[الباب الأول]
في بيع المصراة وغيرها وما ترد به من ذلك
[الفصل 1 - الأصل في حكم المصراة والتعريف بها]
قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تصروا الإبل والغنم فمن اشتراها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر).
قال مالك: وهذا حديث متبع ليس لأحد فيه رأي.
قال ابن المواز: ولم يأخذ به أشهب، وقال قد جاء ما يضعفه (أن الغلة بالضمان).
قال: وسألت عنه مالكاً فكأنه ضعفه قال أشهب: وهو لوردها بعيب وقد أكل لبنها فلا شيء عليه للبن.
قال بعض الأندلسيين عن ابن مزين عن أشهب أنه إذا رضي بتصريتها ثم اطلع على عيب فردها به فليرد صاعاً من تمر.
م فإذا رضي بتصريتها فكأنها غير مصراة فإذا أطلع بعد ذلك على عيب بها كان له ردها بغير صاع؛ لأن الغلة بالضمان.
قال ابن المواز: والذي آخذ به في المصراة خاصة قول ابن القاسم أنه إذا لم يرض حلابها ردها وصاعا من تمر كما جاء في الحديث.
م وكأن أشهب رأى أن قول النبي صلى الله عليه وسلم (الخراج بالضمان) ناسخ لحديث المصراة، ويحتمل أن لا يكون ناسخاً له؛ لأن حديث الخراج بالضمان عام وحديث المصراة مخصوص لبعض ما اشتمل عليه حديث الخراج بالضمان، والمخصوص يقضي به على العام، كما أن المفسر يقضي به على المجمل، وأيضاً فإن الخراج إنما ينطلق على ما حدث عند المشتري، وهذا اللبن لم يحدث عند المشتري، بل كان يوم العقد موجوداً في الضرع فالأخذ بحديث المصراة أولى، وحديث المصراة أصل في كل غش أو عيب، ومنه يستفاد أنه ليس للمشتري الرجوع بقيمة العيب وإنما له الرضا بجميع الثمن أو رده لقوله صلى الله عليه وسلم (إن شاء أمسكها وإن شاء ردها) ولم يقل يرجع بقيمة عيبه.
قال ابن حبيب: ومن الغش ما نهى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصرية الناقة أو الشاه عند/ البيع.
والتصرية حبس اللبن في الضروع وأصله حبس الماء، يقال: صريته بالتخفيف، وصريته بالتثقيل.
قال الأغلب العجلاني:
رأيت غلاماً قد صرا فقرته... ماء الشباب عنفوان شربه
وليست المصراة من الصرار، ولو كانت منه لقيل مصرورة، وتسمى المصراة المحفلة؛ لأن اللبن أحفل في ضروعها، فصارت به محفلة ولا تكون حافلاً، والحافل العظيمة الضرع، وهذا أصل لكل من باع شيئاً، وزينه بغش، أن للمشتري رده.
قال عبد الوهاب: التصرية في اللغة الجمع، يقال صريت الماء في الحوض إذا جمعته، ومنه قوله عز وجل ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ قيل في جمع من النساء.
قال أبو حنيفة: ليست التصرية بعيب، ولا يثبت بها رد، واللبن في الضرع لا قسط له من الثمن، ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم (لا تصروا الإبل والغنم) فذكر الحديث.
قال: وفيه أدلة: أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عنه، فدل على أنه تدليس.
والثاني: أنه أثبت للمبتاع الخيار.
والثالث: أنه أوجب عليه إذا ردها صاعاً من تمر، وعندهم لا يجب.
وفي دليل [على] أن اللبن يأخذ قسطاً من الثمن؛ لأن قيمة الشاة التي تحلب عشرة أرطال أكثر من قيمة التي تحلب خمسة والرغبة في أحداهما أزيد، فصارت التصرية تدليساً بالعيب فكان للمشتري الرد ولم يمنعه الحلب لقوله صلى الله عليه وسلم (ردها وصاعاً من تمر).
فصل [2 - التصرية تكون في جميع الأنعام ومتى ترد؟]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: والمصراة من جميع الأنعام سواء، وهي التي يدعون حلبها، ليعظم ضرعها ويحسن حلابها ثم تباع، فإذا حلبها المشتري مرة لم يتبين ذلك، فإذا حلب الثانية علم بذلك نقص حلابها، فإما رضيها وإما ردها وصاعاً من تمر، وإن كان ذلك ببلد ليس عيشهم التمر أعطى الصاع من عيش ذلك البلد، وعيش أهل مصر الحنطة فليعطوا منها.
قلت: فإن حلبها ثالثة؟ قال: إن جاء من ذلك ما يعلم أنه حلبها بعد أن تقدم له من حلابها ما فيه خبرة فلا رد له، ويعد حلابها منه بعد الاختبار رضا بها ولا حجة عليه في الثانية إذ بها يختبر أمرها، وإنما يختبر الناس ذلك بالحلاب الثاني ولا يعرف بالأول.
ومن كتاب ابن المواز: فإنما ترد المصراة بعد أن تحلب مرتين فإن حلبها الثالثة لزمته.
قال عيسى بن دينار: إذا حلبها الثانية فنقص لبنها، فظن أن ذلك من استنكار الموضع أو نحو هذا ثم حلبها الثالثة لزمته.
وقال عيسى بن دينار: إذا حلبها الثانية فتبين له أنها مصراة فأراد ردها فليحلف أنه ما كان منه رضا ولا رغبة فيها ثم يردها والصاع معها.
م وهذان القولان يرجعان إلى ما في المدونة أنه إذا حلبها الثالثة بعد الاختبار، فلا رد له، وإن لم يختبرها بالثانية فظن أن ذلك من استنكار الموضع ونحوه، حلف أنه لم يرضه وردها.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا ردها لم يكن له أن يرد اللبن معها إن كان قاتماً بغير صاع، ولو كان له رده كان عليه في فواته مثله، ولو رضي البائع أن يقبلها مع اللبن بغير صاع لم يعجبني ذلك؛ لأنه وجب له صاع طعام فباعه قبل قبضه بلبن إلا أن يقبلها البائع بغير لبنها فيجوز.
م قال بعض أصحابنا: رأيت لبعض الشافعيين أنه إذا أراد المصراة، ووجب عليه رد الصاع، فكان الصاع يساوي قيمة الشاة أو أكثر.
قال: اختلف أصحابنا في ذلك، فأوجب بعضهم رد الصاع معها ولم يوجبه بعضهم/.
م قال بعض أصحابنا: وعلى مذهبنا يجب عندي رد الصاع معها إتباعاً لظاهر الحديث والله أعلم.
قال فإن أهلكت المصراة قبل اختبارها فضمانها من المشتري؛ لأن التصرية كالعيب، ويجب أن يرجع بقيمة العيب وهذا بيّن.
وقال أحمد بن خالد الأندلسي: من اشترى شاة أو أكثر مصرورة فلا يرد معها إلا صاعاً.
م بظاهر الحديث (لا تصروا الإبل والغنم فمن اشتراها بعد ذلك فهو بخير النظرين).
م ولم أر قول أحمد هذا، ولو قال قائل: بل يرجع مع كل شاة صاعاً لم يبعد من ظاهر الحديث؛ لأنه إذا كان يرد اللبن شاة واحدة صاعاً كيف يرد للبن مئة شاة صاعاً واحداً؟ هذا بعيد.
م ورأيت بعد قولي هذا لأبي القاسم بن الكاتب القروي أنه يرد مع كل شاة صاعاً، واحتج بذلك بأن أهل العلم قالوا: وجه رد الصاع مع الشاة المصراة ولم يرد مثل اللبن، لأن اللبن المضمون هو الموجود حال العقد، وما يحدث فهو للمشتري، ويتعذر الفصل بينهما والتمييز، فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك صاعاً لقطع الخصام فيه، وهذا كما أن الأصول تقتضي اختلاف ضمان الأنثى والذكر في الجنين ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب في الجنين غرة، عبداً أو وليدة، ذكراً كان الولد أو أنثى، لتعذر التفريق بينهما.
قال أبو القاسم بن الكاتب: فإذا كان اللبن مقيساً على الجنين وجب أن يرد مع كل شاة صاعاً كما يكون عليه إذا ألقت جنينين أو ثلاثة لكل جنين غرة.
فصل [3 - فيمن باع شاة حلوباً غير مصراة في إبان الحلاب ولم يذكر
مقدار ما يحلب منها]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن باع شاة حلوباً غير مصراة في إبان الحلاب ولم يذكر ما تحلب، فإن كانت الرغبة فيما إنما هي للبن، والبائع يعلم ما يحلب منها فكتمه، فللمبتاع أن يرضاها أو يردها كصبرة يعلم البائع كيلها دون المبتاع، وإن لم يكن علم ذلك البائع فلا رد للمبتاع، وكذلك ما تنوفس فيه للبن من بقر أو إبل، ولو باعها في غير إبان لبنها، ثم حلبها المبتاع حين الإبان فلم يرضها فلا رد له، كان البائع يعلم حلابها أم لا.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب إذا كان البائع يعلم حلابها، فللمبتاع ردها حلبت أو لم تحلب إذا كانت شاة لبن.
قال ابن المواز: وأرى أن ينظر في ثمنها، فإن كان في كثرته ما يعلم أن ذلك لا تبلغه لشحمها ولا للحمها ولا للرغبة في نتاج مثلها، وظهر أن الغالب من ذلك إنما هو اللبن فليردها إذا كتمه وثبت ذلك.
قال يحي بن عمر: واللبن في هذه للمبتاع بالضمان بخلاف المصراة.
م يريد في جميع هذه المسائل.
[فصل 4 - فيمن باع شاة حلوباً في إبان الحلاب على أنها تحلب قسطين]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن ابتاعها في الإبان على أنها تحلب قسطين جاز، فإن وجدها تحلب قسطاً فله الرد وهي أقوى في الرد من المصراة للشرط فيها.
م يريد واللبن للمبتاع بالضمان.
[الباب الثاني]
في بيع ماء العيون والبرك وغيرها وما يتولد فيها
[الفصل 1 - في من بنى في أرض غيره رحى بغير إذنه فأصاب مالاً]
قال ابن القاسم: وإذا بنى رجل في أرضك على نهر لك رحى بغير إذنك، فأصاب في ذلك مالاً، فلك عليه كراء الأرض، وأما الماء فلا كراء له.
م يريد على انفراده، وإنما تقوم الأرض كم يساوي كراؤها على أن فيها هذا الماء حسب ما كانت عليه، وحكى ذلك عن أن محمد بن أبي زيد.
م ألا ترى أن لو كان ماؤك يجري في أرضه إلى أرض لك تحت أرضه، فأراد أن ينصب عليه رحى في أرضه ولم يكن ذلك ينقص ماءك، لم يكن لك منعه إذ لا ضرر عليك في ذلك، فبان أن الماء ليس له كراء في مثل هذا.
[الفصل 2 - هل لمن في أرضه غدير بيع السمك الذي فيه؟]
قال مالك: وإذا كان في أرضك غدير/ أو بركه أو بحيرة فيها سمك، فلا يعجبني بيع ما فيها من السمك، ولا يمنع من يصيد فيها ولا الشرب منها.
وقال سحنون: له منع من يصيد فيها.
م وهذا كاختلافهم في المعدن يخرج في أرضه، فقال سحنون: هو لرب الأرض.
وقال ابن القاسم: أمره إلى الإمام كالذي يوجد في الفيافي، فهذا على ذلك.
وقال
أشهب: أن طرحها هو فيها فولدت فله منعها، وإن كان الغيث أجراها لم يمنع أحداً منها.
[فصل 3 - في منع الماء عن محتاجه وحكم بيعه]
وقال مالك: ولا يمنع الماء لشفة أو سقي كبد إلا ماء لا فضل فيه عن أربابه وقال الرسول صلى الله عليه وسلم (لا يقطع ولا يمنع فضل ماء ولا ابن السبيل عارية الدلو والرشا والحوض إن لم يكن له أداة تعينه ويخلي بينه وبين الركية فيستقي).
[فصل 4 - في بيع شرب يوم]
قال مالك: ومن له حصة في أصل عين مملوكة، فله بيع حصته أو بيع شرب يوم أو يومين دون الأصل، إذا جاءه حظه من الشرب كان له بيعه أو بيع بعضه.
وكذلك كره مالك بيع مالك المواجل التي على طريق انطابلس يريد لأنها للسبيل.
وروى ابن وهب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: من أحل فلاة من الأرض، فالحجاج والمعتمرون وأبناء السبيل أحق بالظل والماء، فلا تحجزوا على الناس الأرض.
وكان على بن أبي طالب رضي الله عنه يأمر أهل المياه.
بسقي المارة من غير بيع.
قال مالك: ويجوز بيع فضل ماء الزرع من عين أو بئر وبيع رقابهما.
قال: وللرجل منع ماء داره وأرضه من عين أو بئر للشفة أو للزرع، ويجوز بيعها وبيع مائها، وكذلك: المواجل التي يحدثها الناس في دورهم لأنفسهم، فأما ما حفر في الفيافي والطرق من المواجل، كمواجل طريق المغرب فقد كره مالك بيعها ولم يره بحرام بين،
وجل ما كان يعتمد فيه على الكراهية واستثقال بيع مائها، وهي مثل آبار الماشية التي في المهامة.
وكره مالك بيع أصل بئر الماشية أو مائها أو فضلة حفرت في جاهلية أو إسلام، قربت من العمران أو بعدت، وأهلها أحق بمائها حتى يرووا ويكون للناس ما فضل بينهم بالسواء إلا من مر بهم فلهم ما يرويهم لشفتهم ودوابهم ولا يمنعون، وأما من حفرها في أرضه فإن أراد بها الصدقة فهي كذلك، وإن أراد أن ينتفع هو بها فله منعها وبيع مائها بخلاف ما حفر في الفيافي.
وكثير من هذا المعنى في كتاب حريم البئر.
[الباب الثالث]
في احتكار الطعام وغيره وهل يخرج من أيدي أهله في الغلاء
[الفصل 1 - في الاحتكار وفيم يكون وعلى من يكون ومتى ينهي عنه وبم
يحكم الإمام على المحتكر؟]
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (نهى عن احتكار الطعام) وفي حديث آخر (لا يحتكر الأخاطي) وذلك للمصلحة والله أعلم.
وقال عمر رضي الله عنه (لا حكرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق من رزق الله فيحتكرونه علينا، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء والصيف فذلك ضيف عمر فليبع كيف شاء الله، وليمسك كيف شاء الله)، فأباح ذلك عمر رضي الله عنه للجالب، وقال مالك: وكذلك الزارع.
قال مالك: والحكرة في كل شيء من طعام أو إدام أو كتان أو صوف أو عصفر أو غيره، فما كان احتكاره يضر بالناس منع محتكره من الحكرة، وإن لم يضر ذلك بالأسواق فلا بأس به.
قال: وإن قدم أهل الريف إلى الفسطاط لشراء طعام فمنعوهم، وقالوا: تغلوا علينا سعرنا لم يمنعوا إلا أن يضر ذلك بأهل الفسطاط، وعند أهل القرى ما يغنيهم فإنهم يمنعون ولا يتركون.
قال ابن القاسم: وكذلك من خرج إلى قرية فيها سوق ليجلب منها ما ذكرنا.
[قال] ابن المواز: قال مالك: وينهي عن الاحتكار عند قلة السلع والخوف عليها وذلك في الطعام/ وغيره من السلع، فإذا كان الشيء موجوداً جاز شراؤه للاحتكار أو ليخرج من ذلك البلد إلى غيره.
قال: وإذا خيف انحطاط سوقه منع أن يحتكر أو يخرج به من البلد.
قال مالك: وما يعيبه من مضي ويرونه ظلماً منع التجر إذا لم يكن مضراً بالناس ولا بأسواقهم.
وقال في الطحانين يشترون الطعام من السوق فيغلون سعر الناس فإنه يمنع مما أضر بالناس.
[قال] ابن حبيب: وكان ابن الماجشون ومطرف لا يريان احتكار الطعام في وقت من الأوقات إلا مضراً بالناس، ويذكر أن مالكاً كرهه.
قال أبو محمد: لعل هذا في الحجاز لضيق أمرهم.
قال ابن حبيب: لا يرخص في ذلك إلا لجالب أو زارع، ومن احتكر من غيرهما فليخرج من يده إلى السوق فيشتركون فيه بالثمن، فإن لم يعلم كم ثمنه فبسعره يوم احتكره وقد فعل مثله عمر رضي الله عنه، وكذلك ينبغي في القطنية
والحبوب التي هي كالقوت والعلوفة، وكذلك الزيت والعسل والسمن والزبيب والتين وشبهه سواء أضر ذلك بالناس يوم احتكره أو لم يضر.
وأما العروض فيراعى فيها احتكارها في وقت يضر بالناس ذلك فيمنع منه ويكون سبيله ما ذكرنا في الطعام، ولا يمنع من احتكارها في وقت لا يضر.
فصل [2 - هل يخرج الطعام من أيدي أهله في الغلاء الشديد]
ومن كتاب ابن المواز: قيل لمالك فإذا كان الغلاء الشديد وعند الناس طعام مخزون أيباع عليهم؟.
قال: ما سمعت في هذا شيئاً.
وأن من يشتريه على هذا يمنع، ولا يعرض للجالب، ومن عنده طعام من جلبه أو زرعه أو تمر جنانه، فليبع متى شاء ويتربص إذا شاء بالمدينة وغيرها.
قال مالك: وإذا كان بالبلد طعام مخزون واحتيج إليه للغلاء فلا بأس أن يأمر الإمام بإخراجه إلى السوق فيباع.
قال ابن القاسم وابن وهب: وسئل مالك عن التربص بالطعام وغيره رجاء الغلاء؟ قال: ما علمت فيه بنهي ولا أعلم به بأساً يحبس إذا شاء ويبيع إذا شاء ويخرجه إلى بلد آخر.
وقال عنه لبن عبد الحكم في الرجل يبتاع الطعام فيحب غلاءه.
قال: ما من أحد يبتاع طعاماً وهو يحب أن يغلو ولكن لا أحب ذلك.
قال ابن حبيب: وينبغي للإمام أن يديم دخول السوق ويتردد إليه ويمنع من يكثر الشراء فيه ولا يدع من يشتري إلا القوت ويمنع من يشتري فضول الطعام ويعز فيه الجلاب، ويمنع الجلابين بيع الطعام في غير سوقه، وإن أراد غير الجلاب بيع الطعام في دورهم بسعر سوق الطعام فليمنعهم ويخرجه إلى السوق كما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم.
[الباب الرابع]
جامع القول في التسعير
قال محمد بن يونس رحمه الله: والتسعير عند مالك على أهل الأسواق غير جائز؛ لأن الناس مالكون لأموالهم، وللتصرف فيها فلا يجبرون على بيعها إلا بما يختارونه، وقال عبد الوهاب: لأن النبي صلى الله عليه وسلم منع من التسعير لما سئل فيه، فقيل له لو سعّرت فقال: إن الله هو [المسعر] القابض والباسط والمغلي والمرخص وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد منكم عندي مظلمة ظلمته إياها في عرض ولا مال.
قال عبد الوهاب: فإذا أثبت ذلك فالذي يخاف ضرره بعقد التسعير ممكن حسمه، بأن يقال لمن يحط من السعر، أما أن تلحق بالناس وإما أن تنصرف، وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لحاطب بن أبي بلتعه مثل ذلك.
ومن العتبية: قال ابن القاسم عن مالك: لا يسعر/ على الناس في السوق ولا يقوم على أحد منهم شيء مما في السوق من طعام أو إدام أو زبد أو زيت أو بقل أو غيره.
قال: ولو باع الناس ثلاثة أرطال بدرهم، فباع منهم واحد أربعة أرطال بدرهم، فلا يقام الناس لواحد ولا لاثنين ولا لأربعة ولا لخمسة، وإنما يقام الواحد والاثنان إذا كان جل الناس على سعر فحط هذا منه، ويخرجان من السوق.
ومن الواضحة: ونهى ابن عمر والقاسم وسالم رضي الله عنهم عن التسعير، وأرخص فيه ابن المسيب.. وقال ربيعة ويحي بن سعيد: إذا كان الإمام عدلاً وكان ذلك نظراً للمسلمين وصلاحاً، فيقوم قيمة يقوم عليها أمر التاجر ولا ينفر منها الجالب.
[قال] ابن حبيب: والذي أجازوه من التسعير ليس في القمح والشعير وشبهه، لأنه لم يجز التسعير في ذلك أحد؛ لأنه الذي كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن ذلك إنما يبيعه جالبه ولا يترك التجار يشترونه منهم ليبيعوه ولكن ما كان من عير ذلك مثل الزيت والسمن والعسل واللحم والبقول والفواكه وشبه ذلك مما يشترونه أهل السوق من الجلاب للبيع على أيديهم ما عدا البز والقطن وشبهه مما يشترونه،
فينبغي للإمام العدل إن أراد أن يسعر شيئاً من ذلك، أن يجمع وجوه سوق ذلك الشيء، ويحضر غيرهم استظهاراً على صدقهم فيسألهم كيف يشترون وكيف يبيعون، فإن رأى شططاً في الربح نازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا به، ثم يتعاهد ذلك منهم في كل يوم وحين، فمن حط من ذلك قيل له إما بعت بسعر الناس وإما رفعت ويؤدب المعتاد ويخرجه من السوق، فمن باع أرخص من ذلك لم يمنعه، وأقر بقيتهم على ما راضاهم عليه، فإن كثر المرخصون، قيل لمن بقى أما أن تبيع كبيع هؤلاء وإلا فأخرج، ولا يجبروه على التسعير ولكن على ما ذكرنا، وعلى هذا أجازه من أجازه، ومن أكره الناس على التسعير فقد أخطأ، ويكشف الإمام كل حين على السعر، فإن زاد أو نقص عاودهم في التسعير على ما ذكرنا.
[الباب الخامس]
في صفة الوزن والكيل وعلى من أجرته
[قال] ابن المواز: قال مالك: وصفة الوزن أن يعتدل لسان الميزان، وإن سأله المشتري أن يميله له لم أره من باب المسألة.
قال فيه وفي العتبية: وإذا امتلأ رأس المكيال في الكيل فهو الوفاء من غير رزم ولا تحريك ولا زلزلة ولكن يصب ويمسك المكيال على رأسها حتى إذا امتلأ أرسل يديه.
قال: وأجر الكيال على البائع، وذلك أن المبتاع لو لم يجد كيالاً كان على البائع أن يكيل له، قال أخوة يوسف ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ وكان يوسف هو الذي يكيل.
[قال] ابن حبيب: وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتصيير الكيل، وقال: إن البركة في رأسه، ونهى عن الطفاف.
قال ابن الماجشون: وبلغني أن كيل فرعون إنما كان على الطفاف مسحاً بالحديدة، وكره مالك رزم الكيل وتحريكه، وأمر بتصيير الكيل: يملأ الصاع ويسرح الكيال الطعام على رأس الصاع فذلك الوفاء.
قال مالك: وأجر المكيال على البائع.
قال ابن حبيب: وينبغي أن يكون الكيل في البلد الواحد واحداً، كيل القفيز وكيل القسط ووزن الأرطال، فيكون أمراً قد عرفه الناس، واستحب أن يكون القفيز معروفاً بمد النبي صلى الله عليه وسلم وصاعه وأن يتبايعوا فيما دون القفيز بالصاع والمد، وينبغي للإمام تفقد المكاييل والموازيين في كل حين، وأمر به عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقال مالك في العتبية: من جعل في مكياله زفتاً أرى/ أن يخرج من السوق، وذلك أشد عليه من الضرب.
[الباب السادس]
فيمن باع شاة واستثنى بعضها أو جلدها أو سواقطها أو شيئاً من لحمها
[الفصل 1 - فيمن باع شاة واستثنى جزءاً منها
وهل يجبر المشتري على الذبح]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن باع شاة أو بقرة أو بعيراً واستثنى جزءاً منذ ذلك، ثلثاً أو ربعاً أو نصفاً فلا بأس بذلك عند مالك.
قال عيسى بن دينار: وسواء اشتراه على الذبح أو على الحياة.
م وكأنه باع منها ما لم يستثن وحبس ما استثنى وذلك جائز، ويكون المبتاع شريكاً بقدر ما استثنى.
قال بعض أصحابنا القرويين: وذلك لأنه لو قال أحدهما ما تذبح لم يجبر على الذبح، وإن اشترى ذلك الجزء على الذبح وبيعت الشاة عليهما.
م فصار كأنما اشترى ذلك على الحياة فلذلك جاز.
قال بعض أصحابنا: وتوقف بعض شيوخنا هل يجبر على الذبح إذا اشترى ذلك على الذبح وفيه نظر.
م والصواب أن لا يجبر على الذبح؛ لأنهما قد صارا فيها شريكين، فمن دعي إلى البيع فذلك له.
فإن قيل فما الفرق بين ذلك وبين استثنائه الأرطال اليسيرة وقد قال ابن القاسم: يجبر المبتاع هاهنا على الذبح؟
قيل: الفرق لأنه إذا استثنى جزءاً شائعاً، ثلثاً أو نصفاً فتشاحا في الذبح فبعناها عليهما، وقع لكل واحد منهما ثمن معلوم، وفي استثناء الأرطال لا يعلم كم يقع له من الثمن فافترقا، ولم يكن إلا الذبح والله أعلم.
[فصل 2 - في استثناء الجلد والرأس في السفر أو الحضر]
قال ابن القاسم: وأما إن استثنى الجلد أو الرأس فقد أجازه مالك في السفر إذ لا ثمن له هناك، وكرهه للحاضر، إذ كأنه ابتاع اللحم.
قيل فإن أبى المبتاع في السفر ذبحها، والبائع قد استثنى جلدها ورأسها؟ قال عليه شروى ذلك أو قيمته، وقد قال مالك فيمن وقف بعيره فباعه من أهل المياه لينحروه واستثنى جلده، فاستحيوه أن عليهم شروى جلده أو قيمته، وكل ذلك واسع فكذلك مسألتك.
قال: وقوله شروى جلده يعني مثله.
قال مالك: ولا يكون البائع شريكاً بالجلد إذ على الموت باع.
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم: والقيمة أعدل، وقاله سحنون.
قال أبو محمد: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر في مسيرهما إلى المدينة اشتريا شاة من راعي وشرطا له سلبها.
وقضى علي في مثل ذلك، وقال: إن امتنع من الذبح فعليه قيمة المستثنى.
وقال نحوه زيد بن ثابت رضي الله عنه وغيره.
[فصل 3 - في الشاة المبيعة والمستثنى جلدها تموت قبل الذبح]
ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم فيمن باع شاة واستثنى جلدها، حيث يجوز له [ذلك] فتموت قبل الذبح، قال: فلا شيء عليه، ولا يكون المبتاع ضامناً للجلد؛ لأن البائع معه شريك وقال عنه أصبغ: أنه ضامن للجلد.
م فوجه أن لا شيء على المبتاع فلأن البائع إنما باع بعد الذي استثنى، فكان المبتاع معه شريكاً، فأما إن ماتت قبل الذبح كانت مصيبة ذلك كله منهما.
ووجه الثانية فلأن المبتاع إنما ابتاع شاة، واستثناء البائع للجلد كشرائه
ذلك من المبتاع بعد تمام البيع، فأما إن هلكت قبل الذبح كانت مصيبة الجميع من المبتاع، وضمن للبائع ما استثنى لأنه بعض ثمنه لم يوصله إليه.
م وذكر بعض أصحابنا عن بعض شيوخنا: ولو كان إنما باع شاة واستثنى منها أرطالاً يسيرة فماتت قبل الذبح لم يكن على المبتاع شيء مما استثناه البائع من اللحم.
قال بعض القرويين: ولا يدخل ذلك الاختلاف في مسألة الجلد؛ لأنه لا يجبر على الذبح في مسألة الجلد، فكان الجلد في ذمته لا في شيء معين، وفي استثناء اللحم هو مجبور على الذبح لاستثنائه ذلك اللحم المعين، فإذا ذهب فهو منه ولا تباعة له على المبتاع.
قال ابن حبيب: خفف مال بيع الشاة واستثناء جلدها في السفر، وكرهه في الحضر، إذ له هناك قيمته ولا يفسخ إن ترك، وهو من المبتاع إن ماتت، وقد روي إجازته في الحضر والسفر عن علي ابن أبي طاب وزيد بن ثابت وشريح وغيرهم رضي اله عنهم، وأما في السفر فروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله في سفره للهجرة.
م اعتل مالك في جواز في السفر إذ لا ثمن له هناك، وترجح الأبهري فقال: إن كانت له قيمة في السفر فيحتمل أن لا يجوز ذلك ويحتمل أن يجوز؛ لأن الحكم للأغلب، والغالب أن لا قيمة له في السفر، ولا يزيل النادر حكم الغالب، ألا ترى أن [أصل] جواز القصر والفطر في السفر إنما هو لمشقته، فلو كان لمسافر رفاهية في سفره أكثر من رفاهيته في حضره لكان له القصر والفطر؛ لأن الغالب المشقة.
قال: وهذه الطريقة أوضح، والأولى أقيس.
م والصواب جوازه لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أجازوه، ولم يعللوا لم جاز.
[فصل 4 - في استثناء الرأس والأكارع]
[قال] ابن حبيب: فأما استثناؤه الرأس والأكارع فلا يكره في سفر ولا حضر، كمن باع شاة مقطوعة الأطراف قبل السلخ، ومصيبة المستثنى سواقطها من المشتري ولا شيء عليه للبائع فيما استثنى.
[فصل 5 - في بيع شاة مذبوحة لم تسلخ]
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم: ويجوز بيع شاة مذبوحة لم تسلخ ما لم تكن على الوزن كلها أو بعضها فلا يجوز، ولا يجوز بيع شاة مذبوحة بشاة مذبوحة، وإن لم يكن على الوزن إلا أن يقدر على تحريهما.
م يريد ويستثني كل واحد جلد شاته لئلا يدخله لحم وعرض بلحم وعرض.
قال أصبغ: لا يقدر على تحري ذلك ولا يجوز.
وقال مثله سحنون، ولم يعجب ابن المواز قول أصبغ.
[فصل 6 - فيمن باع شاة واستثنى فخذها أو بطنها أو صوفها أو أرطالاً منها]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن باع شاة واستثنى فخذها أو بطنها أو كبدها لم يجز.
يريد لأنه من بيع اللحم المعيب.
قال: وأما إن استثنى الصوف والشعر فلا اختلاف فيه أنه جائز.
قال مالك: وإن استثنى من لحمها أرطالاً يسيرة ثلاثة أو أربعة جاز.
قال ابن القاسم: ويجبر المبتاع على الذبح هاهنا ولم يبلغ به مالك الثلث.
م وينبغي على قوله يجوز أن يستثني البائع من لحمها أرطالاً يسيرة أن يجوز استثناء الفخذ لأنه دون الثلث، وقد أجاز في كتاب وقد أجاز في كتاب محمد أن يستثني خمسة أرطال أو ستة وذلك مقدار الفخذة والكبد أيسر منه.
وروى ابن وهب عن مالك أنه كان لا يجيز الاستثناء من لحمها وزناً ولا جزافاً ثم رجع فقال: لا بأس به في الأرطال اليسيرة مثل الثلاثة فأدنى، وأجاز استثناء الجلد والرأس لأن المبتاع ضمنها بالشراء، وأما شراء لحم هذه الشاة مطلقاً فلا يجوز؛ لأنها بعد في ضمان البائع.
[فصل 7 - في الاستثناء من الصبرة والثمرة كيلاً قدر الثلث]
قال ابن المواز: اتفق ابن القاسم وأشهب في جواز الاستثناء [من الطعام] من الصبرة والثمرة كيلاً قدر الثلث فأقل، فأما إن استثنى وزناً من لحم شاة باعها فأشهب يجيز قدر الثلث.
وقال ابن القاسم: لم يبلغ به مالك الثلث ولكن مثل خمسة أرطال أو ستة.
[فصل 8 - في بيع رطل أو رطلين من شاة حية أو طير كل رطل بكذا وفي حكم المصالحة على أرطال من شاة معينة]
قال ابن القاسم فيه وفي المدونة: ولا يجوز أن يبيعه من لحم شاته الحية رطلاً ولا رطلين، وليس كاستثناء البائع ذلك منها ألا ترى أنه يجوز أن يستثني البائع آصعاً من ثمرة باعها رطبة دون الثلث على أن يأخذها تمراً، ولا يجوز أن يبيع من ثمرة وقد أزهى آصعاً معلومة دون الثلث أو أكثر يدفعها ثمراً.
قال مالك: ولا يجوز الاشتراء من لحوم الإبل والبقر والغنم وسائر الطير قبل ذبحها كل رطل بكذا؛ لأنه مغيب لا يدري كيف ينكشف.
قال: وإن ادعيت في دار دعوى فصالحك من ذلك المدعى عليه على عشرة أرطال من لحم شاته هذه لم يجز.
قال أشهب في كتاب الصلح أكرهه فإن جسها وعرف نحوها وشرع في الذبح جاز.
قال أشهب في كتاب ابن المواز: لا يشتري من لحم شاة حية رطلاً ولا رطلين ولا عشرة ولا أقل، فإن نزل وشرع في الذبح لم أفسخه وإن كان يذبح بعد يوم أو يومين فسخته، وأنكر سحنون قول أشهب هذا.
[فصل 9 - هل لمن اشترى شاة إلا جزءاً منها استحياؤها؟]
[قال] ابن المواز: قال أشهب: وإن استثنى البائع من لحم شاة ما يجوز استثناؤه فليس للمبتاع استحياؤها ويعطى مثله بخلاف الجلد.
[قال] ابن المواز: ويدخله اللحم بالحي.
[فصل 10 - فيمن وهب لرجل جلد شاته ولآخر لحمها فنتجت الشاة]
ومن كتاب تضمين الصناع: ومن وهب لرجل لحم شاته ولآخر جلدها فغفل عنها حتى نتجت، فالنتاج لصاحب اللحم، وعليه مثل الجلد أو قيمته لصاحب الجلد، ولو هلكت لم يكن له شيء، وكذلك الناقة إذا دعي صاحب الجلد إلى الذبح، فلصاحب اللحم الاستحياء ويغرم مثل الجلد أو قيمته.
م فإن تراضوا بالذبح وتشاحوا على من يكون الذبح والسلخ فأرى أن يكون أجر ذلك بينهما على قدر قيمة اللحم وقيمة الجلد فإن كان قيمة الجلد من الجميع الثلث أو الربع فعلى صاحبه ثلث أجر الذبح والسلخ أو ربعه.
[فصل 11 - في بيع الجزور واستثناء بعضه فمات أو مرض قبل الذبح]
ومن كتاب ابن حبيب: وروى مطرف عن مالك فيمن باع جزوراً واستثنى رأسها أو أرطالاً يسيرة من لحمها أنه جائز، فإن أخرها المبتاع حتى ماتت أو صحت وقد كانت مريضة.
قال: إذا بيعت لمرض أو معلولة فخيف عليها الموت فبيعت لذلك بيسير الثمن ولولا ذلك لبيعت بدنانير كثيرة، فإن أخرها عامداً رجاء صحتها فهو ضامن ما استثنى عيه منها، وإن صحت وذهب ما كان بها من مرض فعلى المبتاع شروى ما استثنى عليه أو قيمته ولا يجبر على نحرها لأنه كان ضامناً لما استثنى عليه، وإن كانت حين البيع صحيحة فتربص بها المبتاع الأسواق فزاد ثمنها وسمنت فكره نحرها فالبائع شريك له بقدر ما استثنى منها.
[فصل 12 - في الرجلين يشتريان شاة لأحدهما الرأس وللآخر البقية ثم يستحييها مشتر وفي ثلاثة اشتروا شاة بينهم]
وإذا ابتاع رجلان شاة لأحدهما رأسها وللآخر بقيتها فلا بأس به، فإن استحياها مشتري بقيتها على أن يعطي صاحب الرأس مثله أو قيمته فليس له ذلك، وهما شريكان بقدر الأثمان.
وكذلك روى ابن وهب عن شريح.
قال ابن الماجشون في ثلاثة اشتروا شاة بينهم فطلب أحدهم الذبح والآخر المقاواة والآخر البيع، فإن كانوا من أهل البيوت يرى أنهم طلبوا أكلها، فالحكم فيها الذبح، وإن كانوا جزارين أو تجاراً فالحكم فيها البيع، ولا تكون المقاواة إلا عن تراض.
قال ابن المواز في القوم ينزلون ببعض المناهل فيريدون شراء اللحم منهم فيمتنعون من الذبح حتى يقاطعوهم على السعر خيفة أن لا يشتروا منهم بعد الذبح؟ قال: لا ينبغي ذلك.
[الباب السابع]
في الاستثناء من الصبرة أو الثمرة أو السكنى أو الركوب
[الفصل 1 - فيمن اشترى صبرة فاستثنى البائع منها جزءاً فأصيب]
ومن كتاب ابن المواز قال محمد: ومن اشترى صبرة طعاماً جزافاً فاستثنى البائع منها كيلاً قدر ما يجوز له وهو الثلث فأدنى، فأصيبت الصبرة كلها أو أكثرها، فليس على المشترى ضمان ما استثناه البائع من بيعه ذلك، ومصيبته منها جميعاً.
قال ولو سلم منها الثلث فأدنى كان ذلك للبائع، وإن كان أكثر من الثلث أخذ البائع منهما؛ لأنه قد هلك ما أبقى لنفسه وما باع، وإذا بقي منها قدر ما استثنى وجب أن يكون له؛ لأنه قد اشترط على المبتاع أن يبقى له قدر ثلثهما، وقد بقي له ما اشترط، وكان ضمان الباقي من المبتاع.
م ولو قال قائل يكون ما بقي بينهما؛ لأنهما شريكان فيها، وكما كان هلاك الجميع منهما فكذلك يكون هلاك بعضها لكان صواباً.
قال ابن المواز: ويجوز أن يستثني منها جزءاً شائعاً كان أكثر من الثلث أو أقل.
ومن الواضحة: وإن باعه ذلك بثمن إلى أجل فلا يشتري منه شيئاً منهما بنقد.
م لأن ما اشتراه منه كأنه رجع إليه فصار لغواً ودفع إليه ما بقي منهما مع الثمن النقد في الثمن المؤجل وذلك بيع وسلف.
قال: وله أن يشتري منه مقاصة ما يجوز له أن يستثنيه.
م لأن ذلك كالاستثناء سواء.
قال: ولو باعه بنقد فله أن يشتري منه ما ذكرنا بنقد إلا من أهل العينة، ولا يشتريه منه إلى أجل فيصير بيعاً وسلفاً وإن لم يكونا من أهل العينة، وأما بعرض فيجوز نقداً ولا يجوز إلى أجل فيصير الدين بالدين إلا أن يكون الثمن الأول بنقد فيجوز شراؤه منه بعرض نقداً أو إلى أجل.
[فصل 2 - فيمن باع داراً واستثنى سكناها سنة فانهدمت]
ومن كتاب ابن المواز: ومن باع داراً واستثنى سكناها سنة فانهدمت في السنة فمصييبتها من المبتاع ولا يرجع عليه [البائع] بشيء من ثنياه بمنزلة الصبرة إلا أن يصلح الدار قبل السنة فيرجع البائع في سكناه من ذي قبل فيما بقي من السنة بعينها.
قال: ولا يجبر المبتاع على إصلاحها.
قال أصبغ: ولا يعجبني هذا وليس مثل الصبرة؛ لأن عقد صفقة الصبرة قبض المشتري لما اشتراه- يريد فكذلك هي في البائع قبض لما استثناه- قال: والسكنى لم يقبض البائع لما استثنى وثنياه ثمن ما باع
على الثمن كركوب الدابة إذا اشترطه البائع عند بيعها فأرى أن يقوم السكنى ويطرح ما سكن ويرجع بما بقي من ذلك، وذلك إذا كان شيء له بال ولم يكن مثل الأيام القليلة في الدار ومثل الأميال والبريد في الدابة، وهذا أراه تبعاً ولغواً.
قال ابن المواز: وقول ابن القاسم أصوب، ولم أجد لقول أصبغ معنى.
[فصل 3 - فيمن باع دابة واشترط ركوب أخرى فنفقت الدابة]
قال أصبغ عن ابن القاسم في العتبية: ومن باع دابة وشرط ركوب أخرى إلى موضع معلوم من أفريقية جاز، فإن نفقت الدابة في الطريق رجع بحصة باقي الركوب من قيمة الدابة ثمناً لا في رقبتها.
م يريد لضرر الشركة فيها وكذلك السكنى.
وذكر ابن المواز في كتابه مثل ذلك أنه لا يرجع في عين الدابة وإن لم تفت.
[فصل 4 - في الثمرة تباع فيستثنى فيها قدر الثلث فأقل ثم تصاب الثمرة]
قال ابن المواز: وأما الثمرة تباع فيستثنى البائع منها كيلاً قدر ثلثها أو أقل فيصاب من الثمرة أقل من ثلثها فلا يوضع عن المشتري من استثناء البائع شيء؛ لأنه لا يوضع عنه من الثمن شيء، وهو قول مالك وهو كالصبرة هاهنا، ولو أصيب منها الثلث أو أكثر وضع عنه بقدر ما يوضع من الثمن وقاله أصبغ وهو الصواب، وقاله أشهب وابن عبد الحكم عن مالك.
وذكر ابن عبد الحكم أيضاً عن مالك أنه لا يوضع عن المشتري من مكيلة ما استثنى شيء، وإن هذب أكثر من الثلث أو أقل ويكون ما استثنى من الأوسق فيما بقي.
قال ابن عبد الحكم: وهذا أحب إلينا ولا يشبه هذا الصبرة لأن الصبرة لا جائحة فيها على البائع، وهذا عليه فيه الجائحة وما استثنى فهو كالثمن.
قال مالك: وإذا باع ثمرة حائطه جزافاً فاستثنى من صنف منها مكيلة مسماة، فإني أكره ذلك إلا أن يكون ذلك الصنف كثيراً مأموناً.
[قال] ابن القاسم: مثل أن يكون ما استثنى ثلث ذلك الصنف بعينه، وقال عنه أشهب في العتبية فيمن باع حائطاً فيه أصناف من الثمن: فله أن يشتري من صنف منها مثل ثلث جميع الثمر الذي باع، كان ما ابتاع من ذلك الصنف أكثر ذلك الصنف أو أقله إذا كان قدر ثلث الجميع.
وقال سحنون عن ابن القاسم في سماعه: لا يجوز ذلك إلا أن يستثنى ثلث ذلك الصنف فأقل.
قال سحنون: ولا أبالي قل ذلك الصنف الذي استثنى منه أو كثر.
[فصل 5 - في ثمر الحائط يباع كله جزافاً ثم يشتري منه رطباً]
قال ابن المواز: ومن باع ثمرة حائطه كله جزافاً ولم يستثن منه شيئاً ثم أراد أن يبتاع منه رطباً فلا بأس بذلك إذا كان قدر ما يجوز له أن يستثنيه في أصل البيع، وكذلك من صبرة طعام جزافاً، وكذلك إن ابتاع منه البائع ثمراً من غير حائطه الذي باعه منه فلا بأس به إذا كان قدر ثلث ما باعه فأدنى، وسواء كان من حائطه أو من غير حائطه.
قال ابن المواز: إذا كان ثمر الحائطين صنفاً واحداً قال أصبغ: وسواء استثنى ذلك رطباً أو بسراً أو تمراً إذا كان قدر ثلث خرصه أو أدنى.
قال ابن المواز: وذلك إذا لم ينقد ثمنه فيحسب ذلك عليه في الثمن، وأما ما انتقد ثمنه كله وتفرقا فلا بأس بما ابتاع منه نقداً كيلاً أو جزافاً، الثلث أو أكثر كالأجنبي إذا لم يكونا من أهل العينة.
فصل [6 - فيمن باع ثمر حائطه إلى أجل هو يجوز له استثناء شيء منه؟]
قال مالك: ومن باع ثمرة حائطه إلى أجل لم يجز له أن يستثنى منه شيئاً بنقد لا أقل من الثلث ولا أكثر، وإنما يجوز له أن يستثني منه الثلث فأدنى على أن يقاصه من الثمن.
قال: وسواء كان ما استثنى مثل الثلث فأدنى من حائطه أو غير حائطه، وحائطه أحب إلي.
وذكر أصبغ عن ابن القاسم فيمن باع حديداً جزافاً وانتقد ثمنه ثم أراد أن يشتري منه وزناً قدر ثلثه فأقل بنقد أو إلى أجل، قال: فإن كان قد انتقد الثمن وتفرقا فلا بأس بما اشترى منه على أي حال إلا أن يكون من أهل العينة، وأما إن كان لم ينقده الثمن لم يجز للبائع أن يشتري منه إلا ما كان يجوز له أن يستثنيه عند بيعه قدر الثلث فأدنى ويقاصه مما عليه وهذا يجري في الطعام وغيره.
[فصل 7 - في بيع النخيل بعد التأبير وقبله ولمن تكون الثمرة؟]
ومن العتبية وكتاب ابن المواز قال مالك: ومن ابتاع نخلاً وفيها ثمر قد أبر أو أرضاً وفيها زرع لم يبد صلاحه فذلك للبائع إلا أن يشترطه المبتاع لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من
باع نخلاً قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع).
قال مالك: وإن لم تؤبر الثمرة ولم يظهر الزرع من الأرض فهو للمبتاع، ولا يجوز للبائع استثناؤه.
[قال] ابن المواز: قيل لمالك فإن وهب ثمرة حائطه هذه السنة وأراد بيع أصله؟ قال: لا يصلح ذلك حتى تؤبر الثمرة.
قال ابن القاسم: قيل لمالك فإن أبر بعض الثمرة ولم يؤبر البعض، قال: فاجعل الأقل تبعاً للأكثر إن أبر أكثرها كانت الثمرة كلها للبائع وإن أبر أقلها كانت كلها للمبتاع.
قيل: فإن أبر النصف ولم يؤبر النصف.
قال: إن كان المأبور على حدة فهو للبائع، وكان ما لم يؤبر للمشتري كلا شيء، وكأن لم يكن في الحائط إلا ما أبر، وإن كان ذلك مختلطاً لم يحل إلا أن يكون ذلك الجميع للمشتري.
قيل: فإن أبرت النخل وألقحت الشجر أو أكثرها ولم يشتر المبتاع منها شيئاً فأراد أن يشتريها من البائع بعد الصفقة قبل أن يطيب؟
قال: ذلك جائز له أن يشتري منه ما كان يجوز له أن يستثنيه عند عقد الصفقة وهذا مثله سواء، وقد اختلف قول مالك فيه وفي مال العبد إذا أراد السيد أن يشتريه بعد الصفقة، فروى عنه أشهب أن ذلك لا يجوز فيهما إلا في عقد الصفقة، وقال عنه ابن القاسم لا بأس بذلك، وكل ما كان لك أن تستثنيه عند بيعك، فلا بأس أن تشتريه بعد ذلك فتلحقه ببيعك.