - فيمن اكترى من رجل على حمل طعام وبعث معه ما لا يشتري به له فادعى ضياع المال أو سرقة الطعام أو ضياعه بعد شرائه]
ابن المواز قال مالك: ومن اكترى من رجل على حمل طعام وبعث معه مالاً يشتريه له به فادعى ضياع المال فلا ضمان عليه ولا أجر له فيما عنى وعليه اليمين لقد ضاع.
ابن المواز: وإن اشترى الطعام وادعى أنه ضاع أو سرق، فإن حمله في سفينته ضمن، وإن حمله في غيرها صدق.
قال أبو محمد: يريد محمد إذا حمله في غيرها بإذن ربه.
[مسألة: فيمن اكترى سفينة على حمل قمح وكان الكراء ذهباً ودفعه إليه فنقص القمح، فهل يأخذ مكانه ذهباً؟]
روى أبو زيد عن ابن القاسم فيمن اكترى من نوتي على قمح بذهب ودفعه إليه فنقص
الطعام فأراد أن يأخذ في نقصانه ذهباً فلا خير فيه.
م/ ويدخله البيع والسلف.
قال: إلا أن يكون لم ينقده فلا بأس به ولا بأس أن يأخذ منه إذا نقده قمحاً أو شعيراً.
[مسألة: فيمن استأجر نواتية في سفينة يحملون الناس فيها ويكرونها]
قال ابن حبيب: ومن استأجر نواتية في سفينة يحملون فيها الناس ويكرونها فذلك جائز والضمان عليهم فيما حملوا من الطعام.
وقاله مالك.
[الفصل 6 - في دعوى الجمال هلاك العروض أو سرقتها]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ويصدق الجمال في كل عرض إذا قال هلك أو سرق أو قد عثرت الدواب فانكسرت القوارير إلا أن يستدل على كذبه.
قال يحيى بن سعيد: ويضمن ما ضيع.
ابن المواز قال مالك: وإذا ادعى الجمال فيما حمل من العروض أنه هلك صدق، وكان له الكراء كله، وعليه حمل مثله لصاحبه بقية الطريق، أو يكري ذلك في مثله.
وقال ابن حبيب: له من الكراء بحسابه إلى الموضع الذي ادعى فيه تلفه.
قال: وكذلك إن كان تلفه بسببه مثل أن يغر من عثار دابته أو ضعف أحبله.
قال: وأما ما يدعي هلاكه من الطعام ببعض الطريق فيلزمه الضمان، إما لأن هلاكه مجهول، أو علم أنه من سبب عثار أو حبال غر منها، أو استهلكه هو، فإنما يضمنه بالبلد الذي أكرى السلعة إليه، وله الكراء كاملاً.
وإن لم يغر في ذلك وهلك بينة أو كان معه ربه فسقط عنه الضمان، والكراء أيضاً يسقط عن المكتري.
[مسألة: في الحمال يبيع الطعام ببعض الطريق بدون حضور صاحبه]
ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم ويحيى بن يحيى: أنه قال: وإذا باع الجمال الطعام أو صاحب السفينة ببعض الطريق ولم يحضر ربه فلربه أخذ الثمن إن شاء، وليس له أخذ القيمة، فإن لم يأخذ الثمن فله مثله بموضع يحمله إليه.
قال عنه يحيى: وإن أخذ الثمن فله أن يستحمله مثله من الموضع الذي باعه فيه حتى يبلغه إلى البلد الذي أكرى إليه، ويؤدي الكراء كاملاً.
م/: قال بعض فقهاء القرويين المتأخرين في الطعام يدعي الجمال ضياعه، أنه إنما يضمن مثله في الموضع الذي يوصله إليه إذا أمكن أن يكون وصل إلى الموضع بالطعام، فإن لم يمكن ذلك فإنما يضمن مثله في موضع ضاع فيه.
م/ وهذا خلاف لما قدمنا فاعرفه.
م/ والصواب أن يضمن مثله بالموضع الذي أكرى إليه، وسواء أمكن أن يصل إليه أو لم يمكن؛ لأنك إن ضمنته مثله بموضع ضاع فيه كان عليه حمله إلى الموضع الذي اكتراه ليوصله إليه فلا وجه لتفرقته.
[مسألة: في منع الحمالين العروض من أهلها حتى يقبضوا كراءهم]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وللحمالين منع العروض من أهلها حتى يقبضوا كراءهم، فإن حازوها لذلك حيازة الرهن فإنهم يضمنونها كالرهن، ولهم الكراء كله إن بلغوا ذلك غايته ضمنوه أو لم يضمنوه.
