الجامع لمسائل المدونةكتاب الهبات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[الباب الأول] ما جاء في تغير الهبة وما يفيتها

[(1) فصل: في تغير هبة الثواب عند الموهوب] ومن المدونة وكتاب محمد قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا في هبة الثواب تتغير عند الموهوب في بدنها بزيادة أو نقص فقد لزمته قيمتها يوم قبضها.
محمد: وقال مرة أخرى: يوم وهبها.
قال محمد: والصواب يوم قبضها؛ لأنه كان في قبضها بالخيار.
وقال: وإذا أراد ردها وقد زادت عنده في بدنها وأبى الواهب إلا القيمة: فقال ابن القاسم: ذلك للواهب إلا أن يجتمعا على ردها، وهو قول مالك.
محمد: وبعد معرفتهما بما لزمه من القيمة رجع.
محمد: فقال: جائز إذا رضيا بردها وإن لم يعرفا القيمة؛ لأنها هبة مؤتنفة إلا أن يوجبها له على قيمتها فلا يجوز.

الجزء: 19 - الصفحة: 633

وقال أشهب: للموهوب ردها في الزيادة، وإنما معنى قول مالك عندي أنه ليس ذلك للموهوب في النقص ولا للواهب في الزيادة، ورواه ابن وهب عن مالك.
وقال سحنون: وكذلك يلزم في الاعتصار على اختلافهما.
[(2) فصل: فيما يفيت هبة الثواب] ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يفيت الهبة عند الموهوب حوالة الأسواق بخلاف البيع الفاسد.
وقال ابن المواز: حوالة الأسواق بزيادة او نقص فوت عند ابن القاسم وأشهب، إلا أن ذلك عند أشهب كحوالة البدن وأن للموهوب ردها في زيادة السوق ما لم تنقص في البدن، أو في زيادة البدن ما لم تنقص في السوق، وابن القاسم لا يرى ذلك إلا أن يجتمعا.
قال: وتباع عليه فيما لزمه من القيمة، وإن فلس فربها أحق بها كالبيع زادت أو نقصت، إلا أن يعطيه الغرماء قيمتها أو يسلمها إذا فاتت ويحاص بالقيمة.
قال ابن القاسم: والفوت فيها كالفوت في البيع الفاسد في العروض والحيوان والرباع.
وبعد هذا باب فيه تمام ما يفيت الهبة.

الجزء: 19 - الصفحة: 634

[الباب الثاني] في ما يجوز من العوض في هبة الثواب

. قال أبو محمد: ولما كانت الهبة للثواب كالبيع في أكثر الحالات كان لها حكمه فيما يحل ويحرم من عوضها.
[المسألة الأولى: فيما يجوز من عوض هبة المكيل من الطعام والموزون] قال ابن القاسم: ومن وهبك حنطة فلا خير في أن تعوضه منها بعد ذلك حنطة أو تمرًا أو غيره من مكيل الطعام أو موزونه، إلا أن تُعوضه قبل التفرق طعامًا من طعام فإنه يجوز؛ لأن هبة الثواب بيع من البيوع عند مالك، إلا أن يعوضه مثل طعامه وصفته وكيله وجودته فلا بأس بذلك.
قال سحنون: هذا لا يمكن وإنما محمله محل الصرف.
قال ابن القاسم: ولا يعوضه دقيقًا من حنطة، وإن وهبه حنطة فطحنها وعوضه من دقيقها لم يجز؛ لأن من باع حنطة فلا يأخذ في ثمنها دقيقًا كان مثل كيلها أم لا.
[المسألة الثانية: فيما يجوز من عوض هبة الحلي] قال مالك: ومن وهبك حليًا فلا تعوضه منه إلا عروضًا، ولا تعوض من حلي فضة ذهبًا، ولا ما لا يجوز أن تُسلم فيه الهبة.
[المسألة الثالثة: فيما يجوز من عوض هبة الثياب] وإن وهبك ثيابًا فسطاطية فعوضته عليها بعد ذلك ثيابًا فسطاطية أكثر منها لم تجز إلا أن يكون مثلها سواء.
[المسألة الرابعة: فيما يجوز من عوض هبة الدور] وإن وهبك دارًا جاز أن تعوضه قبل تغير الهبة سكنى دار أخرى أو خدمة عبد

الجزء: 19 - الصفحة: 635

أو دين لك قد حل أو لم يحل وذلك كبيع سلعة حاضرة بذلك، وإن تغيرت الهبة لم يجز أن يعوضك سكنى دار أو خدمة عبد لفسخك ما وجب لك من القيمة حالاً فيما لا تتعجله من خلافها، وأما الدين فلا بأس أن يعوضه إياه إن كان مثل القيمة في العين والوزن ومثل العدد فأقل حل الدين أو لم يحل؛ لأنها حوالة، ومعروف صنعته بالموهوب إذ برأت ذمته وتحولت بالقيمة في ذمة غيره، وقد قال مالك: افسخ ما حل من دينك فيما حل وفيما لم يحل- يريد: على غير غريمك- إذا فسخته في مثل دينك من عين أو عرض صفة ومقدارًا وإن كان الدين المؤجل أكثر من قيمة الهبة لم يجز؛ لأنه أخره بزيادة ولو لم تتغير الهبة جاز ذلك.
محمد: وأجاز أشهب العوض بالدين مثل قول ابن القاسم، وأجازه في السكنى والخدمة.
وروي عن مالك أنه أجاز أن تُكري دارًا بدين لك على رجل، وأما بدين لك على ربها فلا يجوز، وأجازه أشهب، قال: لأنه قد قبض الدار فلا يدخله الدين بالدين، ولم يأخذ به محمد.
[المسالة الخامسة: في العرض المؤجل يكون عوضًا عن هبه] قال فيه وفي المدونة: وإن عوضه عرضًا له على رجل مؤجل لم يجز؛ لأنه يفسخ القيمة في عرض مؤجل فهذا بيع، ولو لم تتغير الهبة إلا بحوالة

الجزء: 19 - الصفحة: 636

السوق جاز العوض بالعرض المؤجل، وكأنه باعها بذلك إن كانت مما يجوز أن تُسلم في ذلك العرض.
م: وهذا على قوله أنه ليس حوالة الأسواق فيها فوت.
[المسالة السادسة: فيمن وهبته دارًا أو عبدًا أو دابة فأراد أن يعوضك عبدًا مثل القيمة أو أكثر] ومن كتاب ابن المواز قال: وإذا وهبته دارًا أو عبدًا أو دابة فأراد أن يعوضك عبدًا أو عرضًا مثل القيمة أو أكثر فليس له ذلك إلا برضاك فاتت الهبة أو لم تُفت، ولا يثيبك إلا القيمة من الدنانير أو الدراهم.
قال أبو محمد: وهذا الذي قال ابن المواز قول أشهب، وقال سحنون: لا أقول به، وكل ما أثابه مما فيه القيمة لزمه.
م: وهو في مذهبه في المدونة.
قال ابن المواز: فإن رضي بقبول غير العين نظر، فإن فاتت الهبة جاز قبوله بما يجوز أن تُسلم الهبة فيه، وإن لم تفت جاز قبول ما يجوز أن تُباع الهبة به يدًا بيد، فإن أبى، قيل له: إما أثبته بالعين وإلا رددت الهبة، فإن أثابه من العين مثل القيمة فلا حجة للواهب في رد الهبة.

