الجامع لمسائل المدونةصفحات 1073-1092

كتاب جامع لأبواب متفرقة

صفحات 1073-1092

قال أشهب: والذي أخذ به أنه جائز في الثمرة أن يلحقها ببيعه بعد الصفقة، ولا يجوز ذلك في مال العبد إلا في عقد الصفقة.
قالا عن مالك: ولا يجوز أن يستثنى نصف الثمرة ولا نصف مال العبد.
قال أشهب: فإن نزل رأيته جائزاً ولا أفسخه وبالله التوفيق.

[الباب التاسع]

فيمن باع لبن غنم بعينها كيلاً أو جزافاً

[الفصل 1 - في شراء لبن غنم بعينها إلى أجل لا ينقضي اللبن قبله] ومن المدونة: قال مالك: ومن اشترى لبن غنم بأعيانها جزافاً شهراً أو شهرين إلى أجل لا ينقضي اللبن قبله فإن كانت غنماً يسيرة كشاة أو شاتين لم يعجبني ذلك إذ ليست بمأمونة.
وروى أشهب أن مالكاً أجازه في شاة.
[قال] ابن أبي زمنين: وقال أصبغ في شراء لبن شاة أو شاتين إن وقع ذلك مضى إذا كانا قد عرفا وجه جلابها، قال: وما هو عندي من الغرر البين.
قال ابن أبي زمنين: وقوله فيمن اكترى بقرة للحرث وشرط لبنها يقوي قول أصبغ.
قال في المدونة: وذلك جائز فيما كثر من الغنم كالعشر ونحوها إن كان في الإبان وعرفا وجهه حلابها، وإن لم يعرفا وجهه لم يجز ذلك.
قال: وإن اشترى لبنها ثلاثة أشهر في إبانه فماتت خمس بعد أن حلب جميعها شهراً، نظرا، فإن كانت الميتة تحلب قسطين قسطين والباقية تحلب قسطاً قسطاً نظر كم الشهر من الثلاثة في قدر نفاق اللبن ورخصه، فإن قيل النصف فقد قبض نصف صفقته بنصف الثمن، وهلك ثلثا النصف الباقي قبل قبضه، فله الرجوع بحصته من الثمن وهو ثلثا نصف الثمن أجمع، ولو كان موت هذه الميتة قبل أن

تحلب شيئاً لرجع بثلثي جميع الثمن، وعلى هذا يحسب ألو كانت حصة الميتة الثلث أو النصف أو الثلاثة أرباع.
م وقال بعض المتأخرين من فقهائنا: ليس للمشتري رد ما بقي في يديه وإن كانت التي هلكت أكثر الغنم، ويلزمه ما بقى كجوائح الثمار سواء وقيل غير هذا، والأول أصوب والله اعلم.
[الفصل 2 - فيمن أسلم في لبن غنم على كيل فهلك بعضها وحكم السلم في لبن غنم معينة] ومن المدونة قال مالك: ولو كنت أسلمت في لبنها سلماً على كيل فهلك بعضها كان سلمك فيما بقي منها بخلاف شرائك لبنها مطلقاً.
قال: ويجوز السلم في لبن غنم معينة على الكيل كل قسط منها بكذا كانت الغنم كثيرة أو يسيرة كشاة أو شاتين بعد أن تكون في إبان لبنها، ويسمي أقساطاً معلومة ويضرب أجلاً لا ينقضي اللبن قبله.
قلت: أفينقده الثمن؟ قال نعم: إذا شرع في أخذ اللبن أو كان يشرع فيه إلى أيام يسيرة، فإن زال الإبان ولم يأخذ لبناً رجع بالثمن، وإن اشترى لبنها في غير إبانه

على جزاف أو كيل وشرط أخذه في الإبان فلا خير فيه- يريد لأنها غنم بعينها فذلك فيها، إذ لا يبلغ إلى ذلك الأجل-.
[الفصل 3 - فيمن اكترى ناقة أو بقرة حلوباً واستثنى حلابها] قال مالك: وإن اكترى ناقة أو بقراً حلوباً ليحرث أو يسقي عليها شهراً واستثنى حلابها في ذلك، جاز إذا عرفا وجهه.
قال ابن أبي زمنين: هذه مسألة فيها نظر؛ لأنه إن كان جعل اللبن تبعاً للحرث فلا معنى لقوله إن كان عرف وجه حلابها، وإن لم يجعل اللبن تبعاً فقد أجاز شراء لبن البقرة الواحدة.
م وروي عن ابن القاسم أنه قيل له: أرأيت إن انقطع اللبن أيجعل له نصيباً من الكراء؟ قال نعم يرد ما وقع على اللبن، وقال أصبغ: لا يرجع بشيء: ويجب على قول أصبغ أن لا يراعي وجه معرفة الحلاب، إذ جعل ذلك فيها تبعاً.
وقوله أقيس إذا كان إنما استخف من أجل الكراء فهو تبع [له] كمال العبد وثمر النخل ونحو ذلك [من التوابع].

وقد قال بعض فقهائنا القرويين: إنما جاز ذلك في الرأس الواحد استخفافاً إذ القصد فيه الكراء لا اللبن، فلم يجعله كشراء اللبن في البقرة الواحدة؛ لأن هذا غرر منفرد، ومسألة الكراء غرر يسير قارنه بيع فاستخف، وإن لم يكن تبعاً.
والله أعلم.
ومن الناس من رأى ذلك اختلافاً من قوله، والأول أصوب والله أعلم.

[الباب العاشر]

جامع مسائل مختلفة من البيوع

[الفصل 1 - الإجارة والبيع بالعوض المجهول حين العقد] قال مالك: ولا يجو أن تبتاع من رجل طعاماً على ما ابتاع منه فلان، أو تخيط له ثوباً بما خطت لفلان، وكذلك الصبغ والصناعة والإجارة كلها إذا لم يعلم حينئذٍ ما كان أول ذلك.
فصل [2 - في شراء ثمر نخيل أو صبرة على الكيل كل قفيز بكذا] قال ومن اشترى من رجل ثلاث نجيات من حائطه على أن ما جنى منها أخذه، كل أربعة آصع بدينار؟ قال: لا بأس به، وهو أمر معروف، وكذلك شراء ثمر الحائط بأسره كيلاً أو زرعه اليابس على الكيل أو بيت لا يعلم ما فيه

أو صبرة لا يعلم بما فيها على أن كل قفيز بكذا؛ لأنه يقل ويكثر.
فأما ابتياعه بأربعين ديناراً من رطب هذا الحائط على أن كذا وكذا صاعاً بدينار، يأخذ في ذلك ما يجني كل يوم فلا ينبغي ذلك حتى يسمي ما يأخذ كل يوم.
قال: وقد كان الناس يتبايعون اللحم بسعر معلوم يأخذ كل يوم شيئاً معلوماً ويشرع في الأخذ ويتأخر الثمن إلى العطاء، وكذلك كل ما يباع في الأسواق لا يكون إلا بأمر معروف معلوم، يسمى كل يوم ما يأخذ، وكان العطاء يومئذٍ مأموناً، ولم يروه ديناً بدين واستخفوه.
[فصل 3 - فيمن اشترى داراً أو ثوباً كل ذراع بدرهم أو جملة غنم كل شاتين بدينار] قال: وإن اشتريت داراً أو ثوباً كل ذراع بدرهم ولم تسم عدداً لأذرع فقلت: قيسوا فقد أخذت كل ذراع بدرهم فذلك جائز، وإن اشتريت جملة غنم كل شاتين بدينار أو جملة ثياب، كل ثوبين بدينار، فأصبت في الغنم مئة شاة وشاة وفي الثياب مئة ثوب وثوباً، لزمتك الشاة أو الثوب بنصف دينار ولم يبين.
قال القاضي عبد الوهاب: ولو قال بعتك من هذه الصبرة حساب كل عشرة أقفزة بدينار ولم يبين كم باعه منها، فلا أعرف فيها نصاً.
وقال بعض أهل عصرنا البيع فاسد وهو قول أصحاب الشافعي، واعتل بأن قال: إن المبيع مجهول؛ لأنه

لما قال من هذه الصبرة فكأنه قال بعض هذه الصبرة ولم يبين ذلك البعض.
قال عبد الوهاب: وعندي أنها تحتمل وجهين: أحدهما: أن البيع ينتظم جميعها؛ لأن لفظة (من) تكون للتبعيض وتكون صلة وزيادة في الكلام، فكأنه قال بعتك هذه الصبرة من حساب عشرة أقفزة بدينار، وإذا وجدنا للفظ معنى يصح حمله عليه كان أولى من حمله على الفساد.
والوجه الآخر: أن يلزم البيع في مقدار ما علق الحساب به، وهي عشرة أقفزة على ما رواه عبد الملك إذا قال أكريك هذه الدار حساب كل شهر بدينار، فإن الإجارة تلزم في شهر واحد منها فكذلك مسألتنا.
فصل [4 - في شراء السمسم والزيتون على أن على البائع عصره أو زرعاً على أن على البائع حصاده ونحوها] ومن المدونة قال مالك: ولا يجوز شارء سمسم أو زيتون أو حب فجل بعينه على أن على البائع عصره أو زرعاً قائماً على أن على البائع حصاده ودراسه، وكأنه ابتاع ما يخرج من ذلك كله وذلك مجهول، وأما إن ابتعت منه ثوباً على أن يخيطه لك أو نعلين على أن يحذوهما لك فلا، وإن ابتعت منه قمحاً على أن يطحنه لك فقد استخفه مالك بعد أن كرهه، وكان يرى أن القمح قد عرف ما يخرج منه، وجل قوله في ذلك التخفيف على وجه الاستحسان لا على القياس.

[الباب الحادي عشر]

في تلقي السلع وبيع حاضر لباد وسوم الرجل على سوم أخيه وفي النجش وجامع مسائل من البيع مما ليس في المدونة

[الفصل 1 - في تلقي السلع قبل وصولها الأسواق، وفي المزارع يخرج إليها التجار لشراء ثمارها] ومن الموطأ روى مالك بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تلقوا الركبان ولا يبع بعضكم على بيع بعض ولا تناجشوا ولا يبع حاضر لباد، ولا تلقوا السلع ولا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر).
[قال] ابن المواز: قال مالك ولا تتلقى السلع لتشترى وإن لم ترد بها التجارة حتى يهبط بها إلى سوقها كما جاء في الحديث (حتى يهبط الأسواق) قال: ولا تتلقى في أفواه الطرق والسكك، ولا يبتاعها من مرت به بباب داره في البلد الذي جلبت إليه، وأما من مرت به في قرية بقرب البلد الذي يريد ومن على ستة أميال من المدينة فله أن يشتري منها للأكل وللقنية أو ليلبس أو ليضحي أو

ليهدي ونحوه، وأما للتجارة فلا.
قال ابن القاسم وهذا في كل سلعة أو طعام أو غيره، ونحوه، وفي العتبية.
ومن الواضحة: ولا تتلقى السلع وإن كانت على مسيرة يوم أو يومين وما بلغ الحضر فلا يشتري منها ما مر على باب داره لا لتجارة ولا لقوته، إن كان لها سوق، وأما ما ليس له سوق قائم فإذا دخل بيوت الحاضرة والأزقة جاز شراؤها وإن لم تبلغ السوق، ومن منزله [في غير الحاضرة] قريباً منها أو بعيداً فله أن يشتري ما مر به للقوت لا للتجارة ولو كانت على الأيام من البلد الذي تحمل إليه.
وهذا قول مالك وأصحابه.
ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك في الأجنة [من نخيل وأعناب] تكون حول الفسطاط يخرج إليها التجار فيشترونها ويحملون ذلك إلى الفسطاط أنه لا بأس بذلك.
وقال في سماع أشهب في الذين يشترون الثمار ثم يدخلون بها المدينة فيبيعونها على أيديهم أنها من التلقي.
وقال أشهب: لا بأس به وليس من التلقي.

[فصل 2 - في ربح المتلقي وفي الشراء منه وفي حكم الإمام فيه] [قال] ابن المواز قال مالك: ولا يطيب للمتلقي ربح ما تلقى ولا أحب أن يشتري من لحم ما تلقى، واختلف قول مالك في شراء المتلقي، فقال عنه ابن القاسم: ينهى، فإن عاد أدب ولا ينزع منه شيء، وروى عنه ابن وهب أنه ينزع منه فيباع لأهل السوق فما ربح فهو بينهم، والوضيعة على المتلقي.
وقال ابن القاسم: أرى أن يشترك فيها التجار وغيرهم ممن يطلب ذلك ويكون هو كأحدهم.
وقاله ابن عبد الحكم بالحصص الثمن الأول.
وقال أصبغ بقول مالك الأول أنه أن عاد أدب ونفي من السوق، وإنما يشتركون فيما يحضرون فيه بالسوق فيطلبون الشرك فيكون كأحدهم.
قال ابن المواز: الصواب في المتلقي أن يرد شراؤه وترد على بائعها إن وجد، فإن فات أمر الإمام من يقوم ببيعها عن صاحبها، وما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مردود.
ومن الواضحة: ويفسخ شراء المتلقي وترد السلعة فإن فات بائعها، فإن كان المتلقي ليس بمعتاد للتلقي ترك ذلك له وزجر، وإن كان معتاداً فإن كان لها

سوق وقوم راتبون لبيعها، فلهم أخذها بالثمن الأول أو يدعونها له وإن لم يكن لها أهل سوق عرضت في السوق بثمنها على عامة الناس، فإن لم يوجد من يأخذها تركت لربها، ويؤدب المعتاد بما يراه الإمام من سجن أو ضرب أو إخراج من السوق وهذا في العروض، وأما في الطعام كله فليوقف لكل الناس بالثمن وإن كان لها أهل راتبون.
قالوا: وإذا بلغت السلعة موقفها ثم انقلب بها ولم يبع أو باع بعضها فلا بأس أن يشتريها من مرت به ببابه أو من دار بائعها.
وفي العتبية عن ابن القاسم نحوه.
فصل [3 - في بيع الحاضر للبادي والشراء منه] [قال] ابن المواز: قال مالك: في قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يبع حاضر لباد) هم الأعراب أهل العمود، ومن كان من أهل القرى الذين يسمون أهل البادية لا يباع لهم ولا يشار عليهم، والمشورة على البدوي بمنزلة بيع متاعه.
قال ابن المواز: وذلك فيما يأتون به للبيع.
قال في الواضحة: ولم يرد بذلك أهل القرى الذين يعرفون الأثمان والأسواق.

[قال] ابن المواز: قيل لمالك فإن كانوا أيام الربيع في القرى ومن بعد ذلك في الصحراء على الميلين من القرية وهم عالمون بالسعر؟، قال لا يباع لهم.
قال أصبغ: ويفسخ وهو بيع حرام.
قال بن القاسم: قال مالك: لا يبع مدني لمصري ولا مصري لبدني وقد كان قال لي قبل ذلك: إنما يكره ذلك لأهل القرى التي تشبه البادية فأما أهل القرى من أهل الريف، ممن يرى أنه يعرف السوم فلا بأس به وأرجوا أن يكون خفيفاً وهذا أحب إلي.
قال مالك: ومن كان من أهل القرى الذين يسمون أهل البادية فلا يباع لهم ولا يشار عليهم، ولا بأس أن يبتاع لهم وأما البيع فلا.
قال في العتبية: أكره أن يخير الحضري البدوي بالسعر، ولا بأس أن يشتري له بخلاف البيع له.
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم: فإن باع حضري لبادي فسخ البيع لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فهو شراء حرام، وسواء كان البادي حاضراً معه أو بعث إليه بالسلعة ولم ير ابن عبد الحكم فسخها وذلك غلط.

وقول ابن القاسم أحب إلينا، وذكر ابن حبيب عن مالك أنه يفسخ.
قال ابن حبيب: وكذلك الشراء له؛ لأنه يدخل فيه مثل ماله نهي عن البيع، وذكر أن ابن القاسم روى عن مالك إجازته بخلاف البيع.
م وذكر القزويني عن الأبهري أنه إذا وجه البدوي متاعاً مع رسول إلى الحضري جاز أن يبيعه له، والمنع إنما هو إذا جلب ذلك بنفسه والله اعلم.
م قال بعض أصحابنا: وفيما نقل بعض شيوخنا عن أبي محمد ابن أبي زيد أنه قال: إذا نزل تلقى السلع فإنه يفسخ لأنا إذا فسخناه أبقينا لأهل السوق منفعة لأنا نشركهم في السلعة ويأخذونها بالثمن إن شاؤا، وأما إذا نزل بيع حاضر لباد فلا يفسخ؛ لأنا إذا فسخناه لم ينتفع بذلك أهل السوق لأن البادي قد علم بسعر البلد في سلعته فهو لا يبيعها بعد إلا بذلك الثمن، وإنما أريد بهذا الحديث الرفق بأهل الحواضر؛ فإذا علم البدوي ثمن سلعته فلا فائدة في فسخه فاعلم ذلك إن شاء الله.

فصل [4 - في سوم الرجل على سوم أخيه وبيع الرجل على بيع أخيه] ومن الموطأ قال مالك: وتفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يبع بعضكم على بيع بعض) هو أن يسوم الرجل على سوم أخيه إذا ركن البائع إلى السائم وجعل يشترط وزن الدنانير ويتبرأ من العيوب وما أشبه ذلك مما يعرف [به] أن البائع أراد مبايعته، وأما السلعة توقف للبيع فساوم بها غير واحد فلا بأس بذلك ولو ترك السوم عند أول ما يسوم بها أخذت بشبه الباطل.
ومن الواضحة قال: ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يبع بعضكم على بيع بعض) يقول لا يشتري، والعرب تقول بعت بمعنى اشتريت، وشريت بمعنى بعت قال الله عز وجل ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، وقال طرفه بن العبد: ويأتيك بالأخبار من لم تبع له بتاتاً (...) ولم تضرب له وقت موعد

وقال الحطيئة: يقول من لم تشتر له زاداً (...) وبعت لذبيان العلا بمالكاً يقول اشتريت وإنما النهي للمشتري دون البائع، ومن جهل فابتاع على أخيه بعد أن اتفقا فليستغفر الله وليعرضها على الأول بالثمن زادت أو نقصت، فإن أنفق عليها شيئاً زادت له فليعطه النفقة مع الثمن وإن نقصت فهو بالخيار، إن شاء أخذها ولا شيء له وإن شاء ترك وهذا قول مالك ومن لقيت من أصحابه.
ومن العتبية قال سحنون عن ابن القاسم في السائم على سوم أخيه، والخاطب على خطبة أخيه: أنه لا يفسخ وأرى أن يؤدب، وقال غيره: بل يفسخ، وفي كتاب النكاح شيء من هذا.
فصل [5 - في بيع النجش] ومن الموطأ قال مالك (ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النجش) وهو أن يزيد الرجل في السلعة وهو لا يريد شراءها ليغر به غيره.

قال ابن حبيب: وذلك أن يدس الرجل من يعطيه عطاء لا يريد به الشراء لكن ليقتدي به، فإن فعل فإن ذلك يفسخ إلا أن يشاء المبتاع أن يتماسك بها بذلك الثمن، وإن فاتت ودى القيمة إن شاء، وهذا إذا دسه البائع أو كان الناجش من سبب البائع، وإن لم يكن البائع دسه مثل ولده أو عبده أو شريكه أو من هو من ناحيته، وإن كان أجنبياً لم يعلم به ولا هو من ناحيته فلا شيء على البائع ولا يفسخ البيع والإثم على من فعل ذلك.
فصل [6 - في البائع يقول أعطيت في سلعتي كذا] ومن العتبية روى أشهب عن مالك فيمن يريد بيع سلعة فيقول أعطيت بها كذا وهو صادق، فلا بأس به إذا كان عطاء جد به السوم، فأما النجش فلا أو يكون أعطى عطاء قديماً فكتم قدمه، والمبتاع يظن أنه حديث، ونحوه في كتاب محمد.
قال ابن المواز: قال مالك فيمن قال لرجل ما أعطيت في سلعتك فلك زيادة دينار، فقال: أعطاني فلان مائة دينار فزاد وأخذها، ثم سأل فلاناً فقال: لم أعطه إلا تسعين، قال مالك: يلزمه البيع، ولو شاء لتثبت إلا أن تكون بينة حضرت عطاء فلان دون ذلك فيرد البيع إن شاء، وكذلك القائل في الجارية أعطيت مئة فيصدقه ويزيده فذلك يلزمه، قال مالك في العتبية: ولا يمين عليهما.

فصل [7 - في المبتاع يقول لرجل لا تزد على ما سمت به] قال ابن المواز: قال مالك: ولا بأس أن يقول المبتاع لرجل حاضر كف عني، لا تزد علي في هذه السلعة، فأما الأمر العام فلا، وكره أن يقول له كف عني ولك نصفها، ويدخله الدلسة، ولا ينبغي أن يجتمع [القوم] للبيع فيقولوا لا تزيد علي كذا وكذا.
[فصل 8 - في الشركاء يتحايل بعضهم لإخراج أحدهم من الشركة] ومن العتبية والواضحة: قال مالك في عبد بين ثلاثة نفر قال أحدهم للآخر إذا تقاومناه فأخرج منه بربح ليقتدي بك صاحبنا، والعبد بيني وبينك ففعل، فاقتدى به الآخر فخرج من العبد، وثبت هذا ببينة أو أقر به.
قال: البيع مردود ولا يجوز.
قال ابن حبيب: ولم يأخذ بهذا أصبغ ولم يره من النجش، وبه أقول لأن صاحبه لم يرد أن يقتدي بزيادته إنما أمسك عن الزيادة رأساً ليرخصه على نفسه وعلى صاحبه فلا بأس بذلك.

فصل [9 - ما يستحب في البيع من المسامحة والسوم وإقالة النادم وما يكره من المدح والذم وغبن المسترسل] ومن الموطأ قال مالك: وحدثني يحيى بن سعيد أنه سمع محمد بن المنكدر يقول: أحب الله عبداً سمحاً إن باع، سمحاً إن ابتاع، سمحاً إن قضى سمحاً إن اقتضى.
قال: وحدثني أيضاً ابن المسيب: إذا جئت أرضاً يوفون المكيال والميزان، فأطل المقام بها، وإذا جئت أرضاً ينقصون المكيال والميزان فأقلل المقام بها.
ومن الواضحة: وتستحب المسامحة في البيع والشراء ويسير الربح وحسن الطلب بالثمن، وفي ذلك آثار رويت ورغائب، من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (صاحب السلعة أحق أن يسوم بها من أن يسام) وأنه قال: (البركة في أول السوم والبركة في المسامحة).

ورغب في إقالة النادم، وروي أنه قال (غبن المسترسل ظلم)، وسمعت أهل العلم يقولون أن له الرد إذا غبن ويرد القيمة في فوت السلعة وغبنه من الخديعة، ولا يكون الاسترسال في البيع، إنما هو في الشراء، وذلك في ترك المساومة، يقول بعني كما تبيع من الناس، فإن قصر به عن ذلك فقد ظلمه، وكانوا يحبون المكايسة في الشراء وارتخاصة، ولو أتى أحد المتبايعين من جهله بالبيع فباع واشترى ما يساوي مئة بدرهم لزمهما ويكره المدح والذم في التبايع، ولا يفسخ به البيع، ويؤثم فاعله لشبهه بالخدعة.
ومن المكر والخديعة الإلغاز في اليمين، وقد نهى عن ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والحلف فيه مكروه وإن لم يلغز.
وروى أن البركة ترتفع منه باليمين، والمواربة في البيع من الخديعة، وقد نهى عن ذلك ابن الزبير رضي الله عنه.
[تم الكتاب]

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً

جارٍ التحميل