من الجامع لابن يونس قال رحمه الله: كتاب كراء الرواحل والدواب
[الباب الأول]
في الكراء المضمون, والمعين, والنقد, والخيار فيه, وفي المكري يبيع الدابة المكتراة.
[الفصل 1 - الكراء المضمون والمعَّين]
والمتكاريان كالمتبايعين فيما يحل ويحرم؛ لأنها بيع منافع فهي كبيع الأعيان.
قال ابن القاسم: وكراء الدواب على وجهين: مضمونة في ذمة, أو دابة بعينها, وقد قضى عمر رضي الله عنه أن الدابة المعينة إذا هلكت انفسخ الكراء, ولا يأتي بغيرها إلا أن يشترط البلاغ وهو المضمون, وقاله علي رضي الله عنه.
م/ كراء الدابة المعينة كشراء السلعة من المكيل والموزون؛ لأن على البائع أن
يوفيه كيله أو وزنه كما على المكري أن يوفيه ركوبه أو حمله, وكراء المضمون كشراء السلع المضمونة, فكما كان هلاك هذه السلعة المعينة قبل القبض يوجب فسخ الشراء ولا يقال للبائع ائت بمثلها, فكذلك كراء الدابة المعينة إذا هلكت قبل الركوب, أو قبل تمام الغاية المكتراة انفسخ الكراء, أو بقيته.
وكما كان هلاك السلع المضمونة قبل القبض أو استحقاقها بعد القبض لا يوجب فسخ الشراء, ويقال للبائع: ائت بمثلها فكذلك الكراء المضمون, الأمر في ذلك كله متفق, وهذا بين فاعلمه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن شرك في المعينة: إن ماتت أتاه بغيرها لم يجز, وإن لم يشترط ذلك جاز, ويفسخ الكراء بموتها, وليس كرعاية الغنم المعينة فتلك لا يجوز فيها الرعاية إلا باشتراطه خلف ما مات منها؛ لأنها مستأجر عليها, والدابة ههنا كالراعي الذي لا يجوز أن يشترط عليه إن مات أو مرض أن يؤتي ببديل من ماله, وتنفسخ الإجارة بموته, وإذا استؤجر لغنم يرعاها أو دواب يقوم عليها فماتت الغنم أو الدواب لم تنفسخ الإجارة.
وإنما تنفسخ الإجارة بموت الأجير لا بموت المستأجر عليه.
قال ابن المواز: لا يجوز في شخص بعينه اشتراط ضمان عمله ونفعه, لا راعي, ولا راحلة بعينها, ولا حر, ولا عبد, ولا مركب, ولا مسكن على أنه إن هلك ذلك أتاه بمثله, كما لا يجوز بيع شيء بعينه على أنه إن هلك قبل أن يصل إلى المشتري ضمن البائع مثله لا في حيوان ولا في طعام ولا عرض يكال أو يوزن أو لا يكال ولا يوزن,
فأما ما استؤجر فيه على عمله أو حله أو رعايته فلا يصلح أن يشترط أنه ذلك بعينه لا غير فيصير رب تلك الأشياء لا يقدر أن يبيعها أو يأتي بغيرها قبل تمام المدة وإن هلكت لم يقدر أن يأتي بغيرها إلا أن يشترط إن احتاج إلى بيعها وأخذها أو تلفت كان عليه حمل
مثلها أو عمل مثلها, فيجوز مثل الغنم المعينة التي لا تجوز فيها الرعاية إلا باشتراط خلف ما مات أو باعه أو أكله منها, ويصير قد وقعت إجارته على غير معين, وإنما يجوز في الراحلة والأجير أن يكون بعينه فإذا مات وقعت المحاسبة.
فأما ما استؤجر عليه الأجير فلا يكون إلا على أمر مبهم لا على معين, ولكن على ما يجب على الكري أو الأجير من تمام الحمل أو الرعي والعمل بخلف ما هلك أو ببدله إن شاء, ولو أراه حين العقد ما يعمله أو يحمله أو يرعاه, فإن ذلك كالصفة لما يحمل أو يعمل أو يرعى, فإن شرط أنه بعينه لا يعدوه لم يجز, فإن عمل على ذلك فله كراء مثله.
قال: ولو اكترى منه على أن يحمله إلى بلد كذا على دابة أو سفينة وقد أحضرها ولا يعلم له غيرها ولم يقل له تحملني على دابتك هذه أو سفينتك هذه فهلكت بعد أن ركب, فعلى المكري أن يأتيه بدابة أو سفينة غيرها, ويحمله, وذلك مضمون حتى يشترط شرطاً إنما أكري منك هذه بعينها فينفسخ الكراء بهلاكها.
ابن المواز: أو يكري منه نصف السفينة أو ربعها فيكون كشرط التعيين.
فصل [2 - النقد في الكراء]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اشترى عبداً أو أكترى راحلة بعينها إلى مكة بمائة دينار صفقة واحدة جاز ذلك إن لم يشترط خلف الراحلة إن هلكت, فإن شرط ذلك لم يجز إلا أن يكون الكراء مضموناً في أصل الصفقة.
قال بعض فقهاء القرويين: وإذا لم يشترط خلف الراحلة المعينة إن هلكت ثم
هلكت, فيفرق هل هي وجه الصفقة أم لا, فإن كانت وجه الصفقة انفسخ البيع, وإن لم تكن وجه الصفقة لزمه العبد بحصته من الثمن يعمل في ذلك كما يعمل في البيوع إذا استحقت بعض السلع.
م/ ولو كان المكري اشترى العبد بكراء راحلة بعينها وبعشرة دنانير دفعها لرب العبد فهلكت الراحلة قبل الركوب أو بعد يسير من الركوب فإن كانت الراحلة وجه الصفقة رد الدنانير وقيمة ما ركب وأخذ عبده إن لم يفت فإن فات نظرت كم قيمة كراء الراحلة جميع الطريق إن لم يركب, أو بقيمتها إن ركب فإن كانت ثلث الصفقة أو ثلثيها رجع بحصة ذلك في قيمة العبد لا في عينه.
م/ والصواب أن لا يراعي في هذا فوات العبد, وينفسخ البيع إذا كانت الراحلة وجه الصفقة؛ لأن ما معها من الدنانير لا فوت فيها.
فهو كما او اكتراها واشترى عبدا معها بمائة دينار فهلكت وهي وجه الصفقة أن البيع ينفسخ ويرد العبد ويأخذ مئته, وقد قالوا فيمن اشترى غنماً وعليها صوف تام بمائة دينار فجز الصوف, ثم رد الغنم بعيب أنه يرد الصوف معها ويأخذ ثمنه, فإن فات الصوف رد مثله إذا علم وزنه وأخذ دنانيره, وكذلك إذا كان مع الراحلة عين أو ما يكال أو يوزن فهلكت وهي وجه
الصفقة أنه يرد ما كان معها أو مثله إن فات ويأخذ عبده أو قيمته إن فات.
وأما إن كان الذي معها عرض لا يكال ولا يوزن ففات فهاهنا يراعى فوات العبد وغير فواته، وتكون كمسألة من اشترى عبداً بثوبين فهلك بيده أحدهما ووجد بالباقي عيباً، وهو وجه الصفقة، وقد تقدم شرحها في كتاب العيوب.
ووجه الأولى أنا لما وجدنا القيمة فيما يقوم، كالمثل فيما له مثل في فوات أعيان المستحقات وفي فوات أعواضها، ومتى وجب غرم المثل، فيجب أيضاً متى لم يجب إغرام القيمة لم يجب إغرام المثل، ووجدنا من ابتاع عبداً بثوبين فهلك أدنى الثوبين واستحق الأرفع أو وجد به عيب أن يرد قيمة الأدنى مع العيب ويأخذ عبده إن لم يفت وجب إذا كان مع هذا الثوب المعيب عين أو ما يكال أو يوزن أن يرده مع المعيب ويأخذ عبده، ولما وجدنا إذا فات العبد لم ينتقض البيع كله ورجع بحصة المعيب في قيمة العبد ولم يرد قيمة الهالك مع المعيب ويأخذ جميع القيمة وجب كذلك إذا كان مع المعيب عين أو ما يكال أو يوزن ففات أن يرد المعيب وحده بحصته مما معه ويرجع به في القيمة ليمضي التغابن فيما فات، ولا ينتقض البيع فيه في الوجهين.
هذا هو القياس في هذا وما يشابهه، والله أعلم.
م/ وإن هلكت الراحلة وقد سار أكثر الطريق أو لم يسر شيئاً وكانت ليست بوجه الصفقة والعبد قائم لم يفت رجع بحصة ذلك في قيمة العبد لا في عينه لضرر الشركة عند ابن القاسم.
وعلى مذهب أشهب يرجع في عين العبد.
م/ قيل: ومعنى المسألة أنه اشترط نقد المائة أو كان سنة الكراء على النقد، فأما إن كان يتأخر، أو لا سنة لهم حتى لا يلزمه من النقد إلا بقدر ما سار، فإنه يصير ما يخص العبد من النقد لا يعلم وما يخص الكراء من المتأخر لا يدري ما هو، فلا يجوز هذا إلا عند من يجيز جمع السلعتين لرجلين فعساه، وهذا أشد؛ لأنه فيه نقد ومؤخر مجهولان.
فصل [3 - في بيع الدابة واستثناء منفعتها يوماً أو يومين]
ومن المدونة قال مالك: ومن باع دابة واستثنى ركوبها يوماً أو يومين أو يسافر عليها اليوم، أو إلى المكان القريب جاز ذلك، ولا ينبغي فيما بعد إذ لا يدري المبتاع كيف ترجع إليه، وضمانها من المبتاع فيما يجوز استثناؤه، ومن البائع فيما لا يجوز استثناؤه.
فصل [4 - في اكتراء الراحلة على أن يركبها في الزمن القريب والبعيد]
قال ابن القاسم: ومن اكترى راحلة بعينها على أن يركب إلى اليوم واليومين وما قرب جاز ذلك، وجاز فيه النقد، وإن كان الركوب إلى شهر أو شهرين جاز ما لم
ينتقد، وقال غيره: لا يجوز بحال.
م/ فوجه قول ابن القاسم أنه لما لم ينقده لم يدخله تارة بيعاً إن سلمت الراحلة، وتارة سلفاً إن هلكت، فوجب جواز الكراء إذ لا غرر فيه؛ لأن هلاكها من ربها.
ووجه قول غيره: أنه لما لم يجز بيعها على أن تقبض إلى ذلك الأجل فكذلك كراؤها.
والفرق عند ابن القاسم بين الشراء والكراء أنا لو أجزنا الشراء كان ضمانها من المشترى كقريب الاستثناء فيدخله الغرر وكأنه اشترط على البائع ما يجب عليه ضمانه، وفي الكراء الضمان من ربها فافترقا.
م/ وبقول ابن القاسم أقول.
[مسألة: النقد في كراء الخيار]
ومن المدونة قال مالك: ولا يصلح النقد في كراء الخيار إلا أن يشترطا الخيار في مجلسهما ذلك قبل أن يفترقا.
ولا يصلح التطوع بالنقد في كراء الخيار على مذهب ابن القاسم؛ لأنه يصير إذا اختار إمضاء الكراء أخذ من دين له كراء راحلة، وهذا لا يجوز عنده ويجوز عن أشهب.
فصل [5 - في وجوب النقد في الكراء المضمون إلى أجل]
ابن المواز: قال ابن القاسم: قال مالك: من تكارى كراء مضموناً إلى أجل مثل الحج في غير إبانه فلا يجوز أن يتأخر النقد، ولكن يعجل مثل الدينارين ونحوهما،
وكان يقول: لا ينبغي إلا أن ينقد مثل ثلثي الكراء في مثل هذا المضمون إلى أجل، ثم رجع فقال: قد اقتطع الأكرياء أموال الناس فلا بأس أن يؤخروهم بالنقد ويعربنوهم الدينار وشبهه.
قال أبو محمد: يريد ولو كان مضموناً بغير أجل وشرع في الركوب جاز بغير نقد؛ لأنه قبض أوائل الركوب كقبض جميعه إذ هو أكثر المقدور عليه في قبضه.
م/ يريد أنه إن اكترى كراء مضموناً لا يركب فيه إلا إلى أجل فالنقد فيه جائز، بل لا يجوز تأخير النقد كله، بشرط في هذا المضمون، كتأخير رأس مال السلم، وإنما أجازة مالك إذا أخر بعض النقد؛ لأن الأكرياء قد اقتطعوا أموال الناس فأجاز فيه تأخير الثمن لهذه الضرورة بخلاف تأخير بعض رأس مال السلم.
فصل [6 - في بيع الدار المكتراة أو وهبها أو التصدق بها]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن اكتريت من رجل دابة بعينها أو دار فباعها ربها أو وهبها أو تصدق بها لم يجز ذلك؛ لأن المكتري أحق بها في الموت والفلس بقية مدته، كطعام بعينه مات بائعه أو فلس قبل كيله، فمبتاعه أحق به من الغرماء حتى يستوفي حقه.
وإن ذهب مبتاع الدابة بها فلم يوجد، فسخ الكراء، وترجع بما نقدت، ولو قدم المبتاع وربها غائب فأقمت عليه بينة على كرائك كنت أحق بها، وينقض البيع، قال: وللمبتاع الرضا بتأخيرها إلى تمام مسافتك إن قربت، وإن بعدت لم يجز.
م/ قال بعض القرويين، ولو لم يفطن لذلك إلا بعد انقضاء المدة، وكانت كثيرة، فالأشبه أن يرجع المشتري بقيمة عيب حبسها هذه المدة، ولا ينتقض البيع.
الباب الثاني]
في الكراء بعين أو عرض بعينه وإبهام نقده والضمان فيه
[الفصل 1 - في الكراء بعين أو عرض بعينه]
قال ابن القاسم: ومن اكترى دابة لركوب أو حمل أو اكترى دارا أو استأجر أجير! بشيء بعينه من عرض أو حيوان أو طعام فتشاحا في النقد ولم يشترطا شيئاً فإن كانت سنة الكراء بالبلد بالنقد جاز وقضى بنقدها، وإن لم تكن سنتهم بالنقد لم يجز الكراء وإن عجلت هذه الأشياء، إلا أن يشترط النقد في العقد، كما لا يجوز بيع ثوب أو حيوان بعينه على أن يقبض إلى شهر، ويفسخ ذلك.
وقال ابن حبيب: الكراء بهذا كله جائز كان سنة الناس التأخير فيه أو غيره، فهو على تعجيله حتى يشترط تأخيره تصريحاً أو تلميحاً.
وقاله من أرضي من أصحاب مالك.
م/ وقول ابن القاسم أصوب؛ لأن العرف كالشرط وإن لم تكن لهم سنة راتبة وكانوا يكرون بالنقد والنسيئة وأبهموا الكراء، فأصل ابن القاسم أنه على التأخير؛ لأن عقد الكراء لا يوجب نقد ثمنه إلا أن يكون عرفاً أو شرطاً وإلا لم يلزمه أن ينقد إلا بقدر ما ركب أو سكن بخلاف شراء السلع المعينة، هذه بتمام عقد شرائها يجب عليه نقد ثمنها؛ لأنه ينتقدها منه فوجب عليه نقد ثمنها.
والركوب والسكنى لم ينتقده فوجب أن لا ينقد إلا ثمن ما قبض منه، فلما كان عقد الكراء لا يوجب انتقاد ثمنه فكأنهما دخلا في الكراء بهذه المعينات على التأخير فوجب فساد الكراء.
وأصل ابن حبيب فيما يفسد الكراء بتأخيره أن يحملهم على الأمر الجائز من انتقاده حتى يشترط التأخير.
م/ وقول ابن القاسم أقيس، وبه أقول.
[الفصل 2 - في الكراء بدنانير معينة]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى ما ذكرنا بدنانير معينة ثم تشاحا في النقد فإن كان الكراء بالبلد بالنقد قضى بنقدها وإلا لم يجز الكراء إلا أن يشترطا تعجيلها في العقد كقول مالك فيمن ابتاع سلعة بدنانير له ببلد آخر عند قاض أو غيره، فإن شرط ضمانها إن تلفت جاز، وإلا لم يجز البيع، فأرى إن كان الكراء لا ينقد في مثله إلا أن يشترط في الدنانير إن تلفت فعليه مثلها ولا يجوز اشتراط هذا في طعام أو عرض في بيع ولا كراء لأنه مما يبتاع لعينه فلا يدري المبتاع أي الصفقتين ابتاع ولا يراد من المال عينه.
وقال غيره في الدنانير: هو جائز، وإن تلفت فعليه الضمان.
م/ وحُكي عن بعض فقهاء القرويين في قوله لا يجوز البيع بالدنانير الغائبة إلا أن يشترط ضمانها إن تلفت، إنما ذلك إذا اشترط قبض السلعة المبيعة المعينة؛ لأنه يصير كنقد في غائب، فتصير الدنانير الغائبة كسلعة اشتريت نقد فيها سلعة حاضرة.
قال: وكذلك وقع لابن المواز، وهو تفسير.
قال غيره ولابد من الخروج إليها كالغائب.
ولهذا استغنى عن ضرب الأجل؛ لأنها لو كانت متعلقة بالذمة خاصة على أن تقبض ببلد آخر لوجب ألا يجوز البيع كمن باع بدنانير على أن يقبضها ببلد آخر ولم يضرب لها أجلاً أنه لا يجوز.
قال في كتاب محمد: وإن لم يشترط خلفها جاز البيع وأوقفت السلعة الحاضرة كمن اشترى سلعة حاضرة بغائبة فتوقف السلعة الحاضرة وتخرج، فإن وجد الدنانير تم البيع، وإن لم توجد بطل إلا أن يرضى المشتري أن يعطيه غيرها.
[الفصل 3 - في الكراء بشيء معين مؤجل، ويرغب المكتري في تعجيله]
ومن المدونة، قال ابن القاسم: من اكترى إلى مكة بعرض أو طعام بعينه أو دنانير معينة والكراء عندهم ليس على النقد، فقال المكتري: أن أعجل الدنانير والعروض والطعام ولا أفسخ الكراء فلابد من فسخه لفساد العقد.
وقال غيره مثله إلا في الدنانير فإنه جائز عنده.
وقال ابن القاسم: ومن اكترى بهذه المعينات من عرض ونحوه وشرط عليه أن لا ينقده ذلك إلا بعد يومين أو ثلاثة لم يعجبني ذلك إلا لعذر من ركوب دابة، أو لبس ثوب، أو خدمة عبد، أو توثق حتى يشهد، فذلك جائز، فإن لم يكن لعذر كرهته، ولا أفسخ به البيع، ولا أحب أن يعقد الكراء على هذا.
[مسألة: تأخير الكيل يومين للمشتري من صبرة معينة]
وقد أجاز مالك رحمه الله تعالى تأخير الكيل اليومين للمشترى من صبرة معينة ورأى المشترط إن لم يأت بالثمن إلى أيام فلا بيع له، إنفاذ البيع وسقوط الشرط عجل النقد أم أخره، ويقضى عليه بالنقد.
م/ يريد يقضى عليه بالنقد بعد اليومين أو الثلاثة المشترط له تأخيره بها، ويفسخ شرطه إن لم يأت بالثمن فلا بيع له.
[الفصل 4 - تأخير الدنانير المعينة اليوم واليومين في الكراء]
قال ابن القاسم: قال ابن القاسم: وأما الدنانير المعينة فلا يعجبني تأخيرها اليوم واليومين إلا أن يشترط المكترى ضمانها أو يضعها رهناً بيد غيره، ولم يكرهه غيره ولو بقيت بيده؛ لأنه لو ابتاع بها بعينها فاستحقت لقضي عليه بمثلها والبيع تام.
م/: واختلف شيوخنا في اشتراطه تأخير الدنانير اليوم واليومين بغير عذر ولا شرط ضمانها إن تلفت، كيف يكون الحكم إن نزل ذلك على مذهب ابن القاسم؟.
فقال بعضهم الكراء فاسد بخلاف العرض.
وقال بعضهم الدنانير والعرض في ذلك سواء، اشتراط تأخير ذلك لغير عذر مكروه.
فإن نزل مضى وإن ضاعت الدنانير أبدلها.
م/ وهو أبين.
وقال بعض فقهاء القرويين: قوله في الدنانير لا يعجبني إلا أن يشترط خلفها أو يضعها رهناً، كلام فيه إشكال؛ لأن الدنانير لا غرض في أعيانها وإنما يجب البيع والكراء بما على الذمة، ولو لزم تعيينها فاستحقت لم يلزمه بدلها إلا ـن يشاء؛ إذ تعيينها على هذا التأويل إنما هو ليخرجها إلا أن يتعلق بالذمة غيرها.
م/ ظاهر قول ابن القاسم أنها متعلقة بالذمة ولذلك أجاز اشتراط ضمانها إن هلكت،
وإنما سامح في تعيينها لغرض المكترى أو المكرى في ذلك إما لرغبته في حلها أو في عينها، ولم ينقلها مع ذلك عن أصلها أنها متعلقة بالذمة وقول الغير أشبه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا هلك هذا العرض المعين بيد المكترى به وهو رفيق أو حيوان وقد شرط حبسه للوثيقة أو للمنفعة فهو من المكرى؛ لأنه أمر يعرف هلاكه، ولو كان مما يغاب عليه فحبسه المكترى للوثيقة فهلك بيده كان منه إن لم يعرف هلاكه وانتفض الكراء ولا يقال له ائت بمثله.
م/ يعني ويحلف أن ذلك هلك أو تلف فإن نكا المكترى كان للمكري أن يغرمه قيمته ويثبت الكراء أو لا يغرمه ويفسخ الكراء، وليس في هذا رد يمين؛ لأنه إنما اتهمه في حبسه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك إن استحق في هذا أو كان رأس مال السلم وكذلك، في البيع يحبسه البائع للثمن فهو منه، إلا أن تقوم بينة بهلاكه فيكون كالحيوان ضمانه من المبتاع والبيع تام، ولا يجوز ضمان ما هلك مما يتأخر قبضه اليوم واليومين إلا في العين وحده.
وقال غيره في الثياب والحيوان وما لا يكال ولا يوزن من العروض يحبسها البائع لركوب دابة أو لباس ثوب أو غير ذلك فشرط يوماً أو يومين فالنقد في ذلك جائز؛ لقربه وضمانها من المبتاع؛ لأنه كأنه قبضه وتلف في يده، وكذلك لو اكترى بها دابة أو
دارًا فحبسها لذلك.
م/ ومعنى قول أنه لما اشترط ركوب الدابة ولباس الثوب فكأن البائع لذلك باعه واستثنى الانتفاع به فهو كمكتري ذلك من المشترى، والشيء المكترى ضمانه من ربه، والدليل على أن الاستثناء كالشراء أو الكراء من المبتاع أن من ابتاع امة حاملاً لا يجوز له استثناء جنينها؛ لأن الحكم يوجبه للمبتاع فاستثناء البائع له كشرائه منه فلم يجز؛ لأنه من بيع الأجنة، وكذلك من باع نخلاً وفيها ثمر لم يؤبر أنه لا يجوز للبائع استثناؤه؛ لأنه كشرائه من المبتاع.
فاستثناء المشترى أو المكترى في مسألتنا كاكترائه من مشتريه فلذلك كان ضمانه منه.
هذا وجه قول غيره والله أعلم.
فإن قيل فإذا كان ذلك كاكتراء البائع له انبغي أن لا يفرق بين قليل الاستثناء وكثيره، وأنه يجوز استثناء ركوب الدابة شهراً أو شهرين؛ لأنه قبضه ثم أكراه من البائع.
قيل: فلو أجيز مثل لدخله بيع شيء بعينه لا يقبض إلا إلى أجل بعيد فلما دخل علينا الفساد من هذا الوجه حملناهم على أنهم قصدوه.
وأما استثناء اليومين ونحوهما فإن حملته على أنه باعه على أن يقبض إلى يومين جاز، وإن حملته على أنه باعه ثم أكراه جاز.