الجزء: 19 - الصفحة: 637

[الباب الثالث] في ما يحل وما يحرم من الحوالة، ومن بيع الدين

[(1) فصل: فيما يحل وما يحرم من الحوالة] قال مالك: ومن لك عليه دراهم حالة فأحالك على دنانير له على رجل وهي كصرف دراهمك وقد حلت أو لم تحل لم يجز، وكذلك لو فسخت دراهمك في طعام ولم تقبضه، وإن كان لك عليه عرض من بيع أو قرض قد حل فلا بأس أن تفسخه في عرض له على رجل آخر من بيع أو قرض إذا كان مثل عرضك الذي لك عليه، وهذا محمل الدنانير والدراهم، وإن كان العرض الذي يُحيلك به على غريمه مخالفًا للعرض الذي لك عليه لم يجز؛ لأنه دين بدين، وإن كان لك عليه طعام من قرض قد حل فأحالك على طعام له من قرض حل أو لم يحل جاز، كالعين، وإن أحالك على طعام له من سلم لم يحل لم يجز؛ لأنه يدخله بيع الطعام قبل قبضه، وإن حل أجل الطعامين جاز، وكذلك إن كان الذي لك عليه من سلم والذي له من قرض وقد حلا، ثم لا بأس في الوجهين أن يؤخر المحال من أحيل عليه.
م: وأشهب يجيزه إذا حل المحال به كالعرضين.
قال ابن القاسم: وإن كان الطعام الذي لك من سلم فلا يجوز أن يُحيلك على طعام له من سلم وإن حلا.
[(2) فصل في بيع الدين بالدين] قال مالك: وكل دين لك من عين أو عرض فلك بيعه من غير غريمك قبل محله أو بعد بثمن تتعجله ولا تؤخره، فإن كان دينك دنانير أو دراهم بعته

الجزء: 19 - الصفحة: 638

بعرض، وإن كان عرضًا بعته بعين أو عرض يخالفه نقدًا، قال مالك: وهذا إذا كان الذي عليه الدين حاضرًا مقرًا، وإن كان الذي لك عليه ثوب فسطاطي من بيع أو قرض إلى أجل فبعته من غيره قبل الأجل بثوب مثله في صفته نقدًا أو أحلته به فليس ببيع ولكنه قضاك عن الرجل على أن أحلته عليه، فإن كان النفع لك جاز، وإن اغتزى هو بذلك نفع نفسه لسوق يرجوها ونحوه لم يجز، ولو بعته من غيره أيضًا قبل الأجل بثوب مثله إلى أجل لم يجز؛ لأنه دين بدين، وإن كان دينك دنانير فعجلها لك رجل على أن أحلته على غريمك إلى أجل لم يجز كان النفع ها هنا له أو لك دونه، وكذلك بلغني عن مالك أنه قال: أراه بيع الذهب بالذهب إلى أجل.
قال سحنون: وقد قال ابن القاسم: لا بأس بهذا إذا كانت المنفعة لقابض الدنانير وهو سهل إن شاء الله، وهذا عندي أحسن.
وقد تقدم معاني أكثر هذا الباب في كتاب البيوع.

الجزء: 19 - الصفحة: 639

[الباب الرابع] في المأذون يهب أو يوهب، وفي الأب يهب من مال ولده

[(1) فصل: في العبد المأذون له بالتجارة يهب أو يوهب له] قال ابن القاسم: وللمأذون له أن يهب للثواب كالبيع ويُقضي عليه أن يعوض من وهبه، ومن وهب لعبد مأذون هبة فأخذها منه سيده قُضى على العبد بقيمتها في ماله.
قال محمد عن أشهب: وسواء علم السيد أنها هبة للثواب أو لم يعلم وإن كان العبد غير مأذون لم يكن قبوله قبولاً إلا أن يأخذها منه سيده وهو يعلم أنها هبة للثواب فيكون كمن أذن له في ذلك ويُلزم قيمتها في ماله، وإن لم يعلم السيد والهبة بحالها لم توطأ ولا نقصت، خير السيد بين أن يردها أو يؤدي قيمتها يوم الهبة من مال نفسه، وإن وطئها السيد أو نقصت لزم العبد قيمتها في ماله.
[(2) فصل في هبة الرجل من مال ولده] قال ابن القاسم: وللأب أن يهب من مال ولده الصغير للثواب، ويعوض عنه واهبه للثواب؛ لأن هذا كله بيع، وبيع الأب جائز على ابنه الصغير.
ومن كتاب الشفعة: وإن تصدق الأب من مال ابنه الصغير أو وهب لغير ثواب، او حابي في بيع أو عوض أخذه له من هبة الثواب رُد ذلك كله ولم يجز منه شيء؛ لأنه إنما يجوز بيعه له بمعنى النظر، وهذا بخلاف عتقه عبد ابنه فهو إن كان مليئًا مضى عقته وضمن له القيمة، وإن كان عديمًا رد.
وقد تقدم شيء من هذا.

الجزء: 19 - الصفحة: 640

[الباب الخامس] فيمن وجد عيبًا في هبة الثواب أو في عوضها أو استحق ذلك

قال ابن المواز: وليس في هبة الثواب عهدة السنة، ولا اشتراط البراءة، وهو في الثواب أخف إذا كان بعد فوات الهبة، وقد قال عبد الملك: لا تكون هبة الثواب بشرط أهبك على الثواب- وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (من وهب هبة يُرى أنه أراد بها الثواب) - قال عبد الملك: فلو شددها أحد بالشرط لم يحل له؛ لأن الثمن فيها غير مسمى فيصير كبائع سلعة بالقيمة.
وقاله عنه ابن حبيب.
قال: وقال أصبغ ذلك جائز في الوجهين، وبالأول أقول.
قال أبو محمد: وقول أصبغ هو قول ابن القاسم في المدونة وهو أولى؛ لأن هبة الثواب كالبيع، وقد جاءت الرخصة من السلف رضي الله عنهم في ترك تسمية عوضها، وهما وإن لم يشترطا الثواب فقد تعارفا أنه المقصود فيها، والعرف كالشرط.