[الفصل 7 - خلاصة فيما يضمنه الحمالون]
م/ وتحصيل ما يضمنه الحمالون أم لا، على خمسة أوجه:
فالأول: ما هلك بسبب حامله ولم يغر.
والثاني: ما غر فيه.
والثالث: ما ثبت هلاكه من عرض أو طعام بأمر الله تعالى.
والرابع: ما هلك من الطعام بأمر الله تعالى، لكن بقولهم.
والخامس: ما هلك من العروض بقولهم.
فالأول: كل ما هلك بسبب حامله بعثار أو ضعف أحبل لم يغر منها أو ذهاب دابة أو سفينة بما عليها.
فقال مالك: لا ضمان عليه في ذلك كله ولا كراء ولا على ربه أن يأتي بمثله ليحمله له ويرجع بالكراء إن دفعه.
وقال غيره: ما هلك بسبب حامله بعثار مثل ما هلك بأمر من الله تعالى.
وقال ابن نافع: لرب السفينة بحساب ما بلغت.
والثاني: ما غر فيه من عثار أو ضعف أحبل فهلك، فإنه يضمن قيمة تلك العروض بموضع هلكت فيه، وله من الكراء بحسابه، وقيل: قيمته بموضع حمل منه إن أراد؛ لأنه منه تعدى.
والثالث: ما هلك بأمر من الله تعالى بالبينة من عرض وغيره فللمكري الكراء بأسره وعليه حمل مثله من موضع هلك فيه.
والرابع: ما هلك بقولهم من الطعام فلا يصدقون فيه.
قال ابن المواز: ويضمنون مثله بموضع حملوه إليه ولهم جميع الكراء.
والخامس: ما هلك بقولهم من العروض فهم مصدقون فيه.
قال ابن المواز: ولهم الكراء بأسره وعليهم حمل مثله من موضع هلك فيه إلى موضع يحمل إليه كالذي ثبت هلاكه بأمر من الله تعالى.
وقال ابن حبيب: لهم من الكراء بحساب ما بلغوا من الطريق ثم ينفسخ الأمر بينهم.
م/ فوجه قول ابن المواز أنهم لما كانوا مصدقين في تلف العروض أشبه ذلك ما قامت البينة بتلفه من غير سببهم، وهذا مما لا اختلاف فيه أن لهم جميع الكراء وعليهم حمل مثله إلى غايته.
ووجه قول ابن حبيب: أنه لما لم يعلم ذلك إلا من ناحيتهم أشبه ما هلك بسببهم من عثار ونحوه.
م/: وقول ابن المواز أصوب لما قدمنا.
والله الموفق.
[الباب العاشر]
جامع مسائل مختلفة من ضمان المكري والمكتري وغير ذلك
[الفصل 1 - في الرجل يحمل طعاماً فيزيد أو ينقص] قال ابن القاسم: وإذا حمل لك رجل طعاماً فزاد أو نقص ما يشبه زيادة الكيل ونقصه فلا شيء له ولا عليه من ضمان ولا حصة كراء، وإن زاد ما لا يشبه فلم يدع الجمال تلك الزيادة وقال زيدت على غلطا قال أبو إسحاق: إذا كانت الزيادة من زيادة الكيل أو نقصانه، وقال الجمال: ليست لي هذه الزيادة، وإنما غلطتم علي في خير رب الطعام في أن يأخذها لأن الكراء ربما اغترق الطعام وزيادة على ثمن الطعام، ويحلف رب الطعام أني ما زدتها إذا كان هو الذي كال ذلك الطعام للجمال، وتباع الزيادة، فإن نقصت عن كرائها لم يكن للجمال غير ذلك، وإن كانت مثل كرائها أخذ ذلك، وإن كانت أكثر أوقفت البقية الزائدة على كيل الجمال، فما سبق إلى دعواها منهما أخذها، وإن لم يدعياها وطال الزمان تصدق بها عمن هي له، وإن ادعى الجمال أنها له، وقال صاحب الطعام: بل هي لي زدتها فالقول قول الجمال مع يمينه؛ لأن دعوى صاحب الطعام
الغلط غير مقبول مع أن الجمال حائز لها.
فإن صدقته أخذتها وغرمت كراءها، وإن أنكرت الغلط لم يصدق الجمال، وربما اغترق ثمنه كراءه إلا أن تشاء أنت أخذها وغرم كرائها فذلك لك، وإن زاد الكيل فقال رب الطعام: أنا آخذ طعامي ومقدار زيادة كيلي فليس له أن يأخذ إلا كيل طعامه خاصة، إلا أن تكون زيادة الكيل أمراً معروفاً عند الناس.
