[الباب الثاني عشر]: في الوصي يقبل الوصية ثم يبدو له،
وكيف إن قبل بعضها
قال مالك: وإذا قبل الوصي الوصية في حياة الموصي فلا رجوع له بعد موته.
محمد: قال أشهب: ولو قبلها في حياته ثم بدا له قبل موته فذلك له؛ لأنه لم يغُره؛ لأن هذا يقدر على الاستبدال.
قال أشهب ولو قبل الوصية بعد موت الموصي أو جاء منه ما يدل على رضاه من البيع والاشتراء لهم مما يصلحهم والاقتضاء أو القضاء عنهم وغير ذلك لزمته الوصية.
وإذا أبى من قبولها في حياته وأبى منها أيضاً بعد مماته، ثم أراد قبولها فليس له ذلك إلا أن يجعله السلطان لحسن [111/ب] نظره.
قال ابن حبيب عن أصبغ: في الرجل يُوكله السلطان بالنظر لليتيم فيقبل ذلك منه، فليس له أن يعتزل ذلك، عُزِل ذلك السلطان أو لم يُعزل، إلا أن يُزيله السلطان على وجه النظر ويولي غيره لحُسن نظره.
م: وهذا خلاف ما تقدم لأشهب إذا قبل الوصية في حياة الموصي، ثم بدا له في حياته قال ذلك له ذلك له؛ لأنه لم يغره، لأنه يقدر على الاستبدال؛ لأن رضاه للسلطان كرضاه للموصي.
ومن العتبية روي أصبغ عن ابن وهب: فيمن أوصى إلى رجل بوصية وبما كان وصياً عليه فقبل وصيته في نفسه ولم يقبل ما كان عليه وصياً،
قال فذلك له، وليقم الإمام من يلي أمر الأول.
قال أصبغ: وصية الأول هي من وصية الثاني، فإما قبل الجميع أو ترك، فإن قبل بعضها فهو قبول للجميع وتلزمه كلها.
م: والذي أرى: أن يقول له الإمام: إما أن تقبل الجميع أو تدع الجميع؛ ألا ترى أن للإمام أن يقره على ما قبل، ويقيم من يلي وصية الأول، فذلك له.
[الباب الثالث عشر]: في الوصية إلى غير العدل أو إلى كافر،
ووصية الكافر إليهم، ووصية الرجل على مكاتبه أو عبده
[(1) فصل: في الوصية إلى غير العدل أو الكافر]
قال ابن القاسم قال مالك: لا يجوز إسناد الوصية إلى غير عدل، ويُعزل إن أوصى إليه.
محمد: وقاله مالك وأصحابه قال فيه وفي المدونة: لا تجوز الوصية إلى ذمي؛ لأنه غير عدل.
قال محمد: ولا يجوز إلى حربي وهو أشد، قال أبن القاسم وأشهب.
ومن العتبية قال ابن القاسم: وكره مالك الوصية إلى اليهودي والنصراني، وكان قد أجازه قبل ذلك.
قال ابن القاسم: وإذا كان على صلة الرحم [مثل أن] يكون أخوه أو أبوه نصرانياً أو أخواله، فيصل رحمهم، فلا بأس به وهو حسن، وأما لغير هذا فلا.
قال عنه عيسى: وأما الأباعد فلا يعجبني.
قال ابن المواز وابن عبدوس: ولا يجوز أن يوصي إلى صبي أو ضعيف أو معتوه أو مأبون، ولا يجوز ذلك من النصارى إذا كانوا بهذه الأحوال.
محمد: قال ابن القاسم وأشهب: ومن أوصى إلى محمد في قذف، فذلك جائز إذا كانت منه فلتة، وكان ممن تُرضى حاله- وإن لم يتبين حُسن حاله- إذا كان يوم حُد غير مسخوط، فأما من حد في زنا أو سرقة أو خمر فلا يقع في مثل هذا من له ورع؛ فلا تجوز الوصية إليه إلا أن تحدث له توبة وتورع يُعرف فضله فيه، فتجوز الوصية إليه.
[(2) فصل: في وصية الكافر إلى المسلم والكافر]
قال: وتجوز وصية الذمي إلى الذمي؛ لأنه على ملته.
قال أشهب: ولو أوصى ذمي إلى حربي لم يجز، ولو كان مستأمنا، ولو أوصى الحربي المستأمن إلى ذمي جاز، قال: وتجوز وصية الحربي والذمي إلى المسلم.
قال فيه وفي المدونة مالك وابن القاسم: وإذا أوصي ذمي إلى مسلم فإن لم يكن في تركته خمر أو خنازير، ولم يخف أن يُلزم بالجزية، فلا بأس بذلك.
محمد: وقال أشهب: أنا أكرهه خوفا أن يلزم بالجزية وليس ببين في الكراهية، ولو قبل لجاز ولزمته، وإن كان غير ذلك فلا بأس به، وإن يكن فيها خمر وخنازير فتكون الوصية فيما سوى الخمر والخنازير.
ابن حبيب قال ابن الماجشون: وأما الذمي يوصي إلى الذمي وفى تركته خمر وخنازير وغيره مما يستحلونهن فلا أمنعه قسمته بينهم.
[(3) فصل: في وصية الرجل إلى مكاتبه أو عبده]
قال ابن القاسم: ومن أسند وصيته إلى مكاتبه أو عبده جاز ذلك، فإن كان في الورثة أكابر فقالوا: نحن نبيع العبد ونأخذ حقنا، اُشترِ يَ للأصاغر حصة الأكابر منه إن كان لهم مال يحمل ذلك فيكون العبد وصياً، وإن لم يكن في مالهم ما يحمل ذلك وأضر بهم بيعه، باع الأكابر حصته منه خاصة وتُرك حظ الأصاغر في العبد يُقَوم عليهم إلا أن يضر ذلك بالأكابر ويأبوا، فيقضى على الأصاغر بالبيع معهم.
[الباب الرابع عشر] في: فعل أحد الوصيين واقتسامهما المال
[(1) فصل في: الوصيين يتصرف أحدهما دون الأخر]
قال مالك: ومن أوصى إلى وصيين [112/أ] فليس لأحدهما أن يُزوج دون صاحبه إلا أن يوكله صاحبه فإن اختلفا نظر السلطان في ذلك.
قال ابن القاسم: ولا يجوز لأحدهما بيع ولا شراء ولا أمر دون الآخر.
قال غيره: لأن إلى كل واحد منهما ما إلى صاحبه، وكأنهما في فعلهما فعل واحد.
[(2) فصل في: اقتسام الوصيين المال وفي مخاصمة أحدهما وإقامة البينة دون الأخر.
المسألة الأولى في: اقتسام الوصيين المال]
قال ابن وهب قال مالك: وإذا أوصى رجل إلى قوم فلا يقتسمون ماله، ويكون عند أفضلهم.
قال عنه ابن القاسم: وإذا اختلف الوصيان عند يكون المال منهما' فليجعل عند أعدلهما ولا يقسم بينهما.
قال ابن القاسم: فإن استويا في العدالة جعله الإمام عند أحرزهما وأكفئهما.
قلت: أرأيت: إن أخذ أحدهما بعض الصبيان عنده، وقسما المال، وأخذ كل واحد منهما حظ من عنده من الصبيان، قال: قد أخبرتك أم مالكاً قال:
لا يقسم المال ويكون عند أعدلهما.
قال ابن حبيب في كتاب الصدقات قال ابن الماجشون: إذا اقتسم الوصيان المال ضمناه، فإن هلك ما بيد أحدهما ضمنه صاحبه حين أسلمه إليه.
وقال أشهب في كُتبه: لو اقتسماه لم يضمناه؛ لأم الموصي قد علم أنه لا بد أن يلي ذلك أحدهما.
[المسألة الثانية: في مخاصمة أحد الوصيين خصماء الميت دون الآخر وفي إقامة البينة]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يخاصم أحد الوصيين خصماء للميت إلا مع صاحبه، ومن ادعى على الميت دعوى وأحدهما غائب، فليقم المدعي البينة ويُثبت حقه قدر على أحد الوصيين أو لم يقدر، ولأنا نقضي على الغائب، فإن جاء بالوصي الغائب بعد ما قضى القاضي على هذا الوصي الحاضر فكانت له حجة على الميت جهلها الوصي الحاضر، نظر في ذلك القاضي، فإن رأى ما يدفع به حجة هذا المستحق دفعها، ورد الحق إلى ورثة الميت، وإن لم يرد ذلك أنفذه.
[الباب الخامس عشر]: في بيع الوصي وشرائه وتأخيره بالدين
وحوالته به، [وفي أكل الوصي من مال التيم]
قال مالك: ولا يبيع الوصي عقار اليتامى إلا أن يكون ذلك وجه نظر، مثل أن يكون داراً ليس في غلتها ما يحملهم ولا مال لليتامى يُنفق عليهم منه، أو يجاوره ملك يحتاج إليها فيُرغبه في الثمن فيُعطي بها ثمناً فيه غبطة وما أشبه ذلك، فلا بأس حينئذ ببيعها، وأما على غير ذلك فلا.
قال عنه علي في المجموعة: لا يباع ربعهم إلا ثلاثة وجوه: في دين على الميت، أو في حاجة، أو خوفاً أن يخرب.
م: قال بعض أصحابنا: وللأب أن يبيع على ابنه الصغير عقاره ولا يُعرض عليه بخلاف الوصي، قال ولا يهب الوصي ربع الصغير للثواب، لأن الهبة للثواب إذا فاتت بيد الموهوب إنما عليه قيمتها وهو لا يبيع بالقيمة سواء، وللأب أن يهب مال ولده للثواب بخلاف الوصي؛ لأن الوصي إنما هو بسبب الوالد، فهو أضعف حكما منه.
م: والوصي العدل كالأب يجوز له ما جاز للأب؛ لأنه أقامه مقام نفسه، ولا يجوز للأب أن يبيع عقار ولده إلا لوجه نظر، كما قال في الوصي.
والله أعلم
ومن المدونة قال مالك: وعبد اليتامى إذا أحسن عليهم القيام، وحاط عليهم، فليس للوصي أن يبيعه إذا كان بهذه المنزلة.
قال مالك: ولا يشتري الوصي لنفسه من تركة الميت ولا يدس أو يوكل من يشتري له، وكان ينكر ذلك إنكاراً شديداً، قيل له: فإن فعل؟ قال: في ذلك، فإن كان فيه فضل كان لليتامى، وإن لم يكن فيه فضل تُرك في يد [112/ب] الوصي.
وأتى إلى مالك رجل من أهل البادية فسأله عن رجل أسند إليه وصيته فوجد في تركته حمارين من حُمر الأعراب، فتسوق بهما في أهل المدينة والبادية واجتهد فبلغ ثمنها ثلاثة دنانير، فأراد أخذهما لنفسه بما أعطي، فوسع له مالك في ذلك واستخفه؛ لقلة الثمن.
قال ابن القاسم: وإذا كان في الورثة أصاغر وأكابر فلا يبيع الوصي على الأصاغر التركة إلا بحضرة الأكابر، فإن كان الأكابر غُيباً بأرض نائية والتركة حيوان أو رقيق أو ثياب، فللوصي أن يبيع ذلك يجمعه ويرفع ذلك إلى الإمام حتى يأمره ويأمر من يلي معه البيع للغائب.
[(1) فصل في: تأخير الوصي الغريم بالدين وحوالته به
المسألة الأولى في: تأخير الوصي الغريم بالدين]
ولا يجوز للوصي أن يؤخر الغريم بالدين إن كان الورثة كباراً، وإن كانوا صغاراً جاز ذلك على وجه النظر لهم، ولم يُجزه غيره، وهو أشهب قال: لأنه معرف.
قال يحي: ولا يجوز تأخير الغرماء إلا أن يبرئوا ذمة الميت ويتبعوا الغريم.
م: وحكى اللبيدي عن أبي محمد أنه قال: إنما يجوز تأخير
الوصي -للحالف: لا أقضينك إلا أن تؤخرني.
والورثة صغار- ويبرأ الحالف، فذلك إذا كان على وجه النظر، مثل أن يكون الحالف لا بينة عليه فيخاف من جحوده، أو يكون كثير الدين، فغن طلبه وفلسه لم يقع للأطفال إلا بعض دينهم في الحصاص، وهو إن أخره رجاء أن يقتضي منه جميع دينهم، فإن كان لمثل هذا جاز وبريء الحالف، وإن كان تأخيره لغير وجه نظر، وإنما أخر الحالف من أجل يمينه لم يجز ذلك، ولا يبرا الحالف إلا أن يكون التأخير يسيرا مما لا ضرر على الأطفال فيه، فيبرأ الحالف ويكون مما يختلف فيه، فيقال فيه خسن نظر، ويقال: لا نظر في ذلك، فيجوز تأخير الوصي ويبرأ الحالف.
هذا معنى ما في كتاب ابن المواز، وكذلك كان شيوخنا يفسرونه.
ومن كتاب ابن المواز لأشهب: لا يؤخر الوصي بدين اليتيم إلا لوجه نظر من خوف جحود أو تفليس إن أقيم به، فيكون نظراً لليتيم، وكذلك لو وضع من دينه أو صالح عنه على هذا المعنى مما هو خير لليتيم ولو كان أمراً يرى لعض الناس أنه خير له، ولا يرى ذلك بعضهم، ففعله جائز -محمد: ما لم يفعله محاباة لم يفعله- قال: إذا كان بينا أنه ليس بنظر لم يجز ورد.
[المسألة الثانية في: قبول الوصي الحوالة بالدين]
قال أشهب في المجموعة: وله أن يبيع متاعهم بتأخير، وأن يحتال بدينهم وإن أُحيل على مُعدم ومُفلس، والآخر بين الفضل عليه في الملأ فاحتياله باطل، والدين على الأول بحاله.
[(2) فصل في: أكل الوصي من مال اليتيم]
ومن المجموعة قال ابن وهب عن مالك: أكره للوصي أن يأكل من مال اليتيم، إلا أن يصيب من اللبن والتمر والعنب.
محمد: قال مالك: لا يأكل من مال اليتيم، وقد قيل إلا أن يكون به وبماله مشغولاً فليأكل بقدر عمله إن كان محتاجاً، وإن استعفف فهو خير له.
قال: وللأب أن يأكل من مال ولده قدر ما يحكم له به، وليس كالوصي.
وقال في المجموعة: ولا أحب أن يركب دابة يتيمه ولا يتسلف ماله.
قال: ولا أحب للرجل أن يتسلف من مال بيده لغيره، وأجازه بعض الناس فرُوجع، فقال: إن كان له مال فيه وفاء وأشهد بذلك، فلا بأس به.
[الباب السادس عشر] فيمن أوصى فقال: وصيتي عند فلان
فصدقوه، أو ما قال فأنقذوه، أو ما ادعى علي فلان فأعطوه، وهل يكشف الوصي عما أنفذه؟
[(1) فصل فيمن قال: وصيتي عند فلان فأنفذوا ما فيها وصدقوه]
قال مالك رحمه الله: وإذا قال الميت: قد كتبت وصيتي وجعلتها عند فلان فأنفذوا ما فيها وصدقوه، فغنه يُصدق وينفذ ما فيها.
قال في العتبية وغيرها: فلما مات الموصي أخرج الرجل [113/أ] وصيته ولا بينة فيها غير البينة على قوله هذا، فإن كان من هي بيده عدلاً نفذ ذلك.
وقال ابن القاسم.
وقال سحنون: تنفذ الوصية كان الرجل عدلاً أو غير عدل.
قال بعض الفقهاء: وهو الأشبه؛ لأن الميت قد ائتمنه وأمر أن يٌقبل قوله، فهو كقوله: ما ادعى على فلان فصدقوه.
[(فصل فيمن قال: قد أوصيت بثلثي وأخبرت به فلاناً فصدقوه، وكيف إن قال الوصي: إنما أوصى بالثلث لابني]
قال فيهما وفي المدونة قال ابن القاسم: وكذلك إن قال: قد أوصيت بثلثي وأخبرت به الوصي فصدقوه، فإنه يُصدق.
فإن قال الوصي: إنما أوصى بالثلث لأبني.
فقال ابن القاسم: لا يصدق؛ لأن مالكاً قال فيمن أوصى فقال: يجعل فلان
ثلثي حيث يراه: أنه إن أعطاه لولد نفسه أو لقرابة له، لم يجُز إلا أن يكون لذلك وجه يُظهر صوابه.
وقال أشهب: يصدق ويُقبل قوله قال: لبني أو لنفسي؛ لأن الميت أمر بتصديقه.
قال في المجموعة وكتاب محمد: وليس هو مثل الذي يشهد لابنه، ولا مثل الذي يوصي إلى فلان أن يجعل ثُلثه حيث يرى فيجعله لنفسه، فإن فعل حسب استحقاقه لم آخذه منه.
وقال ابن القاسم.
قال: فإن قال: لولدي أوصى به.
جعلته كشاهد له وكمسألة مالك فيما إذا قال فلان يجعل ثُلثي حيث يراه.
قال محمد قال مالك في هذا: أنه لا يأخذ هو منه، وإن كان محتاجاً وإن أعطى منه ولده وكان لذلك موضعاً جاز.
[(3) فصل فيمن أوصى أن يُجعل ثلثه حيث أرى الله الوصي]
وقال ابن عبدوس روى علي عن مالك: في الذي أوصى أن يجعل ثُلثه حيث أراه الله عز وجل لا يجوز أن يُعطي ذلك أقارب الميت، ولكن يُعطيهم كما يُعطي الناس.
قال مالك: وإذا كان قد علم حين أوصاه يجعل ثُلثه حيث أه الله عز وجل أنه أراد أن يرده على بعض الورثة فلا يجوز، وليرجع كله ميراثاً.
ومن العتبية وكتاب ابن المواز قال ابن القاسم عن مالك: في الموصي إليه بالثلث يجعله حيث أراه الله، قال: ليجعله في سبيل الخير، وإن قال: اصرفه حيث شئت أو أحببت، فصرفه إلى أقارب الموصي أو أخوته، فلم يُجز ذلك الورثة، فليرجع ذلك ميراثاً.
قال ابن القاسم في العتبية: إذا جعلها في بعض ورثة الميت قيل له: اتق الله واجعلها في غيرهم.
فإن أبى رجعت ميراثاً إن لم يجزها الورثة، وليس للموصى أن يأخذ منه شيئاً ولا يأكله.
قال: ولا يجبره السلطان أن يجعلها في سبيل الله عز وجل.
قال في كتاب محمد: ويُنظر فيما فعل، فإن كان من وجه ما يتقرب الناس به، وكان في ذي حاجة فلينفذ، وإن كان في غير ذي حاجة لم يجز؛ لأن الميت إنما قصد به وجه الصدقات.
قال ابن حبيب عن أصبغ: فيمن أوصى أن يُجعل ثلثه في أفضل ما يراه وأقربه إلى الله عز وجل، هل يُعتق به رقابً؟ قال: إن سأل عن ذلك قبل أن يفعل رأيت الصدقة خيراً له.
وقال مالك: الصدقة أفضل من العتق.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الصدقة شيء عجيب))، ومع أنه يبقى في العتق الولاء لورثته، ولو جسر ففعل وأنفذه لم يُرد، كان عتقاً أو غيره، والعتق أحب إلي من الحج، وإن كان صرورة، ولو كان حياً كان الحج أولى به.
[(4) فصل فيمن قال عند موته: على ديون وفلان ابني يعلم أهلها، فمن
سمى له شيئاً فأعطوه وكيف إن قال: من ادعى على ديناً فحلفوه وأعطوه بلا بينة، أو قال: كنت أعامل فلاناً فما ادعى علي فأعطوه
ومن كتاب ابن حبيب قلت لأصبغ: فيمن قال عند كوته: علي ديون وفلان ابني يعلم أهلها، فمن سمى أن له شيئاً فأعطوه.
فإن عندنا عن ابن القاسم أنه كالشاهد [113/ب]: إن كان عدلاً حلف معه المدعي وأخذ؟ فقال أصبغ: ما هذا بشيء، ولا أعرفه من قوله، ولكن يُصدق من جعل إليه الميت التصديق، كان عدلاً أو غير عدل؛ كقول مالك فيمن قال: وصيتي عند فلان فما أخرج فيها فأنقذوه: إن ذلك نافذ وما استثنى مالك عدلاً من غير عدل؛
وكقول مالك في الذي قال: من ادعى على من دينار إلى عشرين ديناراً فافضوه بلا بينة أنه جائز، ولم يقل إن كان عدلاً، ولا يزاد هذا من ماله على أكثر من عشرين إن ادعى أخذ أكثر منها، ويعزل العشرين من رأس ماله، ولا يعجل فيها حتى يعلم من يدعي شيئاَ وليكتم ذلك ولا يفش ولو ادعاها جماعة، قال ابن القاسم: فليتحاصوا في العشرين فقط إذا ادعى كل واحد منهم أقل من عشرين، ومن ادعى عشرين فأكثر فلا شيء له إلا ببينة، ومن له بينة فهو المبدأ على صاحب العشرين، وكذلك في كتاب ابن سحنون أن صاحب البينة يبدأ على هؤلاء.
قال: وبلغني عن ابن القاسم أن من ادعى عشرين كاملة فلا شيء له وقال عن مالك: يتحاص مدعي العشرين فأقل.
وفي العتبية قال ابن القاسم عن مالك: يتحاص مدعي العشرين فأفل، ومن ادعى أكثر، فلا شيء له.
وقال محمد بن خالد عن ابن القاسم: ومن ادعى مثل ما قال الميت
أعطي ذلك في يمينه، وكذلك في كتاب ابن المواز.
[المسألة الثانية: فيمن قال: من ادعى على دينا فحلفوه وأعطوه بلا بينة]
قال ابن حبيب عن أصبغ: وأما إن قال: من ادعى علي ديناً فحلفوه وأعطوه بلا بينة، أو قال بلا يمين ولا بينة، ولم يؤقت للدين نهاية، فهذا يكون من ثلثه بخلاف الذي وقت، وقضى به ابن وهب قاضي سليمان بن عبد الله.
[المسألة الثالثة: فيمن قال: كنت أداين فلاناً أو كنت أعامل فلاناً، فما أدعى علي فأعطوه].
ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك: فيمن قال كنت أداين فلاناً وفلاناً، فهم مصدقون فيما ادعوا علي، قال: يعطون ما ادعوا بغير يمين.
وقال عنه أصبغ: إذا قال: كنت أعامل فلاناً، فما ادعى علي فأعطوه قال: يصدق في معاملة مثله، وأراه ذكره عن مالك.
قال ابن القاسم: ويكون من رأس ماله، وليس الناس في قلة المال وكثرته سواء، وإن ادعى ما لا يشبه بطلت دعواه، فلم تكن في ثلث ولا رأس مال.
وقال: يبطل ما زاد على ما يشبه معاملة مثله.
[(5) فصل في: متى يكشف الوصي عما أنفذه]
ومن العتبية والمجموعة وكتاب محمد قال مالك: فيمن أوصى بعتق أو بشئ في السبيل وغير ذلك وأسند ذلك إلى رجل، فطلب الورثة
أن ينظروا في ذلك، فإن كان الوصي وارثاً، فلباقي الورثة أن ينظروا في ذلك ويكشفوا عنه الوصي، وإن لم يكن وارثاً فلا يكشف عن شيء إلا عما يبقي للوارث نفعه من العتق الذي لهم ولاؤه، زاد ابن نافع عن مالك في المجموعة: إلا أن يكون الوصي سفيهاً مارقاً فليكشف عن ذلك كله، فرب وصي لا ينفذ من الوصية شيئاً.
[الباب السابع عشر]: في شهادة الوارث أو غيره في وصيته أو موته.
قال ابن القاسم: وإذا شهد وارثان أن أباهما أوصى إلى فلان، جاز ذلك.
قال غيره: إن لم يجرا بذلك نفعاً إلى أنفسهما جاز، فإن جرا بذلك نفعاً لم يجز.
قال ابن القاسم: وإن مات رجل فشهد على موته امرأتان ورجل، فإن لم تكن له زوجة ولا أوصى بعتق عبيد ونحوه، ولم يكن إلا مال يقسم، فشهادتهم جائزة.
قال سحنون: وقد أعلمتك ما قال غيره في شهادة النساء.
قال ابن القاسم: وإذا أقر وارث بوصية لرجل حلف معه إن كان عدلاً وقضي له، وإن نكل أخذ من حصة المقر ما يصير له من ذلك إن لم يول على المقر،
وكذلك إن [114/أ] أقر أن هذا الشيء أو العبد لفلان عند أبيه وديعة فليحلف مع شاهده إن كان عدلاً ويستحقه، فإن نكل كان له قدر ما ورث المقر من ذلك،
ومن الثاني: وإن أقر بهذا وعليه دين يغترق ماله وأنكر غرماؤه، فإن كان إقراره قبل القيام عليه بالدين جاز، وإن كان بعد ما قاموا عليه لم يجز، وكذلك إن أقر الولد بدين على أبيه أو بوديعة عند أبيه وقد مات أبوه، فإن أقر الولد بذلك بعد قيام غرماء الولد عليه لم يقبل إقراره إلا ببينة، وإقراره قبل القيام عليه جائز، فإن كان المقر له حاضراً حلف واستحق.
وفي الوصايا الثاني إيعاب هذا.
[الباب الثامن عشر] فيمن أوصى لزوجته أو لأم ولده، وكيف إن شرط إن تزوجت نزعت الوصية والحضانة منها، ومن أوصى بحمل امرأة فأسقطته
[(1) فصل: فيمن أوصى لزوجته أو لأم ولده].
قال مالك: قد أوصى عمر بن الخطاب إلى حفصة رضي الله عنهما، وأراه فعل ذلك لمكانها من رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
وسئل الك في العتيبة: فيمن أوصى لزوجته فتزوجت فخيف على المال هل تكشف؟ فقال: إن كانت لا بأس بحالها لم تكشف، وإن خيف كشفت عما قبلها، وإن عزلت الولد في بيت وأقامت لهم خادماًَ وما يصلحهم فهي أولى بهم أيضاً، وإن لم تفعل نزعوا منها؟.
قال أبو محمد: أراه من باب الولاية بالوصية، فلذلك لم يمنعها الحضانة كما منعها إياها بالتزويج إذا لم تكن لهم وصية وكان لهم من يحضنهم، وهذه الأم الوصية تتزوج، فإن لم تكن لها أم ولا أخت فهي أحق من العصبة بالولد، لأن ولاء من الوصية.
محمد: قال ابن القاسم: وأما المال فوجه ما سمعت منه أن ينظر إلى حالها، فإن رضي حالها وسيرتها والمال يسير، لم يؤخذ منها.
محمد: ولم تكشف، وأما إن كان المال كثيراً وهي مقلة وخيف من ناحيتها نزع المال منها.
وقاله ابن القاسم، وهي على الوصية على كل حال إلا أن تكون مبرزة في إبقاء المال عندها بعد النجاح في الحزم والدين
والحرز والستر، فيقر بيدها.
[(2) فصل فيمن أوصى لامرأته وقال: إن تزوجت فانزعوا الولد والمال منها]
قال مالك: وإن قال الميت: إن تزوجت فانزعوا الولد منها فأرادت النكاح فإن عزلتهم في مكان عندها مع خادم ونفقة فهي أولى بهم، وإلا نزعوا منها.
محمد: لأن الميت لم يقل: إن تزوجت فلا وصية لها، إنما قال: ينزعون منها، فالوصية لها قائمة بعد، فإن عزلتهم في حرز وكفاية لم يؤخذوا منها, وأما المال فقد فسر ابن القاسم أمره تفسيراً حسناً.
ومن المدونة قال مالك: ومن أسند وصيتة إلى زوجته على ألا تتزوج، فتزوجت، فلتفسخ وصيتها.
قال ابن القاسم: وكذلك لو أوصى لأم ولده بألف درهم على ألا تتزوج فأخذتها، فإن تزوجت أخذت منها.
م: كما جاز أن تعطي المرأة زوجها مالاً على ألا يتزوج عليها وإن كان ذلك حلالاً لهما، إلا أنهما منعا أنفسهما من الانتفاع بالنكاح لانتفاعهما بما أخذا من المال، فمتى رجعا عن ذلك، رجع عليهما بما أخذاه.
[(3) فصل فيمن أوصى بحمل امرأة فأسقطته بعد موت الموصى]
قال مالك: ومن أوصى بحمل امرأة فأسقطته بعد موت الموصى، فلا شيء له، إلا أن يستهل صارخاً.
[الباب التاسع عشر] في دعوى الوصى دفع أموال اليتامى والنفقة عليهم
.
[(1) فصل في دعوى الوصي دفع أموال اليتامى]
قال مالك رحمه الله: وإذا قال الوصي: دفعت إلى الإيتام بعد البلوغ والرشد أموالهم فأنكروا [114/ب] لم يصدق إلا ببينة وإلا غرم، وقد قال الله سبحانه وتعالى: (فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا).
م: لأنه وإن كان مؤتمناً فقد دفع إلى غير من ائتمنه، فعليه البينة بالدفع.
قال ابن المواز قال مالك: إلا أن يطول زمان ذلك، مثل ثلاثين سنة وعشرين سنة يقيمون معه ولا يطلبونه ولا يسألونه عن شيء، ثم يطلبونه الآن، فإنما عليه اليمين: لقد دفع إليهم أموالهم.
م: لأن العرف قبض أموالهم إذا رشدوا، فإذا أقاموا زماناً طويلاً لا يطلبونه صاروا مدعين لغير العرف، وهو مدع العرف، فكان القول قوله مع يمينه، كما قالوا في البياعات بغير اكتئاب وثائق إذا مضى من الزمان ما العادة فيه أن لا يتأخر البائعون إليه عن قبض أثمانهم: إن القول قول المشتري مع يمينه.
[(2) فصل في الوصي يقول: أنفقت عليهم وهم صغار].
ومن المدونة قال مالك: ولو قال: أنفقت عليهم وهم صغار، فإن كانوا في حجرة يليهم، فالقول قوله ما لم يأت بأمر يستنكر، أو بسرف من النفقة.
قال [في كتاب] محمد: إن كانوا في عياله أو عند غيره فكان يرى ينفق
عليهم ويكسوهم، فإنه ينظر فيما زعم أنه أنفق عليهم في تلك المدة، فإن كان سداداً أو زيادة اليسيرة حلف وكان مصدقاً، وإن جاء بسرف لم يحسب له من ذلك إلا السداد، كما لو كان على السرف بينة لم يحسب له من ذلك إلا السداد.
وقاله ابن القاسم عن مالك.
قال فيه وفي المدونة: وإن كان يليهم غيره مثلهم أمهم وأختهم أو غيرهما، فقال: أنفقت عليهم أو دفعت النفقة إلى من يليهم، وأنكروا، لم يصدق إلا ببينة، وإلا غرم.
[(3) فصل في كيفية إنفاق الوصي على الأيتام]
ومن العتبية قال أشهب عن مالك: وينفق الوصي على الأيتام على كل إنسان منهم بقدره من مصابته، ليس الصغير كالكبير.
محمد: قال ربيعة: وليوسع ولا يضيق، وربما قال: وله أن يشتري لهم بعض ما يلهون به، وذلك مما تطيب به نفسه وتشتهيه.
قال مالك: وإن كانت لهم سعة فليوسع عليهم ولا ينظر إلى صغير، فرب صغير أكثر نفقة من كبير.
ومن المجموعة قال مالك: وله أن يحجهم قبل أن يبلغوا، وهو خير في أدبهم، وله أن يحجهم بعد حجة الإسلام بعد بلوغهم.
قال ابن كنانة: وله أن ينفق على عرس اليتيم ما يصلح من صنيع وطيب
ومصلحة بقدر حاله وحال من تزوج إليه، وبقدر ذلك من كثرة ماله، وكذلك في ختانه، فإن خشي أن يتهم، رفع ذلك إلى الإمام فيأمره بالقصد من نحو ما ذكرنا.
قال مالك في العتبية: وإذا زوج يتيمه وأنفق على ابتنائه أو في ختانه النفقة العظيمة، فأما الصنيع المعروف من غير سرف جائز، وأما ما أنفق في الباطل وعلى اللاعبين فلا يلازم اليتيم.
قال عنه محمد: ولو أنفق عليهم سرفاً لم يحسب منه إلا السداد ويضمن السرف، وليزك مال يتيمه، ويخرج عنه وعن عبيده زكاة الفطر ويضحي عنه.
قال أبو محمد: وهذا إذا أمن آن يتعقب بأمر من اختلاف الناس، أو كان شيئاً يخفى له.
[الباب العشرون]: في الموصى بعتقها إلى أجل تلد أو تجني أو يجنى عليها أو يعجل أحد الورثة عتقها
.
[(1) فصل فيما تلده الموصى بعتقها إلى أجل قبل الأجل]
قال ابن القاسم: ومن أوصى بعتق أمته بعد موته بسنة، والثلث يحملها فما ولدت بعد موته وقبل مضي [115/أ] السنة فهو بمنزلتها يعتقون بعتقها، وأرش جراحها وقيمتها إن قتلت قبل السنة للورثة وتقوم كالآمة، وما أفادت بعطية أو اكتسبت من الأموال فهو لها مقر بيدها ولا ينتزعونه.
وقال غيره أيضاً: يتنزعونه ما لم يقرب الأجل.
م: لأنهم حلوا محل ميتهم.
وقال سحنون: لا يتنزعونه؛ لأنها به قومت في الثلث.
[(2) فصل: في الموصى بعتقها إلى أجل تجني]
قال ابن القاسم: وإن جنت خير الورثة، فإما فدوا الخدمة بجميع أرش الجناية أو يسلموا الخدمة للمجني عليه ويقاص بها في الجناية، فإن أوفت قبل السنة رجعت تخدم الورثة بقية السنة، وإن مضت السنة وقد بقى من أرش الجناية شيء عتقت وأتبعت بما بقي في ذمتها.
م: وأما من أعتق في صحته أمة إلى أجل، ثم مات فالأصوب من هذه أن يتنزعوا مالها، وهي أبين من الأولى، وله هو إذا مرض ان يتنزعه ولورثته بعد
موته؛ لأنها غير مقومة بمالها؛ لأنها معتقة إلى أجل في الصحة لا يغير ذلك مرضه ولا موته.
[(3) فصل: في تعجيل أحد الورثة عتق الموصى بعتقها إلى أجل]
ومن المدونة قال مالك: ومن أوصى بعتق أمته بعد موته بخمس سنين، والثلث يحملها وترك وارثا واحداً، فعجل الوارث عتقها قبل الأجل، جاز ذلك وهو وضع خدمة، والعتق من الميت لا من الوارث.
قال ابن القاسم: وليس للوارث بعد ما أعتقها أن يردها تخدمه إلى الأجل؛ لان عتقه إياها هبة لها منه خدمتها، وإن كانا وارثين فأعتقها أحدهما قبل الأجل فعتقه هاهنا وضع الخدمة، فيوضع عن الأمة حق هذا من الخدمة، ويكون نصيبه منها حراً، ولا يضمن لصاحبه قيمة خدمته منها، وتخدم هي الآخر نصف خدمتها إلى تمام الأجل، ثم تخرج حرة.
[الباب الواحد والعشرون] فيمن أوصى إلى عبده بثلث ماله أو بثلث نفسيه أو أن يعتق ثلثه أو بدنانير أقل من الثلث أو أكثر من التركة أو من ثمنه
.
[(1) فصل: فيمن أوصى لعبده بثلث ماله]
قال مالك رحمه الله: ومن أوصى لعبده بثلث ماله وقيمته الثلث عتق جمعيه، ويقوم بماله.
م: وذلك أن ثلثه معتق، لأنه ملك ثلث نفسه بالوصية وملك ثلث التركة، فيقوم ثلثاه فيما ملك من المال منها.
وقال مالك: وإن كان العبد أقل من الثلث أعطى ما فضل من الثلث بعد رقبته، وإن كان أكثر من الثلث أعتق منه محمل الثلث.
قال ابن القاسم: وإذا لم يحمله الثلث وكان مع العبد مال استتم منه عتقه ولو لم يعتق فيما في يده من ماله ما عتق فيما بقي من ثلث سيده الذي بعد رقبته.
م: وإذا جاز أن يقوم ثلثاه في بقية الثلث جاز أن يقوم فيها في يديه؛
لأن ذلك كله مال له.
وقال ابن القاسم في المستخرجة: وإنما يستتم عليه عتق بقية رقبته؛ لأنه حين عتق عليه من نفسه شقص صار بمنزلة من أعتق شركاً له في عبد، فكان يقوم عليه، فالذي يعتق عليه شقص من نفسه أحرى أن يقوم عليه ما بقى من نفسه فيما يملك وهو قول مالك.
وعند ابن وهب لا يقوم في ماله، ويرق البقية منه.
وعند المغيرة لا يعتق إلا ثلثه فقط؛ لأن ما ملك من ثلث نفسه لا يملك رده فأشبه من ملك بعض من يعتق عليه بميراث أنه لا يقوم عليه البقية؛ لأنه لايقدر على رد ما ورث، فكذلك ما أوصى له به من ثلث نفسه لا يقدر على رده، فلا يقوم بقيته على نفسه.
قال عيسى عن ابن القاسم: وإن أوصى بعتق ربع عبده لم يقوم على العبد باقية؛ لأن السيد هو المعتق بخلاف أن لو أوصى لعبده بربع نفسه هذا يعتق ربعه ويقوم باقيه على نفسه.
[115/ب].
قال مالك: لأنه لو كان العبد بين اثنين فأعتق أحدهما مصابته لقوم عليه الباقي، فالعبد إذا ملك بعض نفسه أحرى أن يقوم عليه ما بقي منه.
ومن المدونة قال ابن وهب: قال مالك: إذا أوصى لعبده بثلث ماله أو بسدسه جعل ذلك في رقبة العبد، فإن كان قيمة العبد السدس خرج حرا وإن لم يترك إلا العبد وأوصى له بثلث ماله، وفي يد العبد ألف دينار، فلا يعتق من العبد إلا الثلث ويكون المال بيده على هيئته.
وقال بعض كبار أصحاب مالك.
قال سحنون: وهو أصح؛ لأنه من أعتق بعضه لا يحكم في ماله بغير إذن من له فيف الرق.
[(2): فصل: [فيمن أوصى لعبده بمال]
قال مالك: وإن أوصى لعبد نفسه بمال، كان العبد إن حمله الثلث، وليس للورثة انتزاعه، فإن باعه الورثة، فليبعوه بماله، ولمن اشتراه انتزاعه.
م: والفرق بين الوارث والمشتري أن الوارث إذا انتزعه عادت الوصية ميراثاً، فصار لم ينفذ وصية الميت، وإذا باعه الورثة بماله فقد أعطى العبد ما أوصى له به ونفذت الوصية فلا يراعي بعد، انتزعته المشتري أو لم يتنزعه.
وقال سحنون في المستخرجة: وإنما يعطي العبد ما أوصى له به من الدنانير إذا كانت أقل من الثلث، فأما إن كانت أكثر من الثلث فليعتق فيها، ويصير كالموصى له بالثلث أو بجزء من ماله، وهو معنى قول ابن القاسم عندي، وهي مسألة جيدة.
وقال أصبغ كقول سحنون.
وقاله ابن المواز.
وقاله ابن حبيب عن أصبغ قال: وهذا استحسان.
م: وهذا كله إذا لم يجز الورثة فيقطع له بجميع ثلث الميت ويصير كمن أوصى له بجميع الثلث، وأما لو أجاز له الورثة ما أوصى له به من المال وكان ما بقى من التركة غير العبد يحمل ذلك المال لجاز، وبقي رقيقاً، والمال بيده؛ لأن من حجة الورثة أن يجيزوا له الوصية ثم يبيعوه بماله فيزيد ذلك في ثمنه، ثم يرثوا ذلك خير لهم من أن يمضي عليهم خروج الثلث أجمع، وروى أبن حبيب عن أصبغ كقول سحنون.
قال: وهذا استحسان، والقياس أن يعطي من نفسه ثلثها ومن كل شيء ثلثه إذا عالت الوصية على الثلث ولم يجز الورثة.
ومن كتاب ابن المواز: ومن أوصى لعبده بخمسة وعشرين ديناراً، فكانت تخرج من الثلث، فإن وجدت الخمسة والعشرون حاضرة ولم يحتج منها إلى شيء من ثمن العبد، لم يكن في ذلك عتق، وإن لم توجد إلا أربعة وعشرون والثلث خمسة وعشرون فلا يتم الثلث إلا من العبد، رجع ذلك كله عتقاً، فيعتق من العبد جميع ثلث الميت، وكذلك إن أوصى لعبده بدرهم أو بدينار واحد ولم يقل من ثمنه وليس له غير العبد، فليعتق منه قدر ذلك من ثمنه، فإن كان ذلك عشر ثمنه أو نصف عشر ثمنه عتق منه عشرة أو نصف عشرة،
وكذلك إن أوصى له بدنانير أو دراهم كثيرة، فإن كان للميت سوى العبد قيمة عدد ما أوصى به وذلك يخرج من الثلث، فلا عتق للعبد ويأخذ وصيته، وإن لم يكن فيما سوى العبد ما يحمل وصيته إلا أن وصيته تخرج من الثلث؛ لأن العبد أكثر من الثلين بمقدار ما؟ وإن قل فهذا ترجع الوصية في رقبته فيعتق بها.
محمد: لأنه على نفسه عتق حين ملك بعض نفسه، فإن فضل له من الثلث شئ عن رقبته أخذه، وإن بخس ثلثه عن عتق جميعه، عتق مبلغ الثلث من جميع التركة أو مبلغ وصيته أقلهما، فإن قال الورثة: نحن نعطي العبد ما أوصي له به من عدد الدراهم أو الدنانير ولا يعتق شيء منه فليس ذلك لهم؛ إذ لا نفع لهم في ذلك، وكما لو قالوا: نبيعه ونعطيه من ثمنه؛ لأن الوصية صارت فيه، فهم مضارون يأبون [116/أ] أن يعتقوا بالوصية ويصير لهم الولاء، فقد طلبوا ما يضر بهم وبالعبد.
وقال في المجموعة: فيمن أوصى لعبده بخمسين ديناراً وليس له غيره وثلثه لا يفي بالخمسين، فطلب الورثة بيعه ويعطونه ثلث ثمنه، وقال هو: بل يعتق ثلثي، قال: يعتق ثلثه إلا أن يعطيه الورثة الخمسين.
م: وهذا ينحو إلى ما قال أبن حبيب عن أصبغ أنه القياس، أن الورثة يخيرون في أن يعطوه الخمسين أو يعتقوا ثلثه.
وقال أشهب: إذا أوصى لعبده بمال أو بشئ بعينه فيه قدر ثلثه فأقل، فليس له غيره ولا عتق له، وإن جاوز الثلث أخذ منه قدر الثلث ولا عتق له؛ إذ لم يوص له في نفسه بشئ.
قال: وإن أوصى له بسكني داره حياته، أو غلة حائطه، وذلك يخرج من الثلث، فذلك له ولا عتق له، وإن لم يخرج من الثلث خير الورثة بين إنفاذ ذلك أو يقطعوا له بالثلث فيعتق فيه حينئذ ويأخذ فضلاً إن كان، ويصير كما لو أوصى له بالثلث.
م: وهذا الذي ذكر أشهب فيما أوصى له بشئ بعينه أكثر من الثلث أنه يقطع له فيه بقدر الثلث، هو على أحد قولي مالك في المدونة فيما إذا أوصى لرجل بشئ بعينه، فقال فيه: علي ثلثه.
قال أشهب: وكان لمالك في مقاسمة الورثة سائر المال قولان:
أحدهما: يكون له ثلث نفسه وثلث باقي التركة، فيعتق فيه باقية بعد عتق ثلث نفسه، ويأخذ الورثة ثلثي قيمته عيناً.
والقول الآخر: أن يعتق كله من الثلث، فإن كان هو نصف الثلث شارك الورثة بخمس ما بقي، وهذا أحب إلينا.
قال: وكذلك هذان القولان فيمن أوصى لعبده بثلث ماله أنه يعتق ثلث العبد، ويستتم عليه باقيه فيما ملك من بقية الثلث، وفي مال إن كان للعبد قبل ذلك، وكذلك قال ابن القاسم.
قال أشهب: والقول الآخر أن يعتق كله في الثلث في بقية ما أوصى له به، وما زاد كان به شريكا ً للورثة كما ذكرنا، وإن نقص لم يستتم في مال كان له قبل ذلك؛ لأن الورثة شركاؤه في ذلك المال، وإنما له فيه الكسوة والنفقة بالمعروف، ولا يأخذ هو منه شيئاً لنفسه دونهم، وقاله مالك، وذكره عنه ابن وهب، واختاره ابن المواز.
[(3) فصل: [فيمن أوصى لعبده بدنانير أقل من ثمنه]
ومن الجموعة وكتاب ابن المواز قال ابن القاسم عن مالك: فيمن أوصى لأمته بعشرة دنانير من ثمنها، فلا يكون ذلك عتقاً.
قال ابن كنانة في المجموعة: فيمن أوصى أن يباع عبده فيعطى من ثمنه لأخت له من أبويه عشرة دنانير، وباقي الثمن للعبد، فلينفذوا ذلك إن حمله الثلث، وإن أوصى أن يباع منه بعشرة للأخت ويكون للعبد بقية نفسه فليبع منه بما ذكر للأخت، ويعتق باقيه إن حمله الثلث، ولو كان للعبد ما يؤدي منه العشرة، أخذت منه وعتق ويقوم في ذلك بماله، وذلك نفع للورثة في مزيد الولاء، ولم يضر بأحد، فلا يمنع من ذلك.
قال علي عن مالك: فيمن أوصى في أمة له أن يعطي ثمنها لابن لها حر، فليس بعتق وليتبع ويدفع إليه الثمن إن حملها الثلث، ولعله أراد نفعه بالثمن لئلا تعتق عليه.
قال ابن القاسم وأشهب: فيمن أوصى أن يباع عبده بثلاثين ديناراً فيعطي منها فلان عشرة، قالا: فإن بيع بثلاثين فأكثر فليس له إلا عشرة.
قال ابن القاسم: وإن بيع بأقل من ثلاثين وبأكثر من عشرين، فإنما له ما زاد علي عشرين، وإن بيع بعشرين فأقل لم يكن له شيء وكذلك روى عنه عيسى في العتبية، وقال عن محمد بن خالد: إن له ثلث ما بيع به [116/ ب] إن بيع بأقل من ثلاثين.
وقال أشهب: له عشرة يبدأ بها، وإن بيع إلا بها فأقل فله جميع الثمن.
[(4) فصل: [فيمن أوصى بعتق ثلث عبده]
ومن المجموعة وكتاب ابن المواز قال ابن القاسم: وإذا أوصى بعتق ثلث عبده وأوصى له بباقي ثلثه أو بمال مسمي، فلا يعتق منه إلا ثلث رقبته، ويكون ما أوصى له بيده وكذلك لو أوصى لعبده بثلث نفسه وبثلث ما بقي من ماله سوى العبد، فإنما يعتق ثلثه ولا يستتم باقية فيما بقى ولكن يأخذه، ولو لم يقل سوى العبد، ولكن قال: وله ثلث ما بقي لدخلت بقية رقبته في ذلك حتى يعتق كله أو ما حمل منه ثم يقوم ما بقي منه على العبد إن كان له مال في قول ابن القاسم.
قال ابن المواز: ورواية ابن وهب أحب إلي.
م: جعله إذا قال سوى العبد كالموصى له بمال مع ثلث رقبته، فإنه لا يقوم في ذلك المال، وإن لم يقل سوى العبد، فإنه يقوم في بقية الثلث وفي مال نفسه، وكان يجب أن لا يقوم في مال نفسه كما قال إذا أوصى له بثلث نفسه وبمال أنه لا تدخل رقبته في ذلك المال.
[(5) فصل: [فيمن أوصى لعبده بثلث ماله وترك ديناً شهد فيه شاهد واحد]
قال أشهب: إذا أوصي لعبده بثلث ماله وترك ديناً شهد فيه شاهد واحد فأن العبد يحلف مع الشاهد ويستحق، ولو أوصى أن عبدي حر لم يحلف العبد.
قال في كتاب محمد: لأنه كتسمية دنانير قدر رقبته فلا يحلف كما يحلف الموصى له بالثلث، وكذلك كل من أوصى له بدنانير، وقال ابن وهب وابن دينار.
[(6) فصل: [فيمن أوصى لعبده بثلث نفسه]
ومن المجموعة: قال عبد الملك: وإذا قال: ثلث عبدي له، وله مئة دينار، فليس له أن يأخذ المئة في نفسه عتقاً؛ لأنه مال أوصى له به فيأخذه ويعتق ثلثه ويبقي ثلثاه رقيقاً، ويعال له بالمال أهل الوصايا، وأما إن قال: ثلثي لعبدي فهذا يعتق جميعه في ثلثه أو ما حمل منه الثلث، وما فضل فله، والعبد في هذا مبدأ على أهل الوصايا، وما فضل عنه لا يبدأ
فيه ويحاص به.
وقاله كله مالك.
وأنا أقوله.
قال.
وقال المغيرة وابن دينار وعبد العزيز: أنه يعتق ثلثه ويحاص بما فضل أهل الوصايا - قال الشيخ أبو محمد يريد: فما وقع له كان بيده- قالوا: ولو لم تكن وصايا، كان له ثلث ما بقى من التركة؛ لأنه ليس لأحد أن يأخذ من الورثة شيئاً بقيمته كرهاً إلا الميت وحده، وليس للعبد أن يأخذ من الورثة بقية نفسه بالقيمة للعتق وإنما له وصيته.
قال ابن القاسم: فيمن أوصى لعبده بثلث ماله ولأجنبي بثلث ماله أنهما يتحاصان فما صار للعبد عتق فيه، وما صار للأجنبي أخذه ولم أبد العبد؛ لأنه عتق على نفسه.
م: فصار إذا أوصى لعبده بثلثه ثلاثاً أقوال:
قول: أنه يعتق جميعه مبدأ ويحاص بما فضل، وقول: أنه يعتق ثلثه ويحاص بما فضل، ولا فرق في الحقيقة بين أن يوصي له بثلثه أو بثلث نفسه ومئة دينار؛ لأن المعني في
الوجهين يؤول إلى معنى واحد، فإذا وجب أن يعتق في بقية الثلث وجب أن يعتق في المئة، وما وجب أن يعتق فيه وجب أن يكون مبدأ على الوصايا، وبدأه عبد الملك في بقية الثلث؛ لأنه يعتق فيه ولم يبدئه في المئة؛ إذ لا يعتق فيها، ولم يبدئه ابن القاسم؛ لأنه على نفسه عتق، وبدأه المغيرة في ثلث نفسه، ولم يبدئه بما فضل؛ إذ لا يعتق عليه فيه؛ لأنه غير قادر على رد عتق ثلث نفسه فأشبه من ورث بعض من يعتق [117/أ] عليه؛ لأنه لا يعتق عليه بقيته؛ إذ لا يقدر علي رد ما ورث، وقد تقدم هذا.
ومن العتبية قال عيسى قلت لابن القاسم: فلو أوصى لعبده بثلث ماله وأوصى بعتق عبد آخر من المبدأ منهما في الثلث؟ قال: المعتق مبدأ؛ لأنه يعتق على الميت، والموصى له بالثلث إنما يعتق على نفسه.
قلت: فلو أوصى لهذا العبد بثلث ماله، وأوصى لقوم بوصايا؟ فقال: العبد الموصي له بالثلث مبدأ على جميع أهل الوصايا إلا العتق.
م: هذا خلاف لما قدمنا أنهما يتحاصان.
قال سحنون: ولو أوصى لعبده بثلث ماله، وللعبد ولد بدئ بعتق الأب في الثلث، فإن بقي من الثلث شيء دخل فيه الابن فيعتق إن حمله الثلث أو ما حمل منه يبدأ عليه؟ فقال: الذي تبين لي أن لا يعتق عليه من ولده إلا ما
صار له منهم في الوصية ويأخذ ما بقي مالاً.
م: وهذا على قوله إذا أوصى لعبده بثلث ماله أنه إنما يعتق منه ثلثه ولا يقوم على نفسه، وأول قوله: على نفسه على قوله: يستتم هو في بقية الثلث.
قال الشيخ أبو محمد يريد: ويعتق على الأب لا بالوصية.
قال معن بن عيسى عن مالك: ومن أوصى بثلث ماله لجاريته فولدت قبل موته، فإن ولدها هؤلاء لا يعتقون معها في الثلث إن حملهم، وأما ما ولدت بعد موته فيعتقون معها في الثلث إن حملهم الثلث، وإلا فبالحصاص فيها وفيهم، وإن حملهم الثلث وبقيت بقية كانت لأمهم دونهم.
وقال ابن أبي حازم: مل ولد لها قبل موته وبعد الوصية- م: يريد: أو قبل الوصية - من ولد وما كان للميت ممن يعتق عليها، فإنها تبدأ هي عليهم حتى تخرج حرة في الثلث، فما بقي عتق فيه هؤلاء عليها، وإن لم
يسعها الثلث فلا عتق فيه لأحد من قرابتها.
ومن العتبية قال أبو زيد عن ابن القاسم: وإن أوصى بثلث ماله لابن عبده، والابن حر، فإن كان كبيراً وقبل الوصية عتق عليه أبوه، وإن لم يقبل الوصية عتق عليه ثلث الأب، وإن كان صغيراً عتق ثلثه فقط وإن كان الثلث يجاوز رقبة الأب، وكذلك في المجموعة عن ابن القاسم وأشهب، وروى علي عن مالك: في التي أوصت لابن ابنتها وهو حرصغير بنصف ثلثها، أنه يعتق من الأمة نصف ثلث الأم، ويكون له نصف ثلث سائر التركة.
قال علي وأشهب عن مالك: فيمن أوصى لرجل بثلث ماله وفي التركة أخ للموصى له، فإن أراد الموصى له أن يأخذ الوصية ويسكت عن أخيه لئلا يعتق عليه؟
قال: إن قبل الوصية عتق عليه كله، وأدى للورثة ثلثي قيمته، وقال أشهب.
قال الشيخ أبو محمد: يريد أشهب وله أن يقبل الوصية إلا ثلث أخيه فلا يقبله ولا يلزمه عتق باقيه، ولكن يعتق ثلثه.
[(7) فصل: فيمن أوصى بثلث ماله لعبده ولأولاده الأحرار من امرأة حرة]
ومن المدونة قال ربيعة: في عبد له امرأة حرة وولد منها أحراراً فأوصى سيد العبد لجميعهم بثلث ماله، فليعتق العبد في ذلك؛ لأن ولده ملكوا منه