أوصىَ لَخولاَن بوصية, فأجازها مالكُ ولم يَرَ فيها للموالي شيئاً.
[المسألة الأولى: فيمَن أوصى لقبيلة أيُعطى لمواليهم مع عَرَبيهم إن كانُوا محاويج؟]
محمد: قيل لأشهبَ: فيمَن أوصى لقبيلة أيُعطى لمواليهم مع عَرَبيهم إن كَانُوا محاويجَ؟ قال: أما قولُه لتميم فيَعُم, وأما قولُه لبني تميم فلا؛ لأنَّ قولَه لبَني هم أنفُسُهُم.
وقال ابنُ حبيب: عن ابن الماجشونَ: ذلك سواءٌ.
وليدخل فيها الموالي, وعابَ قولَ أشهبَ.
وقال: قد تكون قبائلُ لا يَحسُن أن يُقال فيها بني [148/أ] فلان منها: قيس وربيعة ومُزَينَة وجُهَينَة وغيرهم لا يقال فيها بني, والأمر فيهم واحدٌ حتى يقول للصُّلبية دون الموالي, أو للموالي دون الصُّلبية.
[المسألة الثانية: إذا قال ثلثي لفخذ ما أو لقبيلة يحصون أو لا, أو لبني فلان كيف يقسم الثالث بينهم]
قال أشهبُ: إذا وَصى بثُلُثه لفخذ أو لقبيلةٍ أو لبطنٍ يُحصَون أو لا يحصون يُعرفون أو لا يُعرفون, أو قال لبني فلان, فالثلثُ بينهم على قَدرِ الحاجة والذُّكُورُ والإناثُ بقدر حاجتهم لا على عدَدهم.
[المسألة الثالثة: إذا قال ثلثي لولد فلان فهل يدخل الإناث, وكيف إن قال لبني فلان ولا ذكور فيهم]
قال ابن القاسم في العتبية: إذا قال ثُلُثي لولد عبد الله بن وهب فذلك لذكوره ولده دونَ الإناثِ, وأما إن قال: لبني فُلان, فيدخل فيه الذكورُ والإناثُ.
محمد: قال ابن القاسم: إذا قال: ثُلُثي لولد فلان وهم عشرةُ ذكورٍ وإناثٍ, فذلك
بين ذكورهم وإناثهم بالسوية.
وقال أشهبُ: بل على قدر الحاجة, وذلك استحسانٌ.
وإذا قال: لبني فُلانٍ في حبس أو وصيةٍ, فإذا هن بناتٌ لا ذكور فيهن, فذلك بينهن, وكذلك لو كان معهن بنُون فماتوا وبقيَ البناتُ, فذلك لهن.
محمد: وقاله كلَّه ابنُ القاسم وأشهبُ.
قال ابن القاسم: لأن من كلام العرب أن يكون النساء بني, والمرأة من بني زهرة ومن بني كنانة.
محمد: ولو قال: لبنات فلانٍ.
لم يدخُل معهن البنون على كل حالٍ, ولكن إن كانَ لبعض بنية بناتٌ, فذلك لبنات ابنه دون أبيهنَّ, وإن كان له بناتُ وبنتُ ابن دخلت مع عماتها كما يدخل ولدُ الولد مع الولد في هذا بخلاف المواريث.
[(3)] فصل [إذا أوصى بثلثه لموالي فلان وله مَوَالٍ أنعموا عليه وأنعم هو على موالٍ]
ومن المدونة: ومَنَ أوصى بثُلُثه لموالي فلان وله مَوَالٍ أنعموا عليه وموالٍ أنعم هو عليهم, كان لمواليه الأسفلينَ دون الأعلين.
وقال أشهبُ في كتاب محمد: يُنظَرُ في ذلك, فإن لم يُتَيَقن أنه أراد أحد الفرقتين بسبب أو وجه منَ الوصية, كانت الوصيةُ بين الفريقين جميعاً شطرين, وإن كان أحدُ الفريقين أكثرَ عدداً؛ لأنه لم يشركهُما جميعاً في وصيةٍ, وإنما وقعت الوصيةُ لأحد الفرقتين وحدَها, قال: ولو كان أحدُ الفريقين ثلاثةً, والآخرُ واحداً كانت الوصيةُ للثلاثة, ولا شيءَ للواحدِ كانَ من أسفلَ أو من فوقَ؛ لأن الواحد لا
يَقَعُ على اسمُ موالٍ, ولو كان مواليه من فوق اثنين أو وَاحداً, ومواليه من أسفل اثنين أو واحداً, لم يكن في أحد الفريقين موالٍ حتى يجمعَهم, فأرى الثلُثَ بينهم على قدر عَدَهم.
ونحوُه عن ابن الماجشونَ في المجموعة.
[المسألة الأولى: فيمَن أوصى بصدقة على مواليه وله موالٍ من قبَل أبيه, وموالٍ من قبَل أمه وموال من قبل قرابة له يوارثونه]
ومنَ الكتابين قال مالكُ: فيمَن أوصى بصدقة على مواليه وله موال من قبَل أبيه, وموال من قبَل أمه وموال من قبل قرابة له يوارثُونه, فليُبدأ بالأقرب فالأقرب دنيه وَيُعطَى الآخروُنَ منه إن كان في المال سَعةٌ, إلا أن يكونَ في الأباعدِ مَن هو أحوجُ منَ الأقارب, فيؤثرونَ عليه ويُبدأُ أهل الحاجة أباعدُ أو غيرهم, وما في ذلك أمر بيّن غير ما يُستدل عليه من كلامه ويُرى أنه أراده.
قال محمد: كل موليَّ له يوم مات كان هو أعتقَهم أو ورث ذلك من عصبةٍ قريبة أو بعيدةٍ فهو مواليه, والوصيةُ لهم كلُّهم إلا أنه يُؤثَرُ أهلَ الحاجةِ أينما كانوا ويُقسمُ بينهم على قدر حاجتهم.
قال مالكُ: ويدخل أمهات أولاده الذين يَعتقون بعد موته مع مواليه.
قال ابن القاسم: وكذلك مُدَبروهُ إذا خرجوا منَ الثلُث وفضَلَت منه فضلة.
قال عن مالكٍ: وكذا الموصىَ بعتقه -يَعتق في ذلك الثلُث- يدخل في
ذلك؛ لأنه منَ الموالي, وأما المعتق إلى أجلٍ والمكاتَب, فإن نفذ عتقهم بأداء الكتابة وبلوغ أجل المؤجلِ قبل القَسم دخلوا في الوصية, وإن سبقهم القسمُ فلا شَيءَ لهم.
وقال في العتبية: يدخل المعتَقُ إلى أجل والمكاتَبُ مع الموالي [148/ب] فيقسم بينهم بالسواء, فما صار للمكاتَب والمعتَق إلى أجل وُقفَ لهما, فإن أدى المكاتب, وأعتق المؤجل أخذاه, وإن عجز المكاتَب أو مات المعتق دون الأجل رجع حقهم بقية الموالي.
وقال عبدُ الملك: إذا لم يحلَّ أجلُ المؤجل فلا يدخل إلا أن تكون الوصية شيئاً يغتل في كل إبانٍ؛ كالثمرة وشبهها فليأخذُوا منه فيما وافق عتقهم وفيما بعده, لا فيما قبل ذلك؛ لأنهم حينئذٍ عبيدهُ.
وذكر مثلَه ابنُ حبيب عن مطرف وابن الماجشونَ.
قال ابنُ عبدوس: قال عليُّ عن مالك: في قوله على موالَّ.
إنه يدخل فيه مَوَالي الموالي مع الموالي.
وقال ابنُ الماجشونَ: إن قال: على موالي عتَاقَةً, فهو أعتق خاصة لا موالي مواليه, ولا موالي أبيه وجدَّه, ولا أولاد مَن أعتقه الموصي, وإن قال لموالي وهم ممن يُحاط بهم لقلتهم, فكذلك أيضاً, وإن كانوا كثيراً متفرقين مجهولينَ ولم يقُل عتاقة, دخل فيه موالي الموالي وأبناؤُهم, وموالي أبيه وابنه وأخيه.
قال علي عن مالكٍ: وإن أوصت امرأةٌ لمواليها ولم تقُل عتاقة, ولا دُريَ أنها
أرادت شيئاً بعينه, فيُعلم أنها أرادت مَن أعتقت وولد مَن أعتقت؛ كمن قال: أصلي هذا على ولدي, ولا ولد له علمنا أنه أراد مَن يحدث له ويكون حَبساً؛ لأنه أراد مجهول مَن يأتي, ولو كان له أولادٌ يوم أوصى كان ذلك لهم مالاً يفعلون به ما شاءوا ولا يُنتظَرُ به عَقبٌ ولا نَسَبٌ.
ومن كتاب محمد والعتبية: وإذا قال: ثُلثُي لموالي وله أنصافُ مَوَالٍ, فليُعطَ كلَّ نصفٍ منهم نصفَ ما يُعطى المولى التام؛ إن جعل للتام لكل واحد عشرة فهؤلاء خمسةٌ خمسةٌ.
[(4)] فصل [فيمن أوصى لقرابته]
ومن كتاب محمد والمجموعة قال مالكُ: فيمن وصى لأقاربه, فليُقسم على الأقارب فالأقرب بالاجتهاد.
محمد: قال مالكُ: ولا يدخُلُ في ذلك ولدُ البنات, وقال في العتبية.
قال عيسى: ويُنظَرُ فيه عل قدر ما يَرىَ ويَنزل فربما لم يدَع غيرَ ولدِ البناتِ وولدِ الخالات.
م: يريد: فيُعطَونَ حينئذ.
قال ابن القاسم: ولا يدخُلُ الخالُ والخالةُ, ولا قرابتُه منَ الأم إلا أن
تكونَ له قرابةٌ من قبل الأب.
قال ابنُ عبدوس عن ابن كنانةَ: في الموصى لقرابته وله أعمامٌ وعماتٌ, وأخوال وخالات, وبناتُ أخ وبناتُ أخوات, فليقسم ذلك الإمام بينهم على الاجتهاد على قدر حاجتهم.
والأخوةُ والأعمامُ وبنوهم هم الأقربُ, ولا يَقطَع حظ العمات والخالات وبنات الإخوة من ذلك.
م: وعلى هذا القول يدخلُ فيه ولدُ البناتِ.
وقال أشهبُ فيه وفي كتاب محمدٍ: في الموصي لقرابته أو قال: ذوي رحمي, فهو سواءٌ, ويدخُلُ في ذلك كلَّ ذي رحمٍ منه منَ الرجال والنساء مَحرَمٌ أو غيرُ مَحرَمٍ ولا يفضلون بالقرب, وأسعَدُهم به أحوَجُهم, ولا يدخلُ فيه قرابتُه الوارثون استحساناً, وكأنه أراد غيرَ الوارث؛ كالموصى للفقراء بمالٍ, ولرجل فقيرٍ بمالٍ, فلا يُعطَى مما للفقراء كما لا يُعطَى العاملُ الفقيرُ على الزكاة سهمين.
قال عنه محمد: ويدخل فيه قرابتُه المسلمون والنصارى ويُؤثَرُ الأحوجُ.
قال ابن القاسم في العتبية وكتاب محمد: فيمن أوصى بثُلُثه للأقرب فالأقرب, فليُفضل الأقربُ فالأقربُ ما لم يكُونوا ورثةً -فإنه لم يُرد بوصيته ورثته- والأخ أقربُ منَ الجد, ثم الجد ثم العم فيُعطَى الأخُ أكثرَ, وإن كان أيسرَهُم ثم الجدُّ ثم العمُّ على نحو هذا, وإن كان له ثلاثةُ إخوةٍ مفترقينَ فالشقيقُ أولاً, ثم الذي للأب, وإن كان الأقربُ أيسَرَ.
قال ابنُ كنانةَ: في الموصي لأقاربه وسماها صدقةً فلا يُعطَى إلا الفقراءُ خاصة, فإن لم يقل صدقة, فأغنياءُ قرابته وفقراؤهُمُ سواءٌ, إلا أن يريد الفقراءَ.
ومن كتاب ابن حبيب قال مطرف وابنُ الماجشونَ: إذا أوصى لقرابته أو لذوي رحمه أو لأهله أو لأهل بيته, فإن قولنا -وهو قول [149/أ] مالك
وأصحابه- أنه يدخل في ذلك جميعُ قرابته ورحمه وأهله من قبَلِ أبيه وأمه الإخوة والأخوات, والأعمامُ والعَمَّاتُ, والأخوال والخالات, وبنوهم الذكُورُ والإناثُ وبناتُ ومَن أشبههن منَ القرابات.
وذكر لي أصبَغُ عن ابن القاسم أنه قال: ليس لقرابته أو لذي رحمه من قبَل أمه من ذلك شَيءٌ مع قرابته من قبَل أبيه, ولا لولد البنات إلا أن [لا] يكون له قرابة من قبل الأب, فيكونُ ذلك لجميع قرابته من قبَل أمه؛ لأنه يرى أنه إياهُم أراد, أو يكون له من قبَلِ أبيه قرابةً قليلةً كالواحد والاثنين, وبقول مطرف وابن الماجشون أقولُ: ولكن يُؤثَرُ الأقربُ على قدر القربى والحاجة, ولكُلهم فيها حق.
[(5)] فصل [فيمن أوصى لجيرانه]
ومنَ المجموعة قال عبدُ الملك: فيمن أوصى لجيرانه, فَحَدُّ الجوار الذي لا شك فيه: ما كان يواجهُه, وما لصقَ بالمنزل من ورائه وجَنَبَاته, فأما إن تباعد ما بين العدوتين حتى يكونَ بينهم السُّوقُ المتسع فليس كذلك, إنما الجوار ما دنا من العدوتين, وقد تكون دارا عُظمىَ ذاتَ مساكنَ كثيرة كدار معاوية وكثير بن الصلت فإذا أوصى بعض أهلها لجيرانه اقتصر به على
أهل الدار.
قال: وإن سكن ربها هذه الدارَ وهو الموصى, فإن أشغل أكثَرَها وقد أسكن معه غيره, فالوصيةُ لمن كان خارجاً عنها لا لمَن فيها, وإن كان إنما سكن أقلَّها فهو كالمكتري, فالوصيةُ لمن في الدار خاصةً ولو اشغَلَها كُلِّها بالكراء ثم أوصىَ لجيرانه, فالوصيةُ للخارجينَ منها من جيرَانه.
وقال مثلَه كلَّهُ سحنون في كتاب ابنه.
قال عبدُ الملك: وجوارُ البادية أوسعُ من هذا وأشدُّ تراخياً, ورُبَّ جارٍ وهو على أميالٍ إذا لم يكن دونه جيرانً إذا جمعهم الماءُ في المَورد والمسرَح للماشية, وبقدر ما ينزل, ويُجَتَهَدُ في ذلك.
قال ابنُ سحنون عن أبيه: كُلُّ قريةٍ صغيرةٍ ليس لها اتصالٌ في البناء والكبر والحارات فهم جيرانٌ, وإن كانت كبيرةً كثيرةَ البُنيَانِ كقلشانة فهي كالمدينة في الجوار.
قال عبدُ الملك: وإذا أوصى لجيرانه, فإنما يُعطَى الجارُ الذي له المسكنُ وزوجتُه وولدُه الكبيرُ البائنُ عنه بنفقته, ولا يُعطى الصغيرُ ولا ابنتُه البكرُ ولا خَدَمُه ولا ضيفٌ ينزل به إلا أن يَنُصهُم, وأما الجارُ المملوكُ فمَن كان يسكنُ بيتاً على حدة, فَليُعطَ كان سيده جاراً أو لم يكُن.
وقال ابنُ سحنون عن أبيه: يُعطَى ولدُه الأصاغرُ, وأبكارُ بناته ويدخلُونَ في الاجتهاد إن شاءَ الله.
[الباب الخامس] فيمَن أوصى لولد رجلٍ ولا ولدَ له, أو لفقراء بني فلان وهم أغنياءُ أو لمن قد مات, وفي موت الموصَى له قبل موتِ الموصي.
[(1) فصل: فيمن أوصى لولد رجل ولا ولد له]
قال ابن القاسم: ومَن قال: ثُلُثي لولد فلانٍ, وقد عَلم أنه لا ولدَ له جاز, ويُنتظر أيوُلَدُ له أم لا؟ ويُساوَى فيه بين الذكر والأنثى, وإن لم يَعلم أنه لا ولد له فالوصيةُ باطلةٌ؛ لأنَّ مالكاً قال: فيمن أوصى بثُلُثه لرجل, فإذا الرجلُ قد مات قبل الوصية, فإن كان قد علم بموته نفذت الوصية لورثة الموصَى له وقضى بها دينَهُ, وإن كان لم يعلم بموته, فلا وصيةَ له ولا لورثته ولا لأهل دينه؛ فأرى مسألَتَكَ مثلَ هذا.
محمد: وقال أشهبُ: إذا مات الموصي ولا ولدَ للموصى لولده, فالوصيةُ باطلةٌ, علم الموصي بأنه لا ولدَ له أو لم يعلم وإن وُلد له بعد ذلك, إلا أن يكونَ كانَ حملٌ يومَ ماتَ الموصي.
ومنَ العتبية قال عيسى: عن ابن القاسم: [149/ب] فيمن أوصىَ لبني فُلانٍ فلم يُوجد لفلانٍ ولدٌ, فإنه يرجعُ ميراثاً.
[(2) فصل: فيمن أوصى لفقراء بني فلان فوجدوا أغنياء أو لمن قد مات]
قال عنه أبو زيد: وإذا أوصى لفقراء بني عَمِّه فوُجدُوا أغنياء كُلُّهُم, فليوقف عليهم, فمن افتقرَ منهم دُفع إليه, وإن لم يفتقر منهم أحدٌ رجعت الوصيةُ ميراثاً لورثة الموصي.
ومنَ المدونة قال ابن القاسم: وإن قال: ثُلُثُ مالي لفلان وفلان, وأحدُهما غنيٌ والأخَرُ فقيرٌ, فالثلُث بينهما نصفين.
قال مالكٌ: فإن ماتَ بعد موت الموصى ورثَ نصيبَه ورثَتُه, وإن مات قَبلَهُ, فللباقي نصفُ الثلث ولا شيءَ لورثة الآخرَ, ويرجع نصيبُه إلى ورثة الموصي.
[(3)] فصل [في رد أخ الموصى لهم للوصية أو موته قبل موت الموصي أو بعده]
ومنَ المدونة قال مالكُ: ومَن أوصى لثلاثة نفرٍ بعشرةٍ عشرةٍ, وثُلُثُه عشرةٌ, فردَّ أحدهم وصيته, فليحاص الورثةُ بوصية الذي رد أهلَ الوصايا فيأخذُونَ وصيتَه فيقتسمونَها مع ميراثهم, ويكون للباقين ثُلُثَا الثلُث.
قال غيره: إذا رد واحدٌ منهم رجَع ما كان للميت, فكان للورثة محاصةُ الباقينَ؛ لأن الورثةَ دخلوا مدخل الراد, وقد كان الراد لو لم يرد لحاصهم فلما رد دخل الورثةُ مدخلَه.
قال سحنون: وهذا قولُ الرواةِ, لا أعلم بينهم فيه اختلافاً.
م: يريد أنه رد الوصية بعد موت الموصى, فأما لو رد قبل موت الموصي لكانت مثل موت الموصَى له قبل موت الموصي, ويدخلُها اختلافُ قَولِ مالك, وكذلك في كتاب ابن الموز قال فيه: إذا أوصى لرَجُلينِ بعشرةٍ عشرة, وثلثه عشرةٌ, فرد أحدُهما في حياته, فإن علم بذلك, فللآخَرِ عشرةٌ كاملةٌ, وإن لم يعلم, فله خمسةٌ وتورَثُ خمسةَ.
قال أبو محمد: وهذه في المدونة: وقد اختَلَفَ فيها قولُ مالك, فشبه رده قبل موت الموصى بموته قبل موت الموصي فاعرفه, فإنها جيدةٌ.
قال مالكُ: وإذا مات الموصَى له بعد موت الموصي, فالوصية لورثة الموصَى له, علم بها أو لم يعلم, وإن مات قبل موت الموصي بطلت الوصيةُ, علم الموصي بموته أم لا.
قال مالكٌ: ويحاصُّ بها ورثةُ الموصي أهلَ الوصايا في ضيق الثُلُث, ثم تُورَثُ تلك الحصةُ, وقد قال أيضاً مالكٌ: إذا علم الموصى بموت الموصَى له بطَلَت الوصيةُ ولا يحاص بها أهلَ الوصايا.
قال سحنون: وعلى هذا القول الرواةُ.
وقال ابنُ نفع: لأنه إذا علم بموته, فكأنه أقَرَّ وصيتَه لمن بَقيَ من أهل الوصايا.
وقالهُ ابنُ المواز.
قال سحنون: وإنما يحاصُّ الورثةُ أهلَ الوصايا بوصية الموصَى له إذا مات قبل موت الموصي, والموصي لا يعلم؛ لأن الموصيَ مات والأمرُ عنده أن وصيتَه لمن أوصى له جائزة, فلما بطلت بموت الموصَى له رجع ما كان له إلى مال الميت وخل الورثة مدخله, فحاصوا أهل الوصايا بوصيته؛ لأنه هو كذلك كان يحاصُّهم بوصيته.
قال مالك: ومَن قال: ثُلثُ مالي فلانٍ وفلان, فمات أحدُهما بعد موت الموصي ورث نصيبه ورثته, فإن مات قبله, فللباقي نصفُ الثلُث, ولا شيء لورثة الآخَر, ويرجع نصيبه إلى ورثة الموصي.
وإن أوصى لفلان بعشرةٍ ولفلان بعشرةٍ, والثلثُ عشرةٌ, فمات أحدُهما قبل موت الموصي, فكان مالك يقول أول زمانه: إن علم الموصي بموته فالعشرةُ للباقي منهما؛ وكأنه أقَرَّ وصيتَهُ, وإن لم يعلم حاصَّ الورثةُ بها هذا الباقي, فيكونُ لهذا الباقي خمسةٌ وترجع الخمسة التي وقعت للميت لورثة الموصي.
قال سحنون: وهذه الروايةُ التي عليها الناسُ.
ثم قال مالكٌ: تكون العشرة للباقي, علم لموصى بموته أم لا.
ثم قال مالك في آخر زمانه: أرىَ أن يحاص بها الورثةُ الثانيَ, علم الموصي بموت الآخَر أم لا.
م: قد تقدم [150/أ] لابن نافع وسحنون وجهُ قول مالك وتفرقته بين العلم بموت الموصَى له أم لا, ووجهُ قولهِ إلاَّ حصاص للورثةِ, علم الموصي بموت الموصَى له أم لا؛ فلأن
الوصيةَ لما بطلت بموت الموصَى له فكأن لم يوصِ بها فوجب أن لا يحاصَّ بها, كما لو أوصى لرجل بعبد ولآخرينَ بوصايا, فماتَ العبدُ أن للموصَى لهم ثلثَ ما بقيَ ولا يحاصون بقيةَ العبد؛ لأنه لما مات بطلت الوصيةُ به؛ وكأن الموصى لم يوصِ إلا بما بقيَ منَ الوصايا فكذلك هذا.
ووجهُ قوله يحاصصُ الورثةُ في الوجهين؛ فلأن الموصىَ لما عال على ثُلُثه علم أن الخيارَ في إجازة الزائد للورثة وأنهم إن لم يُجيزُوا فإنما يحصل لهذا الباقي خَمسةٌ, فكأنه إنما أوصى له بخمسةٍ, وخمسة أخرى إن أجازها له الورثةُ, وكذلك إن أوصى للذي مات, فالذي قد بطلت وصيَتُه بموته قبل موت الموصي وبقيَ الأخَرُ على أصل ما أوصى له به إن أجاز له الورثةُ العشرةَ أخَذَها, وإلا أخذ خمسةً؛ ولأن الورثة يقولون له: إنما كان يصح له خمسةٌ لو لم يمت هذا, فليس موتُه يوجب لك شيئاً لم يكن لك قبل ذلك؛ ولأن بموت الموصَى له بطلت وصيتُه وصار ما كان للورثة فحلوا محله في أخذ الوصية وفي الحصاص بها كما لو مات بعد موت الموصى لَحَل ورثَتُهُ محله لانتقال الوصيةِ لهم, وبالله التوفيقُ.
قال ابن القاسم: وبهذا آخُذُ.
وقد ذكر ابنُ دينار أن قوله هذا الآخَر هو الذي يُعرف من قَوله قديماً.
