م/ ووجه هذا فلأن الجمال قد بلغ الموضع الذي واعد المكتري فيه فلم يجده فلم يكن للمكتري حجة بإلزام الجمال الرجوع ثانية؛ لأن ذلك ظلم له، ولم يكن للجمال الكراء؛ لأنه كان قادراً على رفع ذلك إلى إمام البلد، فيكري الإبل للمكتري أو يكريها له هو بنفسه فلما ترك ذلك ورجع فارغاً فقد أبطل حقه.
ووجه قول ابن القاسم إلزامه الرجوع ثانية فلأنه كان قادراً على رفع ذلك إلى الإمام فيكري الإبل للمكتري أو يفسخ ذلك عنه فيكريها ربها بنفسه، فلما ترك ذلك بقي الأمر قائماً بينهما كما لو تغيب الجمال فلم يرفع المكتري ذلك إلى الإمام فيكري له عليه أو يفسخ ذلك حتى أتاه الجمال فليس له إلا الركوب فكذلك هذا.
ومن المدونة قال ابن وهب: قال مالك: فإن لم يكن الكراء موجوداً أو جهل إعلام الإمام لم أر أن يبطل عمله.
وقال في رواية أخرى: ويكون له الكراء ولا يرجع.
وكذا في كتاب محمد عن مالك إذا لم يكن الكراء موجوداً بالبلد ورجع ولم يرفع إلى الإمام فلا يبطل عمله بجهله أن يدخل على الإمام.
قال أحمد: هو يدعي الاجتهاد ولا بينة له ولو دخل على السلطان بان عذره.
م/: نحن لا نقبل من الجمال أن الكراء غير موجود إلا ببينة على ذلك فيكون ذلك عذراً له كإعلام الإمام.
ابن المواز قال مالك: ولو أكرى الإمام الإبل أو المكتري وقد اجتهد إن لم يكن سلطان، يريد وأشهد فذلك للمكتري قل أو كثر، وعليه الكراء الأول.
ابن المواز: ولو أكراها الجمال للمكتري بغير تلوم، فإن رضي به المكتري وقد نقده فإن كان هذا أكثر لم يجز له أخذ الفضل، وإن لم ينقده فله أخذ الفضل، وإن لم يرض فالكراء الأول قائم بينهما.
قال: ولو أكراها الجمال لنفسه ولم يرفع إلى السلطان وهناك سلطان فله الكراء وليرجع ثانية.
وكذلك في العتبية وكتاب ابن حبيب.
قال في العتبية: ولو تلوم وكلم الإمام وأشهد فليس عليه أن يرجع ثانية.
وقال ابن حبيب: ذلك سواء، وإن تلوم الوكيل وأشهد على ذلك ثم أكرى لنفسه؛ لأنه كان عليه أن يكري للمتكاري كما كان للسلطان أن يفعل فلما أكرى لنفسه كان المكتري مخيراً إن شاء سلم له الكراء أو رده فحمل متاعه، وإن شاء أخذ الكراء إن كان مثل الأول أو أقل، وإن كان فيه فضل فالفضل للمكري أكرى لنفسه أو للمكتري ولو كان السلطان هو الذي أكرى كان ذلك للمكتري قل أو كثر.
وكله قول مالك ومنهاجه.
م/ وقد تقدم أن من أكرى إلى الحج أو غيره فمات في الطريق فإنه يكري للميت شقه، ويطلب ذلك في الطريق، فإن وجد من يكتري وإلا كان على الميت لرب الإبل الكراء كله كاملاً.
[الباب الثاني عشر]
في الإقالة في الكراء والتفليس فيه
[الفصل 1 - في الإقالة في الكراء]
قال مالك: ومن أكرى إلى الحج أو غيره، ثم تقابلا برأس المال أو بزيادة وقد نقده أو لم ينقده، فإن كان قبل الركوب وقبل النقد أو بعده وقبل غيبته عليه فلا بأس بالزيادة ممن كانت، وإن نقده وتفرقا جازت الزيادة من المكتري قصاصاً؛ لأنه يأخذ أقل مما دفع فلا تهمة في ذلك، ولم تجز من المكري؛ لأنه رد أزيد مما أخذ فهو سلف جر منفعة وصار الكراء محللاً، وكذلك بعد سيرهما يسيراً من المسافة للتهمة أن يكون ذلك محللاً، وأما بعد المسير الكثير من الطريق مما لا يتهمان فيه فجائز أن يزيده المكري إذا عجل الزيادة، وهذا بخلاف البيوع وأكرية الدور.
قال في غير المدونة: ولا يجوز تأخير الزيادة في الكراء المضمون.
قال في المدونة: ويدخل في تأخير الزيادة الدين بالدين.
م/ لأنه كان له ركوب مضمون ففسخه فيما لا يتعجله.
قال: ولا بأس أن يزيده المكتري وإنما تجوز زيادة المكتري بعد النقد قصاصاً، وإلا لم يجز ركبا أو لم يركبا.
م/ لأنه إذا لم يقاصه يصير كأنه دفع الدنانير الزائدة وركوبا في دنانيره التي نقده.
وقال غيره: لا يزيده الكري إن غاب على النقد قبل الركوب أو بعد يسير الركوب أو كثيره، وهو سلف جر منفعة وبيع وسلف.
م/ يريد سلفاً جر منفعة إن لم يركب؛ لأنه رد أزيد مما أخذ، وبيعاً وسلفاً إن ركب بعض الطريق، حصة ما ركب بيع وما يرد إليه سلف.
وكذلك قال سحنون في غير المدونة: إن لم يركب فهو سلف جر منفعة، وأما لو تقابلا بعد أن سار على أن يسترجع حصة بقية المسافة فهو بيع وسلف.
م/ جعل الغير كراء الرواحل إن زاده الكري كأكرية الدور، ويدخله البيع والسلف، ما مضى من المسافة بيع وما يرد عليه من الكراء مما كان نقده سلف، وأما إذا تقابلا بغير زيادة فجائز عنده؛ لأنه معروف صنعه.
وخالف بينه وبين أكرية الدور في هذا للضرورة التي تلحق المتكاريين، إما أن تدبر إبله أو لسوء عشرته، ولا ضرر يلحقه في الدار، وجعله سحنون كأكرية الدور سواء.
م/ والقياس ما قاله مالك وابن القاسم أن الإقالة بعد المسير الكثير بزيادة من المكاري
أو بغير زيادة جائزة إذا عجل الزيادة بخلاف أكرية الدور.
قال ابن المواز: لأنه قد يكره عشرة الجمال، أو تدبر إبله فلا يتهمان على قصد البيع والسلف، ولا عذر له في الدار؛ لأنه إن كان لها جيران سوء فهو عيب له به الرد إن لم يعلم.
م/ وذهب بعض أصحابنا إلى أن الباقي من المسافة هو البيع بالذي زاده بالكرى على ما كان أعطاه، والسلف هو المأخوذ مما كان أعطاه، وليس ذلك بشيء؛ لأن صورة البيع والسلف مما يقدر أن يكون في عقد، وأما أن يقدر البيع اليوم والسلف يوم العقد فهو بعيد من أصولهم.
والذي ذكرت أنا رأيت نحوه لأشهب، وأراه هو الغير مذكور.
قال ابن المواز: واختلف قول مالك في الأجير يقيله بعد النقد وبعد مضي بعض العمل.
فقال مرة: لا يعجبني ذلك، ثم قال إن صح فلا بأس به، وقال ابن القاسم، وقد يكرهه لخيانة أو غدر.
وخففه ابن القاسم أيضاً في الخياط والطحان يقدم إليه على عمل شيء معلوم ثم يتقايلان في بعضه، ولم يجزه في اللحم والرطب وسائر البيوع المضمونة.
قال: وكراء الدور كالسلع المضمونة إن هو أقاله بعدما سكن على أن يرد عليه حصة ما بقي من الكراء لم يجز وهو بيع وسلف، ولو لم ينقد أو انتقد ولم يسكن ولم يمض من المدة شيء لجاز.
ابن المواز: ويجوز تأخير الثمن إذا أقاله ولم يسكن؛ لأنه كراء حادث بخلاف الحمولة؛ لأن ذلك كراء مضمون، فهو دين فسخه في دين.
وكذلك قال ابن القاسم في العتبية.
وقاله ابن حبيب فيمن اكترى ظهرا ونقده الكراء ثم أقاله المكري على أن يؤخره بالثمن لم يجز سار أو لم يسر.
قال ابن حبيب: وإن اكترى منه كراء مضموناً ونقده الثمن وتفرقا ولم يسر فتقايلا على إن زاده المكتري عرضاً نقداً أو إلى أجل جاز.
م/ لأنه يصير دفع عرضاً نقداً أو مؤجلاً والركوب أو الحمل الذي له في الدنانير التي كان نقده إياها فذلك جائز.
قال ابن حبيب: وإن لم يكن نقده وكان الكراء عليه إلى انقضاء المسافة أو إلى أجل فزاده عرضاً معجلاً جاز ولا يجوز إلى أجل.
م/ لأنه يصير الجمال قد فسخ كراءه المؤجل في عرض مؤجل وذلك فسخ دين في دين.
[الفصل 2 - في تعجيل المسلم فيه قبل أجله مقابل زيادة في ثمنه]
ومن العتبية قال ابن القاسم: ومن أسلف في حمولة مضمونة إلى شهر ثم سأل
المكري أن يعجل له الحمولة قبل الشهر ويزيده فلا يجوز ذلك؛ لأنه من باب سلف جر منفعة ومن باب ضع وتعجل، ولو كان قد حل فقال للجمال وخره عليك وأزيدك لم يجز؛ لأنها زيادة على ضمان.
وقال في كتاب محمد: كعرض لك من سلم قد حل فزدته على أن أخرته عليه.
قال أصبغ: وإنه لضعيف وما أحب العمل به، فإن نزل لم أفسخه إلا أن يطول الأمر مثل شهر أو شهرين.
ابن المواز: فيكون أقوى في الكراهية لخوف المراباة.
قال: وقول ابن القاسم هو الفقه والصواب.
قال ابن القاسم: ولو سار بعض الطريق ثم سأله أن يقيم عليه أياماً ويزيده لجاز.
قال أصبغ: وهذا مثل الأول وهذا بين ضعفه.
قال ابن المواز: ليس كالأول، وقد فرق مالك بين أن يقيله قبل الركوب بزيادة وبين أن يقيله بعد أن سار وتباعد فأجاز هذا في الرواحل دون الدور.
[الفصل 3 - في المكري يطلب من المكتري أن يبيعه ما حمل له من الطعام بنقد أو بتأخير ويفاسخه الكراء]
ومن العتبية قال أصبغ: ومن اكترى على حمل طعام إلى بلد، فلما كال الطعام على
المكري، قال له المكري: بعه مني بنقد أو بتأخير وفاسخني الكراء.
فإن كان الكراء بنقد ولم ينتقد حتى باعه بنقد وفاسخه فذلك جائز.
م/ يريد لأن رب الطعام يصير قد دفع الطعام والحمل الذي له على الجمال في الدنانير التي نقده وفيما ينقده من ثمن القمح، وذلك طعام وحمل في دنانير فذلك جائز.
قال: وإن كان الكراء بتأخير لم يجز؛ لأنه باع عرضاً معجلاً وهو الطعام وكراء مؤجلاً بدنانير معجلة ودنانير مؤجلة، وللعرض المؤخر وهي الحمولة من الدنانير المؤخرة حصة فدخله الكالئ بالكالئ، وإن كان الكراء بنقد وانتقد.
م/ يريد وغاب على النقد، فهو الزيادة في السلف فلا يجوز كان البيع بنقد أو بتأخير؛ لأن ما يزيده من ثمن الطعام فيه الزيادة، والسلف هو الكراء الذي يرد، وإن كان البيع بتأخير فهو أشد.
فصل [4 - في تفليس المكتري]
ومن المدونة قال مالك: وإذا فلس المكتري فالجمال أولى بالمتاع حتى يقبض كراءه، ويكري الغرماء الإبل في مثل كرائه.
قال ابن القاسم: كان قد سار قليلاً أو كثيراً ركب أو لم يركب بعد، إذا كان قد قبض المتاع، وكطذلك الصناع إذا قبضوا المتاع فهم أولى به حتى يستوفوا جميع كرائهم
فيه، ويكون العمل عليهم للغرماء.
قال ابن المواز: وإن لم يقبض الأكرياء ولا الصناع المتاع إلا أنهم قد أكروا على حمله بعينه أو على صنعته فقام الغرماء قبل أن يحوزوه فإنه يباع ذلك المتاع للغرماء ويكون الكراء قائماً بينهما للغرماء.
م/ يريد إذا دفع الغرماء للمكري جميع الكراء، وإن لم يدفع الغرماء الكراء خير الجمال، فإن شاء فسخ الكراء؛ لأن الحمل كسلعة له قائمة فهو أولى بها من الغرماء، وإن شاء لم يفسخه وحاصهم في ثمن المتاع وكان للغرماء كراء الإبل في مثل ذلك، وكذلك الصناع.
[الفصل 5 - في تفليس الحمالين]
قال ابن المواز: وإن فلس الحمالون فقام غرماؤهم، فإن كانت إبلاً بأعيانها فالمكترون أولى بها قبضوها أو لم يقبضوها كالشراء، وكذلك إن لم تكن بأعيانها قد قبضوا إبلاً يحملون عليها أو يركبونها، وإن لم يقبض المكترون شيئاً في غير المعينة فالغرماء والمكترون أسوة في مال المكري يحاص المكترون بقيمة كرائهم على ما يساوي يوم الحصاص، وليس على ما اكتروا، فما صار لهم اكترى لهم به، وإن بقي لهم شيء أتبعوا به المكري ديناً.
قال: وسواء نقدوا كراءهم أو لم ينقدوه، إلا أنهم إن لم ينقدوه غرموا الكراء وتحاصوا فيه وفي سائر ماله هم والغرماء فإن صار لهم نصف الكراء اتبعوا المكري
بنصف الحمولة وليس بثمن.
قال: وإذا كانت الإبل في المضمون بيد المكترين وكان الجمال يديرها عليهم للحمل أو للركوب فيفلس المكري فكل واحد من المكترين أولى بما بيده من صاحبه ومن الغرماء.
قال سحنون في العتبية: وإذا أراد الجمال أن يدير بينهم الإبل وأبى ذلك أصحاب الأحمال والمحامل فليس ذلك للجمال إلا عن رضى منهم.
والمحامل وغيرها في الكراء المضمون سواء هم أولى بما في أيديهم.
قيل له: فإن احتاج الجمال فتسلف من بعضهم وأرهنه ما في يده من الإبل.
قال: ذلك جائز وهو رهن مقبوض.
تم الكتاب بحمد الله وحسن عونه، وقد جرى في بعض المسائل من أكرية السفن فيها تقصير فرأيت أن أذكر من أكرية السفن ما ينبغي ذكره، ولا يسع جهله تتميماً لكتابنا هذا، والله الموفق.
[الباب الثالث عشر]
جامع القول في أكرية السفن
[الفصل 1 - في الكراء يكون جزءاً من الطعام المحمول في السفينة]
ومن قول مالك في الرجل يكتري من صاحب سفينة على حمل طعام من بلد إلى بلد بجزء منه، فإن شرط رب السفينة قبض كرائه مكانه فذلك جائز، وإن شرط تأخيره إلى الموضع الذي يحمله إليه لم يجز؛ لأنه شيء بعينه لا يقبض إلا إلى أجل، فإن لم يشترط تأخيره ولا تعجيله وسكتا عن ذلك فالكراء فاسد عند ابن القاسم حتى يشترط رب السفينة أخذ جزئه معجلاً.
واجازه غيره حتى يشترط أن لا يقبضه إلا بعد البلوغ؛ لأن رب السفينة لم يمنع من أخذ جزئه، فإن غرقت السفينة في الطريق وذهب ما فيها فادعى رب الطعام أن معاملتهما وقعت على أن رب السفينة قبض جزءه بالموضع الذي ركبوا منه وطلب تضمينه ذلك، وقال رب السفينة بل اشترطت عليه قبضه بعد البلاغ، فرب الطعام مصدق مع يمينه؛ لأنه مدع للحلال، وعلى رب السفينة البينة على ما ادعى وإلا ضمن مثل مكيله ذلك الجزء في الموضع الذي ركبوا منه؛ لأن مصيبته منه ولا كراء له إلا على البلاغ.
م/ يريد وهذا إذا لم تكن لهم سنة يحملون عليها فإذا كانت لهم سنة جارية فالقول قول من ادعاها وإن كانت فاسدة.
وقاله كثير من شيوخنا.
[الفصل 2 - في نقد كراء السفن قبل الإقلاع]
وروي أن مالكاً وابن القاسم كرها النقد في كراء السفن من أجل أن الكراء لا يجب إلا بعد البلوغ.
وقال ابن نافع: النقد جائز وله من الكراء بحساب ما بلغ.
قال محمد بم إبراهيم بن عبدوس: وإن عطب المركب قبل الإقلاع، فزعم الركاب أنهم نقدوا الكراء، وأنكر ذلك رب المركب فهو مصدق مع يمينه، ولا تجوز شهادة بعضهم لبعض في ذلك؛ لأنه ليس بموضع ضرورة، ولو أرادوا أن يشهدوا غيرهم على نقد الكراء لفعلوا.
وفي العتبية: أن شهادة بعضهم لبعض في ذلك جائزة، كالذين تقطع عليهم الطريق فيشهد بعضهم لبعض.
فصل [3 - في كراء السفن في وقت لا يصلح فيه ركوب البحر]
قال بعض أصحابنا: ولا يجوز كراء السفن على أن يركب في وقت لا يصلح فيه ركوب البحر في الشتاء وشبهه، ويفسخ إن نزل لأنه غرر، ولو شرط في العقد أن يصبر إلى وقت يصلح فيه ركوب البحر وكانت سفينة بعينها جاز ذلك ما لم ينقده، فإن نقده وكان صلاح الركوب قريباً مثل نصف شهر ونحوه جاز ذلك، وإن بعد كالشهرين ونحوهما لم يجز النقد، ولو كان الكراء مضموناً جاز حينئذ النقد وإن بعد أوان الركوب.
فصل [4 - في فسخ الكراء إذا تعذر ركوب البحر]
ومن اكترى سفينة في وقت يصلح فيه ركوب البحر، فتعذرت الريح، أو منع الركوب لوجه ما حتى صار الوقت لا يصلح فيه ركوب البحر، فمن طلب الفسخ فذلك له، وكذلك لو كان الركوب ممكناً إلا أن في البحر خوفاً من قطع لصوص أو روم وثبت ذلك، فإن الكراء يفسخ لمن أراده.
ابن المواز قال مالك: وإذا اكترى قوم سفينة فحبسهم الريح عشرين يوماً، فأراد الركاب الفسخ، فليس لهم ذلك وليس ذلك للنوتي إن طلبه.
يريد إذا كان في أوان ركوب البحر.
فصل [5 - متى يستحق رب السفينة الكراء؟]
ومن المدونة قال مالك: ومن اكترى سفينة فغرقت في ثلثي الطريق وغرق ما فيها من طعام وغيره فلا كراء لربها ورأى أن ذلك على البلاغ.
وقال ابن نافع: لرب السفينة بحساب ما بلغت.
وقال يحيى بن عمر الأندلسي: إن كان كراؤهم على قطع البحر مثل السفر إلى صقلية من إفريقية أو إلى الأندلس فلا شيء له من الكراء، وإن كان كراؤهم مع الريف مثل كرائهم من مصر إلى إفريقية وشبهه فله بحساب ما سار.
بهذا كان أصبغ يقول: وقال يحيى بن عمر: وإذا بلغ المركب البلد الذي قصدوا إليه وأرسى فركبه هول البحر حين بلوغه، ولم يمكنهم التفريغ من أجل الهول حتى عطب المركب فذهب ما فيه فلا كراء لصاحب المركب، وحكمه حكم ما لم يبلغ، إلا أن يكونوا أرسوا واشتغلوا بغير تفريغ المركب، وكانوا قادرين على تفريغه، فتوانوا حتى
حين أرسوا أخذوا في التفريغ من غير تفريط فأخرجوا بعض الشحنة، ثم ركبهم الهول وحال بينهم وبين تفريغ ما بقي في المركب حتى عطب، فإن على من سلم متاعه الكراء، ولا شيء على من عطب متاعه.
قال أصبغ: وإذا عطبت السفينة ببعض الطريق وسلم ما فيها، فإنه يحاسب بما سار من الطريق؛ لأنه انتفع بحملاته، ولا يكون عليه أن يحمله كرهاً في غيره إذا كان مركباً بعينه.
وكذلك قال سحنون عن ابن القاسم في العتبية فيمن اكترى سفينة من الإسكندرية إلى الفسطاط فغرقت في بعض الطريق، فاستخرج نصف القمح فحمله في غيرها، فلرب السفينة الأولى أن يأخذ من الكراء بحسب ما خرج من القمح بقدر ما انتفع به ربه ببلوغه إلى الموضع الذي غرقت فيه.
قال سحنون في موضع آخر: وهي كمسألة مالك في الجعل في البئر يحفر بعضها ويتركها، ثم يجعل ربها لآخر فيتمها، فليعط الأول بقدر ما انتفع به رب البئر، وكذلك يعطى رب المركب بقدر ما انتفع به رب القمح.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم فيمن تكارى من نوتي إلى الإسكندرية فلما بلغ الملعدس وقف المركب من قلة الماء.
قال: يحاسبه بقدر ما بلغ.
قيل: فإن ظن أنه يلزمه حملانه فأكرى عليه فبلغه الإسكندرية قال: لا شيء للنوتي؛ لأنه لو شاء لم يفعل ويخاصم فيه.
قيل: فلو كان
الإسكندرية قال: لا شيء للنوتي؛ لأنه لو شاء لم يفعل ويخاصم فيه.
قيل: فلو كان وقوف المركب في موضع ليس فيه أحد ولا يوجد فيه سلطان فخشي هلاك المتاع فأكرى عليه.
قال: لعل هذا، ولا يشبه هذا الأول.
فصل [6 - في كراء ما ابتل في المركب من المتاع أو الطعام]
قال يحيى بن عمر: وروى أبو زيد عن ابن القاسم في المركب يبتل فيه بعض المتاع، فإنه يقوم صحيحاً، ثم يقوم مبلولاً، فإن نقص نصف قيمته طرح عن صاحبه نصف كرائه، وكذلك فيما قل أو كثر.
قال أبو سعيد بن أخي هشام: ما ابتل في أعلى المركب من أمواج متراكبة أو أمر غالب، أو من عمل المركب للماء مما لا صنع لصاحب المركب فيه، ولا تغرير من سوء عمل أو قلفطة إلا من هول البحر وشدته، فإن ابتل بللاً كثيراً حتى صار لا قيمة له فالكراء يبطل، ولا يلزم منه شيء.
وإن تغير حتى نقص نقصاناً بيناً فإنه ينقص من الكراء بقدر ما نقص من قيمته، وأما إن كان غر من سوء عملها وقلفطتها حتى لا يشك أنها عملت الماء لأجل
ذلك وفسد ما فيها فساداً بيناً فربها ضامن؛ لأنه غر منها، وأما ما ناله من ذلك من رش خفيف ونداوة ليست بفساد بين فلا ينقص لذلك من الكراء شيء، ولا يضمنه صاحب السفينة.
فصل [7 - في المركب يطرح بعض ما فيه رجاء النجاة]
قال ابن حبيب: قال أصبغ عن ابن القاسم في المركب يخاف أهلها الغرق فيطرح بعض ما فيها لتخف رجاء النجاة أن أهل المتاع المطروح شركاء بثمنه في المتاع السالم في النماء والنقصان حتى يكون ما طرح وما سلم كأنه لجميعهم وتكون شركتهم في جميع ذلك بأثمانه من موضع اشتروه إن كان اشتروه من موضع واحد شراء لا محاباة فيه، وإن كان شراؤه من مواضع شتى، أو فيهم من اشترى وفيهم من لم يشتر، أو طال مكث شرائه حتى حال سوقه، فإنه يقوم السالم والذاهب بالموضع الذي ركبوا منه يوم ركبوا، ثم يكونون بتلك القيمة شركاء في السالم، وسواء طرح الرجل متاعه أو متاع غيره بإذنه أو بغير إذنه.
وقاله جميع أصحاب مالك.
وكذلك في العتبية عن ابن القاسم، واختلف قول مالك في المختصر في تقويم ذلك فقال قيمته من موضع حمل.
وقال في موضع يحمل إليه.
وقال في موضع طرح في البحر.
وهي رواية أشهب عنه.
قال أبو محمد بن أبي يزيد: وإنما يكون الذين رمي لهم شركاء لكل واحد ممن لم يرم له فيما في أيديهم وكذلك من لم يرم له شريك لكل من رمى له فيما رمي، ولا يكون من لم يرم له شركاء بعضهم لبعض، فإن كان قيمة ما رمى مثل نصف قيمة ما سلم كان لرب ما رمى نصف السالم، وإن كان قيمة ما رمى مثل نصف قيمة ما سلم كان لرب ما رمى
ثلث السالم، وإن كان إنما رمى نصف متاعه فليأخذ من لم يرم له نصف متاعه، ولا تراجع بينهما فيه، ويكون شريكاً لهم في النصف الآخر بقدر قيمة متاعه من قيمة متاعهم على هذا الشرح، وكذلك لو رمى جميع متاعه ثم أخرج من البحر وقد أذهب نصف قيمته، فإنما يشاركهم في نصف متاعهم مثل ما لو رمى نصف متاعه فقط، وإذا شاركهم من رمى متاعه كان عليه من كراء السالم بقدر ما حكم له به فيه، وإذا خرج نصف متاعه وقد نقص كان عليه حصة كراء ما خرج على نقصه، وإخراج هذا المتاع على ربه، وإنما تعتبر قيمته صحيحاً من قيمته معطوباً في أمر الكراء الذي يغرمه في الموضع الذي خرج فيه.
قال أبو محمد: وإذا رمى بعض المتاع ثم ابتل ما بقي منه بللاً أذهب بعض ثمنه فإن الذين يرمى متاعهم شركاء لأصحاب المتاع المعيب بقدر ثمنه صحيحاً وقدر ثمن المتاع الذي رمي بموضع أشحنوا ذلك كله منه؛ لأن العيب الذي حدث في الباقي كأنه حدث على جميعه، وهذا إذا كان المعيب وقت الرمي صحيحاً، فأما إن كان دخله العيب قبل الرمي فلا يحسب لأهله إلا قيمته معيباً بموضع أشحنوه.
قال أبو محمد: قال يحي بن عمر وإذا طرح أهل المركب ما نجوا به حسب ذلك على جميع ما في المركب مما يراد به التجارة من جوهر وغيره مما تقل مؤنة حمله أو تكثر.
قال ابن حبيب: وليس على صاحب المركب شيء ولا على أبدان من لا متاع لهم ولا على خدمة المركب وقومته أحراراً كانوا أو مماليك إلا أن يكون العبيد للتجارة فتحسب قيمتهم مسلمين كانوا أو كفاراً.
قال ابن حبيب: ومن كان معه دنانير أو دراهم ناضة كثيرة يريد بها التجارة فهي
داخلة في الشركة إلا ما كان من نفقته لسفره أو لا يريد بها التجارة فلا يحسب.
وذكر عن ابن ميسر أنه قال من كان معه عين فلا يلزمه شيء من قيمة ما طرح من المركب.
وقاله ابن أبي مطرف ومحمد بن عبد الحكم.
م/ والصواب ما قاله ابن حبيب.
قال محمد بن عبد الحكم: وأجمع أصحابنا أن المركب لا يدخل في شيء من حكم الطرح.
وقاله ابن حبيب.
وذكر حبيب عن سحنون أن جرم المركب يدخل في قيمة ما طرح منه.
م/ وهو أقيس.
وسئل أبو محمد عن مركب كان مرسياً بالمهدية فأخذه هول فنقد بقاعه قاع البحر فخيف عليه أن يهلك من ذلك فرمى منه التجار بعض ما فيه ليخف ولا يصل إلى
قاع البحر فذهب الهول وخلص المركب، وأراد أصحاب الحمولة أن يدخلوا المركب في قيمة ما طرح منه وأبى صاحب المركب.
فقال أبو محمد إذا رمى من شحنته خوفاً عليه أن يهلك من نقده بقاعه فإنه يدخل في القيمة ويحسب عليه من قيمة ما رمي ما ينوبه من ذلك.
وقال محمد بن عبد الحكم: وأهل العراق يقولون إن المركب وعبيده وجميع ما فيه للتجارة أو للقنية يدخل في قيمة ما طرح منه.
م/ وأنه القياس لأنه بذلك الطرح سلم الجميع فيجب أن يكون على كل ما بقي حصته مما طرح.
قال ابن عبد الحكم: وقال بعض أصحابنا: لم يختلف قول مالك وأصحابه أم كل ما اشترى للقنية عبيداً كانوا أو كسوة أو حلياً أو جوهراً أو مصحفاً للقنية فإنه لا يدخل منه شيء في حساب ما طرح، وما طرح مما اشترى للقنية مصيبته من صاحبه دون غيره قليلاً كان أو كثيراً؛ لأنه زائل من حكم التجارة، وصاحب المركب كسائر التجار فيما اشتراه للقنية أو للتجارة فيما يحسب أو لا يحسب.
فصل [8 - فيمن يرجع إليه عند تقدير ثمن المتاع المطروح]
ومن الواضحة قال ابن القاسم: وإذا طرح من المركب شيء عند الخوف فكل واحد من أهل المركب مصدق مع يمينه في ثمن متاعه المطروح أو السالم ما لم يأت بما يستنكر ويتيقن فيه كذبه.
وقال سحنون في العتبية يقبل قول كل واحد في مبلغ ثمن طعامه المطروح بلا بينة ولا يمين إذا ظهر صدقه إلا أن يتهم فيحلف.
قال بعض أصحابنا: وإذا طرح من المركب متاع عند الهول فادعى من طرح له أنه كان متاعاً كثيراً، وقال صاحب المركب: لم يشحن عندي إلا أقل مما ادعى.
فإنه يرجع في هذا إلى ما في الشرنبيل فإنه قد جرى أمر الناس عليه، وما كان في داخل المتاع مما يخفى ذكره في الشرنبيل فالقول قول صاحب المتاع فيه مع يمينه إذا أتى بما يشبه أن يملك مثله.
م/ وما لم يكن في الشرنبيل فهو مدع فيه، وهو ظلم إذا لم يكتبه فيجب أن لا يصدق.
وقال أبو محمد: وإذا ادعى صاحب المتاع أن صفة متاعه كذا وكذا، وكذبه الباقون، وادعوا أن صفته كذا فالقول قولهم مع أيمانهم، فإن جهلوا ذلك فالقول قول صاحب ذلك الشيء مع يمينه.
قال ابن أخي هشام إذا زعم رب السفينة أنه رمى بعض شحنتها لهول أصابه وكذبه أصحاب ذلك، ولم يكونوا معه في المركب، فهو مصدق في العروض في قول ابن القاسم، ولا يصدق في الطعام إلا بالبينة.
فصل [9 - في مصالحة من رمي له شيء على دنانير على أن يبقي لهم متاعهم]
قال أبو محمد: وإذا صالح أهل المركب من رمى له شيء على دنانير دفعوها إليه على أن يبقي لهم متاعهم فالصلح جائز إذا عرفوا ما يلزمهم في القضاء، ثن اصطلحوا بعد ذلك على إقرار أو إنكار.
قيل: وإن صالحوه على شيء ثم خرج متاعه من البحر سالماً أو أذهب البحر نصف قيمته، قال: إن خرج سالماً فهو له وينتقض الصلح وتزول الشركة، ولو خرج وقد ذهب نصف قيمته انتقض نصف الصلح، ويرد عليهم نصف ما أخذ،
ويكون هذا الخارج له خاصة، وعليه فيه الكراء على ما ذكرنا فيه الكراء على ما ذكرنا، وإن قيل: إن خرج متاعه سالما لم يكن له أخذه دونهم بل يشركونه فيه؛ لأنه بيع مضى، وقيل يكون لهم دونه لأنه بيع مضى.
واحتج بمسألة ابن القاسم في الدابة يتعدى عليها المستعير أو المكتري فتضل فيصالحه ربها على قيمتها ثم توجد أن ربها لا يأخذها وهي للمعتدي، قيل له ليس ذلك سواء؛ لأن مسألة الدابة فيها تعد موجب تضمينها في الذمة، والرمي في البحر ليس بتعد إنما هو شيء توجبه الضرورة فما سلم منه فهو لمالكه، وما هلك أوجب هلاكُه الشركةَ فيما سلم.
وإذا خرج متاعه وقد أذهب البحر نصف قيمته فكأنه هلك له نصف متاعه.
فصل] 10 - في ضمان رب المركب الطعام الذي سلم إليه وغاب صاحبه عنه [.
وقيل فيمن اكترى سفينة على حمل طعام من سوسة إلى سفاقس وكان رب الطعام يوصله إلى المركب شيئا فشيئا وينصرف عنه حتى تم وسقه أو حمله إلى المركب في حمله ما وسقه صاحب المركب، ثم غاب عنه رب الطعام إلى يوم الإقلاع، فأتى فركب مع طعامه فساروا بعض الطريق ثم ردتهم الريح إلى سوسة، فأراد صاحب الطعام السير في البر فأبى عليه صاحب المركب إلا أن يركب مع طعامه خيفة أن يضيع منه شيء
فيضمنه صاحب المركب، فليس ذلك لصاحب اللوح، وليس ركوبه معه مما يسقط عنه الضمان؛ لأنه قد سلم ذلك إليه وحازه وصار في ضمانه، وإنما ركب معه لما أتى وقت إقلاعه، وإنما الذي لا يضمن الذي لم يسلم إليه الطعام ولا اؤتمن عليه، وكان ربه معه من وقت وسقه إلى وقت إقلاعه.
فصل] 11 - في القوم يحملون الطعام في السفينة مخلوطا فيريد أحدهم بيع حصته في الطريق، أو ينزلها عندما يمر بمنزله [.
ومن العتبية قال أشهب: عن مالك في القوم يحملون الطعام في السفينة مخلوطا، فأراد بعضهم بيع حصته في الطريق، فليس ذلك له إلا برضي أصحابه؛ لأنه ربما فسد أسفل الطعام أو أصاب أعلاه مطر فيقسم بينهم الجيد والفاسد إلا أن يسلموا له حقه فذلك لهم، ثم لا تباعه لهم إن وجدوا القمح فاسدا.
ومن سماع أبي زيد قال مالك: وإذا فسد بعض الطعام فإن كان طعام كل واحد على حدة في شكائر، أو قد حجزوا بحواجز فمن ابتل له شيء أو فسد فهو منه، والسالم لربه لا شيء عليه فيه، وإن انخرقت الحواجز حتى اختلط القمح فهم في جميعه شركاء فيما فسد وفيما سلم.
قال مالك في نفر حملوا طعامهم في سفينة فأحب أول من يمر بمنزلة أخذ طعامه فذلك له، ثم إن غرقت السفينة بعد ذلك فلا رجوع لأصحابه عليه أذنوا له في ذلك أم لا، وليس عليه أن يبلغ معهم بطعامه ثم يرجع إلا أنه إن نقص الكيل وثبت ذلك فلهم الرجوع عليه
بحصته.
م/ يريد وكذلك إن ابتل وعلم أنه أدركه ذلك البلل قبل نزوله عنهم، وقيل فيمن اكترى سفينة إلى موضع فأراد نزول رحله دونه فله ذلك إلا أن يكون في ذلك على أصحابه ضرر مثل أن يكون رحله تحت رحالهم ولا يخلص له إلا بإدخال الضرر عليهم فلهم منعه من ذلك.
فصل] 12 - في كيفية إنزال الزيادة إذا حملوا المركب فوق حمله [.
قال أبو محمد وأبو سعيد بن أخي هشام في قوم أشحنوا طعاما في لوح، لكل واحد كيل معلوم، فلما أرادوا أن يقلعوا تبين لهم أنهم أشحنوا فيه فوق حمله، فأنزلوا منه كيلا فقبضه أحدهم في حصته بإذن أصحابه، وكان بعضهم غائبا، ثم أقلع المركب فعطب، فلمن كان غائبا أن يدخل على الذي قبض ذلك الكيل.
بمقدار حصته منه، وإن كان الذي قبض القمح باعه فلمن غاب أن يجيز البيع ويأخذ ثمن مقدار ما يخصه، أو لا يجيزه ويغرمه مثل كيله في جنسه وصفته.
م/ وسئلت أنا عن قوم أوسقوا في مركب متاعا، فلما أقلعوا أصابهم هول وخافوا الغرق وبان لهم أنهم أوسقوه فوق حمله، فأرادوا أن ينزلوا بعض وسقه في البر فاختلف أصحاب المتاع في ذلك، فقلت: إن علم الأول فالأول في الوسق فإنه ينزل وسق الآخر فالآخر؛ لأنه من حين أخذ المركب حقه في الوسق كان وسق من أوسق بعد ذلك غير جائز، وإن لم يعلموا من هو أول ولا آخر فينزل من رحل كل واحد ما يخصه، مثل أن
ينزلوا عشر وسقه فينزل كل واحد عشر ما أوسق وإن خمسا فخمسا.
وقاله بعض أصحابنا.
فصل] 13 - في الشريكين في السفينة يجد أحدهما الحمل وليس للآخر ما يحمل، والمركب يصلحه أحد الشريكين بغير إذن الآخر [.
ومن العتبية قال سحنون في رجلين لهما سفينة فأراد أحدهما أن يحمل في نصيبه متاعا له وليس لصاحبه شيء يحمله، فقال الذي ليس له شيء للآخر: لا أدعك تحمل فيها شيئا إلا بكراء، وقال الآخر: أنا أحمل في نصيبي.
قال: فله أن يحمل في نصيبه، ولا يقضي لشريكه عليه بكراء، فإما أن يحمل مثل ما حمل صاحبه من الشحنة والمتاع، وإلا بيع المركب عليهما.
وقال أبو محمد في مركب بين رجلين نصفين خرب أسفله حتى لا ينتفع به إلا بإصلاحه، فأصلحه أحدهما بغير إذن شريكه، ثم طلب شريكه بنصف النفقة، فأبى الشريك من ذلك، وقال: أنت أنفقت بغير إذني.
قال: فالشريك بالخيار إما أن يعطيه نصف ما أنفق ويكون المركب بينهما، أو يأخذ من شريكه نصف قيمته خرابا إذا شاء ذلك شريكه، فإن أبيا من ذلك فالمركب بينهما يكون للذي أنفق بقدر ما زادت نفقته فيه مع حصته الأولى، مثل أن تكون قيمته خرابا مائة وقيمته مصلوحا مائتين فيكون للذي عمل ثلاثة أرباعه ولشريكه ربعه.
م/ والذي أرى أن يكون شريكه مخيرا بين أن يعطيه الأقل من نصف ما أنفق، أو من نصف ما زادت نفقته في المركب، أو يكونا شريكين فيه بقدر ما زادت نفقته فيه؛ لأن له أن يقول له: بعه الآن وخذ ما زادت نفقتك.
فلما كان له ذلك كان له أن يعطيه نصف ما زادت نفقته فيه، ويكون المركب بينهما.
وله أن يعطيه أيضا نصف ما أنفق إذا كان ذلك أقل ويكون بينهما.
ومن مسائل لابن عبدوس في قوم اكتروا مركبا من الإسكندرية إلى طرابلس فردتهم الريح إلى سوسة، ومع المتاع ربه أو وكيله، وهو من أهل طرابلس أو غيرها فذلك سواء، فإن شاء أخرج متاعه بسوسة ولا كراء عليه لزيادة المسافة، وإن شاء الرجوع إلى طرابلس بالمتاع أو بنفسه خاصة أو بالأمرين فذلك له؛ لأنه شرطه، ولا ينظر إلى غلاء المتاع بسوسة ولا رخصة.
م/ وذكر البراذعي لأبي سعيد بن أخي هشام خلافه، وما ذكر ابن عبدوس أصوب.
م/ ومن اكترى دابة لحمل أو ركوب فأكراها من غيره في مثل ما تعطب في مثله، ولم
يعلم الثاني أنها لغيره فركبها الثاني أو حمل عليها ما شرط حمله فعطبت.
فذهب جماعة من أصحابنا أن لربها أن يضمن من شاء منهما كما لو قتلها الثاني.
وظهر لي ولغيري من أصحابنا أنه لا يضمن إلا الأول؛ لأنه المتعدي.
فأما الثاني فقد حمل ما شرط له وأبيح، كما لو اشترى دارا فهدمها ثم استحقت فليس لربها أن يضمنه؛ لأنه صنع ما هو مباح له.
وذلك بخلاف من اشترى عبدا فقتله ثم استحق فلربه تضمينه؛ لأنه متعد في قتله فافترقا، والله أعلم.
تم كتاب الرواحل والدواب.