وهذا كقولهم فيمن باع قمحاً على أن على البائع طحنه، أو نعلين على أن يحذوهما، فما كان خروجه معروفاً جاز؛ لأنه إن حملته على أنه بيع وإجازة جاز، وإن حملته أنه
ابتاع ما يخرج منه جاز؛ لأنه معروف.
وأما إن ابتاع قمحاً في سنبله على أن يدرسه له ويصفيه، أو غزلاً على أن ينسجه له لم يجز؛ لأنه يحمل أمره على أنه ابتاع ما يخرج منه وذلك مجهول، فلما دخل عليه الفساد في وجه منع منه في الوجهين، فكذلك هذه المسألة وهذا أبين.
[الباب الثالث]
ما يحل وما يحرم في الكراء من عقد وشرط
[الفصل 1 - الكراء كالبيع فيما يحل ويحرم، والعرف في الكراء كالشرط]
والكراء يجري مجرى البيع فيما يحل ويحرم منه، والمتعارف من الأكرية وغيرها كالمشترط.
وقد أجاز العلماء أن يكري إلى مدينة كذا، وإن لم يسم أين ينزل منها، وكم من منزلة ينزل فيه، وكيف صفة مسيره، وكم ينزل في طريقه، واجتزوا بالمتعارف بين الناس من ذلك.
قال ابن القاسم فيمن اكترى دابة إلى موضع كذا بثوب مروي ولم يصف رقعته وذرعه لم يجز؛ لأن مالكاً لا يجيز هذا في البيع، ولا يجوز في ثمن الكراء إلا ما يجوز في ثمن المبيع.
ولا بأس أن تكتري إبلاً من رجل على أن عليك رحلتها وتكتري دابة بعلفها أو أجبرا بطعامه، أو إبلاً على أن عليك علفها أو طعام ربها، أو على أن عليه هو طعامك ذاهباً وراجعاً فذلك كله جائز وإن لم تصف النفقة؛ لأنه أمر معروف.
قلت: أرأيت المرأة إذا تزوجها الرجل أيحد لها نفقة؟
قال مالك: لا ولا يكون بذلك كله بأس.
وقد قال مالك: لا بأس أن يؤاجر الحر أو العبد أجلاً معلوماً بطعامه في الأجل أو
بكسوته فيه، وكذلك إن كان مع الكسوة أو الطعام دنانير أو دراهم أو عروض بعينها معجلة فلا بأس به.
فإن كانت عروضاً مضمونة بغير عينها جاز تأخيرها إن ضرباً لذلك أجلاً كأجل السلم.
م/ فإن وجد الأجير الذي استؤجر بطعامه أكولا خارجاً عن عادات الناس في الأكل فقال في المبسوط: له أن يفسخ إجارته.
م/ لأنه كعيب وجده به إلا أن يرضى الأجير بطعام وسط، وليس للذي استأجره أن يطعمه طعاماً وسطاً إذا لم يرض الأجير؛ لأن ذلك يؤدي إلى هلاكه وهو قد اشترط عليه طعامه فإما رضيه أو رده.
م/ قال بعض أصحابنا: ويحتمل أن يطعمه طعاماً وسطاً كمن استؤجر على حمل رجلين لم يرهما فأتاه بفادحين أن لا يلزمه حملهما، ويأتيه بالوسط.
والأول أبين.
والفرق بينهما أن الشيء المحمول لا يتعين، وإنما تعيينه كالصفة ألا ترى أنه إذا مات أو تلف لم ينفسخ الكراء فلما لم يتعين فعليه أن يأتي بالوسط وذلك عدل بين المتكاريين.
والأجير كالدابة المعينة ينفسخ الكراء بموته أو بموتها، فأما إن وجد به عيباً فإما رضيه
أورده، وليس له أن يسقط حصة ذلك العيب، كما ليس له أن يحط حصة العيب من ثمن الشيء المشتري.
وأما إن تزوج امرأة فوجدها أكولة خارجة عن الناس فليس له فسخ النكاح فإما أشبعها أو طلق؛ لأن المرأة لا ترد إلا من العيوب الأربعة فهو كما لو وجدها عوراء أو سوداء، ولو شاء لاستثبت.
ومن أكرى إبله بطعام مضمون ولم يضرب له أجلاً ولا ذكر موضع قبضه ولم يكن للناس عندهم سنة يحملون عليها فالكراء فاسد، وكذلك بغلام مضمون أو بثوب مضمون وليس لهم سنة يحملون عليها فالكراء فاسد، إلا أن يتراضوا بعد فسخ الأول على أمر جائز فينفذ بينهم.
فصل [2 - في تعيين عمل الدابة المكتراه]
ومن اكترى دابة ليركبها في حوائجه شهراً فإن كان على ما يركب الناس الدواب جاز، وكذلك إن اكتراها لطحين قمح شهراً بعينه، ولم يذكر كم يطحن كل يوم جاز؛ لأن طحين الناس معروف.
قال مالك: ومن استأجر دواب لرجل واحد في صفقة ليحمل عليها مائة إردب قمحاً ولم يسم ما يحمل على كل دابة جاز، ويحمل على كل دابة بقدر قوتها، وإن كانت الدواب لرجال شتى وحملها مختلف لم يجز؛ إذ لا يدري كل واحد بما أكرى دابته كالبيوع.
ولا يجوز كراء دابة ليشيع عليها رجلاً حتى يسمى منتهى موضع التشييع.
قال غيره: إلا أن يكون موضع التشييع بالبلد معروفاً فلا بأس به.
قال ابن القاسم: ومن اكترى دابتين واحدة إلى برقة والأخرى إلى إفريقية وهما لرجل واحد لم يجز حتى يعين التي إلى برقة والتي إلى إفريقية.
م/ وإنما لم يجز ذلك لاختلاف أغراض المتكاريين؛ لأن المكتري قد يرغب في ركوب القوية إلى إفريقية ورب الدواب قد يرغب في ركوبه إلى هناك على الضعيفة لئلا يضعف القوية ولو بين ذلك لهما لم يرضيا بذلك، فإذا لم يبين ذلك دخله التخاطر لاختلاف الأغراض.
وفارقت هذه المسألة مسألة الذي اكترى دواب لرجل ليحمل عليها مائة إردب ولم يسم ما يحمل على كل واحدة لاختلاف السؤالين، لأنه لم يقل يحمل على واحدة إردباً وعلى الأخرى إردبين كما قال واحدة إلى برقة وأخرى إلى إفريقية.
ولو قال ذلك لم يجز حتى يسمى التي يحمل عليها الإردبين من التي يحمل عليها إردباً فإذا اتفق السؤال اتفق الجواب، وبالله التوفيق.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى دابة ولم يسم ما يحمل عليها لم يجز إلا من قوم قد عرف حملهم فذلك لازم على ما عرفوا به من الحمل.
قال غيره: ولو سمى جمل الطعام أو بز أو عطر جاز، وحملها حمل مثلها.
ولو قال: احمل عليها حمل مثلها مما شئت لم يجز؛ لاختلاف الطرق بالسهولة والوعورة، وكذلك الحوانيت والدور، وكل ما يتباعد الاختلاف فيه؛ لأن في ذلك ما هو أضر
بالجدران؛ ولأن رب الدابة والمسكن باع من منافعها ما لا يدري، ألا ترى أنه إن حمل ما ليس بأضر مما شرط لم يضمن، كمن اكترى ليحمل حنطة فحمل مكانها شعيراً مثله، أو سما لم يضمن إن عطبت الراحلة، وكذلك إن اكتراها ليحمل عليها شطوياً فحمل عليها بغدادياً أو بصرياً وما أشبهه من نحوه وخفته أو ثقله لم يضمن، ولو حمل حجارة أو رصاصاً بوزن ذلك لضمن؛ لاختلاف ما بين ذلك.
قال ابن القاسم: ومن تكارى من رجل إلى مكة بمثل ما يتكارى الناس لم يجز، وإن اكترى مشاة على أزوادهم وعلى أن لهم حمل من مرض منهم لم يجز، ومن اكترى من رجل دابة على أنه إن بلغه موضع كذا يوم كذا، وإلا فلا كراء له لم يجز، وكذلك على أنه إن بلغك إلى مكة في عشرة أيام فله عشرة دنانير، وإن أدخلك في أكتر من ذلك فله خمسة دنانير لم يجز، ويفسخ قبل الركوب، فإن نزل وبلغك إلى مكة فله كراء مثله في سرعة السير وإبطائه ولا ينظر إلى ما سمياً، وكل من ركب أو حمل أو سكن في كراء فاسد فعليه كراء المثل.
م/ يريد وكذلك لو قبض الدابة أو الدار فلم يحمل ولم يسكن حتى انقضت مدة الكراء فعليه كراء مثلها على أنها مستعملة.
وقال بعض أصحابنا المتأخرين: بل على أنها معطلة في قول ابن القاسم، كمن اكترى ذلك مدة فحبسها بعد المدة أياماً لم يحمل ولم يسكن أن عليه كراء مثلها على أنها معطلة عند ابن القاسم، فكذلك هذا.
م/ وهذا خطأ، والفرق عندنا أن الذي حبس ذلك بعد المدة متعد في حبسه لم يؤذن
له فيه، ولا في الانتفاع به، فوجب عليه كراء ما استعملها فيه.
والذي اكترى ذلك كراء فاسداً إنما أخذها على الانتفاع بها، فليس الذي صنع من التعطيل يبطل حق ربها، كمن اكترى ذلك كراء صحيحاً فعطلها، وكمن اكترى داراً بثوب وتقابضا فلم يكن حتى انقضت المدة، ثم استحق الثوب أن عليه كراء مثلها على أنها مسكونة.
وقد وافقنا في هذا من خالفنا.
ولا فرق بين الكراء الفاسد إذا فات بانقضاء المدة وبين الكراء الصحيح بعرض فيستحق العرض بعد فوات المدة أن في ذلك كراء المثل لفواته.
وقد قال مالك في كتاب العتق فيمن اشترى عبداً شراء فاسداً ثم أعتقه أن عليه قيمته، كمن اشترى عبداً بثوب فأعتقه فاستحق الثوب أن عليه قيمة العبد.
[الباب الرابع]
في إلزام الكراء وفسخه بعيب أو عذر والتحول في الكراء
[الفصل 1 - إلزام الكراء العاقد به باللفظ]
ومن القضاء إلزام الكراء العاقد به باللفظ كالبيع إلا أن يرد بعيب ونحوه أو يتقايلا.
قال ابن المواز: ويوم يقع الكراء يجب الركوب إلا أن لا يمكن لليل غشيهم أو غيره فيؤخر إلى مكانه إلا أن يسميا أجلاً معروفاً جائزاً فينفذ بينهما.
ومن المدونة، قال مالك: وإذا تكارى قوم دابة ليزفوا عليها ليلتهم عروساً، فلم يزفوها تلك الليلة، فعليهم الكراء، وإن اكترى دابة ليشيع عليها رجلاً إلى موضع معلوم أو ليركبها إلى موضع سماه، فبدا له أو للرجل لزمه الكراء، وليكري الدابة إلى الموضع في مثل ما اكترى، وإن اكتراها ليركب يومه بدرهم فمكن منها فتركها حتى مضى اليوم لزمه الكراء، وإن اكتراها إلى الحج، أو إلى بيت المقدس، أو إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فعاقه مرض، أو مات، أو عرض له غريم حبسه في بعض الطريق فالكراء له لازم، وله أو لورثته كراء الدابة في مثل ما اكترى من مثله، ويكون صاحب الإبل أولى بما على إبله من الغرماء حتى يقبض كراءه، وللغرماء أن يكروها في مثل ما اكترى.
قال ابن القاسم في العتبية: إذا مات المكترى في الطريق، فلم يجد وليه كراء فأراد أن يطرح في شقه حجارة فليس له ذلك، وهذا مضار، إلا أن يكون له في تلك الحجارة
منفعة، ولو شرط عليه في أول الكراء أنه إن مات في الطريق قاصه بما ركب، فلا خير فيه.
وقال في الذي يكري الدابة إلى موضع فيقطع عليه اللصوص أو يسرق له متدع أو قطع له شيء لا يقدر معه على المسير، فالكراء لرب الدابة واجب، فإن شاء المكتري سار أو أقام، ويكريها في مثل ذلك.
وقاله سحنون.
[الفصل 2 - فسخ الكراء لضرر أو عيب]
وأما من تكارى دابة إلى موضع فبلغه شيء لا يقدر معه على دخوله ولا التخلص إليه، فالكراء يفسخ بينهما.
قال ابن حبيب: وإذا أصاب المرأة طلق في الطريق لم يجبر كريهاً على المقام عليها في الحج، وتقيم هي إن أحبت وتكري ما تكارته، وإنما يحبس عليها كريهاً في الحج إذا نفست قبل تمام حجها؛ لأنه كأنه أكرى إلى أن يتم حجها.
وقاله مطرف وابن الماجشون.
قال: وإن سار المتكاريان بعض الطريق، والكراء مضمون أو معي، فبلغهم فساد الطريق أو انغلاقه بينا لا يرجى كشفه إلى أيام فيها مضرة على أحدها أو عليهما، فلمن شاء منهما فسخ الكراء، فإن كان في موضع غير مستعتب، فعلى المكري أن يرده
إلى المستعتب والمكان المأمون كان بين يديه أو خلفه، فإن كان بين يديه فله بحساب كرائه، وإن كان خلفه فبكراء مثله والأول بحسابه.
قاله أصبغ.
ومن المدونة قال: وإن اكتريت دابة أو بعيراً بعينه فإذا هو عضوض أو جموح أو لا يبصر بالليل، أو دبر تحتك دبرة فاحشة يؤذيك ريحها فما أضرمن ذلك براكبها فلك فيه الفسخ؛ لأنها عيوب، والكراء غير مضمون.
[الفصل 3 - التحول في الكراء]
ابن المواز: فإن قال له ربها اركبها، فإن لم تواتك فعلى بدلها حتى أبلغك، فإن كانت مما يقضي له بردها فلا خير في شرطه أن يبلغه؛ لأن الكراء في معينة، فإن نزل فعليه كراء ما ركب، ولا خير أيضاً في أن يحوله إلى غيرها، وإن لم يضمن له.
وإن كانت الأولى في خفة أمر الدبرة لا يقضي بردها، فإن الكراء الأول لازم، والشرط الثاني باطل.
قال ابن القاسم وعبد الملك: ومن اكترى دابة بعينها إلى بلد، ثم أراد أن
يتحول منها إلى دابة أوطأ منها لم يجز لا بزيادة ولا بغيرها، فإن فعل فعليه في الثانية كراء مثلها ما بلغ، ويبقى كراء الأولى قائماً بينهما.
م/ ويجوز هذا على قول من يجيز أن يأخذ من دين له كراء دابة بعينها.
قال مالك: ولو هلكت الدابة المعينة ببعض الطريق.
م/ يريد وهو قد نقده فلا ينبغي أن يعطيه دابة أخرى يركبها بقية سفره إلا أن يصيبه ذلك بفلاة من الأرض وموضع لا يجد فيه كراء، فلا بأس به للضرورة إلى موضع مستعتب فقط.
وسواء تحول من كراء مضمون أو معين إذا كان الكراء الأول معيناً، وكذلك في العتبية والواضحة.
قال في الواضحة: ولو شرط في أول كرائها إن ماتت فدابته الأخرى بعينها مكانها إلى غاية سفره، أو شرط أن باقي كرائه مضمون عليه فلا خير فيه.
قال ابن القاسم في العتبية: وإن سأله أن يحوله من محمل إلى زاملة ويرد عليه ديناراً، أو يرده من زاملة إلى محمل ويزيده ديناراً وقد ركب أو لم يركب فذلك جائز.
م/ لأن ذلك ليس بانتقال من دابة إلى دابة، إنما انتقل إلى صفة ركوب في تلك الدابة المعينة.
قال: إلا أن يكون قد نقده فلا يزيده الحمَّال شيئاً إلا أن يكون قد سار بعض الطريق،
فتزول تهمة السلف، وأما زيادة الراكب ويتحول إلى محمل فلا بأس به، ركب أو لم يركب، نقد أو لم ينقد.
قال عنه أصبغ: وأما إن تكارى على حمل أعكام فأراد أن يتحول إلى محمل ويزيده فلا يجوز.
قال أصبغ: لتباعد هذا من هذا.
قال أشهب عن مالك: ومن اكترى من مصر إلى الحج، ولم يشترط الممر بالمدينة فيريد ذلك ويأبى الكري، فذلك على الكري إلا أن يخاف فوات الحج.
قال ابن ميسر: ولا يراعى سهولة الطريق؛ ولأنه واجب عليه بدءاً بالإحرام.
ومن المدونة: وإذا مرض العبد في مدة الإجارة سقط عنك كراء أيام مرضه فإذا صح في بقية المدة عاد إلى عمله.
قال غيره في كتاب الإجارة إلا أن يتفاسخا قبل ذلك.
قال ابن القاسم: وإذا اعتلت الدابة المكتراه في الطريق يريد وهي بعينها فسخ الكراء وإن صحت بعد ذلك لم يلزمه كراؤها بقية الطريق بخلاف العبد للضرورة في صبر المسافر عليها، وهي إن صحت بعده لم تلحقه، وإن لحقته فلعله قد اكترى غيرها.
يريد: وكذا لو كان كراؤه للعبد في السفر؛ لأنه يلحقه فيه من الضرورة ما يلحقه في الدابة، وإنما اختلفا؛ لأن مسألة العبد في الحضر.
قاله بعض فقهائنا.
قال مالك: ولو رضي المكتري بالمقام على الدابة وأبى ربها إذا مرضت إلا بيعها فإن كان مرضاً يرجى برؤه إلى ما قرب كاليومين ونحوهما مما لا ضرر فيه على ربها حبس لذلك، وإن كان فيه ضرر فسخ.
[الباب الخامس]
في زيادة المكري والمكتري على الدابة وإردافه وكراؤه من
غيره.
والقضاء أن الكراء كالشراء، وأن المتعدي ضامن، وقد أجاز غير واحد من التابعين الربح في الكراء، ولم يروه تعدياً.
[الفصل 1 - زيادة المكري على الدابة]
قال مالك: وإن اكتريت دابة بعينها فليس لربها أن يحمل تحتك متاعاً ولا يردف رديفاً وكأنك ملكت ظهرها، وكذلك السفينة.
وإن حمل في متاعك على الدابة متاعاً بكراء أو بغير كراء، فلك كراؤه إلا أن تكون اكتريت منه حمل أرطال مسماة فالزيادة للمكري، وقد كان للمكتري منعه من الزيادة عليها.
م/ قال غير واحد من أصحابنا: وقول أشهب هذا وفاق لابن القاسم.
وحكي لنا عن بعض شيوخنا القرويين أنه قال: وإن اكترى الدابة ليحمل عليها حمل مثلها من شيء معلوم فحمل عليها ربها شيئاً مع ذلك، فإن كان المكتري حمل عليها أقل من حمل مثلها فكراء ما حمل عليها ربها للمكتري.
يريد إلا أن يجاوز ذلك حمل
مثلها فتكون الزيادة لربها، وقد كان للمكتري منعه، فإذا قد استوفى شرطه فلا كلام له.
فصل [2 - في المكتري يكري من غيره وفي ربح الكراء]
ومن المدونة قال مالك: ومن اكترى دابة ليركبها فحمل مكانه مثله في الخفة والأمانة لم يضمن، وإن أكرها ممن هو أثقل منه أو من غير مأمون ضمن.
قال ابن القاسم: وإن أكرى من غير مأمون فادعى تلف الدابة لم يضمن الثاني إلا أن يأتي من سببه التلف أو يتبين كذبه، ويضمن المكتري الأول لربها بتعديه.
قال: ولا يعجبني لمن اكترى دابة أن يكريها من غيره؛ لأن ربها قد يكري منه لحاله وحسن ركوبه، ولعله يجد من هو أخف منه، وهو أخرق في الركوب منه.
قال ابن القاسم: فإن فعل لم يضمن إن حمل مثله في الثقل والحال والركوب، وأما في موته فلورثته حمل مثله.
وأكثر قول مالك أن له في حياته أن يكريها من مثله في حاله وخفته.
قال ابن المواز: قال مالك: لم يختلف من أدركت من العلماء في إجازة ربح الكراء في الدور والدواب والسفن والمتاع والصناعات في مثل ما اكترى.
وقد استثقلت مالك في الركوب إلا أن يقيم أو يموت، ولم يختلف قوله في الأحمال.
ابن المواز: والأول جائز.
قال ابن حبيب: ومعنى إجازة مالك في الحمل والمحامل للمكتري أن يكريها في مثل
ذلك إنما هو إذا كان رب الدابة معها يتولى سوقها والحط عنها والحمل عليها، فأما لو كان إنما أسلمها للمكتري يتولى ساقها فذلك مثل ركوبها بسرجها، فله منعه من أن يكريها من غيره؛ لاختلاف سوق الناس ورفقهم، إلا أن يكون المكتري ممن لا يتولى سوقها بنفسه، قد علم بذلك المكري، فلا حجة له في منعه أن يكريها من غيره في مثل حملها؛ لعلمه أنه لا يتولى سوقها بنفسه.
فصل [3 - في الرجل يكتري من آخر على حمولة إلى بلد، ثم يصرفها إلى بلد آخر]
ومن المدونة: ومن اكترى من رجل على حمولة إلى بلد فليس له إصرافها إلى غير البلد الذي اكترى إليه، وإن ساواه في المسافة والصعوبة والسهولة إلا بإذن المكري، ولم يجزه غيره.
وإن رضيا؛ لأنه فسخ دين في دين إلا بعد صحة الإقالة.
يريد وبعد رد النقد إن كان نقده على قول غيره.
وروى أشهب عن مالك في العتبية أنه إن كان مثل الموضع الذي تكارى إليه في السهولة والحزونة فذلك له.
ومثله لابن القاسم في كتاب محمد.
م/ وهذا أحسن الأقوال؛ لأنه إن كان مثله في السهولة والوعورة والقرب والبعد فكأنه هو، وهو كمن اكتراها ليحمل عليها بغدادياً فحمل مثله شطوياً أو مكان قمح شعيراً فليس في ذلك تعد ولا فسخ دين في دين.
وقول ابن القاسم والمدونة أضعفها؛ لأنه إذا تساوت الأماكن فلا يلتفت إلى رضا ربها، وإن اختلفت لم يجز رضاه؛ لأنه فسخ دين في دين، وبالله التوفيق.
فصل [4 - في زيادة المكتري في الحمل على الدابة]
ومن المدونة قال مالك: وإذا زاد المكتري على الدابة في الحمل الذي اشترط فعطبت، فإن زاد ما تعطب في مثله خير ربها بين أخذ المكتري بقيمة كراء ما زاد على الدابة بالغاً ما بلغ مع الكراء الأول، أو قيمة الدابة يوم التعدي ولا كراء له.
م/ يريد إذا زاد ذلك في أول الحمل، فإن زاد بعد أن سار نصف الطريق، واختار أخذ قيمة الدابة، فله أخذ قيمة الدابة يوم التعدي ونصف الكراء الأول، وكذلك في ثلث الطريق أو ربعها ثلث الكراء أو ربعه مع قيمة الدابة.
قال مالك: وإن زاد ما لا تعطب في مثله فله كراء الزيادة فقط مع الكراء الأول.
م/: لأن عطبها ليس من أجل الزيادة، وذلك بخلاف مجاوزة المسافة؛ لأن مجاوزة المسافة تعد كله، فيضمن إذا هلكت في قليله وكثيرة، والزيادة على الحمل المشترط اجتمع فيه إذن وتعد، فإن كانت الزيادة لا يعطب في مثلها علم أن هلاكها مما أذن له فيه.
وقد قال المشيخة السبعة: إذا بلغ المسافة ثم زاد كراء الزيادة إن سلمت
الدابة، وإن هلكت ضمن.
م/ وصفة كراء الزيادة في الحمل إذا وجب لربها أو اختاره فيما تعطب فيه أن يقال: كم يسوى كراء هذه الزيادة على هذه الدابة المحملة حسب ما تعدى عليها المكتري، فيكون ذلك لربها مع كرائه الأول.
وقال بعض أصحابنا: يكون له الكراء الأول وفضل الضرر كمن اكتراها لحمل شيء فحمل أضر منه، وأثقل فإنه يكون له فضل الضرر.
م/ وليس الأمر كذلك؛ لأن الذي زاد في الحمل حمل ما أذن له فيه، وزاد عليه، فإنما يكون عليه كراء الزيادة، وهو في هذا كمن زاد في المسافة التي أذن له فيها، فإنما عليه كراء الزيادة مع الكراء الأول، والذي حمل غير اكتراها له كمن ركبها في غير الطريق الذي أذن له فيها، فهذا له فضل الضرر، والله أعلم.
وكل محتمل؛ لأن الذي أردف حمل أضر مما اكتراها له، فوجب أن يكون كمن اكتراها لحمل بز فحمل رصاصاً، فوجب أن يكون له فضل الضرر، يقال: كم يسوى كراء ركوبه خاصة؟ فيقال: عشرة.
ثم يقال: كم يسوى بالرديف؟.
فإن قيل: خمسة عشر.
كان له الكراء الأول المسمى وزيادة خمسة.
قال بعض فقهاء القرويين: وإن زاد ما لا تعطب في مثله فعطبت فلم يضمنه ابن القاسم، والأشبه أن يضمن؛ لأنه سيرها على غير ما أذن له فيه، فأشبه الزيادة في المسافة
المأذون له فيها.
م/ وقد ذكرنا الفرق بينهما، وهو أبين.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك إن اكتراها لركوبه فأردف خلفه رديفاً، أو اكتراها ليشيع عليها رجلاً، فأردف خلفه رجلاً فعطبت، ينظر إن عطبت لذلك كما ذكرنا.
وأما زيادة الحاج في وزن الزاملة أكثر من شرطه مما تعطبت في مثله.
فقال مالك: وليس الحاج كغيره.
وقد عرفت للحاج زيادات من السفر والأطعمة لا ينظر فيه للمكري ولا يعرف ما حمل، فلا ضمان عليه في ذلك.
قال: وذلك إذا كان المكري قد رأى ذلك وحمله فالضمان ساقط.
م/ يريد ولو لم يره الجمال لضمن؛ لأنه زاد ما تعطب في مثله.
فصل [5 - في مكتري الدابة يبلغ غايته ثم يزيد ميلاً أو أميالاً أو
يحبسها عنده أياماً]
قال ابن القاسم: وإذا بلغ المكتري الغاية التي اكترى إليها، ثم زاد ميلاً أو نحوه أو أميالاً أو زيادة كثيرة، فعطبت الدابة، فلربها كراؤه الأول، والخيار في أخذ قيمة كراء الزيادة بالغاً ما بلغ، أو أخذ قيمة الدابة يوم التعدي.
ابن المواز: وقيل: إنه ضامن ولو زاد خطوة.
وقال ابن القاسم عن مالك: يضمن في زيادة الميل ونحوه، وأما مثل ما يعدل الناس
إليه في المرحلة فلا يضمن.
ومن المدونة قال: ولو ردها بحالها بعد زيادة الميل أو الأميال أو بعد أن حبسها اليوم ونحوه.
قال ابن حبيب عن مالك: أو أياماً يسيرة لم يضمن إلا كراء الزيادة.
قال ابن القاسم: وأما إن كثرت الزيادة أو حبسها أياماً أو شهراً.
قال ابن حبيب: أياماً كثيرة مثل الشهر ونحوه وردها بحالها فلربها كراؤه الأول والخيار في أخذ قيمتها يوم التعدي أو كرائها فيما حبسها فيه من عمل أو حبسه إياها بغير عمل بلغ ذلك ما بلغ، وإن لم تتغير.
وقال غيره: إن كان ربها حاضراً معه في المصر فإنما له فيما حبسها بحساب الكراء الأول، وكأنه رضي به؛ لأنه كان قادراً على أخذها، وتمادى المكتري رضا منه بالمسمى، وإن كان غائباً عنه ورد الدابة بحالها فله في الزيادة الأكثر من قيمة كراء الزيادة أو من حساب الكراء الأول، حمل عليها شيئاً أولاً، وإن شاء فقيمة الدابة يوم حبسها، وكراؤه الأول له في كل حال.
وحكي لنا عن بعض فقهائنا القرويين أنه إذا حبس الدابة أياماً بعد فراغ كرائه، وربها حاضر ولم ينكر عليه فهلكت الدابة أنه لا يضمن على قول ابن القاسم.
وإن أوجب عليه كراء المثل؛ لأن ربها كان قادراً على أخذها منه، ولم ينه المكتري عن حبسها.
وأما على قول غيره فذلك أبين أنه لا يضمن، ولا يختلفون في الغائب أنه له أن يضمنه القيمة.
قال في كتاب الغصب: ومن استعار دابة أو اكتراها ليشيع عليها رجلاً إلى ذي
الحليفة فبلغها، ثم تنحى قريباً منها فنزل، ثم رجع فهلكت الدابة في رجوعه، فإن كان ما تنحى إليه مثل منازل الناس لم يضمن، وإن جاوز منازلهم ضمن.
وذكر ابن حبيب عن سحنون أنه رد مسألة ابن القاسم.
وقال سحنون: إذا رد الدابة إلى الموضع الذي أمر بالبلوغ إليه، ثم ماتت في الطريق فلا ضمان عليه، وجعله كمن رد ما تسلف من الوديعة ثم ذهبت بعد رده، وكمكتري الدابة ليحمل عليها وزناً معلوماً فزاد عليها ما تعطب في مثله، ثم نزع الزيادة، ثم ماتت أنه لا يضمن الدابة، وإنما عليه كراء الزيادة.
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون وأصبغ: إذا كانت يسيرة أو جاوز الأمد الذي تكارى فيه بيسير مما لا خيار فيه لربها إذا سلمت، ثم رجع بها سالمة إلى موضع تكاراها إليه فماتت، أو ماتت في الطريق إلى الموضع الذي تكاراها إليه فليس لربها إلا كراء الزيادة كرده لما تسلف من الوديعة، ولو زاد كثيراً مما فيه مقام الأيام الكثيرة التي يتغير في مثله سوقها، فهو ضامن لها كما لو ماتت في مجاوزة الأمد أو المسافة.
م/ وهذا القول أحسنها وبه أقول؛ لأنها إذا كانت زيادة يسيرة مما يعلم أن ذلك لم يعن على قتلها فهلاكها بعد ردها إلى موضعها المأذون فيه كهلاك ما تسلف من الوديعة بعد رده لا محالة، وإن كانت الزيادة كثيرة، فتلك الزيادة قد أعانت على قتلها.
والله أعلم.
فصل [6 - في المكتري يستعمل في غير ما اكترى لأجله أو يوقفه المكتري حتى
ينتهي من كرائه]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى دابة لحمل محمل، فحملها زاملة فعطبت، فإن كان ذلك أقل ضرراً من المحمل أو مساوياً له لم يضمن، وإن كان أضر ضمن، وكذلك حمله مكان كتان صوفاً أو مكان بز دهناً أو مكان دهن رصاصاً فربما تساوى الوزن وتفاوت الضرر، إما لأن ما حمل أضر لجفائه أو لأنه أضغط لظهور الدواب كالرصاص ونحوه، وكذلك إن اكترى ليركب فحمل غيره أثقل أو أضر منه فما ضمنته به من ذلك كله، فإن لرب الدابة إن شاء كراء الفضل في الضرر والتغير، أو قيمة الدابة وكذلك إن اكترى رحى ليطحن حنطة فطحن شعيراً أو عدساً أو غير ذلك من القطنية فانكسرت الرحى، فإن كان طحن ذلك ليس بأضر من الحنطة لم يضمن، وإن كان أضر ضمن، وكذلك إن اكترى دابة ليحمل عليها حنطة فحمل شعيراً أو ثياباً أو دهناً، فله أن يحمل غير ما سمى إن لم يكن ذلك أضر ولا أثقل ولا أتعب، ورب زاملة أثقل من محمل وهي أرفق بالإبل، والحديد أضغط لظهورها.
وصفة كراء فضل الضرر أن يقال: كم قيمة كرائها على حمل ما شرط حمله؟ فيقلل: عشرة دراهم.
ويقال له: كم قيمة كرائها على حمل ما حمل؟ فيقال: خمسة عشر.
فيكون له الكراء الأول المسمى وزيادة خمسة، وإن قالوا قيمة الكراء الثاني عشرون كان له الكراء الأول وزيادة عشرة، ثم على هذا.
وقال بعض شيوخنا: بل يكون له قيمة الكراء الثاني بالغاً ما بلغ، ويسقط الأول، وليس ذلك بصواب؛ لأنه ربما تغابنوا في الكراء حتى يكون قيمة الذي هو أضر أقل من المسمى أو مثله في الذي هو أخف.
م/: وأظنه إنما رأى كلام ابن المواز في الذي أكرى دابة في أيام بأعيانها فاستعملها في غير ما اكتراها له بغير إذن ربها، أو أوقفها حتى زال الوقت.
فقال ابن القاسم: إذا قبضها فأوقفها حتى زال الوقت لزمه الكراء كاملاً، وإن استعملها في غير ما اكتراها له بغير إذن ربها وقيمة ذلك أكثر من قيمة ما اكتراها له، فالفضل لرب الدابة، وإن كان أقل لم يكن له غيره.
فقال ابن المواز: تفسيره عندي أن يسقط الكراء الأول، وتكون له قيمة الثاني كان أكثر أو أقل.
قال: ولم يعجبني ذلك، بل يكون له الأكثر من الكراء الأول أو الثاني.
ومعنى قول ابن القاسم عندي: وإن كان أقل لم يكن له غيره يريد غير الكراء الأول وهو يقول: لو أوقفها كان له الكراء الأول كله فكيف إذا استعملها عمدا؟، فالأشبه بالأصول إذا استعملها في غير ما اكتراها له وكان أضر أن يكون لرب الدابة كراء فضل الضرر مع الكراء الأول المسمى حسب ما بيننا، وإن كان ما استعملها فيه أقل فعليه الكراء الأول المسمى كما لو أوقفها، وكأنه رضي أن يحمل أخف مما شرط، ولا فرق عندي في هذا بين يوم معين أو غير معين.
م/ وفرق محمد بين اليوم المعين وغيره.
وقال في غير المعين: عليه مثل ما حمل بالغاً ما بلغ، ويلزمه حمل ما شرط عليه بالمسمى، وإن كره رب الدابة.
وحجته: لأن حمله غير ما أذن له فيه تعد، فلا يفسخ تعديه كراءه الأول، وليس له أن يغرمه كراء فضل الضرر بخلاف المعين.
م/ وظاهر هذا خلاف المدونة، وله عندي أن يأخذ منه كراء فضل الضرر، أو يغرمه قيمة كراء ما حمل ويحمل له الأول بالمسمى، ولرب الدابة أن يحمل غير ما أذن له فيه إذا تساوى ضررهما وكأنه أذن له فيه في ذلك، ودليلنا أنه لو زاد في حمل ما شرط حمله لوجب عليه كراء الزيادة في المعين وغيره، فكذلك إذا حمل غير ما شرط أضر منه أن يكون له كراء فضل الضرر في المعين وغيره؛ لأنه إذا أخذ كراء فضل الضرر فكأنما حمل ما أذن له فيه وزيادة عليه.
ولأن رب الدابة يقول: إنما أكريت دابتي لحمل شيء خفيف فحمل عليها أثقل منه وأضر بها فتكفلونني أن أحمل عليها حملاً ثانياً، وذلك يهلك دابتي، ويضرني، والظالم المتعدي أحق أن يحمل عليه وبالله التوفيق.
وقال أحمد بن ميسر: إذا اكترى الدابة أياماً بأعيانها، فقبضها، وأوقفها، أو استعملها في دون ما اكتراها له، فالكراء الأول كامل لربها، وإن تعدى فاستعملها في أكثر منه فقد انفسخ الكراء الأول بمضي الأيام المعينة، ويكون له كراء مثلها في شدة ذلك العمل الذي استعملها فيه.
م/ يريد ما لم يكن أقل من المسمى.
فصل [7 - في تجاوز المكتري إلى بلد لم يكتر إليه]
ومن المدونة، قال ابن القاسم: ومن اكترى دابة من مصر إلى برقة ذاهباً وراجعاً إلى مصر فتمادى إلى إفريقية، وعاد إلى مصر، فرب الدابة مخير في أخذ قيمة
كرائها من برقة إلى إفريقية ذاهباً وراجعاً إلى برقة مع كرائه الأول ما بلغ، أو نصف الكراء الأول مع قيمتها ببرقة يوم العداء ردها بحالها أو تغيرت؛ لأن سوقها قد تغير، وقد حبسها المكتري عن نفعه بها وعن أسواقها.
قال مالك: وإن اكتراها إلى بلد ذاهباً وراجعاً فعطبت يوم وصولها إلى البلد لم يضمن المكتري، ولربها نصف الكراء فقط، وإن جاوزها.
م/ يريد بزيادة كثيرة، أو أعطبت في اليسيرة.
قال: فلربها قيمتها يوم تعدية مع كرائه إلى ذلك الموضع، وإن شاء أخذ دابته وكراء ما تعدى فيه.
م/ يريد مع كرائه الأول.
ومن اكترى ثوراً ليطحن عليه كل يوم إردباً، فطحن عليه إردبين، فعطب الثور، فلربه إن شاء أخذ كراء الإردب الأول وقيمة الثور يوم ربطه في الثاني، وإن شاء قيمة طحن الثاني ما بلغ مع الكراء الأول.
ومن العتبية وكتاب ابن المواز قال ابن القاسم: ومن اكترى بعيراً ليحمل عليه ثلاثمئة رطل، فحمل عليه أربعمئة.
ابن المواز: وهو مما يعطب في مثله، فقدم به وقد أعجفه، فخاف عليه ربه فنحره، ولم يعلم بالزيادة، ثم علم، فرب البعير مخير بين أن يأخذ منه كراء ما زاد فقط أو يأخذ ما بين قيمته يوم تعدى عليه وبين قيمته يوم قدم به ونحره.
[الباب السادس]
فيمن اكترى دابة إلى بلد كذا على أنه إن زاد أو نقص فبحسابه
[الفصل 1 - في تحديد موضع تقدم المكتري عن البلد المكتري إليه]
ومن كتاب ابن المواز والعتبية قال مالك: ومن تكارى دابة إلى بلد كذا بدينار على أنه إن تقدم بها فبحساب ما تكارى منه، فذلك جائز إذا سمى موضع التقدم، أو عرف نحوه وقدره، وإن لم يسمه مثل أن يقول: عبدي الآبق بذي المروة فأكر مني إليها بدينار، فإن تقدمت فبحساب ذلك.
أو يقول: اكترى منك إلى الشجرة أتلقى الأمير فما تقدمت فبحسابه، فهذا لا بأس به، كأنه أمر قد عرف وجهه فهو كتسمية الموضع الذي يتقدم إليه، فأما إن تكارى منه إلى موضع بدينار على أنه أينما بلغ من الأرض كلها فبحسابه، فلا خير فيه، مرة يذهب إلى العراق، ومرة يذهب إلى الغرب، فلا يجوز حتى يكون موضع التقدم معلوماً مسمى، أو أمر له وجه يعرف قدره، وإن لم يسمه.
[الفصل 2 - في نقد كراء الغاية الأولى والحكم في نقد كراء الغاية الثانية]
قال ابن المواز: ثم لا ينقذه إلا كراء الغاية الأولى، فإن نقده الكراءين دخله بيع وسلف.
قال مالك فيمن اكترى دابة في طلب ضالة أو آبق فلا يجوز حتى يسمى موضعاً، فإن سماه فقال: إن وجدت حاجتي دون ذلك رجعت، وكان علي من الكراء بحسابه، فذلك