قال ابن القاسم: وكذلك قولُه: ثلُثُ مالي لفلان, وثلُثَا مالي لفلانٍ فيموتُ أحدُهما على اختلاف القولِ في صاحبي العشرتين سواءً, فإن كان الميتُ
منهما صاحبَ الثلُث كان للباقي منهما ثلثا الثلث في قول مالك الآخر ويحاصه الورثة, علم الموصي بموت الآخر أو لم يعلم -قال ابن القاسم: وبه أقول- وفي قول مالك الأول يختلف -إن علم أو لم يعلم- بحال ما وصفنا, وفي قوله الأوسط يكون للباقي جميعُ الثلُث, فقس على هذا ما يَردُ عليك.
[الباب السادس] فيمَن أذن له ورثتُه في مَرَضه أو صحتُه أن يُوصيَ بأكثرَ من ثُلُثه, أو يوصي لبعض ورثته., والمديَانُ يجيز وصية أبيه.
[(1) فصل: فيمن أذن له ورثته في مرضه أو في صحته بأن يوصى بأكثر من ثلثه أو يوصى لبعض ورثته فلما مات رجعوا
المسألة الأولى: فيمن إذن له ورثته في مرضه أو في صحته بأن يوصى بأكثر من ثلثه]
قال مالكٌ: إذا أوصى المريضُ بأكثر من ثلثه فاستأذنَ ورثَتُه في مرضه في إجازة ذلك فأذنُوا له, ثم رجعوا بعد موته, فمَن كان عنه بائناً من ولدٍ أو أخ أو ابن عم وليس من في عياله, فليس لهم أن يرجعُوا, وأما امرأتُه وبناتُه اللاتي لم يَبن منه, وكل ابنٍ في عياله وإن كان قد احتلم, وعصبتُه الذين يحتاجون إليه ويخافون إن منعوه وصح أضر بهم في منع رفده, فلهؤلاء أن يرجعوا إذا رُئيَ أن إجازتهم ذلك خوفٌ مما وصفنا.
قال ابن القاسم: إلا أن يجيزوا وصيتَه بعد موته, فلا يكون لهم أن يرجعوا, ويجوزُ ذلك عليهم إذا كانت حالُهم مَرضيةً, ولا يجوز إذنُ البكر, ولا الابن السفيهِ وإن لم يرجعَا.
قال ابنُ كنانةَ في المجموعة: إلا المعنسةَ فيلزَمُها ذلك, فأما الزوجةُ تأذنُ له في مرضه فلها أن ترجع؛ إذ قد تخاف من وجده إن صَحَّ, وليس التي يسألها زوجُها في ذلك فتأذن كالتي تَبتَدئُهُ وتُمَكنُهُ.
فيَنظرُ في ذلك الإمام.
محمد قال أشهبُ: وليس كلُّ زوجة [150/ب] لها أن ترجع؛ رُبَّ زوجةٍ لا ترهب منعه ولا تهابه فهذه لا ترجعُ, وكذلك ابنٌ كبيرٌ غيرٌ سفيه وهو في
عيال أبيه فلا رجوعَ له.
إذا كان ممن لا يُخدع.
قال ابنُ القاسم: لمثل هؤلاء أن يرجعوا إذا كانوا في عياله.
ومن العتبية والمجموعة وهو في الموطأ قال مالكٌ: وإذا أذن الورثةُ للصحيح أن يُوصىَ بأكثرَ من ثُلُثه لم يلزمهم ذلك إذا مات؛ لأنهم أذُنوا له في وقتٍ لا منعَ لهم.
ومن العتبية قال مالكٌ: فيمن أذنَ له ورثتُه عند خرُوجه إلى غزوٍ أو سفر أن يُوصىَ بأكثرَ من ثُلُثه ففعل, ثم مات في سفره: أنَّ ذلك يلزمُهم كالمريض وقاله ابنُ القاسم.
قال أَصبَغُ: وقال لي ابنُ وهب: كنت أقول هذا ثم رجعتُ إلى ألا يلزمهم ذلك؛ لأنه صحيحٌ, وكذلك لو أذن له أحدُهم في هبة ميراثه؛ كالصحيح يأذنون له بالعول على ثُلُثه.
قال أصبَغُ: وهو الصوابُ.
وذكر في كتاب ابن المواز عن ابن الحكم عن مالك مثلُ رواية ابن القاسم.
وروى يحيى بنُ يحيى عن ابن القاسم فيمن أذنَ له ورثتُه في مرضه في الوصية بأكثرَ من ثُلُثه, ثم يصحُّ وأقر وصيتَهُ, ثم مرض فمات, فلا يلزمهم ذلك الإذنُ؛ لأنه صح فاستغنى عن إذنهم, فلا يلزمُهُم حتى يأذنوا في المرض الثاني.
وكذلك ذكر عنه في المجموعة.
وقال ابنُ كنانةَ: ولكن يحلفون ما سكتوا عن تغيير ذلك رضاً به.
ومن كتاب ابن حبيبٍ: ومَن أوصى في مرضه بمئة دينارٍ لرجل وبوصايا وعال على الثلُث فأجاز له الورثة الوصيةَ بالمئة, ثم مات.
قال مطرف عن مالكٍ: ويحاص صاحبُ المئة أهلَ الوصايا فما انتقصَ, فعلى الورثة تمامُه.
قال أبو محمد: يريد مما ورثوا, لا من أموالهم.
قال مطرف: ولو أوصى له بمئةٍ وهيَ أكثرُ من ثُلُثه وأجازوا له ذلك, ثم أوصى لغيره بوصايا بعد ذلك, فليحاصهم الموصىَ له بالمئة, ثم يُنظر, فإن علم الورثةُ بما أوصى به لغيره فَرَضُوا أو سكَتُوا حتى مات فليرجع علهم بما انتقصَ منَ المئة, وإن لم يعلموا أو علمُوا, فقالوا: لا نُجيزٌ للذي جَوزنَا أولاً إلا ما زادت وصيتُه على الثلُث أولاً, فذلك لهم ولا يرجعُ عليهم إلا بما تنقصُه المئةُ منَ الثلُث قبل أن يوصىَ بما أوصى بعد ذلك.
وقالهُ ابنُ الماجشونَ.
ومن المجموعة قال ابن القاسم وابن وهب عن مالك: وإذا استوهب المريضُ وارثه ميراثَه ففعل, ثم لم يقبض فيه شيئاً, فإنه يُردُّ إلى واهبه.
وقال عنه ابنُ وهبٍ: إلا أن يكون سَمَّى له من يَهَبُه له من ورثته فذلك ماضٍ, ولو وهب له ميراثَه فأنفذ بعضَه, فما بقيَ يُرد إلى مُعطيه ويَمضي ما أنفذ.
[المسألة الثانية: فيمن أذن له ورثته في مرضه أو في صحته بأن يوصي لبعض ورثته]
ومن كتاب محمد قال مالكٌ: في امرأة تصدقت في مرضها على ابن ابنها بسُدسُ دارٍ لا تملك غيره, فأشهد ابنٌ لها ثانٍ أنه إنما سَكَتَ كراهيةَ سُخطها, ثم
حاز ابنُ الابن وقاسم عمَّه, وجاز له عنده فضلٌ فأخذَه منه, ثم لم تزل الأم في الدار حتى ماتت قال: يمضي ذلك ولا ينفع الابنَ ما أشهد؛ قد قاسمه ابن الابن وحاز وأخذ فضلاً, فلا رد لذلك.
وقاله ابنُ القاسم.
وقال أشهبُ: إذا أشهد ابُنها كراهيةَ سُخطها فذلك ينفعُه, ولا يضرُه ما قاسَمَ.
وقاله لي عنهما ابنُ عبد الحكم.
ومنَ العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: في مريض أوصى بجميع ماله, وليس له وارثٌ إلا ابنٌ مريضٌ, فأجاز صنيعَ الأب, وقال الابنُ: ثُلثُ مالي صدقةٌ على فلان, فمات الأبُ ثم مات الابنُ وترك الأبُ ثلاثمئة دينارٍ ولا مالَ لَهُ غيرُ ذلك, قال: فللذي أوصى له الأبُ مئةُ دينارٍ, ثم يتحاصُّ هو والذي أوصى له الابنُ, يضرب هذا بالمئتين التي أجازها له الابنُ, ومَن أوصى له الابنُ بثُلُث المئتين.
قال عيسى: إنما هذا إذا أجاز الابنُ في الصحة, ثم مرض فأوصى بثُلُث ماله, فليس ذلك المالُ له بمالٍ إذا قَبَضَه المتصدقُ به عليه قبل موت هذا ومرضه, وإن لم يقبضهُ حتى مرض الابنُ فلا شيءَ له, لأنه صدَقَةٌ لم تُجَز.
قال أبو محمد: يريد تبطُلُ إجازةُ الابن لما أجاز, ويَجُوزُ من وصيةِ الأب الثلُثُ.
[(2) فصل: في إجازة المديان وصية مورثة]
منَ المدونة قال ابن القاسم: ومَن أوصى بجميع ماله وليس له إلا وارثٌ واحد مجديانٌ, فأجاز ذلك, فلغرمائه رد الثلثين وأخذه في دَينهم.
قال أشهبُ في المجموعة: لأنه وهب الثلثين للموصَى له, وهي جائزةٌ أبداً حتى يردُّها الغرماءُ, فإن علَموُا فلم يردُّوا فلا رد لهم بعد ذلك.
محمد: وقاله ابنُ القسم وأشهبُ.
محمد: وإن كان منهم مَن يَجهل أن له ردُّ ذلك, فله الردُّ إذا حَلَفَ مع معرفة الناس أن مثلَه يجهل ذلك.
ومنَ المجموعة قال ابنُ وهب عن مالكٍ: وكذلك لو أذنَ له الولدُ المديانُ في مرضه, كان للغرماء ردُّ الثلثين.
[(3)] فصل [في إقرار الولد المديان أن أباه أوصى بثلثه لفلان]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا أقر الولدُ أنَّ أباه أوصى لرجل بثُلُث ماله, وعلى الولد دينٌ يغترق موروثَه, وأنكر غرماؤه الوصية, فإن كان إقراره قبل القيام عليه بالدين جاز إقراره, وإن أقر بعد ما قاموه عليه لم يَجُز, وكذلك إن أقر الولدُ بدينٍ على أبيه, أو بوديعة عند أبيه وقد مات أبوه, فإقرار الولد بذلك بعد قيام غرماء الولد عليه لا يُقبلُ إلا ببينةٍ, وإقراره قبل أن يُقام عليه جائزٌ, فإن كان المقَرُّ له حاضراً حلف معه واستَحق كقول مالك: فيمن شهد أن هذا الذي في يديه تصدق به فلان على فلان, وتركه له في يديه
وأنكر الذي هو له, فإن حضر المشهودُ له كان ذلك له مع يمينه, وإن كان غائباً لم يُقبل قوله؛ لأنه يُتهم أن يكون إنما أقر ليبقى ذلك الشيءُ بيده.
محمد: وقال أشهبُ: إذا أقر الوارث المديانُ -يريد: قبل قيام الغرماء عليه- أنَّ أباه أوصَى لرجلٍ بالثلُث أو بعتق ولا بيَنَةَ فيه لم يَجُز إقراره ولا شهادتُه, ولا إقرارهُ بعتقٍ في صحةٍ إذا لم يُصَدِّقهُ غرماؤُه, وأما إقراره على أبيه بدينٍ فيلزَمُهُ, بخلاف إقراره عليه بصدقةٍ أو عتق, كما لو فعل ذلك هو في مال نفسه.
قال ابن القاسم: ذلك كلُّه جائز, أقَرَّ على أبيه بدينٍ أو بوصيةٍ أو بعتق وإن أحاط الدينُ بماله, إذا أقر قبل قيام الغرماء عليه؛ كإقراره على نفسه بدين.
محمد: وهذا أصوبُ؛ لأن أشهبَ يقول: لو أجاز وصية أبيه بأكثر من ثُلُثه, فلم يقبضه الموصَى له حتى مات الابنُ إن ذلك جائز من ثُلُثِ الأب ولم يَجعَلهُ كصدقته من مال نفسه.
م: وهذا خلافُ ما تقدم لعيسى, وقولُ عيسى: أبينُ؛ لأنها هبةٌ لم تُقبض قال أشهبُ: وإذا أقر بوديعةٍ عند أبيه, فذلك لازمٌ, كإقراره بدين على أبيه.
قال أشهبُ: ولو أقر ولا دين عليه أن أباه أوصى بأكثر من ثُلُثه, وأنه أجاز ذلك أشهدَ به, ثم مات الابنُ بعد أن تَدَايَنَ ولم يكن قبض الموصَى له وصيتَهُ, فليُبدأ بوصية أبيه إذا عرف مالُ أبيه؛ لأنه حق قد تم للموصَى له في
وقت يجوزُ فيه قولُ الابن, فإن لم يوجَد للأب شيءٌ من ماله وعلى الأب دَينٌ, فإن الموصَى لهم يحاصون غرماءَ الابن في مال الابن, وإن وجدوا من مال الأب شيئاً أخذَه الموصَى له خاصة, فما عجز عليه حاص به غرماء الابن؛ لأن الوصية صارت [151/ب] على الابن دَيناً حين استهلك التركةَ قبل إنفاذهَا.
قال محمد: أما فيما بلغ ثُلُثَ الأب فهو كذلك, وأما فيما جاوزَه, فإن كان مال الأب بيد الابن حتى مات, بطلَ ما زاد على الثُلث مما أجاز الابنُ, وإن كان ذلك بيد غيره نفذ ذلك للموصَى له.
[المسألة الأولى: فيمَن هلك وترك ولدين وألفَي درهم, فأقر أحدُهما لرجل أن له على الأب ألفَ درهم]
ومن المدونة: قال مالكٌ: ومَن هلك وترك ولدين وألفَي درهمٍ, فأقر أحدُهما لرجل أن له على الأب ألفَ درهمٍ.
فإن كان عدلاً حلف وأخذَها من جَميعِ التركةِ, وإن نكل أو لم يكن عدلاً, فليأخذ منَ المقر خمسمئةٍ ويحلف له المُنكر, فإن نكل غرم له خمسمئةٍ.
وقاله مالكٌ وابن القاسم, وهذا في المدونة.
محمد: وقال أشهبُ: له أن يأخذُ الألفَ كُلها من نصيب المقر.
قال:
لأنه لا ميراثَ لوارث يزعم أن على الميت دَيناً.
قال: وهو بخلاف إقراره بالوصيةِ؛ لأن الموصَى له شريكٌ في المال, وأما الدينُ فلا ميراثَ إلا بعد قضائه.
قال محمد: وقولُ مالك وابن القاسم أولى, وقد قالا: لو شهدَ بالألفِ الدين عدلان بعد أن اقتسما فأعدم أحدُهما, فليأخذ الألفَ كلها من الآخَر ويرجع على أخيه فيتبعهُ بنصفها, وخالفا بين البينة والإقرار؛ لأن البينة أثبتت الألفَ على الميت فَتُؤخَذُ من ماله حيث وُجد ويصير للأخ العهدةُ على أخيه, وأما بإقرار الأخ, فلم يثبُتِ الدينُ على الميت ولا يُوجبُ له بالعدم عُهدَةً على أخيه, فصار إقرار الوارث على نفسه أن عنده زيادةٌ على حقه, ولم يَجب عليه أن يَغرَمَ عن أخيه ما لا يَرجعُ به عَلَيه.
قال: ولو أقر هذا لرجلٍ بألفٍ, وأخوه لرجل آخرَ بألفٍ على أبيهما وكل واحد ينكر قول أخيه, فإن كانَا عدلين قُضيَ لكل طالب بشهادة مع يمينه, فإن حلف واحدٌ أخذَ الألفَ منَ الأخوين, ثم يرجع الناكلُ على مَن أقر له بخمسمئة, ويحلف له الأخُ الآخرُ أنه ما يعلم ما شهد به أخوه ويبرأ, فإن نكل غرم له خمسمئة, وإن لم يكونا عدَلين كان ما قلناه من اختلاف قول ابن القاسم وأشهبَ كذلك في نكول مَن نكل مع العدل.
قال: ولو أقر كُلُّ واحدٍ لرجل بوصية الثلُث -أقر كلُّ واحد لغير الذي أقر له أخوه- فلم يختلفا في هذا إن كانا عدلين وإن كان أحدُهما عدلاً, فليحلف كلُّ طالبٍ ويأخذ ذلك من الولدين,
فإن نكل واحدٌ, فالثُلثُ لمن حلف ولا شيء للذي أبَى اليمينَ على الذي شهد له؛ لأنه لم يبقَ بيده منَ الثلُث شيءٌ, بخلاف الدين؛ لأن الدينَ من رأس المال والوصيةُ من الثلث ولم يبقَ من الثلُث شيءٌ بيده, وإن نكلاَ أو كان الولدان غيرَ عدلين أدَّى كلُّ واحدٍ إلى الذي أقر له ثُلثَ مت في يده, ولو رجعا بعد الحكم وأقرا بأن الذي شهد به صاحبهُ حَق بعد أن أخَذَ كل واحد ما أقر به صاحبُه, فإن كل واحد منهما ضامنٌ للذي أنكر وصيته ثلثَ ما في يديه؛ لأنه أقر أنه استهلك ذلك عليه.
قال: وإذا اقتسم الوارثان ثم غاب أحدُهما, أو أعدم ثم قامت بيّنةٌ بوصية الثلث لرجلٍ, أو أقر له الحاضرُ, فإنما يأخذ ثلُثَ ما بيده ويَتبَعُ الآخَرَ بمثله, ولو ترك مئة حاضرةً مئةً على أحد الولدين -يريد: محمد: وهو عديم أو غائبٌ- وأثبت رجلٌ الوصيةَ له بالثلُث, فإن المئة الحاضرةَ بين الموصَى له والولد الآخَر نصفان؛ لأن لكل ولحدٍ منهما ثُلُثَهَا, وثُلُثُها للذي عليه الدينُ, فيُؤخَذُ منه, فيكون بين هذين؛ لأن حقَّهُمَا في مال الميت سواءٌ, ولو أقرَّ الولدُ الحاضرُ للموصىَ له وكان عدلاً وحلف معه كان كما ذكرنا, وإن نكل أو لم يكن عَدلاً, لم يكن له مع المقر في المئة إلا ثُلُثُهَا.
ولو قامت له بيَّنةٌ أنه أوصى له بمئةٍ لا بالثلُث, والمالُ كما ذكرنا, فالجوابُ واحدٌ؛ لأنه يرجع إلى الثلُث [152/أ],
ولو أوصى له بأقل منَ الثلُث, مثل أن يُوصىَ له بمئة ويترك مئةً حاضرةً وأربعمئةٍ على أحد الولدين, فليخَير الورثةُ بين أن يُعطُوه المئةَ الحاضرةَ أو يقطعوا له بثلُث الحاضر وثلث الدين, فيكون حينئذٍ كموصى له بالثلث, فيقسم المئة الحاضرة بينهما نصفين؛ لأن حظهما في المال سواءٌ؛ لأن سهامَ الفريضة سهمان, فزد عليهما نصفَهُمَا لصاحب الثلث فصارت ثلاثةً, فأسقط سهم المديان فبقيَ لهذين سهمان: لكل واحد سهم, ولو ترك ثلاثةَ بنينَ, وثلاثمئةٍ, منها مئةٌ على أحد الولَدَين دَينَاً, ومئتان حاضرةٌ, وقد أوصى بالثلُث, فالفريضة من ثلاثة: زد عليها مثلَ نصفها تكون أربعةً ونصفاً, فأضعفها -لذكر النصف- تكون تسعةً, الثلثُ ثلاثةٌ, ولكل ولد سهمان, فأسقط سهم الولد المديان تبقى سبعةٌ, فللموصَى له ثلاثةُ أسباع المئتين الحاضرة, ولكل واحدٍ من الولدين سُبُعَا المائتين.
ولو ترك ولداً واحداً فأقر أن هذه وديعةٌ لفلان عند أبيه, ثم قال: ولفلان معه, فإن كان قولاً متصلاً فهي بينهما, وإن لم يكن متصلاً: فإن كان عدلاً, حلف الآخَرُ وكانت بينهما, فإن لم يحلف أو كان غيرَ عدلٍ, فهي للأول مع يمينه, ولم يضمن المقرُّ للآخرَ شيئاً؛ لأنه لم يدفع إلى الأول شيئاً بَعدُ, ولكن لو دفعها, ثم أقر بعد ذلك أنها لفلان معه, فإنه يضمن للآخَرِ ما أقرَّ أنه له فيها, كانَ عدلاً أو غيرَ عَدلٍ.
ولو شهد شاهدان منَ الورثة أنَّ أباهما أوصى لفلان بالثلُث ودفعا ذلك إليه ثم شهدَا أنه إنما كان أوصى به لآخَرَ وأنهما أخطأ فلا يُصَدقَانِ على الأول, وإن كانا عدلين للضمان الذي دخل عليهما, ويَضمَنَانِ للآخَرِ الثلُث ولو لم
يكونا دَفَعا, أجَزتُ شهادتَهما للآخَر وأبطلتُها للأول.
وإذا أقر الوارثُ بدين على الميت يغترق التركةَ, ثم أقر لآخَرَ بمثله, فإن لم يكن عدلاً بُدئ بالأول؛ إذ لا يقدَرُ على الرجوع عنه, فكذلك لا يَدخُلُ عليه مَا يَنقُصُه, ولو كان عدلاً وجاء بعُذرٍ بيّن قُبلَ قولُه, وحَلَف الآخَرُ مع شهادته, فإن لم يحلف كان كما قُلنا إن لم يكن عدلاً -قال محمد: ويحلف الأول على علمه إذا نكل الآخَرُ- ولو أقر الوارثُ أولاً بوصيةٍ تُخرج من الثلُث أو بعتقٍ, ثم أقر بدين -يريد: يغترق التركةَ- فإن كان عدلاً جازت شهادتُه ما لم يكن نفذ الحكم بإقراره الأول, أو كان دَفَعه هو, فلا يُرَدُّ, ويلزمُه الدين فيما ورث وإن أحاط الدينُ بجميع ميراثه, وإن لم تنفذ الوصية فلا تباعةَ عليه, ويحلف المقرَّ له بالدين ويثبت دينُه وتسقط الوصيةُ, فإن لم يكن عدلاً أو نكل الطالب لم يُرد عتقٌ ولا وصيةٌ, ثم يأخذ الطالبُ دينه مما ورث هذا, فإن بقيَ له شيءٌ من دَينه لم يَتبع به الوارثَ ما لم يكن هو الذي أنفذ الوصيةَ فيُتبَع بما أنفذ من عتق أو وصيةٍ.
وإذا قال: أوصى أبي بالثلث, ولفلان بدين.
كلاماً متصلاً, فالدينُ أولَى, وتبطل الوصية إن أغترق الدين المالَ, وكذلك لو أقر بتدبير في الصحة؛ لأنه قولٌ متصلٌ, إن بدا بالوصية ثم قطع ثم أقر بالدين, فإن كان عدلاً حلف طالبُ الدين وكان له, وتَبطَلَ الوصيةُ, إلا أن يَفضُلَ عن الدين شيءٌ فيكون للآخَر ثُلُثُه, فإن لم يحلف أو كان الولدُ غيرَ عدلٍ, فللموصَى له جميعُ الثلُث, وما بقيَ للدين,
فإن لم يَف ما بقيَ بالدين لم يضمن الوارثُ شيئاً [152/ب] ولو لم يقرَّ بالدين حتى دُفعَ الثلثُ إلى الموصَى له ضمن ذلك لطالب الدين وإن لم يف الباقي بعد الوصية بالدين, ولا تبَاعة لواحدٍ منهما على الموصَى له.
ولو أقر فقال: أوصى أبي لفلان بالثلُث, وأعتق هذا العبد وهو الثلثُ, فإن كان كلامًا متصلًا فالعتق أولى وإن لم يكن الولدُ عَدلاً, وإن كان في كلام غيرٍ مُتصل بُدئَ فيه بالوصية فهو مبدأٌ, ثم يعتق العبدُ كلُّه على الوارث.
محمد: سواءٌ كان عدلاً أو غيرَ عَدلٍ إن كان لعبدُ يحملهُ الثلثُ, وليس إقرارُه بالعتق يردُّ ما ذكر منَ الوصية, بخلاف الدين الذي يحلفُ معه طالبهُ ويُستَحقُّ.
ولو كان وارثين فأقرا هكذا لكان مثلَ الدين تَبطُلُ به الوصيةُ, ولو ترك وارثاً واحداً وترك ثلاثةَ أعبُدٍ قيمتُهُم سَوَاءٌ لم يَدَع غيرهم, فقال: أعتَقَ أبي هذا العبدَ وشهد عدلان أنه أعتقَ عبداً غيرَه, فإن كذَّبَهُمَا الوارثُ وقال: لم يعتق أبي إلا هذا, أعتقتُ العبدين جميعاً, وإن لم يكذبهُمَا أعتقتُ الذي أثبَته الشاهدان كُلَّهُ؛ لأنه الثلُث, وأعتقتُ نصفَ الذي شهد له الوارثُ؛ لأنه حينَ لم يكذبهما فكأن أبَاهُ أوصى بعتقهما, فالثلُث بينهما, وإذا أَكذَبَهُما فقد أَقَرَّ أنَّ الحريةَ لهذا وحده, فلا يملك مَن أقر بحريته.
م: وفيها قولُ آخَر لأشهبَ تَرَكتُهُ.
[المسألة الثانية: إن شهد أجنبيان أنه أوصى لهذا بالثلث وشهدَ وارثان أنه أعتقَ عبدَه في مرضيه, وهو قدرُ الثلث]
قال: وإن شهد أجنبيان أنه أوصى لهذا بالثلُث وشهدَ وارثان أنه أعتقَ عبدَه
في مرضه, وهو قدرُ الثلُث, فالشهادتان جائزةٌ, ويبدأ بالعتق في عدالة الوارثين ما لم يُتهَما على جَر الولاء في عبد يرغب في ولاية؛ فتبطُلُ شهادتُهما, ويصير الثُلث كلُّلُ للموصىَ له به من هذا العبد ومن غيره.
قال محمد: ويَعتقُ أيضاً العبدُ في قول ابن القاسم إذا كان يخرج منَ الثلُث لو لم تنفُذ الوصيةُ إن لم يكن مع المقرِّين ورثةٌ سواهُما؛ لأنهما مُقرَّان بأنه حُرٌ مُبُدأٌ, وإن كان معهما ورثةٌ لم يعتق عليهما بقضَاءٍ وإن ثَبَتَا على إقرارهما, إلا أن يَملكاهُ أو يملكهُ أحدُهُما, وإلا أُمرَا أن يجعلا ما يصيرُ من ثَمنَه في عتقٍ بغير قضية, وكذلك في خدمته يُؤمَرُ أن يترك خدمته في يومهما, وهذا قَولُ مالك وأصحابه في الوارث يُقرُّ بأن أباه أعتَق هذا العبدَ ومعه ورثةٌ سوَاه؛ لأنه لا يُقوم عليه إذ على الميت يعتق, فلا يجوزُ عتقُ عبد بلا تَقويمٍ, وإن شهد وارثان أن الميتَ أوصى لفلان بالثلُث وأنه رجع فأوصى به لفلانٍ وهما يُتَّهَمَان في الثاني, فإن لم يكن معهما وارثٌ غيرهُما جازت شهادتُهما للثاني إن كان قولاً متصلاً, وإن كان معهما ورثة لم تَجُز شهادتُهما إلا فيما يصيرُ لهما من ذلك إن أقاما على شهادتهما, وإن شهد الوارثُ لرجلٍ بوصيةٍ ألف درهم بعينها وهي الثلُث, ثم أقر لآخَرَ بعد ذلك بالثلُث -محمد: يريد: لمن يُتهَم عليه- فإنه يُقضى للأول بالألف, ولا شيءَ للثاني, والوصيةُ بعينها والثلُث في ذلك سواء.
[153/أ]
م: لأنه لم يكن كلاماً متصلاً, وإنما أقرَّ للثاني بعد أن ثَبَتتِ الوصيةُ للأول, والثاني ممن يُتهمُ فيه, فاتهم في نقل الوصية إليه, فلم تَجُز شهادتهُ له, وفي المسألة الأولى كانت شهادتُهما كلاماً متصلاً, وإنه رجع عن الأول, فلا ينبغي أن يسقط بعضُ الكلام ويُجَازَ بعضُه.
الباب السابع: في مسائل متفرقة من كتاب الأقضية لابن سحنون
[المسألة الأولى: لو شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق عبده سالم, وشهد وارثان أنه رجع عن ذلك وأوصى بعتق عبده صالح]
ومن الأقضَية لابن سحنون قال أشهبُ: ولو شهد أجنبيان أنه أوصى بعتقِ عبده سالمٍ, وشهد وارثان أنه رجع عن ذلك وأوصى بعتق عبده صالح, فإن استوت قيمتُهما جازت شهادتُهما وأعتق صالحٌ وحدَه, إلا أن يُتهَما في ولاءِ صالحٍ واسترقاق سالمٍ.
[المسألة الثانية: لو شهد أجنبيان أنه أوصى لزيدٍ بعبده ميمون, وشهد وارثان أنه رجع عن ذلك وأوصى لعمرو بمرزوق]
ولو شهد أجنبيان أنه أوصى لزيدٍ بعبده ميمون, وشهد وارثان أنه رجع عن ذلك وأوصى لعمروٍ بمرزوق, وهو ممن لا يتهمان عليه, فإن تساوت قيمةُ العبدين أو كان مرزوق أرفعَ, فالشهادة جائزةٌ, وإن زادت قيمةُ ميمون زيادة يتهمان فيها لم تَجُز الشهادة وجازت شهادةُ الأجنبيين.
[المسألة الثالثة: لو شهد الأجنبيان أنه أوصى بالثلث لزيدٍ وشهد الوارثان أنه رجع عن ذلك وأوصى به لعمرو]
ولو شهد الأجنبيان أنه أوصى بالثلُث لزيدٍ وشهد الوارثَان أنه رجع عن ذلك وأوصى به لعمرو, أو أنه أشرَكه معه فيه لجازت شهادتُهما, إلا أن يُتَّهَما في الذي شهدا له, فتبطُلُ شهادتُهما, ثم لا طلبَ للذي شهدا عليهما فيما في أيديهما, ولو لم يشهد الأجنبيان, وإنما شهد الوارثَان أنه أوصى بالثلُث لزَيدٍ, ثم رجع فأوصىَ به لعمروٍ وهما يُتهمان في عَمروٍ, فإن لم يكن معهُما ورثةٌ فيرهُما جاز ما شهدا به لعمروٍ, وإن كان معهما ورثةٌ لم تَجُز شهادتُهما إلا فيما يصيرُ لهما.
وقد
تقدمت لابن القاسم:
[المسألة الرابعة: إذا شهد رجلان أنه أعتق عبديه هذين في مرضه وقيمتُهما سواءً أو مختلفة, ولم يدع غيرَهما]
وإذا شهد رجلاَن أنه أعتق عبديه هذين في مرضه وقيمتُهما سواءٌ أو مختلفةٌ, ولم يدع غيرُهم, فلَيعتق من كل واحد منهما ثُلُثُه, وفيها قولٌ آخَرُ, وهو قول مالك: أن يسهم بينهما, فمن وقع له السهم عَتَق منه مبلغ ثُلُثهما جميعاً إن كان ذلك فيه, وإن كَمُلَ عتقُه وبقيَ منَ الثلُث شيء كان في لآخَر, وأما لو أوصى بكل عبدٍ لرجلٍ لكان لكل واحدٍ ثُلثُ ذلك العبد, بخلاف العتق عند الموت؛ لأنه خصتهُ السنةُ بالسَّهمِ.
[المسألة الخامسة: إذا شهد رجلان أن رجلا قال: إن قتلتُ فعبدي فلان حرٌ, ثم شهدا هما أو غيرُهما أنه قُتل, وشهد غيرُهما أنه مات]
قال أشهبُ: وإذا شهد رجلان أن رجلاً قال: إن قُتلتُ فعبدي فلانٌ حرٌ, ثم شهدا هما أو غيرُهما أنه قُتل, وشهد غيرُهما أنه مات موتاً, قال: يُنظَرُ إلى أعدَلِ البينتين فيُقضَى بها.
وقال سحنون: بل يُؤخَذُ ببينةِ القتل.
قال أشهبُ: وكذلك لو شهدا أنه أعتقه إن ما من مرضه هذا, أو إن قَدِمَ من سفره هذا, وأنه مات في ذلك المرض أو السفر, وشهد آخرَان أنه أفاق من ذلك المرض أو قدم من ذلك السفر, فليُؤخذ بأعدَلهما.
م: هذا إن شهدت البينةُ التي قالت: إنهُ مات في ذلك المرض أو السفر أنها
لم تفارقه في سفره ذلك أو في مرضه ذلك حتى مات, فيكونُ حينئذٍ [153/ب] تناقضاً, وإلا فالشهادةُ شهادةُ مَن قال: إنه قَدمَ من ذلك السفر وبرئ من ذلك المرض؛ إذ قد يقدم, ثم يعودُ مسافراً ثم يموتُ, وإذا قد يبرأ ثم يَمرَضُ فيموتُ ولا علمَ للآخرينَ بقدومه ولا بُرئه.
قال أشهبُ: ولو شهدا أنه أعتقه إن قُتل قتلاً وأنه ماتَ مَوتاً, وشهد آخرَان أنه قُتل قتلاً ولم يشهد على عتقه فلا عتقَ له؛ لأن شاهديه بالعتق أبطلاه عنه برفع القتل؛ كمن شهد أن فلاناً أسلف فُلاناً ألفَ درهمَ ثم قَبَضَها منه.
وإن شهد رجلان أنه قال: إن مت في سفري هذا فمتُّ في أهلي فميمون حُرٌّ, فإنه حُرٌ في ثُلُثه بكل حال, ولو كان في ذلك موضعٌ للنظر بأي الشاهدين يُعتقُ؟ لعتقُ بأعدَلهما.
وإن شهدا أنه قال: إن مت في جُمادى الآخرة ففلان حرٌ, وإن مت في رجب ففلان حُرٌ, فشهد رجلان أنه مات في جُمادى الآخرة, وشهدَ آخران أنه مات في رجب, فليُقضَ بأعدل البينتين.
[المسألة السادسة: وإن شهدا أنه قال: إن متُ من مرضي هذا فعبدي حرٌ قالا: ولا ندري هل مات من مرضه ذلك؟ وقال العبدُ: منه مات]
وإن شهدا أنه قال: إن مت من مرضي هذا فعبدي حرٌ قالا: ولا ندري هل مات من مرضه ذلك؟ وقال العبدُ: منه مات, وكذَّبهُ الورثةُ, فالقولُ قولُ الورثة مع أيمانهم؛ لأن العبدَ مُدعٍ لما يزيل ما ثَبَتَ من رقه ولو أقام بقله بينّةً, والورثةُ بقولهم بيّنةً قَضَيتُ بأعدَلهما؛ لأنهما قد تَكَاذَبَا.
[المسألة السابعة: إن قال: إن مت من مرضي هذا ففلانٌ حرٌ, وإن بَرئتُ منه ففلان الآخرُ حُرٌ]
وإن قال: إن متُّ من مرضي هذا ففلانٌ حرٌ, وإن بَرِئتُ منه ففلان الآخَرُ حُرٌّ,
فادعَى كلُّ عبد ما يُوجبُ عتقَه, وقال الورثة: قد برئ منه, فالقولُ قولُهم مع أيمانهم, ولا يَعتق إلا مَن صدقُوه, فإن أقام مَن كذَّبوه بيَّنةً ولم يُقمهَا الذينَ صدقُوهُ قُضيَ بالبينة, ثم سُئلَ الورثةُ, فإن ثَبَتُوا على قولهم وكان العبدُ الذي صدَّقوُه يخرج من ثُلُث جميع التركة عَتق عليهم, إلا أن يكونَ لم يُقر بذلك إلا بَعضُهُم فليُبَع عليهم, ويُؤمَرُ مَن أقرَّ أن يجعل حصته من ثَمَنه في عتقٍ, ولَو اشتَراه أحَدٌ منَ المقربينَ وأقام على قوله عَتق عليه, وإن أقام مَن صَدقَه الوراثةُ بيَّنةٌ أنه برئ, قُضيَ بأعدَل البينتين, فإن كانت بيَّنةُ مَن كذَّبوه أعدلَ البينتين عَتق ذلك بالبينة, والآخرُ بإقرار الورثة له, وإن كانت بينةُ مَن صدَّقوه أعدلَ, عَتَق وزال عتقُ الآخَر.
وقولُ ابن القاسم: أنه يعتق على مَن ملكه منَ الورثة المقرِّينَ, أقاموا على إقرارهم أو رَجَعُوا, وكذلك إن اختلَفَا في البَيِّنَةِ.
[الـ] بابُ [الثامن]: في البينة تشهَدُ بعتق عبدٍ فرُدَّت شهادتُهما ثم اشتراه أحدُهما.
قال المغيرةُ: مَن شهد أن فلاناً أعتَقَ عبدَه, ثم دار إلى ملك الشاهد بعد ذلك بابتياعه, فإن كان الإمَامُ رَدَّ شهادتَه لشيءٍ كَرِهَهُ منَ الشاهد, سُئل الآن, فإن أقام عليها, عَتق عليه, وإن رجع لم يَعتق, فإن لم يَرُدهُ الإمامُ [154/أ] إلا لانفراده, فالعبدُ حر عليه, والولَاءُ للمشهُودِ عَلَيه.
وقال سحنون: في الذي شهدت عليه بينةٌ أنه قال: إن متُّ من مرضي هذا فعبدي ميمونٌ حُرٌّ, وأنه ماتَ منه, وشهد آخَرَان أنه قال: إن فُقتُ منه, فعبدي مرزوق حرٌ, وأنه أفَاقَ منه, ثم مَاتَ, فإن كان البينتَان عدلتين أو في العدالة سَوَاء, فيُقضَى لميمون ويسقُطُ مرزوق.
وروى أبو زيدٍ عن ابن القاسم في العتبية: أنه يَعتقُ نصفُ ميَمون ونصفُ مَرزُوق.
ثم كتابُ الوصايا الثالث بحمد الله وعونه, وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آلهِ وصحبه وسلمَ تسليماً.
خاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات, أحمده سبحانه على ما أتم لي من نعمة إنجاز هذه الرسالة وإعداد هذا البحث, وعلى ما يسر وذلل من صعاب, تفضلاً وتكرمًا منه سبحانه, والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن والاه, وبعد:
فلعل من تمام ما قمت به من عمل في هذا البحث أن أسطر ما توصلت إليه من نتائج وتوصيات أرى أن يوجه الاهتمام إليه.
أهم النتائج التي توصلت إليها:
(1) أن تهذيب الإمام ابن يونس واختصاره للمدونة يعد أدق من تهذيب البرادعي الذي ذاع صيته في الآفاق حتى أنه كان يدعى بالمدونة.
(2) أن كتاب الجامع للإمام ابن يونس قد جمع بين دفتيه الإمام مالك وتخريجات كبار أصحابه من أقواله واجتهاداتهم الخاصة, فكتاب الجامع مصدر أصيل من مصادر الفقه المالكي.
(3) دقة الإمام ابن يونس في النقل واقتصاره على ما روي من الأقوال.
(4) أن الإمام ابن يونس رحمه الله نفذ ما أوصى به ابن أبي زيد من الجمع بين المدونة وبين نوادره وزيادته على المدونة فأصبح يستغنى بالجامع عنهما.
(5) أن كتاب الجامع للإمام ابن يونس رحمه الله تضمن مع المدونة والنوادر تعليقات أبي إسحاق التونسي على المدونة, والنكت والفروق لعبد الحق الصقلي.
(6) أن كتاب الجامع من الكتب التي اعتنت بذكر الخلاف داخل المذهب وخارجه مع الاستدلال.
(7) أن الإمام ابن يونس كان له الأثر الكبير على من جاء بعده من علماء المذهب.
التوصيات:
من التوصيات الملحة:
(1) استخراج المدونة من وسط الجامع وطبعها بمفردها, فقد هذبها الإمام ابن يونس رحمه الله أحسن تهذيب وأكمله.
(2) طبع كتاب الجامع للإمام ابن يونس رحمه بعد اكتمال تحقيقه ليتسنى للأمة الاستفادة منه.
وبعد: فإن هذا ما وفقني الله له من العمل فما أصبت فمن الله وما أخطأت فمني ومن الشيطان, واستغفر الله العظيم الكريم التواب الرحيم من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم