بالاجتهاد، لا أثلاثا ولا أنصافاً.
[المسألة الثالثة: فيمن قال ثلثي لفلان والمساكين]
قال ابن القاسم: وإن قال: ثلث مالي لفلان وللمساكين، لم يعط لفلان نصف الثلث، وليقسم بينه وبين المساكين بالاجتهاد، ومن أوصى بعتق عبده بعد موته بسنة، ولفلان بثلثه أو بمئة دينار، والعبد هو الثلث بدئ بالعتق ولم يعتق إلا بعد سنة، وخير الورثة بين أن يعطوا الثلث أو المئة للموصى له بذلك ويأخذوا الخدمة، أو يسلموا هذه الخدمة للموصى له بذلك؛ لأنها بقية الثلث، فإن سلموها فمات العبد قبل السنة عن مال فهو لأهل الوصايا، وإن لم يحمل العبد الثلث، خير الورثة بين إجازة الوصية أو العتق من العبد مبلغ الثلث بتلاً، وتسقط الوصايا.
وقاله جميع الرواة إلا أشهب.
فقال أشهب في كتبه: إذا لم يحمل الثلث العبد قيل للورثة: إن شئتم فانفذوا ما قال الميت في العبد، ثم أنتم بالخيار في دفع ما أوصى به الميت، أو إسلام خدمة ما يخرج من الثلث من العبد، إن كان نصفه فنصف الخدمة، أو فاعتقوا منه الآن محمل الثلث بتلاً، وتسقط الوصايا.
[المسألة الرأبعة: فيمن دبر عبداً في مرضه وقال لأخر إن مت أنت حر]
ومن المدونة قال مالك: ومن دبر عبداً في مرضه، وقال لآخر: إن حدث بي حدث الموت، فأنت حر، فالمدبرمبدأ.
قال سحنون: وهو قول جميع الرواة إلا أشهب.
وقال أشهب في كتبه: إنما يبدأ بالمدبر إذا كان الميت قد بدأ في لفظه بالتدبير، وأما إن بدأ بالموصى له وبالعتق ثم دبر الآخر ولم يصح من مرضه ذلك حتى مات، فإنهما يتحاصان، في الثلث وقد رجع مالك عن قوله يبدأ بالمدبر إلى أنهما يتحاصان، وعلى هذا القول لقي الله عزو وجل.
[المسألة الخامسة: فيمن باع في مرضه عبدا أو حابي فيه واعتق عبداَ له آخر وقيمته الثلث]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن باع في مرضه عبداً أوحابى فيه وقيمته الثلث، وأعتق عبداً له آخر وقيمة المعتق الثلث بدئ بالمعتق؛ لأن المحاباة وصية؛ وقد قال مالك: فيمن أوصى في مرضه بوصية وأوصى بعتق عبد إن العتق مبدأ.
[المسألة السادسة إذا اشترى المريض عبداً بمحاباة فأعتقه]
ومن كتاب العتق: وإن اشترى المريض عبداً بمحاباة فأعتقه، فالعتق مبدا على المحاباة؛ لأن المحاباة وصية، فإن بقي بعد قيمة العبد شئ من الثلث كان في المحاباة، وأن لم يبق لم يكن للبائع غير قيمته من رأس المال، وقد قال ابن القاسم أيضاَ: يبدأ بالمحاباة؛ إذ لا يتم البيع إلا بها، فكأنه أمر بتبديتها في الثلث، فإن بقي من الثلث شيئ كان ذلك في العبد، أتم ذلك عتقه أم لا.
قال سحنون: وهذا القول أحسن من الأول.
[الباب الثلاثون]: تعطيل مسائل التبدية المرتبة المتقدم لذكرها
.
قال بعض أصحابنا: وجه قول ابن القاسم يبدأ المدبر في الصحة على صداق المنكوحة في المرض؛ فلأنه وجب له عقد في وقت كان له التصرف في جميع ماله وهو الصحة، وصداق المنكوحة في المرض إنما وجب لها في المرض الذي هو ممنوع فيه من ثلثي ماله فقوي حكم المدبر لهذا، والله أعلم؛ وأيضاً، فإن النكاح [124/أ] ابتدأة اختياراً بعد وجوب التدبير، فليس له أن يحدث عليه في مرضه حدثا يبطله وينقصه عما وجب له.
ووجه قوله يبدأ بصداق المنكوحة في المرض؛ فلأنه أشبه باب المعاوضة لأخذ المريض بضع الزوجة بالصداق الواجب لها، وأيضاً، فإن بعض الناس يراه كسائر البياعات ويجيزه ويجعل الصداق فيه من رأس المال، وهو إذا صح عندنا كان الصداق عليه من رأس المال، والمدبر إنما مصيره في الثلث على كل حال، فوجب لما قدمناه أن يكون الصداق أقوى، والله أعلم.
ووجه قوله يتحاصان؛ فلما قدمناه من ترجح وجه كل قولٍ وكأنهما تساويا عنده فرأى العدل بينهما التحاصص، والله أعلم.
ثم بعدهما الزكاة، وإنما ضعف حكمها عنهما؛ لأن وجوبها إنما هو معلوم من جهتة، ونحن لا ندري أصدق في ذلك أم كذب؟ وما قدمناه ثابت بالبينة، فهو أقوى؛ وأيضاً، فإن لهذين طالباً معيناً مستحقاً لهما، والزكاة يستحقها
المساكين وهم غير معينين.
وقال أشهب: إن الزكاة لا تبدأ على الوصايا.
ووجه هذا: أن الموصي إنما قصد أن تكون من رأس المال؛ فأشبه قوله: كنت أعتقت عبدي في صحتي، فلا ينفذ من ثلث ولا رأس مال على أحد القولين، وقال ابن القاسم: إنه من الثلث غير مبدأ، فلعل أشهب بنى الزكاة على هذا.
ثم زكاة الفطر، وإنما بدئت على كفارة القتل والظهارة؛ لأن هذا هو أدخله على نفسه؛ مع الاختلاف أن زكاة الفطر مفروضة.
ثم العتق في الظهار وقتل النفس، ووجه تبدية الزكاة عليهما، لأن فيهما العوض عن العتق في العدم وهو الصوم، ولا عوض في الزكاة، ولا بد من نفاذها فهي أقوى.
ووجه قوله: يبدأ بعتق قتل النفس؛ لأن عتق الظهار منه عوض في المال، وهو الاطعام، وعتق قتل النفس لا بدل منه في المال.
ووجه قوله: يتحاصان.
فلأنهما جمعا في كفارة، وقد استويا في العدم في الصوم، فوجب أن يستويا في المال.
ووجه من قال: يقرع بينهما؛ فلأنه لا يجزي عتق بعض رقبة عن كل واحد منهما، فأقرع بينهما ليصح العتق لأحدهما؛ إذ ليس هو مقدماً حقيقة، فمن طار له السهم، فالله عز وجل أعطاه وأحرم صاحبه؛ كمن أوصى بعتق عبيده أو أبتل عتقهم في مرضه ولم يحملهم الثلث، فلما استوى حكمهم أقرع بينهم.
ثم كفارة اليمين، وإنما بدئ العتق في الظهار وقتل النفس عليها؛ لأن كفارة اليمين هو فيها مخير بين العتق والإطعام والكسوة، وفي الظهار والقتل هو مقصور على العتق، ولا ينتقل عنه إلا بالعدم، وأيضاً فإن بدلهما في الصوم أكثر من بدل
كفارة اليمين، فبان أنهما أقوى، فبدئا لهذا.
ثم كفارة الوطء في رمضان، وإنما بدئ بالكفارة عليها؛ لأنها واجبة بكتاب الله عز وجل، وكفارة رمضان واجبة بالسنة، فهي أضعف؛ وكفارة الإطعام في قضاء رمضان دونها؛ لأنها باجتهاد العلماء.
ثم المدبر والمبتل في المرض معاً؛ وإنما بدئ بالإطعام عن رمضان عليهما؛ لأنه واجب بنص السنة، وهو عوض من الفرض؛ والتدبير والتبتيل هو اختياره، وأراد إدخال النقص على ما لزمه، فمنع من ذلك.
ثم الموصي بعتقه بعينه وهو في ملكه أو أن يشتري فيعتق أو إلى أجل قريب أو على مال يتعجله، يتحاصان في ضيق الثلث؛ لأنهم في رتبته؛ وإنما بدئ المبتل والمدبر في المرض على هؤلاء؛ لأن له الرجوع فيهم [124/ ب] والتبتيل والتدبير قد لزمه لا يستطيع الرجوع عنه.
ثم المعتق بعد موته بسنة، وإنما بدئ هؤلاء عليه؛ إذ قد يهلك قبل السنة فلا يصيبه عتق، وهؤلاء عتقهم ناجز.
ثم الموصي أن يكاتب أو على مال فلم يعجله؛ وإنما بدئ المعتق إلى سنة
عليهما؛ لأنه بتله ولا عجز فيه.
وإن بعد أجل عتقه كالعشر سنين ونحوها تحاصوا لكثرة الغرر في أن لا يصيبه العتق؛ إذ قد يهلك قبل تمام الأجل؛ وإذ قد يعجز هذا أو يهلك قبل الأداء، فكأنهم تساووا في الغرر.
ثم النذر عند ابن مناس، وعند أبي محمد هو قبل المبتل والمدبر في المرض.
فوجه قول أبي محمد أن النذر شئ أوجبه على نفسه في الصحة، فلا يدخل عليه في المرض مختاراً ما يبطله أو ينقصه من قدره.
ووجه قول أبي موسى بن مناس: إن كان أراد النذر في الصحة، فلأنه لما فرط في إخراجه حتى أوصى به بعد موته أشبه الوصايا، والعتق مبدأ على الوصايا.
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن يكون أبو محمد أراد: إن كان النذر في الصحة، وأبن مناس أراد: إن كان النذر في المرض.
وذلك محتمل.
وإنما بدئ النذر على الوصايا والعتق غير المعين والحج؛ لأنه شيء أوجبه على نفسه ولا يستطيع الرجوع عنه، وله ان يرجع في هذه الوصايا.
وإنما بدئ بالرقبة غير المعينة على الحج في أحد قوليه: لأن الحج عمل بدن، وقد كره أن يعمل أحد عن أحد، وبالله التوفيق.
تم كتاب الوصايا الأول بحمد الله وحسن عونه