م/ قال بعض أصحابنا عن بعض شيوخه القرويين: وإذا كان في الطعام زيادة كثيرة وكان الجمال هو الغالط فحمل الزيادة فلرب الطعام أخذ الزيادة ودفع كرائها أو يضمنه مثلها في الموضع الذي حمل منه الطعام، وهذا بخلاف من غصب طعاماً فحمله إلى بلد آخر فأراد ربه أخذه ودفع أجر الحمل فليس له ذلك؛ لأنه يصير بيع طعام ودراهم بطعام.
وفي مسألة الجمال الطعام إنما يحمله لربه.
م/ والقياس أنهما سواء، لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء.
ألا ترى أن له تضمين الجمال مثل تلك الزيادة بموضع حملها منه كالغاصب؛ لأن رب الطعام لم يأمره بحمله فالحكم فيهما سواء والله أعلم.
فصل [2 - فيمن اكترى على حمل متاع من بلد إلى آخر فأخطأ الحمال فحمل غيره]
ومن العتبية من سماع أبي زيد عن ابن القاسم: ومن اكترى على حمل متاع من
طرابلس إلى مصر فأخطأ الجمال فحمل غيره إلى مصر فربه مخير إن شاء ضمنه قيمة متاعه في البلد الذي حمله منه يأخذها حيث لقيه أو يأخذ متاعه.
قال أشهب: ولا كراء له.
وقال ابن القاسم وابن وهب ومطرف: بل يعطيع الكراء قالوا كلهم: وليس له أن يكلفه رده ولا للجمال أن يفعل ذلك إذا شاء ربه أخذه، والكراء الأول قائم بينهما وعليه أن يرجع فيحمل الحمل الآخر.
وقال ابن حبيب عن اصبغ على الجمال رده إلى طرابلس ثم هو في ضمانه في ذهابه به وفي رده إلى طرابلس، وإن شاء ربه أخذه بغير غرم كراء ورده ليأتيه بالحمل الذي أبقى.
قال: إلا أن يكون بعينه حمل هذا الذي غلط به إلى مصر، فعليه كراؤه حينئذ إن اختار صاحبه أخذه بمصر وذلك قيمة كرائه ليس على الكراء الأول، ولا بد أن يرجع في مجيب الحمل الذي ترك، ابن حبيب: وهو قول حسن.
قال أبو زيد عن ابن القاسم: وإن حمله تعدياً فربه مخير بين تضمينه قيمته أو يأخذ متاعه بالبلد الذي حمله إليه ولا كراء عليه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولكل حامل على ظهر أو سفينة أو صانع منع ما حمل
أو عمل حتى يأخذ أجره.
فإن هلك ذلك بأيديهم في منعهم فالصناع ضامنون ولا أجر لهم إلا أن تقوم بينة لهم على الضياع فلا ضمان عليهم ولا أجر لهم لأنهم لم يسلموا ما عملوا لأربابه.
وقال ابن المواز: لهم الأجر كاملاً، وقد تقدم هذا.
فصل [3 - في الدابة المكتراة تتلف ما اكتريت لأجله]
قال ابن القاسم: ومن اكتريت منه دابة أو ثوراً للطحن فكسر المطحنة لما ربطته فيها وأفسد آلتها لم يضمن إلا أن يغرك وهو يعلم ذلك منه فيضمن؛ لأن مالكاً قال فيمن أكرى دابته من رجل وهي ربوض أو عثور وهو عالم بذلك فلم يعلمه به فحمل عليها فربضت أو عثرت فانكسر ما عليها أن ربها ضامن.
ومن اكترى من رجل دابة ليحمل عليها دهناً من مصر إلى فلسطين فغره منها فعثرت بالعريش ضمن قيمة الدهن بالعريش.
م/ يريد إذ لا يعرف كيله.
وقال غيره: قيمته بمصر إن أراد؛ لأنه منها تعدى.
قال ابن حبيب: وإذا غرم قيمته بالعريش كان له من الكراء بحسابه إلى ذلك الموضع.
قال ابن القاسم: ومن حمل على ظهره أو دابته دهناً أو طعاماً بكراء فزحمه الناس فانكسرت الآنية وهلك ما فيها من الطعام أو الدهن فالذي زحمه ضامن.
وقد قال مالك في الرجلين يحملان جرتين أو غير ذلك على كل واحدة جرة فيصطدمان في الطريق.
قال: فإن انكسرت إحداهما ضمن الذي سلم للذي لم يسلم، وإن انكسرتا جميعاً ضمن كل واحد منهما لصاحبه، وإذا اصطدم فارسان فمات الفرسان والراكبان ففرس كل واحد في مال الآخر ودية كل واحد منهما على عاقلة الآخر، وإن سلم احدهما بفرسه ففي ماله فرس الآخر، وعلى عاقلته دية راكبه، وأما اصطدام السفينتين فلا شيء عليهم إذا كان الأمر غالباً من الريح لا يقدر على دفعه، ولو علم أن النوتي يقدر على أن يصرفها، قال: فلم يفعل لضمن، وإذا كان الفرس في رأسه اعترام فحمل بصاحبه فصدم فراكبه ضامن؛ لأن سبب فعله وجمحه من راكبه وفعله به إما أذعره فخاف منه أو غير ذلك، إلا أن يكون إنما نفر من شيء مر به في الطريق من غير سبب راكبه فلا ضمان عليه، وإن كان غيره فعل به ما جمح له فذلك على الفاعل، والسفينة لا يذعرها شيء والريح هي الغالب فهذا فرق ما بينهما.
وإذا غرقت السفينة من مد النواتية فإن صنعوا ما يجوز لهم من المد والعمل فيها لم يضمنوا وإن تعدوا فأخرقوا في مد أو علاج ضمنوا ما هلك فيها من الناس والحمولة.
محمد: يريد في أموالهم، وقيل: إن الديات على عواقلهم.
قال ابن القاسم: وذلك كتعدي من استعملته في بيتك من صانع أو طبيب أو غير
ذلك.
وإيعاب هذا في كتاب الديات.
قال ابنالقاسم: ومن اكتريت منه لحمل صبي مملوك إلى موضع من المواضع وأسلمته إليه فساق بع فعثرت الدابة فسقطت فمات لم يضمن إلا أن يخرق في سوقه وكذلك البيطار إذا طرح الدابة لا يضمن إذا طرحها كما يطرح البياطرة الدواب إلا أن يتجاوز في طرحها فيضمن.
وإذا ضرب المكتري الدابة أو كبحها فأذهب عينها أو كسر لحييها ضمن، والرائض مثله، ولو ضربها كضرب الناس لم يضمن، وكل شيء صنعه الراعي مما لا يجوز له فعله فأصاب الغنم من فعله عيب فهو ضامن، وإن صنع ما يجوز له أن يفعله فتعيبت الغنم فلا ضمان عليه.
فصل [4 - في العرف يحدد الغاية والحمل ووطاء الدابة عند الاختلاف]
قال ابن القاسم: ومن اكترى من مكة أو من إفريقية إلى مصر جاز وهو إلى الفسطاط، وإن لم يذكراه؛ لأنه المتعارف، وليس كمن اكترى إلى الشام أو إلى خراسان لأنها كور وأجناد فلا يجوز حتى يسمى أي كورة أو مدينة، وأما إلى فلسطين فإن كان المتعارف عندهم الرملة كان إليها وجاز الكراء.
ومن اكترى من رجل على حمل رجلين أو امرأتين ولم يرهما جاز لتساوي الأجسام إلا الخاص، فإن أتاه بفادحين لم يلزمه ذلك.
م/ يريد لا يلزمه حملهما والكراء قائم بينهما ويأتي بالوسط من ذلك، أو يكري الإبل في مثل ذلك.
قال: ويجوز كراء محمل لا يذكر وطاؤه، ويحمل كوطاء الناس، وكذلك على زاملة لا يخبره بما فيها، ويحملان على المتعارف من الزوامل لحاج أو غيره، وعليه حمل المتعارف من معاليق وغيرها، ولو شرط عليه حمل هدايا مكة، فإن كان أمراً عرف وجهه جاز وإلا لم يجز.
وأجاز مالك للمكتري أن يحمل في غيبته ثوباً أو ثوبين لغيره ولا يخبر بذلك الجمال، وهو من شأن الناس، ولو بين هذه الأشياء ووزنها كان أحسن.
وإذا ولدت المكترية في الطريق جبر الحمال على حمل الولد وإن لم يشترطوا ذلك.
م/ يريد لأنه العرف.
قال: ولا بأس أن تكتري محملاً وتشترط عقبة الجير.
م/ يريد لأنه معروف.
قال: وإن اكترى مشاة على أزوادهم على أن لهم حمل من مرض منهم لم يجز.
م/ يريد؛ لأن ذلك غرر مجهول.
[الباب الحادي عشر]
في المتكاريين يهرب أحدهما أو يغيب
[الفصل 1 - في هروب الجمال بدون إبله أو معها أو تغيبه يوم الخروج]
قال مالك: وغن اكتريت من رجل إبله إلى بلد ثم هرب الجمال وتركها في يديك فأنقت عليها فلك الرجوع بذلك، وكذلك إن اكتريت من يرحلها رجعت بكرائه، ولو هرب بإبله والكراء إلى مكة أو غيرها تكارى لك الإمام عليه، ورجعت عليه بما اكتريت به.
ابن المواز: إنما يكري عليه إذا كان له مال معروف.
ومن المدونة: وإذا تغيب الجمال يوم خروجك فليس لك عليه إن لقيته بعد ذلك إلا الركوب أو الحمل وله كراؤه، وهذا في كل سفر في كراء مضمون إلا الحاج فإنه يفسخ، وإن قبض الكراء رده لزوال إبانه.
ابن المواز: لأن أيام الحج معينة فإذا فاتت انفسخ الكراء، وكذلك كل مكتر في
أيام بعينها، ولا يتمادى، وإن رضيا.
م/ وهذا إذا نقده الكراء؛ لأن بذهاب الأيام المعينة يجب فسخ الكراء ورد ما انتقد فلا يجوز أن يأخذ في ذلك ركوباً؛ لأنه فسخ دين في دين.
ومن المدونة قال مالك في الدابة بعينها يكتريها ليركبها إلى غد فيغيب بها ربها، ثم يأتي بها بعد اليومين أو الثلاثة فليس له إلا ركوبه.
م/ يريد لأنه لم يقصد تعيين اليوم، وإنما قصد تعيين الركوب.
وقال غيره: ولو رفع إلى الإمام نظر وفسخ ما آل إلى الضرر كمن اكترى دابة بعينها فاعتلت في سفره.
قال ابن القاسم: والذي أرى أنه إن اكتراها بعينها إلى بلد ليركبها في غد فأخلفه المكري فليس له إلا ركوبه، أو يكري الدابة من مثله إلى البلد.
ابن المواز: وذلك كشراء سلعة بعينها يدفعها من الغد أو مضمونة فمطله بذلك حتى فاته ما يريد فلا حجة له، وإنما له السلعة.
وقال مالك في الأضاحي يسلم فيها فيؤتى بها بعد أيام النحر أنها تلزمه.
م/ وإنما لزمه ذلك لإحضاره ما ابتاع منه ولا حجة له لفوات ماله أراده؛ لأنه كان قادراً على رفع ذلك إلى الإمام فيفسخ ذلك عنه فلما تركه بقي البيع منعقداً بينه
وبينه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أكراها أياماً معينة انتقض الكراء فما غاب منها كالعبد يستأجره شهراً بعينه فيمرضه أو يؤبقه فإنه تنتقض الإجارة، وكذلك شهراً بعينه في الراحلة بعينها لركوب أو لطحن أو غير ذلك، وذلك بخلاف المضمون.
فصل [2 - في هروب المكتري قبل ركوبه]
وإذا هرب المكتري في كرائه إلى مكة أو غيرها رفع الجمال ذلك إلى الإمام فيكري الإبل للهارب ويقضى للجمال من ذلك كراؤه، وإن لم يجد له كراء تركها وأتبعه بجميع الكراء.
وقاله مالك فيمن اكترى على حمل متاع أو طعام عند وكيله ببلد آخر فلم يجد الجمال الوكيل فإن الإمام يتلوم له بغير ضرر، فإن جاء وإلا أكرى الإبل للمكتري وكان الكراء له، فإن لم يجد تركها وكان للجمال جميع كرائه، وإن رجع ولم يرفع ذلك إلى السلطان وبالبلد سلطان فليرجع ثانية فيحمل، وإن لم يكن بها سلطان فتلوم وانتظر وأشهد كان له ذلك عذراً وله الكراء الأول فلا يرجع.
قال ابن وهب عن مالك: ولو واعد المكتري الجمال إلى موضع فجاء الجمال فلم يجده دخل على إمام البلد إلا أن يجد الكراء، فإن انصرف ولم يكر ولم يعلم الإمام وكان الكراء ممكناً إلى البلد الذي أكرى إليه فلا شيء له.
قال أبو محمد: وينفسخ الكراء في رواية ابن وهب في قوله ولا شيء له.