الجزء: 19 - الصفحة: 641

[(1) فصل: فيمن وجد عيبًا في هبة الثواب أو في عوضها] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا وجد الموهوب بالهبة عيبًا فله ردها وأخذ العوض- يريد: إن لم تفت، وإن فاتت بحوالة سوق فأعلى وهو عرض أو حيوان فعليه قيمته- وإن وجد الواهب بالعوض عيبًا، فإن كان عيبًا مفسدًا لا يتعاوض الناس بمثله كالجذام والبرص فله رده وأخذ الهبة إن لم تفت إلا أن يعوضه مثل قيمتها، فإن لم يكن العيب فادحًا، نُظر إلى قيمة العوض بالعيب، فإن كان كقيمة الهبة فأكثر لم يجب له غيره؛ لأن ما زاده أولاً على قيمة الهبة تطوع غير لازم، وإن كان قيمة العوض معيبًا أقل من قيمة الهبة فإن أتم له الموهوب قيمة الهبة برئ، وليس للواهب أن يرد العوض إلا أن يأبى الموهوب له أن يتم له قيمة هبته؛ لأن الموهوب لو أعطاه الواهب وهو يعلم بعيبه، ولم يكن عيبًا مفسدًا وقيمته كقيمة الهبة لم يكن للواهب أن يرده عليه ويلزمه أخذه، وكذلك كلما عوضه من عرض أو عين فيه وفاء بقيمة الهبة وكانت العروض التي عوضها مما يثيبها الناس فيما بينهم فذلك للواهب لازم قبوله ولا سبيل له على الهبة، وإن عوضه تبنًا أو حطبًا لم يلزمه، إذ ليس ذلك مما يتعاوضه الناس بينهم.
[(2) فصل: في استحقاق الهبة أو عوضها] [المسألة الأولى: في استحقاق الهبة] محمد: وإن استحقت الهبة رجع في العوض، فإن فات بحوالة سوق أو بدن أخذ قيمته إلا أن يكون عينًا أو طعامًا يكال أو يوزن فيرجع بمثله، قاله ابن القاسم وأشهب، وكذلك إن وجد

الجزء: 19 - الصفحة: 642

بالهبة عيبًا فردها.
قال: وإذا وجد بالهبة عيبًا لم يفت ردها بحوالة سوق أو نقص أو زيادة في بدن، وليردها ويرجع في عوضه كما ذكرنا في فوته أو غير فوته، وإنما ذلك بمنزلة بيع السلعة بالسلعة، وأما لو وجد بالعوض عيبًا فله رده وإن حال سوقه ويأخذ هبته إلا أن تفوت بحوالة سوق فأعلى.
قال ابن القاسم: إلا أن يكون في العوض المعيب مثل قيمة الهبة فلا يرد، أو يكون أقل فيتم له القيمة فلا يرد.
قال أشهب: له رده كما تُرد الهبة ويُرد الشيء المعيب؛ لأنه يرى أنه لا يُقبل في عوضه إلا العين؛ ولأن أخذه العوض شراء له بالقيمة التي وجبت له.
محمد: وهذا أحب إلي.
[المسألة الثانية: في استحقاق العوض] ومن العتبية قال أصبغ: فإن كان العوض عينًا فاستحق، أو وجد به عيبًا والهبة لم تفت فليرجع بمثل العين؛ لأنه ثمن ما باع ولو كان العوض طعامًا يُكال أو يوزن أو كان جُزافًا فاستحق أو رده بعيب فله أخذ هبته، فإن فاتت فقيمتها، قال: وإذا فاتت الهبة قبل قبض العوض فلا تُبالي كان العوض عينًا أو غيره إذا

الجزء: 19 - الصفحة: 643

وجد به عيبًا أو استحق، فليرجع بقيمة الهبة؛ لأن القيمة قد وجبت عليه لفوات الهبة، فما أعطاه من العوض فعوض عن القيمة، فإذا استحق ذلك العوض رجع في القيمة، كما لو باع عرضًا بعين فأعطاه عن العين عرضًا فإذا استحق ذلك العرض فليرجع في العين؛ لأنه ثمنه.
[المسألة الثالثة: إذا كان العوض عينًا وكان أكثر من القيمة فاستحق] قال أصبغ: ولو كان ما أعطاه أولاً من العوض عينًا أكثر من القيمة، فاستحق لم يلزمه الآن إلا القيمة، ولو أعطاه عينًا أقل من القيمة فاستحق أو وجد به عيبًا فلا يرجع إلا بمثله، كان ما أعطاه أولاً بعد فوت الهبة أو قبل.
م: لأنه إن كان أعطاه أكثر فالزيادة تطوع، وإن أعطاك أقل فرضيته ثم استحق، فإذا أعطاك مثله لم يظلمك، وكأنه لم يُستحق من يدك شيء.
[المسالة الرابعة: فيمن نكح بتفويض وأعطاها قبل البناء عرضًا أو عينًا ثم استحق أو وجدت به عيبًا] قال: ومن نكح بتفويض وأعطاها قبل البناء عرضًا أو عينًا مثل صداق المثل ثم استحق ما أخذت أو وجدت به عيبًا، فلترجع عليه بمثل العين أو بقيمة العرض الذي أخذت، وتفارق الهبة في هذا، وإن كان ما أعطاها بعد أن بنى بها رجعت ها هنا بصداق المثل.
[المسألة الخامسة: فيمن وهبت له جارية للثواب فوطئها ثم أصاب بها عيبًا] قال أصبغ: ومن وهبت له جارية للثواب فوطئها- قال في موضع آخر أو

الجزء: 19 - الصفحة: 644

حال سوقها- ثم أصاب بها عيبًا بعد الوطء، أن له ردها بالعيب مثل البيع، وإن شاء تمسك بها وأدى قيمتها سليمة؛ بمنزلة من ابتاع أمة فظهر على عيب بها وهي قائمة لم تفت، فإن شاء ردها بعيبها أو تمسك بها بجميع الثمن، فالهبة كذلك إن شاء ردها وإن شاء تمسك بها بالقيمة كاملة.
قلت: فإن فاتت عنده مما لا يقدر على ردها؟ قال: هذا خلاف الأول، فإن كان قد أدى قيمتها رجع بقيمة العيب من ذلك وصارت القيمة كالثمن في البيع- فإن نقصها العيب من قيمتها الربع، رجع بربع العوض، كان أقل من قيمتها أو أكثر، فيأخذ ذلك إن كان عينًا، وإن كان عرضًا فربع قيمته، وإن كان طعامًا يُكال أو يوزن فربع ذلك كيلاً أو وزنًا في صفته- وإن لم يؤد قيمتها، ولا عوض فيها فعليه ها هنا قيمتها معيبة؛ لأنها لزمته وانقطع خياره في ردها.

الجزء: 19 - الصفحة: 645

[الباب السادس] جامع مسائل مختلفة

[(1) فصل: في هبة الشقص من الدار] قال ابن القاسم: ومن وهب شقصًا من دار للثواب ففيه الشفعة، فغن سمى العوض فبقيمته إن كان مما يقوم أو بمثله في المقدار والصفة إن كان عينًا أو طعامًا أو ما يُقضى بمثله كانت الهبة بيد الواهب أو كان قد دفعها، وإن كان قد وهب على عوض يرجوه ولم يسمه فلا قيام للشفيع إلا بعد العوض.
وهذا في كتاب الشفعة مذكور.
[(2) فصل فيمن امتنع من دفع هبة وهبها لغير ثواب] ومن وهب هبة لغير ثواب فامتنع من دفعها قضي بها عليه للموهوب، ولو خاصمه فيها الموهوب في صحة الواهب، ورفعت الهبة إلى السلطان ينظر فيها، فمات الواهب قبل قبض الموهوب فإنه يُقضى بها للموهوب إن عدلت ببينته؛ كالمفلس يخاصمه الرجل في عين سلعته فتوقف السلعة، ثم يموت المفلس أن ربها أحق بها إن ثبتت ببينة، ولم لم يقم الموهوب فيها حتى مرض الواهب فلا شيء له إلا أن يصح، وقد تقدم أكثر هذا.
[(3) فصل: فيمن استعار ثوبًا فضاع عنده فحلف على أن يغرم الثوب وحلف المعير على عدم القبول] قال مالك: ومن استعار ثوبًا فضاع عنده فحلف المستعير بالطلاق ثلاثًا إن لم

الجزء: 19 - الصفحة: 646

أغرمه، وحلف المعير بالطلاق ثلاثًا لا أقبل ذلك منه، فإن أراد المستعير بيمينه ليغرمنه له قبله أو لم يقبله، ولم يُرد بيمينه ليأخذنه مني، فلا يحنث إذا غرمه فلم يقبله المعير، ولا يحنث المعير أيضًا؛ لأنه لم يقبل، وإن أراد بيمينه ليأخذنه مني فإن لم يأخذه منه حنث، ولا يُجبر المعير على أخذ الغرم ويبرأ.
قال مالك: وإن كان ذلك من دين عليه فأتى بالدين فحلف صاحب الحق ألا يأخذه، وحلف الذي عليه الحق ليأخذنه، فلا يحنث الذي عليه الحق، ويجبر رب الدين ها هنا على أخذ دينه، ويحنث.
قال ابن القاسم: والفرق أن الدين لزم ذمته، والعارية إنما يضمنها لغيبه أمرها وليست بدين، فإنما يُقضى بالقيمة لمن طلبها في ظاهر الحكم وله تركها، وقد تسقط أن لو قامت بينه بهلاكها.

الجزء: 19 - الصفحة: 647

[الباب السابع] في بقية القول فيما يفيت هبة الثواب ويوجب قيمتها

[(1) فصل: فيما يعد فوتًا، وفيما لا يعد فوتًا] وفوات الهبة عند الموهوب يوجب عليه قيمتها.
والفوت فيها وهي عرض أو حيوان خروجها من يده، والهلاك وحدوث العيوب وتغير الأبدان فوت، وليس حوالة الأسواق فوتًا، وقيل: إنه فوت.
ابن القاسم: وولادة الأمة عند الموهوب فوت؛ لأنه نقص، وزوال بياض كان بعينها أو صمم بها فوت؛ لأنه نماء.
والهدم والبناء في الدار فوت، والغرس في الأرض فوت يوجب القيمة، وليس له أن يقول: أنا أقلع بنياتي أو شجري وأردها، والبيع الحرام مثله، وإحالتها عن حالها رضى بالثواب.
محمد: وله ردها عند أشهب؛ لأنها زيادة.
وقال ابن القاسم: ليس له ذلك؛ لأنه قد لزمته قيمتها.
محمد: وبه أقول؛ لأنه لما وجبت له الزيادة فقال: أنا أرضى بترك الزيادة

الجزء: 19 - الصفحة: 648

وأرد كان كبائع ما وجب له على ما أحب المشتري أو كره، وقاله ابن عبد الحكم.
وقال ابن وهب: قال مالك: والحرث في الأرض فوت يوجب القيمة.
وإن وهبه ثوبًا فصبغه أو قطعه قميصًا ولم يخطه فذلك فوت، وإن وهبه عبدًا فأعتقه أو كاتبه أو دبره أو وهبه أو تصدق به، فإن كان مليًا جاز ذلك كله ولزمته القيمة، وإن لم يكن له مال مُنع من ذلك كما يُمنع صاحب البيع.
ولو وهبه بدنه فقلدها أو أشعرها ولا مال له فللواهب أخذها، ولو ابتاعها ففعل بها ذلك فإنها تُرد وتُحل قلائدها وتُباع على المشتري في الثمن.
قال محمد عن ابن القاسم وأشهب: إذا أعتق العبد أو قلد البدنة وأشعرها وهو عديم فللواهب رد ذلك إن لم يفت إلا أن يكون يوم فعل ذلك مليًا أو أيسر بعد ذلك فلا رد له.
قال في المدونة: وبيع الأمة فوت، وإن كانت دارًا فباعها ثم اشتراها فذلك

الجزء: 19 - الصفحة: 649

فوت وإن لم تحل، ولم يجعله في البيع الفاسد فوتًا.
وقال غيره: إنه فوت في البيع الفاسد.
قال محمد: إذا باعها الموهوب ثم اشتراها ولم تتغير في بدن ولا سوق فقد لزمته قيمتها، وليس له ردها، ولو فلس الموهوب لم يكن صاحبها أحق بها؛ لأن هذا شراء حادث غير شرائه من الأول، وبائعها الثاني أحق بها.
[(2) فصل: في صور لوجوب القيمة في الفوت] [المسألة الأولى: لو كانت الهبة دارًا فباع الموهوب نصفها ثم استحقت أو وُجد بالعوض عيب] ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو باع نصفها قيل له: اغرم القيمة لرب الدار، فإن أبى خير الواهب: فإما أخذ نصف الدار الذي بقي وضمنه نصف قيمتها، وإن شاء سلم الدار كلها وأخذ قيمة جميعها، وكذلك عنه في كتاب محمد.
قال: وهو كقول مالك إذا اشترى [دارًا] فاستحق نصفها.
قال محمد: وقد قيل أيضًا: تلزمه قيمتها كلها حين باع نصفها، ولو كانت عرصة

الجزء: 19 - الصفحة: 650

لا يضيقُ ما بَقِيَ منها لكانَ عليه قيمةُ ما بَاعَ يَوْمَ وُهِبَ ويَرُدُّ النصفَ الباقِيَ.
قال محمد: وقولُ ابنِ القاسِمِ أحبُّ إلينا وأَصْوَبُ؛ أَنَّ واهبَها بالخِيَارِ إنْ شاء أَخَذَ منه ما بَقِيَ مِنَ الدارِ وألْزَمَهُ قيمةَ ما بَاعَ, وإنْ شَاءَ أَخَذَه بقيمَةِ الجمِيعِ إِلَّا أن يكونَ الذِي بَاعَ هو منها ما لا ضَرَرَ فيه.
[المسألة الثانية: إذا كانت الهبة عبدين فباع الموهوب أحدهما ثم استحقت الهبة أو وجد في العوض عيباً] قالَ فيهِ وفي المدوَّنَةِ: وإنْ كانت الهبةُ عبديْن فباع الموهوبُ أحدَهما وأبى أن يُثِيبَ قيمَتَهُمَا, فإنْ كان الذي بَاعَ وَجْهَهَا وفيه كثرةُ لَزِمَهُ قيمَتُهُمَا, وإنْ لم يكن وجه الهبةِ غرمَ قيمَتَه يَوْمَ قَبْضِهِ وَرَدَّ الباقِي.
قال محمد مثلَما قالَ مالكٌ في البيْعِ: قيمتُه ما بَلَغَتْ وليس قيمتُه مِنْ قِيمَةِ صاحِبهِ, وهو الصَّوَابُ.
وقال أشهبُ: له أن يردَّ الباقيَ منهُمَا كان أَرْفَعَ أَوْ أَدْنَى؛ لأنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يردَّهُمَا جَمِيعاً ففاتَ أحدُهُما بِبَيْعٍ أو عِتْقٍ أو زِيَادَةٍ أو نَقْصٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ فَصَارَ لا يقْدِرُ على ردِّ الْفَائِتِ مِنْهُمَا.
[(1) فرع: إن وهبه عبدين فأثابه من أحدهما ورد عليه الآخر] ومنَ المدوَّنَةِ: وإنْ وَهَبَهُ عبدْين فأَثَابه مِنْ اَحَدِهِما وردَّ عليه الآخَرَ, فللواهبِ أن يأخذَ العبديْنِ إلا أن يُثِيبَهُ منهُمَا جَمِيعاً؛ لأنَّهَا صفْقَةٌ وَاحِدَة.
[(2) فرع: فيمن وهب عبدين أو ثوبين فقبضهما الموهوب ثم زاد السوق حتى صار أحدهما يساوي مثل قيمتهما يوم الهبة] وَمِنَ العُتْبِيَّةِ قال عيسىَ عنِ ابْنِ القاسِمِ: فيمَنْ وَهَبَ عَبْدَيْنِ أو ثَوْبَيْنِ,

الجزء: 19 - الصفحة: 651

فقَبَضَهُمَا الموهوبُ, ثم زادَ السُّوقُ حتَّى صارَ أحدُهُمَا يسْوَى مِثْلَ قيمتِهِما يَوْم الْهِبَةِ, فعوَّضَهُ به فَلَا يَلْزَمُ الواهِبَ قَبُولُهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ.
[المسألة الثالثة: لو كان الهبة جارية فوطئها الموهوب فاستحقت أو وجد بالعوض عيبٌ, وكيف لو غاب عليها] قال ابنُ القاسِمِ: ولو كانتْ جاريةً فوطِئَها الموهوبُ فهو فوْتُ يُوجِبُ تعجِيلَ القيمةِ, فإن فَلَّسَ فللْوَاهِبِ أخذُها إلا أن يُعْطِيَهُ الغرماءُ قيمتَها يوْمَ الهِبَةِ.
قال ابنُ حبيبٍ: قَالَ مُطْرَف وابْنُ الماجشون: إذا غابَ الموهوبُ على الجاريةِ الموهوبةِ للثوابِ فقد لَزِمَه الثوابُ, وَطِئَهَا أو لم يَطَاهَا, تَغَيَّرَتْ أو لم تَتَغَيَّر.
وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.
[المسألة الرابعة: لو كانت الهبة عبداً فجنى ثم استحقت الهبة أو وجد بالعوض عيباً] ومِن كتابِ ابنِ الموَّازِ: وإنْ جَنَى العبدُ الموهوبُ, فقال ابنُ القاسِمِ: ذلك فَوْتُ يُوجِبُ القِيمَةَ.
وقال أشهبُ: إنْ كان ذلك خطأً ففدَاه مَكَانَه قَبْلَ أن يَفُوتَ بِشَيْءٍ فَلَيْسَ بِفَوْتٍ, فإنْ كان عَمْداً فقد فاتَ ووجَبَتِ القيمَة.

الجزء: 19 - الصفحة: 652

[الباب الثامن] فيمَن ادَّعَى أنَّهُ ابْتَاعَ الهبَة مِنَ الْوَاهِبِ أو حَازَ

هبَتَه أو أنَّهُ أتَابَ مِنْهَا

[(1) فصل: فيمن ادَّعى أنه ابتاع الهبة لغير الثواب ثم قام الموهوبُ يريد قبضها] قال ابنُ القاسمِ: ومن وهب لرجل هبة لغير ثواب ثم ادَّعى رجل أنه اَبتاعها من الواهبِ وجاء [102/ب] ببَيِّنَةٍ, فقام الموهوب يريد قبضها, فالمبتاع أحقُّ بها؛ وذلك كقول مالك: فيمن حبس على ولد له صغار حبساً ومات وعليه دَيْنٌ لا يدرى أقبل الحبس أو بعده؟ فقال البنون: قد حزناه بحوز الأب علينا, فإن أقام ولده بينة أن الحبس كان قبل الدين فالحبس لهم, وإن لم يقيموا بينة أن الحبس كان قبل الدين بيع للغرماء وبطل حبسهم, فكذلك الهبة لغير الثواب.
وقال سحنون في العتبيَّة: البينة على أهل الدين, والأولاد أولى بالحبس, وقال مثله أصبغ قال: وسواء كانوا صغارا أو كبارا إذا حازه الكبار, والأب فهو الحائز للصغار, وقال ذلك ابن القاسم في الكبار إذا حازوا, فأما الصغار فالبينة عليهم أن الحبس عليهم قبل الدين.
وذكر ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون مثل قول سحنون قال: إلا أن يكون الدين مؤرخا فإن مالكاً وأصحابه يقولون: إن المؤرخ أولى, وعلى أهل الصدقة البينة من كبير أو صغير أنها قبل الدين, إلا المغيرة فإنه كان يساوي بين المؤرخ وغيره, ولا يرى الدين المؤرخ أولى حتى يعلم أنه قَبْلَ الصدقة, وقال به أصبغ وذكر عن ابن القاسم مثل ما في المدونة, وأخذ بقول مطرف وابن الماجشون.

الجزء: 19 - الصفحة: 653

[(2)] فصل [فيمن ادعى أنه حاز هبته] قال ابن حبيب عنهما: ومن تصدق على ولده الصغار بدار أو أرض أو جنان أو غير ذلك وأشهد بذلك, ثم مات فادَّعى باقي الورثة أن الأب لم يحز لولده الصغار فعليهم البينة بذلك, وإلا فهي أبداً على الحيازة لهم, ولو تصدَّق على الكبار كان عليهم البينة بحيازة الصدقة في صحته.
وقاله أصبغ.
قال: وذلك إذا أخلى الدار من سُكْناه بنفسه أو بعياله, فإن جُهِل أن يكون كان يسكنها؟ فهي على غير السُّكْنَى, إلا أن يعرف قبل الصدقة سُكْنَاه, فعلى الصغار البينة أنه تخلى من سُكْناها واستغلالها.
قال مطرف وأصبغ: وإذا كانت صدقته بيد المعطي بعد موت المعطي وقال: كنت أحوزها في حياته.
وقال الورثة: بل إنما حازها بعد موته.
فهي نافذة, والبينة على الورثة, وكذلك الرهن يوجد بيد المرتهن بعد الموت والتفليس, هذا إذا ثبتت الصدقة والارتهان ببينة, فالحائز مُصَدَّقٌ أن حيازته متقدمة.
وقال ابن الماجشون: على الحائز البينة في الصدقة والرهن أنه حازه في حياة الذي حوزه وقبل تفليسه.
وبه أقول.
[(3) فصل: فيمن ادعى أنه أثاب من هبة وُهِبَت له] ومن العتبية روى أشهب عن مالك: في الواهب يطلب الثواب فيدعي الموهوب أنه أثابه, فإنه إن لم يأت ببينة على ذلك حلف الواهب وأخذ هبته, كان على أصل الهبة بينة أو لم تكن؛ كالثمن في البيع, وكذلك لو قام بعد أربعة أشهر.

الجزء: 19 - الصفحة: 654

[الباب التاسع في] ما يلزم من الصدقة في يمين أو غير يمين

وما يُقضَى به من ذلك وما يحدث في ماله بعد الحنث.

[(1) فصل: ما يلزم من الصدقة في اليمين] قال مالك: ومن قال: داري صدقة على المساكين أو على رجل بعينه في يمين فحنث لم يُقْضَ عليه بشيء, وإن قال ذلك في غير يمين, وإنما بتله الله عز وجل جبره السلطان إن كان لرجل بعينه.
قال في كتاب ابن المواز: أو للمساكين.
وقال أشهب: إنما يُجْبَرُ في هذا فيما كان بغير يمين وقد تصَدَّق به لله عز وجل على رجل بعينه يلي خصومته لا للمساكين.
قال محمد: وما لم يجبر فيه فليُخْرِجْهُ كما أوجب, قاله مالك.
محمد: ولا رخصة له في تركه.
[(2) فصل: ما يلزم من الصدقة في غير يمين] قال فيه وفي المدونة: ولو قال: كل ما أملكه صدقة على المساكين لم يجبر على صدقة ثلث ماله, وأُمِرَ بإخراج [103/أ] ثلث ماله من عين أو عرض

الجزء: 19 - الصفحة: 655

أو دَين؛ لحديث أبي لُبابة.
قال في المدونة: ولا شيئ عليه في أمهات أولاده؛ لأنهن لا يملكن ملك بيع ولا في مدبريه؛ لأنه لا يملك بيعهم ولا هبتهم, وأما المكاتبون فليُخرِج ثلث قيمة كتابتهم, فإن رقوا يوماً ما نُظرَ إلى قيمة رقابهم, فإن كان ذلك أكثر من قيمة كتابتهم يوم أخرج ذلك فليُخرِج ثلث الفضل, وإن لم يُخرِج ثلث ماله حتى ضاع ماله كله فلا شيء عليه فرَّط أو لم يُفَرِّطُ؛ لأن مالكاً سُئِلَ عمن قال: مالي في سبيل الله عز وجل في يمينٍ حنث بها فلم يُخْرِجُ ثلثه حتى تلف جُلّ ماله؟ فقال: أرى عليه ثلث ما بقي في يديه.
[(3) فصل: فيما إذا حلف بصدقة ماله فحنث ثم حلف ثانية فحنث] ومن كتاب ابن المواز: وإذا حلف بصدقة ماله فحنث ثم حلف ثانية فحنث فقال ابن القاسم وأشهب: يُخرج الثلث, ثم يُخرج ثلث ما بقي, واختلف قول ابن كنانة فيه فقال هذا, وقال أيضا: يجزيه ثلث واحد, قال محمد: أما إن حلف باليمين الثانية قبل أن يحنث في الأولى فثلث واحد في حنثه فيهما يجزيه, وإن كان حنث ثم حلف فحنث فكما قال ابن القاسم وأشهب.

الجزء: 19 - الصفحة: 656

قال ابن القاسم: فإن فَرَّطَ في إخراجه حتى ذهب ماله فإنه يضمنه كالزكاة, ولو نما ماله لم يلزمه إخراج ثلث ما نما بعد أن حلف, فإن نقص فثلثه يوم حلف.
وقاله مالك.
وهذا خلاف ما تقدَّم له في المدونة, وبه أخذ سحنون أنه إن فرَّط ضَمِنَ كالمُفَرَّطِ في الزكاة وغيرها.
قال محمد: وإنما عليه الأقل إذا كانت يمينه أن لا يفعل ثم حنث فلا يلزمه ما أتلف أو أكل أو زاد أو نقص, فإنما عليه ثلث ما معه يوم حنث لا يحسب عليه ما نقص ولا زاد, وعليه الأقل, ولو زاد بولادة رقيق أو حيوان أو غلَّات ثمارٍ وغيرها فلا شيء عليه فيه, وما نقص بسببه أو بغير سببه قبل الحنث لم يضمنه, ويضمن ما بقي منه بعد الحنث مما كان يملك يوم حلف, ولو ضاع شيء بقرب حنثه بلا تفريط لم يضمنه أيضا, هذا كله في يمينه أن لا يفعل, وأما يمينه فأفعلنَّ فيلزمه فيما ملك يوم حلف وفيما زاد بنماء أو ولادة أو غَلَّة, ويضمن ما تلف منه قبل حنثه لا ما تلف بغير سببه, قال: وليس الربح كالولادة والثمرة؛ لأن الغاصب له ربح المال ولا يكون له الولد والثمرة.

الجزء: 19 - الصفحة: 657

[الباب العاشر] فيمن أعمر رجلا دارا أو غيرها حياته, أو

حبسها عليه, أو أسكنه إياها حياته.

رُوِىَ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «المسلمون على شروطهم» فالعُمْرى على ما شَرَطَ صاحبها.
قال ابن القاسم: ومن قال لرجل: قد أعمرتك هذه الدار حياتك, أو قال: هذا العبد أو هذه الدابة جاز ذلك عند مالك, وترجع بعد موته إلى الذي أعمرها أو الذي ورثته, قلت: فإن أعمر ثوبا؟ قال: لم أسمع من مالك في الثياب شيئاً, وأما الحليُّ فأراه بمنزلة الدور.
قال في كتاب العاريَّة: والثياب عندي على ما أعراها من الشرط.
ومن قال لرجلين: عبدي هذا حبسٌ عليكما وهو للآخر منكما جاز ذلك عند مالكٍ وهو للآخر منهما يبيعه ويصنع به ما شاء.
ومن قال لرجل: داري هذه لك صدقة سُكْنَى, فإنما له السُكْنَى دون رقبتها, وإن قال له: قد أسكنتك هذه الدار وعقبك من بعدك, أو قال هذه الدار لك ولعقبك فإنها ترجع إليه [103/ب] مِلْكاً بعد انقراضهم, فإن مات فإلى أولى الناس به يوم مات أو إلى ورثتهم, وأما إن قال: حبسٌ عليك وعلى عقبك -قال مع ذلك صدقة أو لم يقل- فإنها ترجع بعد انقراضهم إلى أولى الناس بالمحبس وإن كان حياً, وهي لذوي الحاجة من أهل المرجع دون الأغنياء, فإن كانوا كلهم أغنياء فهي لأقرب الناس بينهم من الفقراء.
وقد تقدم هذا في كتاب الحبس.

الجزء: 19 - الصفحة: 658

[الباب الحادي عشر] في هبة المريض ووصيته لرجل بدار

وهبة الذمي للمسلم.

[(1) فصل: في هبة المريض] وهبة المريض عبداً للثواب تجوز كبيعه, فإن قبض منه الموهوب أو المبتاع ذلك فأعتقه ولا مال له لم يَجُزْ ذلك, ولورثة الواهب منع الموهوب من بيع الهبة حتي يعطيهم قيمتها.
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: في المريض يهب لرجل مريض هبة لا مال له غيرها, ثم وهبها الموهوب له للواهب في مرضه ولا مال له غيرها قال: المال يُجْعَلُ من تسعة أسهم, فثلثها: ثلاثة للموهوب له أولاً فيرجع من هذه الثلاثة سهم للواهب الأول, فيصير بيد ورثة الأول سبعة, وبيد ورثة الثاني اثنان.
قال أبو محمد: هذا الذي ذكر عيسى عن ابن القاسم هي مسألة دور ولم يجعل فيها دوراً, وقال ابن عبدوس في كتاب الدور له: إن التسعة الأسهم يكون منها ثلثها: ثلاثة لورثة الواهب الثاني, ثو يُؤْخَذُ منها سهم وهو ثلث ماله, فاعلم أن هذا السهم دائر؛ لأنك إن أعطيته لورثة الأول قام عليهم ورثة الثاني في ثلثه كمال طارئ؛ ولأن هبة البَتل تدخل فيما علم به الميت وفيما لم يعلم, ويقوم عليهم ورثة الأول في ثلث ثلثه فيدور هكذا بينهم حتى ينقطع, فلما كان هذا هكذا وجب أن يسقط السهم الدائر ويُقَسَّمُ ذلك السهم بين الورثتين على ما استقر بأيديهم, فيصير المال بينهم على ثمانية: ستة لورثة الواهب الأول, واثنين لورثة الواهب الثاني.

الجزء: 19 - الصفحة: 659

[(2) فصل: في وصية المريض لرجل بدار] ومن المدونة: وإذا أوصى المريض لرجل بدار بعينها, وثلثه يحملها فقال الورثة: نعطيك ثلث جميع ماله ولا نعطيك الدار فليس لهم ذلك؛ لأنها لو غرقت فصارت بحراً بطلت الوصية فيها؛ فلما كان ضمانها منه كان أولى بها.
[(3) فصل: في هبة الذمي للمسلم] وقد تقدم أنه يُقضَى بين المسلم والذمي فيما وهب أحدهما لصاحبه أو تصدَّق عليه بحكم الإسلام؛ لأن كل أمر يكون بين مسلم وذمي فإنه يحكم بينهم بحكم الإسلام.
وقد بقي من هذا الكتاب مسائل يسيرة ذكرتها في الأحباس والوصايا فأغنى عن إعادتها, والله الموفق للصواب.

الجزء: 19 - الصفحة: 660

[الباب الثاني عشر] جامع مسائل مما ليس في المدونة

[(1) فصل: في تصدق الرجل بماله كله] ومن كتاب محمد والعتبية قال مالك: يجوز للرجل أن يتصدَّق بماله كله في صحته؛ وقد فعله الصِّدِّيق رضي الله عنه.
وقال سحنون في العتبية: إذا تصدَّق بجُلّ ماله ولم يكن فيما أبقى منه ما يكفيه رُدَّت صدقته, وإن كان فيما أبقى منه ما يكفيه لم تُرَدّ.
قال غيره من البغداديين: نحن نكره له ذلك, وليبق على نفسه؛ لأن الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم قد دلنا أن الإبقاء على الوارث أولى, فإبقاء المرء على نفسه أكثر وأولى من الإبقاء على الوارث.
[المسألة الأولى: في تصدق الرجل بماله كله على أحد بنيه] قال مالك في الكتابين: ويُكْرَه أن ينحل أحد بنيه ماله كُلّه أو جُلّه مثل أن يفعل ذلك للصغير ويدع الكبير, قيل له: أَفْيُرَدُّ؟ فلم يقل في الرد شيئاً.
أشهب: قلت له: فالحديث في الذي نحل ابنه عبداً له, فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أَكُلَّ ولدك نحلت مثل هذا؟ قال: لا, قال

الجزء: 19 - الصفحة: 661

فارجعه» , قال مالك: إن ذلك فيما أرى والله أعلم أنه لم يكن له مالك غيره, فقلت له: فإن لم يكن له مال غيره أَيُرَدُّ؟ قال: إن ذلك لَيُقَالَ, وقد قُضِيَ به بالمدينة.
قال ابن القاسم: أكره ذلك [104/أ] , فإن فُعِلَ وحِيزَ عَنْهُ, فلا يُرَدَّ بقضاء.
وذُكِرَ عن ابن القاسم: فيمن تصدَّق بماله كله على بعض ولده, وتَبَيَّنَ أنه حَيْفٌ وفِرَارٌ من كتاب الله تعالى رُدَّ ذلك في حياته وبعد مماته.
قال أصبغ: إذا حِيَز عنه جاز على كل وجه.
اجتمع أمر القضاة والفقهاء والحكام على هذا, وحرجه بينه وبين الله عز وجل.
قال محمد صواب.
وقد قال ابن القاسم غير هذا: أَكْرَه أَنْ يَعْمَلَ بِه أَحَدٌ, فإنْ فَعَلَ لم يُرَدَّ.
قال أبو محمد: ووجه ما رُوِىَ من نَحَلٍ لبعض ولده دون بعض إنما هو -والله أعلم- فيمن نحل ماله كله, فأما من لم ينحله الجميع فهو جائز, وقد فعله الصِّدِّيق وقاله عمر وعثمان رضي الله عنهما, وعمل به الناس.

الجزء: 19 - الصفحة: 662

[(2)] فصل [في الصدقة بين الزوجين وفي الفرق بينها وبين الهبة بين الزوجين] ومن العتبية قال ابن القاسم: فيمن تصدق على زوجته فعوَّضته وضع صداقها عنه, أو تضع الصداق أولاً ليتصدَّق عليها بمنزل له, فيموت هو قبل حيازة المرأة, قال: ليس في الصدقات ثواب, وهي ماضية لمن تصدقت عليه إذا حِيزَت, ولا ثواب فيها, فهذه الزوجة التي أثابته بوضع صداقها على صدقته, فالصداق عنه موضوع ولا حق لها فيما أعطاها إلا بالحيازة, وكذلك إذا بدأت هي بوضع الصداق فهو عنه موضوع ولا حق لها فيما أعطاها إلا بالحيازة, وأما إذا وهبها هبة فأثابته بوضع الصداق فالهبة لها وإن لم تقبضها حتى مات إذا كانت الهبة للثواب يُعرَف ذلك من أمرهما, وكذلك لو ابتدأت بوضع الصداق, فالهبة مخالفة للصدقة.
[(3)] فصل [فيمن وهب لعبده هبة ثم استُحِقَّ وكيف إن اعتقه؟] قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: فيمن وهب لعبده هبة ثم استُحِقَ بحرية أو مِلْك فله أَخْذُ ما أعطاه إلا ما كان أَعْمَرَه أو حبسه عليه فليس له ردُّ ذلك, وذلك يصحبه حيثما كان, ولا يستثنيه في عتق ولا بيع ولا لمن اشتراه أخذٌ ولا قبضٌ, ولو بقي عبده بيده فلا يرجع فيه ولا ينزع منه أصل العمرة أو الحبس ولكن ما حصل بيده من غلة ذلك فله انتزاعه, قاله كله مالك والمغيرة وغيرهما.
قال مطرف وابن الماجشون: وإن أعتقه فأتبعه ما وهبه كماله ثم استُحِقَّ بحرية أو مِلْكٍ فلا يرجع فيما كان أعطاه.
ولو أعتقه قبل العطية ثم أعطاه, ثم

الجزء: 19 - الصفحة: 663

استُحِقَّ بحرية أو مِلْكٍ فله أَخْذُ العطية؛ لأنه يقول: ظننته يكون مولى لي.
وبه أقول.
وقال مطرف وأصبغ: ليس له أَخْذُ ذلك.
[(4)] فصل [في مسائل مختلفة] [المسألة الأولى: في العتق والصدقة والحج والغزو أيهم أفضل] قيل لابن المواز: أيما أفضل العتق أو الصدقة؟ قال: ذلك على قدر شدة الزمان ورخائه.
ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك قال: الحج أحب إليَّ من الغزو إلا أن يكون خوف.
قيل: فالحج أو الصدقة؟ قال: الحج إلا أن تكون سنة مجاعة.
قيل: فالصدقة أو العتق؟ قال: الصدقة.
قيل: فإطعام الطعام أو الصدقة بالدراهم؟ قال: كلٌ حسن.
وقال في كتاب محمد: كان طاووس يصنع الطعام ويدعو هؤلاء المساكين أصحاب الصُّفَّة فيقال: لو صنعت طعاماً دون هذا، فيقول: أنتم لا تكادون تجدونه، وكان يجعل للعجائز الدُّهْنَ، فيأمر بهن فُيمَشِّطْنَ ويُدْهَنَّ.

الجزء: 19 - الصفحة: 664

[المسألة الثانية: في قبول العطية وردها وكيف إن كانت من سلطان] قال في العتبية: وكان رجال ببلدنا من أهل الفضل والعبادة يَرُدُّونَ العطية يُعْطَوْنَها إلا أن لا يكون لهم عنهم غنى.
قيل: فمن حُمِلَ على فرس في السبيل أو أعطاه دنانير فلا يقبل إلا على وجه الحاجة؟ قال: أما من الوالي فلا بأس -قال ابن القاسم: يريد: الخليفة- وأما الناس بعضهم من بعض فإني أكرهه.
[المسألة الثالثة: فيمن له الحق فيما جُعل في السبيل من علف وطعام وماء للشراب] مالك: وما جُعِلَ [104/ب] في السبيل من العلف والطعام فلا يأخذ منه الأغنياء, ولكن أهل الحاجة, وأما ما جُعِلَ من الماء في المسجد فليشرب منه الأغنياء؛ لأنه جُعِلَ للعِطَاش.
[المسألة الرابعة: في خروج من لا يجدون ما ينفقون للحج والغزو وفي شراء كسور السؤال] قال مالك: وأكره لهؤلاء الذين لا يجدون ما ينفقون أن يخرجوا إلى الحج والغزو فيسألون.
قال سحنون: لا بأس بشراء كسور السؤال, وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في بريرة: «هو لها صدقة ولنا هدية».
تم كتاب الهبات بحمد الله وعونه.

الجزء: 19 - الصفحة: 665

بسم الله الرحمن الرحيم

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل