الجامع لمسائل المدونةصفحات 885-924

كتاب المكاتب الأول

صفحات 885-924

باب في التحضيض على الكتابة والوضيعة منها

قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:33] فكان ذلك ندب ندَبَ الله إليه وكذلك قوله: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:33] فضلٌ حض الله عليه.
قال مالك: فالكتابة ندبٌ من الله تعالى وليست بواجبة, وبه قال سائر الفقهاء.
وروي عن عطاء وعمرو بن دينار أنها واجبة.

والدليل لمالك أن الكتابة لا تخلو أن تكون: ضرباً من البيع؛ لأنه باع العبد من نفسه بالمال الذي جعله عليه, أو عتقاً؛ لأن العبد يفضي بها إلى الحرية.
فلما أجمعوا: أنه لا يجبر أحد على بيع عبده, ولا على عتقه, كانت الكتابة كذلك إذ لا تخلو: أن تكون إما عتقاً أو بيعاً.
قال ابن الجهم: وأما الوضيعة من أجر الكتابة؛ فأكثر أصحابنا يأمرون بذلك من غير قضاء, ولو كانت واجبة لكانت محدودة, ولا حد لها في كتاب الله ولا في سنة نبيه عليه السلام.
وقال غيره: هذه عبرة مأخوذ فيها, والصواب أن يقال: لما كان ذلك غير مقرر في الحال ولا في الآل دل أنه ليس بواجب.
ووجه الأخذ في العبارة الأولى: أن صداق المثل في نكاح التفويض وغيره مما يجب فيه صداق المثل واجب وهو غير مقرر في الحال لكنه مقرر في المآل, وكذلك أرش العيوب في البيوع غير مقرر في الحال وهو مقرر في الآل؛ فبان أن العبارة الثانية أحسن.
قال بعض علمائنا: ولو كانت واجبة ومقدارها غير معلوم أدى ذلك إلى كون الكتابة مجهولة, ولا يجوز أن تكون الكتابة مجهولة عند العلماء, فاعلم ذلك.

ومن المدونة قال مالك: وسمعت غير واحد من أهل العلم يقول في قول الله تعالى: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33]: أن يوضع عن المكاتب من آخر كتابته شيئا مسمى.
قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت, وعليه أهل العلم وعمل الناس عندنا.
قال مالك: وبلغني أن عبد الله بن عمر كاتب غلاماً بخمسة وثلاثين ألف درهم ثم وضع عنه من آخر كتابته خمسة آلاف درهم.
قال ابن وهب: وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ربع الكتابة.
وقال النخعي: هو شيء خُثََّ عليه المولى وغيره.
م: واختُلف في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أما الخير: فقال ابن عباس: إن علمت أن يقضيها.
وقال مجاهد: الخير المال, وقال عطاء وتلا: ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً﴾ [البقرة:180]. وقال طاووس: قوة وأمانة.
ابن الموز: وقال مالك: الخير القوة على الأداء.

في إكراه العبد على الكتابة, وكتابة الصغير, ومن لا حرفة له.
روى بعض البغداديين عن مالك: أن للسيد إكراه العبد على الكتابة كما يعتقه عند مالك على أن يبيعه بمال.
قالوا: وكمان كان له أن ينكحه ويؤاجره ويعتقه مكرهاً, وهو لا ضرر عليه في الكتابة, وإنما يؤدي ما فضل عن نفقته, فإن قيل: يضر بالعبد لزوال النفقة عن سيده؟ قيل: لا ضرر فيه إذ لا يصلح مكانه من لا حرفة له ولا خير فيه, والخير: المال.
وذكر ابن المواز عن أصبغ مثل قول مالك: أن للسيد أن يجبر عبده على الكتابة وإن كره العبد, ولا يكون له الخروج من الكتابة إلا بعجز ظاهر معروف.
وقال أشهب وعبد الملك: لا يكاتب الرجل عبده إلا برضاه, ولا يجوز بغير رضاه, وكذلك روي عن ابن القاسم.
م: قال ابن شعبان: والدليل أنه لا يُكرَه العبد على الكتابة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: 33] الآيه.
فدل على أنه من لم يبتغها ويجيب إليها لم يلزمها.

والكتابة: أن يجعل بينه وبين عبده كتاباً بما يتفقان عليه لظاهر الكتاب.
وقال ابن القاسم في باب بعد هذا/: لا بأس بكتابة الصغير؛ لأن مالكاً قال: لا بأس بكتابة من لا حرفة له, وإن كان يَسأل ويتصدق عليه.
وقال أشهب وسحنون: لا يكاتب الصغير؛ لأن عثمان بن عفان قال: لا تكلََّفوا الصغير الكسب, فإنكم متى ما كلفتموه سرق إلا أن تفوت كتابته بالأداء, أو يكون بيده ما يؤدي عنه فيؤخذ من يده ولا يترك بيده فيتلفه بسفهه ويرجع رقاً.
قال أشهب: قيل لمالك: فعل تكاتب الأمة التي لا صنعة بيدها ولا لها عمل معروف, فقال: كان عثمان يكره أن تخارج الجارية التي لا صنع بيدها ولا عمل معروف فما أشبه الكتابة بذلك.

ما يحل ويحرم من عقد وشرط في الكتابة روي أن النبي عليه السلام قال: «المكاتب عبد ولو بقي عليه عشرة دراهم».
وقال عمر وعثمان وزيد بن ثابت وابن عمر وجماعة من التابعين: هو عبد ما بقي عليه درهم.
قال ابن القاسم: والكتابة بالغرر جائزة؛ لأنه عبده يجوز فيما بينه وبينه من الغرر ما لا يجوز بينه وبين الأجنبيين ولا يشبه البيوع ولا النكاح.
م: قال أبو محمد: وهذا بخلاف مراباة العبد سيده؛ لأن ذلك تبايع وهذا كالخراج فجائز.
وقد قال مالك في غير المدونة: لا يجوز الربا بين العبد وسيده.
ابن المواز [68/ب.
ص] وقال أشهب: ومن كاتب عبده على عبد آبق أو بعير شارد أو جنين في بطن آمته, أو دين على غائب لا يعلم حاله, فلا أحب ذلك, ولا أفسخ الكتابة

به إن نزلت؛ لإجازة غير واحد الربا بين العبد وسيده, ولا يكون لهذا العبد عتق, حتى يكون لسيده ما شرط عليه ويقضيه.
وقال ابن القاسم في العتبية: الكتابة بذلك كله جائزة, فإن لم يأت بذلك وأيس منه فقد عجز.
قال أشهب: ولو كاتبه على أنه بريء منه الآن عتق مكانه, وإن لم يقدر السيد على ذلك أبدا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وقد قال مالك فيمن كاتب عبده على وصف؛ حمران أو سودان ولم يصفهم: أنه جائز ويعطى وسطا من ذلك الجنس كالنكاح بهم.
قال مالك: وإن كاتبه على وصيف أو وصيفين ولم يصفهم جاز وعليه الوسط من ذلك.
م: فإن لم يصف الجنس وفي البلد سودان وحمران ولا غالب في ذلك أنه يعطى النصف من كل جنس كمسألة النكاح بذلك وقال نحوه الفقيه أبو عمران رحمه الله.
قال بعض شيوخنا: ولم يسم العدد؛ فالكتابة باطل كما بينه في قول غيره: إذا كانت على لؤلؤ غير موصوف.
م: وهو الصواب.

وقال غيره من شيوخنا: لا تفسخ الكتابة وتكون عليه كتابة المثل وصفاً ما لم تنقص الكتابة المثل عن وصيفين.
قال وكذلك على قول غيره في مسألة اللؤلؤ: عليه كتابة المثل من ذلك ما لم تنقض عن لؤلؤتين, وجعله إذا أوصى أن يكاتب ولم يسم ما يكاتب به: أن الكتابة لا تفسخ ويكاتب بكتابة مثله.
وقال غيره من شيوخنا: لا يجوز ذلك في الصحة, ويجوز في الوصية, ويكاتب بكتابة مثله احتياطاً لإنفاذ الوصية وينجم, ونظراً للمريض إذ لا يقدر على استحداث ما أراد من البر.
قال ابن القاسم: وكذلك إن كاتبه على قيمته؛ جاز, وينجم عليه بالوسط من قيمته.
قال مالك: إذا ما أوصى أن يكاتب عبده ولم يسم شيئاً؛ فإنه يكاتب على قدر ما يعلم الناس من قوته على الأداء, أو إن كاتبه على ألف درهم ولم يذكر أجلاً نجمَّت عليه, وشأن الكتابة: التأجيل والتنجيم, وكذلك إن أوصى أن يكاتب بألف درهم ولم يضرب لها أجلا, وإن كاتبه على عبد فلان جاز, ولا يجوز النكاح على ذلك.
قال سحنون: فإن لم يصل إليه فعليه قيمته.
قال ابن المواز: لا يتم شيء إلا بعبد فلان.

م: كما قال ابن القاسم: إذا كاتبه على عبد آبق, أو بعير شارد؛ فإن لم يأت بذلك وأيس منه فقد عجز.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كاتبه على لؤلؤ غير موصوف؛ ولم يجز/لتفاوت الإحاطة بصفته.
قال ابن المواز وقال غير ابن القاسم: ذلك جائز في اللؤلؤ وله وسط كالكتابة على وصف لم يسمهم.
يريد: وقد ذكر العدد.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كاتبه على وصيف موصوف فعتق بأدائه, ثم ألفاه السيد معيباً, فله رده, ويتبعه بمثله إن قدر, وإلا كان عليه ديناً ولا يرد العتق.
وقد قال مالك في امرأة نكحت على عبد موصوف فألفته معيباً بعد قبضه: أن لها ترده, وتأخذ مثله على صغته فكذلك الكتابة به [69/ب.
ص].
قال مالك: وإن كاتبه على طعام موصوف؛ جاز أن يصالحه منه على دراهم معجَلة.
قال ابن القاسم: ولا خير في بيعه من أجنبي.
قال سحنون: وإنما يجوز هذا على تعجيل عتق المكاتب.
قال ابن القاسم: ومما يبين ذلك: أن مالكا قال: لا بأس أن تبيع ما على مكاتبك من ذهب أو ورِق أو عرض حل أو لم يحل من المكاتب بعرض مخالف للعرض الذي عليه أو من صنفه تتعجل ذلك أو تؤخره ولم يره من الدين بالدين, ولا يحل بيعه من أجنبي إلا بثمن معجل, وإن أخره دخله الدين بالدين.

فصل قال ابن القاسم: وإن كاتبه على خدمة شهر؛ فإن عجَل له العتق على خدمة شهر بعد العتق فالخدمة باطل, وهو حر, وإن أعتقه بعد الخدمة لزمت العبد الخدمة.
قال أشهب: إذا كاتبه على خدمة شهر؛ جازت الكتابة ولا يعتق حتى يخدم, قال: وقال مالك: كل خدمة اشترطها السيد بعد أداء الكتابة فباطل, وإن شرطها في الكتابة فأدى العبد قبل تمامها؛ فإنها تسقط.
م: إذا كاتبه على خدمة شهر فابن القاسم يسأله: هل أراد تعجيل العتق أو تأخيره بعد الخدمة؟ وأشهب يرى: أن العتق مؤخر بعد [الخدمة, كما هو مؤخر بعد أداء الكتابة, إلا أن يشترط تعجيل العتق قبل الخدمة؛ فلا يجوز عندهما, ويعتق مكانه] وتسقط الخدمة.
وقال أشهب في كتبه: إذا كاتبه على خدمة شهر فعجَل للسيد قيمة الخدمة؛ لزمه أخذها وعتق مكانه.
م: وحكى بعض أصحابنا عن غير واحد من شيوخنا أن ابن القاسم يخالفه في ذلك ويقول: ليس له تعجيل قيمة الخدمة.
م: كأنهم رأوه معتقا إلى أجل, وقد قال ابن المواز: فيما يشبهه: أن له تعجيل قيمة الخدمة كقول أشهب ولم يذكر فيه اختلافاً.

وحكى بعض أصحابنا عن بعض شيوخنا القرويين في هذا الذي كاتبه على خدمة شهر: أن له حكم المكاتب لا حكم العتق إلى أجل؛ من أجل لفظهما بالكتابة, فكأن السيد إنما أجره على سنة الكتابة في حيازته ماله, ونفقته على نفسه.
م: فإذا كان له حكم المكاتب؛ فينبغي أن يكون له تعجيل قيمة الخدمة, وهذا عندي أصح من الأول, وإنما لا يكون له تعجيل قيمة الخدمة إذا قال له: اخدمني شهراً وأنت من بعده حر؛ فهذا ليس له تعجيل قيمة الخدمة؛ لأنه معتق إلى أجل.
ومن كتاب ابن المواز قال مالك: ومن كاتب عبده واشترط عليه أسفاراً وضحايا فأدى كتابته؛ فإنه إن أدى الضحايا وعجَلها خرج حرا وسقطت الأسفار.
قال بعد ذلك: إذا أدى جميع الكتابة وبقيت عليه الضحايا ولم تحلَ؛ فإن عجل قيمتها عجل عتقه على ما أحب السيد أو كره.
قال مالك: وليس قيمتها إلى محلها, ولكن قيمتها على أنها حلَت.
وكذلك روى أشهب عن مالك في العتبية: أنه إذا عجل الكتابة؛ فكل ما بقي من خدمة وأسفار ساقط, وما كان من الضحايا والرقيق والكسوة؛ فليغرم قيمة ذلك معجلاً ويعتق.
وقال أصبغ: عن ابن القاسم: إذا كاتبه وشرط عليه أن يخدمه أربعة أعوام كل يوم جمعة حتى يؤدي كتابته ثم لا خدمة عليه, وشرط عليه جزرة كل فطر وأضحى ما عاش المكاتب.
قال: لا أحب الكتابة على هذا, فإن وقعت فهي جائزة.

قال: فإن أدى كتابته قبل محلها أو بعد سقطت الخدمة, ويعمر المكاتب, وينظر إلى قيمة الجزر في تعميره [69/ب.
ص], فإن أدى ذلك عجَل عتقه, وإن لم يكن له مال؛ لم يعتق حتى يؤدي قيمة ذلك قاله مالك.
قال ابن القاسم: يؤدي قيمة الجزر حالَة لا إلى أجلها.
ومن العتبية قال ابن القاسم: وإذا شرط ألا يخرج من خدمته حتى يؤدي؛ فلا تُفسخ بذلك الكتابة, والشرط لازم/ وإنما هو رجل.
قال: إن أديت إلىَ عشرة دنانير في كل سنة مع خدمتك إياي فيها, فأنت حر, فهو جائز وغيره أحسن منه وقد أجاز مالك شرط الأسفار قال مالك: وما كان بعد الكتابة من خدمة فإنها تسقط.
وقال أصبغ: لا يعجبني إلزامه الخدمة وذلك ساقط والكتابة جائزة كالشرط على أن يطأها أو يسترق ولدها, إلا خدمة غير مؤقتة لسفر وما أشبهه حتى يعتق.
قال ابن المواز: وكل ما اشترطه في الكتابة من خدمة بدنه أو عمل يده فأدى الكتابة وبقى ذلك العمل أو بعضه؛ فإنه ساقط, ولا يؤدي لذلك عوضا؛ لأن خدمة بدنه بقية من رقه, فإذا دخلت الحرية رقبته سقط كل رقَّ يبقى فيه, وكذلك من بتلى عتق عبده لم يجز أن يجعل عليه خدمة يشترطها؛ لأن خدمته بقية من رقه, وكما كان من أعتق بعض عبده يستكمل عليه بقيته حتى لا يبقى فيه شيء من الرَّق, فكذلك كل خدمة تبقى على مكاتب بعد أداء نجومه, أو على عبد بتل سيد عتقه فهي ساقطة؛ لأن ذلك بقية من رقه.

وروى أشهب عن مالك: فيمن عبده على مال وأسفار فلا ينبغي ذلك؛ لأنه لا تتم حرمته وعليه بقية من الرق, وليعطه مكان الأسفار عينا ويتم عتقه.
قال ابن المواز: ليس هذا بشيء, ورجع عنه مالك وجميع أصحابه إلا أنه لا يلزمه فيها عوض.
قال ابن المواز: وإنما يلزمه ذلك ما دامت الكتابة إلا من جعل عتق عبده بعد قضاء الخدمة والأسفار فيلزمه ذلك ولا يعتق حتى يقضي ذلك أو يعجل قيمته.
وروى ابن وهب وأشهب عن مالك فيمن قال لعبده: ابن لي هذه الدار وأنت حر, فمرض, فأراد أن يأتي بمن يعمل ذلك, فذلك له وإن أبى السيد.
قال أحمد بن ميسر: في العمل المفهوم كالبناء ونحوه, وأما الخدمة فلا إلاَ أن يرضى السيد؛ لأنه معتق إلى أجل.
قال ابن حبيب عن أصبغ في قول مالك: إن عجل الكتابة, سقطت الخدمة المشترطة.
قال أصبغ: إلا أن يقول: أعتقك على خمسين دينارا إلى خمس سنين تؤدي إلىَّ كل سنة عشرة على أن تخدمني إلى تمام الخمس سنين على أنك إن أديت جميع النجوم قبل الخمس سنين لم تعتق حتى تنقضي؛ فذلك يلزمه, والشرط فيه جائز, وكذلك لو قال: أنت حر إلى خمس سنين إن أعطيتني خمسين دينارا أو على أن تعطنيها إلى خمس سنين, أو إلى دونها, أو حاُلة؛ فهذا يلزمه تمام الخدمة إلى آخر الأجل وإن عجل المال, فإن انقضت الخمس السنون ولم يؤدَّ المال فلا عتق عليه.

قال أصبغ: وأصله: إن جعل عتقه بعد أمد يسميه؛ فلا يعتق قبله وإن عجَل المال, وأما إن جعل عتقه بعد الغرم؛ فهذا إن عجَل المال عتق, وسقطت الخدمة كمبتل شرط خدمته.
م: وحكى بعض أصحابنا عن بعض شيوخه القرويين في قول مالك: إذا عجل الكتابة؛ سقطت عنه كل خدمة, قال: إنما يصح ما قال في الخدمة اليسيرة؛ لأنها في حيَّز التبع فأما لو كان عِظَم الكتابة خدمة وأقلها مالا فعجّل المال, لم يستقم أن توضع عنه الخدمة.
م [70/أ.
ص]: وهذا الذي قال مخالف لما احتج به ابن المواز في علة إسقاط الخدمة إذ جعله كمن أعتق بعض عبده؛ لأنه جعل الخدمة إنما هي بقية من الرق فلو أعتق رجل عُشَر عبده لا ستتم عليه هتق بقيته, فكذلك إذا كانت الكتابة عُشر قيمة الخدمة فعجّلها؛ لسقطت الخدمة والله أعلم.
فصل ومن المدونة قال مالك: ومن شرط على مكاتبه أنه إن عجز عن نجم من نجومه فهو رقيق, وإن لم يؤد نجومه إلى أجل كذا فهو رقيق؛ لم يكن للسيد تعجيزه بما شرط, ولا يعجزه إلا السلطان بعد أن يجتهد له في التلّوم بعد الأجل, فإن رأى له وجه إذا تركه وإلا عجّزه والقطاعة كذلك في التلوم بعد الأجل.
قال ابن القاسم: ومن العبيد من يرجى له مال في التلَّوم ومنهم من لا يرجى له.
ابن وهب وقد أُتي عمر عبد العزيز بمكاتب وقد أخنى/ ببعض شروطه التي شُرطت عليه.

م: يريد: عجز عنها, فقال عمر لسيد: خذه فهو عبدك, لعمري ما يشترط الناس إلا لتنفعهم شروطهم.
وقال ابن شهاب: إن لم يف المكاتب بما اشترط عليه وخالف إلى شيء مما نهي عنه؛ فلسيده رد كتابته, ويطيب له ما أخذ منه, وإن رجل كاتب غلاما له صانعاً على عشرين ألف درهم وغلاما يعمل مثل عمله, فأدى العشرين ألف درهم ولم يجد غلاما يعمل كعمله فخاصمه إلى عمر بن الخطاب فقضى عمر على الغلام فعتقه سيده بعد أن قضى عليه عمر.
م: وحكي عن بعض فقهائنا: فيمن شرط على مكاتبه أنك إن شربت خمراً أو نحو ذلك فأنت مردود في الرَّق؛ ففعل العبد ذلك؛ أن ليس للسيد أن يرده في الرق من أجل هذا الشرط, وليس كالمعتق إلى أجل يشترط عليه إن أبقت فلا حرية لك هذا له شرطه.
والفرق بينهما: أن ما يفعله المعتق من الإباق ضرر على سيده؛ لأنه يخل بمنافعه, وما أحدث المكاتب من شرب الخمر فلا يخل بنجومه, فإذا لم يعجز عنها لم يقدح شرب الخمر فيها, فلا ينفع السيد شرطه والله أعلم.
م: قول ابن شهاب إذا لم يوف المكاتب بما شرط عليه وخالف إلى شيء مما نهي عنه: فللسيد رد كتابته؛ خلاف ما قالوا, ووجب رد كتابته, والله أعلم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وحكم المكاتب حكم الأرقاء في الميراث والشهادة والحدود وغيرها حتى يؤدي ما عليه.

وروى ابن وهب أن أمهات المؤمنين كان يكون لبعضهنَّ المكاتب فيكشف له الحجاب ما بقى عليه درهم, فإذا قضاه أرخيته دونه وقد تقدم الحديث: (أن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم).
فصل قال ابن القاسم: وإن كاتب عبد على ألف دينار على أنه إذا أدى وعتق فعليه مائة دينار؛ فذلك جائز؛ لأن مالكا قال: من أعتق عبده على أن للسيد على العبد مائة دينار ذلك جائز على العبد.
قال ابن المواز: ويتبعه بالمال ولا يحاص به الغرماء.
وقال سحنون في المستخرجة قول مالك: أنت حر وعليك, أو أنت حر على أن عليك؛ سواء, وهو حر وعليه ما سمي, وبه أقول.
وقال ابن القاسم: في قوله: أنت حر على أن عليك: يخيّر العبد؛ فإن شاء بتات العتق على أن يتبع بذلك فذلك, وإن كره أن يكون غريما فلا حرية له.
م: وقد تقدم إيعاب هذا في كتاب العتق الثاني.
قال ابن القاسم: ومن كاتب أمته على ألف دينار نجّمها عليها على أن يطأها ما دامت في الكتابة [70/ب.
ص]؛ بطل الشرط وجازت الكتابة, وقيل له: لم لا يُبطل الشرط الكتابة إنما باعها نفسها بما سمى من المال على أن يطأها, ويكون كمن باع جاريته على أن يطأها

البائع إلى أجل كذا؟ فقال: لا تشبه الكتابة البيع؛ لأن البيع لا يجوز فيه الغرر، والكتابة يجوز فيها الغرر، قد أخبرتك أنه إذا كاتب عبده على وصف أو لم يصفهم أنه جائز ولا يجوز ذلك في البيع، فلذلك يبطل الشرط هاهنا، وتصح الكتابة، وكذلك إن أعتق أمته إلى أجل على أن يطأه فيه؛ فالشرط باطل وهي حرة إذا مضى الأجل، وقد قال مالك: فيمن شرط على مكاتبته أن ما ولدت في كتابتها هو عبد؛ أن هذا ليس من سنة الكتابة، ولا تكون الكتابة إلا على سنتها، والسنة: أن ما حدث للمكاتب من أمته، وللمكاتبة من ولد بعد الكتابة فهو بمنزلتها يرق برقها ويعتق بعتقها، قلت: فمن كانت أمته واستثنى ما في بطنها قال من قول مالك: أن من أعتق أمته واستثنى ما في بطنها أنه لا يجوز، وتكون حرة بما في بطنها، وكذلك المكاتبة تثبت الكتابة ويسقط الشرط في ولدها.
م: وذكر ابن المواز قول ابن القاسم في شرط وطئ المكاتبة واسترقاق ما تلد، وما يولد للمكاتب من أمته مثل ما في المدونة؛ أن الشرط يفسخ وتمضي الكتابة.
قال وقال أشهب عن مالك في ذلك كله: تفسخ الكتابة ولو لم يبق منها إلا درهم واحد، إلا أن يرضى السيد بطرح الشرط، وإن لم يستبق لذلك حتى أدوا الكتابة؛ فولد المكاتب والمكاتبة حر معهما وكذلك ما في بطن المكاتبة.
وقال ابن المواز في ذلك كله: إذا أدى ولو نجماً واحداً بطل الشرط، ومضت الكتابة، فأما قبل أن يؤدوا منها شيئاً؛ فالسيد مخير بين أن يبطل الشرط أو يفسخ الكتابة.
قال ابن المواز وقال ابن القاسم وأشهب: لو كان الشرط من المكاتب على سيده: أن ما تلد زوجته وهو أمة للسيد فهم معه في الكتابة؛ فذلك جائز، وما تلد ففي الكتابة، فإن باعها السيد ووهبها لم يدخل بعد ذلك ما تلد في الكتابة.
م: قال أبو محمد: يريد باعها ولا حمل بها.

قال ابن المواز: ولو كاتب السيد زوجته على حدة؛ سقط شرط المكاتب في ولدها.
م: يريد ما تلد بعد كتابتها، ولا يجوز أن يشترطهم الأب، فإن لم يستفق لإبطال شرطه حتى ولدت فسد شرطه فيما لم يولد بعد، وما لم يولد قبل إبطال الشرط وبعد كتابة الأم فهو مع كتابة الأب والأم يعتق مع أولهما عتقاً، ويسعى معهما معونة لهما، ويرث من مات من أبويه قبل العتق، فإذا أعتق مع أولهما لم يبق له مع الثاني سعاية ولا موارثة وما ولد لها بعد إسقاط الشرط ففي كتابتها خاصة.
في قطاعة المكاتب، وقطاعة أحد الشريكين له، وتبديته بأخذ حصته قال مالك: الأمر عندنا فيمن قاطع مكاتبه بذهب على إن وضع عنه مما عليه من الكتابة ويعجل ما قاطعه عليه: إنه لا بأس به، وإنما كره ذلك من كره؛ لأنه جعله كالدين يكون لرجل على رجل فيضع عنه منه وينقده، وليس الكتابة مثل الدين؛ لأنه إنما قاطع عبده على مال يعجل به عتقه، وتمت حريته في الشهادة والميراث، وهو كمن قال لعبده: إن جئتني بكذا فأنت حر، ثم قال له: إن جئتني بأقل منه فأنت حر، وليست الكتابة بدين ثابت، ألا ترى أنها لا يحاص بها السيد غرماء المكاتب في فلس ولا موت.

قال: ولا بأس أن يقاطعه على أن يؤخره ويزيده، أو يجعل ما عليه من دين حل أو لم يحل في عرض ويؤخره به إذ ليس بدين ثابت، وكذلك لو كانت الكتابة دراهم ففسخها في دنانير إلى أجل لم يكن به بأس، قال سحنون: وذلك إذا عجل عتقه.
قال ابن شهاب: لم يكن أحد من الصحابة ينفي المقاطعة على الذهب والورق إلا ابن عمر فكره ذلك إلا أن يعطي عرضاً.
قال مالك في العتبية وكتاب محمد: وكل من اشترى كتابة المكاتب فهو كالسيد في جميع ما ذكرنا.
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يستأجر السيد مكاتبه بما عليه من الكتابة في عمل يعمله أو يقاطعه على أن يحفر له بئراً طولها كذا ويبني له بيتاً طوله كذا.
قال سحنون: إذا كانت القطاعة يعملها بيديه فذلك لا يجوز؛ لأن كل خدمة تبقى عليه بعد عتقه فهي ساقطة، وإن كانت عليه ديناً عاش أو مات.
والقطاعة جائزة إذا تعجل العتق بما قاطعه وإن لم يتعجل العتق لم يجز وكان ديناً بدين.
وقد كره مالك الربا بين العبد وسيده فكذلك مكاتبه لا يجوز ذلك بينهما إلا أن يتعجل العتق.
ومن الحوالة قال ابن القاسم: وإن أحالك مكاتبك بالكتابة على مكاتب له وله عليه دين مقدار ما على الأعلى؛ لم يجز إلا أن تبت أنت عتق الأعلى فيجوز، فإن عجز الأسفل

كان رقاً لك ولا ترجع على المكاتب الأعلى بشيء؛ لأن الحوالة كالبيع، وقد تمت حرمته.
قال ابن القاسم: ولا تجوز حمالة بكتابة الأعلى تعجيل العتق، وأما الحوالة فإن أحالك على من لا دين له قِبَله لم يجز؛ لأنها حمالة فلا تجوز إلا على تعجيل العتق، وإن كان له عليه دين حل أو لم يحل جازت الحوالة إن كانت الكتابة قد حلت، ويعتق مكانه، وكذلك إن حل عليه نجم فلا بأس أن يحيلك به على من له عليه دين حل أو لم يحل ويبرأ المكاتب من ذلك النجم، وإن كان آخر نجومه كان حراً مكانه، وإن لم يحل النجم لم يجز أن يحيلك به على من له عليه دين حال؛ لأن ذلك ذمة بذمة، وربا بين السيد ومكاتبه، وكذلك إن لم تحل الكتابة لم تجز الحوالة بها وإن حل الدين؛ لأنه فسخ دين لم يحل في دين حل أو لم يحل، وقد كره مالك: بيع الكتابة من أجنبي بعرض أو غيره إلى أجل؛ لأنه دين بدين ووسِّع في هذا بين السيد ومكاتبه، فلذلك كرهنا الحوالة على الأجنبي إذا لم تحل الكتابة؛ لأنه يكون ديناً بدين.
وقال أشهب: تجوز الحوالة وإن لم تحل الكتابة ويعتق مكانه؛ لأن ما على المكاتب ليس بدين ثابت وكأنه عجل عتقه على دراهم نقداً أو مؤجلة والكتابة دنانير لم تحل، وكمن قال لعبده: إن جئتني بألف درهم فأنت حر، ثم قال له: إن جئتني بخمس مائة درهم أو

بعشرة دنانير فأنت حر؛ فإن جاء بها كان حراً ولم يكن بيع فضة بذهب، ولا فسخ دين في أقل منه، وكأن لم يكن قبله إلا ما أدى.
ابن المواز: وهذا أقيس القولين وأجوزهما، وإنما مكروهه عند ابن القاسم فيما أظن: فيما لا يخرج به المكاتب حراً كله مكانه فلم يجز أن يحيله إلا بما قد حل من نجومه، وأما ما لم يحل منها فلا يجوز عنده إلا أن يعتق بذلك مكانه فتنفذ الحرية ويجوز ذلك فيه.
وقد قال: لا يجوز الضمان بالكتابة ولا الحول بها ولا الأخذ عليها إلا بتعجيل العتق، فإنه يجوز.
قال ابن المواز: صواب كله إلا في الحوال على حق المكاتب على رجل برضا السيد؛ فهو جائز، وإن كان بعض النجوم، وقد برئ المكاتب من ذلك.
وفي كتاب الحوالة زيادة في هذا.
فصل ومن كتاب المكاتب قال مالك الأمر المجمع عليه عندنا في المكاتب يكون بين الرجلين: أنه ليس لأحدهما أن يقاطعه على حصته منه إلا بإذن شريكه؛ وذلك لأن العبد وماله بينهما فلا يجوز لأحدهما أن يأخذ من ماله شيئاً إلا بإذن شريكه، فإن أذن له فقاطعه من عشرين مؤجلة في حصته على عشرة معجلة ثم عجز المكاتب قبل أن يقبض هذا مثل

ما أخذ المقاطع؛ خُيِّر المقاطع بين أن يرد إلى شريكه نصف ما فضله به ويبقى العبد بينهما، أو يتماسك بما قبض، ويسلم حصته من العبد إلى شريكه رقاً.
قال ابن المواز: ولو كان إنما قاطعه من العشرين على عرض أو حيوان؛ نظر إلى قيمة ذلك نقداً يوم قبضه، ثم رد فضلاً إن كان عنده، وأخذ حصته من العبد إن شاء، وإن كان قاطعه على شيء له مثل من مكيلٍ أو موزونٍ رد مثله ورد الآخر كلما قبض وكان بينهما نصفين مع رقبة العبد إلا أن يشاء أن يتماسك بما قاطعه به ويسلم حصته من العبد لشريكه فذلك له.
ومن المدونة قال مالك: ولو مات المكاتب عن مال: فللآخر أن يأخذ جميع ما بقي له من الكتابة بغير حطيطة، حلت أو لم تحل، ثم يكون ما بقي من ماله بينه وبين الذي قاطعه على قدر حصصهم في المكاتب وقاله ابن المسيب.
قال ابن المواز: إذا قاطع أحدهما بإذن شريكه فاقتضى المتمسك أكثر مما أخذ المقاطع أو مثله ثم عجز المكاتب؛ لم يرجع عليه المقاطع بشيء، وبقي العبد بينهما، ولو مات ولم يدع مالاً أو ترك شيئاً يسيراً ليس فيه مثل حق المتمسك ولا مثل ما أخذ المقاطع؛ لم يرجع المتمسك على المقاطع بشيء مما عنده من الفضل، ولو لم يأخذ المقاطع جميع ما قاطعه عليه حتى مات المكاتب ولم يترك إلا أقل مما بقي عليه من الكتابة لتحاصا فيه جميعاً؛ المقاطع مما بقي له من قطاعته، والمتمسك بجميع ماله في الكتابة.
م: قال بعض أصحابنا: ولو لم يقبض المقاطع شيئاً مما قاطعه عليه، وقبض الذي لم يقاطعه شيئاً، ثم عجز المكاتب؛ فقال بعض شيوخنا من القرويين: إن كان الذي لم يقاطع

إنما قبض عند حلول كل نجم فلا رجوع للمقاطع عليه بشيء؛ لأنه رضي بتأخير المكاتب وترك لصاحبه ما أخذ وإن كان إنما عجل له المكاتب شيئاً قبل أجله فله فيه متكلم.
م: قال بعض أصحابنا: فيكون للمقاطع أن يأخذ من صاحبه نصف ما اقتضى.
م: والذي أدى إن اقتضى المتماسك نجماً مما حل عليه، فقام عليه المقاطع فيلتحاصا فيه؛ المقاطع بقدر ما قاطعه عليه، والمتمسك بقدر النجم الحال؛ لأن ذلك قد حل لهما جميعاً عليه فيتحاصا فيه بقدر ما حل لكل واحد، وأما إن عجل للمتمسك النجم قبل محله فللمقاطع القيام عليه فيأخذ منه قدر ما قاطعه عليه، فإن فضل شيء كان للمتمسك؛ لأن حق المقاطع قد حل، وحق الآخر لم يحل، فتعجيله له قبل أجله هبة منه له؛ فللمقاطع رد هبته وأخذها في حقه والله أعلم.
وهذا إذا لم يكن له مال غيره فإن كان له مال يأخذ منه المقاطع حقه أخذه منه وتم للآخر ما عجل له، ولو كان إنما قاطعه بغير إذن شريكه، وعلم

بذلك قبل عجز المكاتب وقبل موته؛ فإن ما قبض المقاطع يكون بينهما إلا أن يسلمه له شريكه ويتمسك هو بالكتابة، فيصير كأنه قاطعه بإذنه، فإن لم يرض فله أخذ نصف ما أخذ المقاطع؛ لأن العبد وماله بينهما فليس لأحدٍ أن يأخذ من ماله شيئاً إلا بإذن شريكه.
وقال بعض المتأخرين غير هذا، وهو خطأ.
قال ابن المواز: ولو قاطعه بغير إذن شريكه ثم عجز المكاتب عن حق المتمسك أو مات وقد استوفى المتمسك مثل ما أخذ منه المقاطع، أو ترك الميت مالاً يأخذ الآخر منه ما بقي له، أو مثل ما أخذ المقاطع؛ فلا حجة للمتمسك على المقاطع، لا يختلف في ذلك ابن القاسم وأشهب، واخلفا: إذا عجز ولم يأخذ المتمسك إلا أقل مما أخذ المقاطع؛ لاختلاف قول مالك، فقال ابن القاسم: الخيار هاهنا للمتمسك؛ بين أن يرجع على المقاطع بنصف ما فضله به على ما أحب أو كره، ويكون العبد بينهما أو يتماسك بالعبد كله، ولا يكون للمقاطع أن يرد نصف الفضل، ويرجع بنصيبه في رقبة العبد، بخلاف المقاطع بإذن شريكه، ورواه عن مالك في موطئه.
وقال أشهب: إذا تمسك هذا بالعبد رجع الخيار للذي قاطع، فله رد نصف الفضل ويكون له نصف العبد.
قال ابن المواز: لأنه يصير كأنه قاطعه بإذنه أو علم به فرضي.
ورواه عن مالك ابن المواز، وعليه من أرضى من أصحاب مالك.
قال مالك: وكان ربيعة: يكره أن يقاطع أحد الشريكين وإن أذن شريكه، ويقول: إن فعل ثم مات العبد: فميراثه للذي لم يقاطع، والذي تقدم من قول مالك هو قول ابن المسيب وعليه جميع أصحاب مالك.

ابن المواز: قال مالك في مكاتب بين رجلين قاطعه أحدهما على نصف نصيبه على مائة وجميع الكتابة ثمانمئة وأبقى الربع الآخر مكاتباً بإذن شريكه؛ فذلك جائز، فإن عجز العبد قبل أن يستوفى المتمسك شيئاً، قيل للمقاطع: إن شئت فاردد على شريكك نصف ما فضلته به ويكون العبد بينكما، وإن أبيت من ذلك بقي لك ربع العبد ولشريكك ثلاثة أرباعه.
قال: ولو قبض منه المتمسك مثل ما أخذ المقاطع في القطاعة وذلك مائة؛ كان المقاطع أيضاً بالخيار في عجزه إن شاء سلم للمتمسك ما أخذ وكان له نصف العبد شاء المتمسك أ, أبى، [وإن شاء أخذ منه ثلث المائة] وكان له ربع العبد، وللمتمسك ثلاثة أرباعه، وكذلك إن قبض المتمسك ما بقي فللمقاطع أخذ ثلثها وإن كره صاحبه، ويكون للمقاطع ربع العبد فقط، وإن شاء أخذ منه خمسين؛ نصف ما فضله به ليستويا في الأخذ، ويكون العبد بينهما نصفين.
م: يريد ولو قبض المتمسك ثلاثمائة لرجع عليه المقاطع فأخذ منه مائة حصة ما بقي له من العبد مكاتباً، وبقي العبد بينهما نصفين؛ لاستوائهما في الأخذ.
قال ابن المواز: وإنما خير المقاطع إذا قبض المتمسك ما يتبين أو أقل؛ لأن المقاطع لم يقبض غير ما قاطع عليه، وكان حقه أن يأخذ الثلث من كل ما يقتضي؛ لأن له ربع المكاتب مكاتباً، ولشريكه نصفه، فإن شاء أخذ ذلك ثم له أن يختار التماسك بما قبض ويكون له ربع العبد، أو يرد ما فضل به صاحبه ويكون له نصف العبد.

م: انظر لم هذا؟ وإنما كان ينبغي إذا عجز قبل أن يستوفي المتمسك شيئاً؛ أن يقال للمقاطع: إن شئت فاردد إلى شريكك نصف ما فضلته به ويكون العبد بينكما، وإن أبيت من ذلك بقي لك ثلث العبد ولشريكك ثلثاه؛ لأنك أبقيت ربع العبد مكاتباً لك، ولشريكك نصفه مكاتباً فله مثل مالك فيه فيكون بينكما أثلاثاً، كما لو كان العبد بين ثلاثة: لواحد نصفه، وللآخرين ربعاً ربعاً، فقاطعه واحد من الذين له ربعه بإذن شريكه ثم عجز العبد قبل أن يقبض المتمسكان شيئاً؛ فإنه يقال للذين قاطع: اردد إلى شريكيك ما فضلتهما به، ويبقى العبد بينكم حسب ما كان، فإن أبيت بقي العبد بين شريكيك أثلاثاً لصاحب الربع ثلث، ولصاحب النصف ثلثاه، فكذلك إذا كان بينهما فقاطع أحدهما نصف نصيبه؛ الحكم سواء.
م: والمسألة في الموطأ نحو ما ذكر في كتاب ابن المواز.
م: ووجه هذا: أن المقاطع لما رضي بما قاطعه به سيده فقد سلم ذلك الربع لشريكه خاصة؛ لأنه قد أخذ عوضه فوجب ألا يعود إليه منه شيء والله أعلم بالصواب.
ابن المواز: ولو قاطعه أحدهما بإذن شريكه من الأربعمائة، حصته على مائة وقبضها منه ثم زاده الآخر في النجوم على أن يزيده المكاتب على حصته مائة ورضي بذلك شريكه فذلك جائز.

م: هذا لا يجوز على ما يتبين.
سحنون: لأنه لم يتعجل عنقه.
قال ابن المواز: وإن عجز قبل أن يأخذ المزاد شيئاً؛ خير المقاطع: بين رد نصف ما فضله به ويكون العبد بينهما، أو يتماسك ويسلم العبد لشريكه، وإن قبض المزاد مثل ما أخذ المقاطع أو أخذ جميع حقه الأول بلا زيادة بقي العبد بينهما، وإن كان إنما مات العبد قبل أن يأخذ المزاد شيئاً وترك مالاً فليأخذ منه المزاد جميع ماله عليه من حقه الأول والزيادة، فإن فضل بعد ذلك شيء كان بينه وبين المقاطع نصفين، وإن لم يترك شيئاً لم يرجع المزاد على المقاطع بشيء.
وذكر عن الفقيه ابن عمران -رضي الله عنه-: في المكاتب بين الرجلين يقاطعه أحدهما بإذن شريكه ثم يقتل العبد فتؤخذ قيمته من القاتل.
قال: قيمته مثل تركته وليست كرقبته؛ لأن القيمة مال كتركته ومن جنس ما أخذ المقاطع، والرقبة معينة تقع الرغبة فيها، فلذلك بديناه فيها فيكون المبدأ بأخذه ما بقي له الذي لم يقاطع، ويكون ما بقي بينهما.
وقال غيره: القيمة عوض من الرقبة؛ فإن كان فيها مثل ما أخذ المقاطع أخذه المتمسك، وإن كان أقل أو أكثر كان كالجواب في عجزه.
م: والأول أصوب؛ وذلك كالمكاتبين يقتل أحدهما أن قيمته كتركته يعتق فيها صاحبه أو ولده فكذلك قيمته هاهنا كتركته والله أعلم.
ومن العتبية روى أبو زيد عن ابن القاسم في مكاتب بين ثلاثة قاطع أحدهم بإذن صاحبه وتمسك الثاني ووضع الثالث ثم عجز العبد: فإن رد الذي قاطع نصف ما قاطع به

إلى المتمسك كان العبد بين الثلاثة بالسواء، وإن أبى كان العبد بين المتمسك وبين الذي وضع نصفين.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حل نجمٌ من نجوم المكاتب بين الرجلين؛ فقال أحدهما لصاحبه: بدني به وخذ أنت النجم المستقبل ففعل ثم عجز العبد عن النجم الثاني؛ فليرد المقتضي نصف ما قبض على شريكه؛ لأن ذلك سلف منه له ويبقى العبد بينهما، ولا خيار للمقتضي، بخلاف المقاطعة، وهذا كقول مالك في الدين يكون لهما منجماً على رجل فبدّى أحدهما صاحبه بنجم على أن يأخذ هو النجم الثاني ثم أفلس الغريم في النجم الثاني؛ أنه يرجع على صاحبه لأنه سلف منه له.
قال في كتاب ابن المواز: إلا أن يعجز المكاتب أو يموت قبل محل النجم الثاني فليس له أخذه به حتى يحل النجم الثاني.
قال ابن المواز: ولو حل النجم الثاني قبل عجزه فتعذر على المكاتب وانتظر لما يرجى له كان على الشريك أن يعجل لشريكه سلفه ثم يتبعان المكاتب جميعاً بالنجم الثاني.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا قدمه بنجم ثم حل نجم بعده فقال له: تقاض أنت وأنا واقضي ما أسلفتك، فليس ذلك عليه ولا له قبله شيء إلا أن يعجز المكاتب.

قال محمد: وكذلك لو حل على المكاتب نجم فلم يجد إلا نصفه فجاء به فقال الشريك: آثرني به وخذ أنت حقك في النجم الثاني، ففعل، كان أيضاً سلفاً منه لشريكه، يرجع عليه بحصته إن عجز المكاتب قبل أن يستوفي.
ولو قال الشريك: آثرني به وانظر أنت المكاتب؛ فرضي على هذا الشرط، أو كان إنما سأله المكاتب أن يدفع ذلك لشريكه وينظره هو بحقه، لكان ذلك انتظاراً منه للمكاتب في الوجهين، ولا يرجع به على الشريك إن مات المكاتب ولا شيء له إن عجز، ويكون العبد بينهما، وهذا إذا لم يكن فيسما جاء به زيادة على حق أحدهما، فأما لو كان فيه زيادة فأخذ ذلك الشريك بإذن شريكه واشترط فيه انتظار المكاتب، لم يلزم ذلك في الزيادة؛ لأن الزيادة من مصابة الذي لم يقبض، وقبض هذا لها كقبض صاحبها فإنما قبضها عنه وأحال بها القابض شريكه فيما لم يحل له، فإن لم يدفع ذلك المكاتب رجع الشريك بذلك على شريكه، وإنما الإنظار فيما قد حل لا فيما لا يحل.
قال: ولو سأل المكاتب أحدهم قبل محل شيء أن يؤخره بحصته من الكتابة كلها حتى يتم اقتضاء الآخر فرضي له بذلك؛ فذلك لازم لا رجعة له فيه بخلاف ما أحضره المكاتب؛ لأنه بإحضاره وجب لهما فإن كان جميع ما حل عليه من الكتابة فهو سلف من الشريك لشريكه لا يجوز فيه اشتراط أنه نظره منه للمكاتب لما قدمنا، وإن كان [نصف ما حل عليه] لا زيادة فيه فجائز للشريك أن يأس شريكه أن يسلم له ذلك، وينظر هو

المكاتب بحصته فيلزم ذلك، ولا رجعة له على شريكه حسب ما بيننا وبالله التوفيق.
ومن المدونة: ولو أخذ أحدهما جمع حقه من المكاتب بعد محله بإذن صاحبه فأخره صاحبه ثم عجز المكاتب؛ فلا رجوع للذي أخره على المقتضي، ويعود العبد بينهما، وهذا كغريم لهما قبض أحدهما حقه منه بعد محله وأخره الآخر ثم فلس الغريم؛ فلا يرجع الذي أخره على المقتضي بشيء؛ لأنه لم يسلف المقتضي شيئاً فيتبعه به ولكنه تأخير لغريمه.
قال ابن القاسم: وإن تعجل أحدهما جميع حظه من النجوم قبل محلها بإذن شريكه ثم عجز المكاتب عن نصيب شريكه؛ فهذا يشبه القطاعة عندي في عجز المكاتب إذا لم يكن له ذلك إلا بإذن شريكه، وقيل: ليس كالقطاعة، ويعد ذلك سلفاً من المكاتب للمتعجل وأما القطاعة التي أذن فيها أحد الشريكين لصاحبه فهي كالبيع؛ لأنه حظه على ما تعجل منه ورأى أنه ما قبض أفضل له من حظه في العبد إن عجز.
م: وبهذا أخذ ابن المواز ولم يعجله قول ابن القاسم: أنه كالقطاعة، ولا قول عبد الملك، وذكر أن عبد الملك يقول فيها: أنه إن عجز المكاتب قبل أن يحل عليه شيء من النجوم فليرجع على شريكه بنصف ما قبض وهو سلف من الشريك له، وإن عجز وقد حل شيئاً منها؛ فإنه يمضي للقابض نصيبه مما قد حل، ويخرج ما فضل عنده من ذلك ومما لم يحل؛ فيكون بينه وبين شريكه مع رقبة العبد مثل أن يعجز وقد حل عليه نجمان كل نجم عشرة لكل واحد خمسة من كل نجم فليجلس المقتضي حقه من النجمين وهو عشرة

ويخرج ما بقي منهما وهو عشرة مع سائر النجوم التي لم تحل مما قد اقتضاه، فيكون ذلك بينهما نصفين مع رقبة العبد.
ومن المدونة ابن وهب: وقال ربيعة: قطاعة الشريك بخلاف عتقه لنصيبه الذي يقوم عليه بقيته، ولكنه كشراء العبد نفسه.
م: قوله ولكنه كشراء العبد نفسه يريد: كشرائه من أحد سيديه حصته منه؛ فإنه لا يقوم عليه كما لا يقوم على المعتق بغير عوض، ولكنه ينظر: فإن كان ذلك بمعنى الكتابة؛ فإنه يرجع رقيقاً ويقتسمان المال إن أحبا.

باب في كتابة الجماعة، والتراجع بينهم، وتعجيل أحدهم الكتابة،

وعتق السيد بعضهم [وتدبيره أحدهم، وكتابة الجماعة لعبيدهم] والحمالة في ذلك.

قال مالك: ولا بأس أن يكاتب الرجل عبيده في كتابة واحدة ويكون كل واحد ضامن عن بقيتهم وإن لم يشترط ذلك السيد، ولا يعتق أحد منهم إلا بتمام أداء الجميع، ولسيد أخذهم بذلك؛ فإن لم يجد عند جميعهم فله أخذ المليء بالجميع، وهذا سنة الكتابة، بخلاف حمالة الديون، لو أن ثلاثة تحملوا لرجل ولم يشترط عليهم أن كل واحد حميل بما على صاحبه؛ لم يكن على كل واحد منهم إلا ثلث ذلك المال إلا أن يشترط عليهم: أن كل واحد حميل بجميع المال؛ فله أخذه به وتمام هذا في كتاب الحمالة.

قال ابن المواز: وله أن يكاتب كل واحد من عبيده في كتابة، ويتحمل بعضهم ببعض، ولكن لا يبيع واحداً منهم، ولا بعض كتابه، ولا يعتقه بغير إذن صاحبه وإسقاط ضمانه.
قال أبو محمد: إنما يعني محمد: أن ذلك في عقد واحد، ويلزم على ما قال: إن أدى واحد قبل الآخر لم يعتق حتى يؤدي الآخر، قال: ولا بأس أن يتحمل عبد له بمكاتب له ويضمن عنه الكتابة بخلاف الأجنبي.
ومن المدونة قال مالك: ولا يوضع عن المكاتبين في كتابة شيء لموت أحدهم.
قال ابن القاسم قال مالك: وإذا كوتبوا جميعاً كتابة واحدة؛ قسمت الكتابة عليهم على قدر قوتهم عليها، وأدائهم فيها، لا على قيمة رقابهم.
قال في كتاب ابن المواز: تفض الكتابة عليهم على قدر غنائهم ورجائهم يوم عقدت فقد يكون من لا يملك شيئاً أرجا لبعد اليوم ممن عنده اليوم الغناء فليجعل على كل واحد منهم بقدر ما كان يطيق.
قال ابن القاسم: على قدر قوته وحدته واجتهاده يوم عقدت الكتابة.
ابن المواز وقال عبد الملك: بحصته على العدد، وكذلك إن استحق أحدهم وهم أربعة سقط عنهم ربع الكتابة.

ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا أدى أحدهم الكتابة حالة رجع على أصحابه بحصصهم منها على النجوم.
م: يريد: على ما يقع على كل واحد من الكتابة يوم عقدت على ما بيننا ويدخله الاختلاف.
وكى ابن حبيب عن ابن القاسم: أنه يرجع عليهم على قدر قوتهم على الكتابة.
وقال أشهب: على قدر قيمتهم يوم كوتبوا.
وقال مطرف وابن الماجشون: على قدر قيمتهم يوم عتقوا ليس لوم كوتبوا.
وقال أصبغ: على قدر قيمتهم يوم كوتبوا، أو حالهم يوم عتقوا، لو كانت هي حالهم يوم كوتبوا.
وأخذ ابن حبيب بقول مطرف وابن الماجشون.
م: وهو خلاف ما ذكر محمد عن ابن الماجشون.
م: فصار في فض ما أدى عنهم خمسة أقوال: قول: على قدر قوتهم عليها.
وقول: على قدر عددهم.
وقول: على قدر قيمتهم يوم كوتبوا.

وقول: على قدر قيمتهم يوم عتقوا.
وقول: على قدر قيمتهم يوم كوتبوا، أو حالهم يوم عتقوا، أن لو كانت هي حالهم يوم كوتبوا.
م: وهذا فيما يرجع عليهم من أدى عنهم، وأما فيما يفضل عليهم في أداء الكتابة؛ فلا يصح إلا الثلاثة أقوال: على قوتهم عليها، وعلى عددهم، وعلى قيمتهم يوم كوتبوا.
م: وقول ابن القاسم على قدر قوتهم وغنائهم ورجائهم هو أثبتها والله أعلم.
قال ابن المواز قيل لأشهب: فإن كان فيهم صغير فبلغ السعي قبل أن يؤدوا؟ قال: فعليه بقدر ما يطيق يوم وقعت الكتابة على حاله.
قال محمد: يعني على حاله يوم الحكم أن لو كان هكذا يوم الكتابة.
قال أصبغ: ولا يعجبني هذا، ولكن على قدر طاقته يوم بلغ السعي، أن لو كان بهذا الحالة يوم الكتابة.
قال في باي آخر: وإذا كان فيهم يوم عقد الكتابة زمن لا سعاية له أو صغير فلا شيء عليه.
قال ابن القاسم: إلا أن يبلغ فينظر إلى حالته اليوم أن لو كان كذلك يوم وقعت الكتابة.

ابن المواز: وإذا أدى أحدهم الكتابة وعتقوا؛ فإن كانت الكتابة قد حلت رجع بذلك [حالاً إن كانوا أجنبيين، وإن كانت لم تحل رجع بذلك] على النجوم والحمالة قائمة عليهم كما كانت للسيد.
قال ابن القاسم: فإن فلس أحدهم حاص بما أدى عنهم غرماؤه.
قال ابن المواز: صواب؛ لأن ذلك سلف أخرجه عنهم من ماله فهو بخلاف السيد فيما يطالب من ذلك أو من قطاعة.
قال محمد: وإنما يرجع عليهم إذا أدى عنهم جميع الكتابة وعتقوا، وأما ما لا يعتقون به فلا يرجع بذلك عليهم إلا بعد العتاقة؛ لأن أخذهم بذلك الآن يضعفهم، وإنما أدى عنهم لتفرغهم للسعاية فلا يشغلهم باتباعهم عن الكتابة، ولو أخذ ذلك منهم لأخذه منه السيد عن نفسه وعنهم فنجوم السيد أولاً.
قال ابن القاسم فيه وفي المدونة: ولا يرجع على ما يعتق عليه أن لو ملكه بشيء.
فصل قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا: أن للمكاتب تعجيل المؤجل من كتابته، ويلزم السيد أخذه، وتعجيل العتق، وذلك: أنه يوضع عن المكاتب كل خدمة وسفر وعمل؛ لأنه لا تتم عتاقة رجل فتجوز شهادته وميراثه وعليه بقية من رق.
ابن وهب وقال ربيعة: ولأن مرفق التأجيل للعبد خاصة فإذا جاء بجميع كتابته فقد برئ، وقد أتى إلى عمر بن الخطاب مكاتب بكتابته وذكر أن سيده أبى أن يقبلها، فقال

عمر: خذها لا يرفأ فضعها في بيت المال، واذهب فأنت حر، فلما رأى ذلك مولاه قبضها، وكذلك فعل عثمان بن عفان.
فصل قال ابن القاسم: ومن كاتب عبدين له أجنبيين كتابة واحدة ثم حدث بأحدهما زمانه فأدى الصحيح جميع الكتابة؛ فإن الكتابة تفض عليهما بقدر قوتهما على الأداء يوم عقد الكتابة فيرجع الصحيح على الزمن بما صار على الزمن منها.
قال سحنون: لأنه عتق بالأداء، وقاله أشهب وأكثر الرواة.
قيل: فإن أعتق السيد هذا الزمن قبل الأداء؟ قال: عتقه جائز، وإن كره الصحيح، وتبقى جميع الكتابة على الصحيح، ولا يوضع عنه لمكان عتق الزمن شيء إذ لا منفعة له فيه وإن ترك ورد عتقه من الضرر.
م: ولأن عتق هذا قد وقع وانتقل به إلى حرمة الأحرار من الشهادة والموارثة وغيرها وهو اليوم لا منفعة لصاحبه فيه بل عليه ضرر نفقته، وإنما منفعته شيء يرتجيه قد يصح له أو لا يصح؛ فلا يسقط حقاً وجب لأمر غير متيقن.

م: قيل: فإن زمن أحدهما فأدى صاحبه عنه وعن نفسه زماناً ثم أعتق السيد الزمن بعد ذلك قبل تمام الكتابة، هل يرجع الذي أدى عن الزمن بما كان أدى عنه؟ فقال أبو عمران -رضي الله عنه-: يرجع عليه بذلك؛ لأنه إنما أسقط السيد بالعتق باقي الكتابة، وما أدى هذا عنه كدين لزم الزمن قبل العتق، وبمنزلة ما لو أخذ المكاتب مالاً من أجنبي فأداه في بعض كتابتهما ثم أعتق السيد الزمن بعد ذلك؛ فالدين باقي في ذمة المكاتب والزمن.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا كانا قويين على السعاية؛ لم يكن للسيد عتق أحدهما، ويرد ذلك إن فعل، فإن أديا عتقا، وإن عجزا لزم السيد عتق من كان أعتق، كقول مالك فيمن أعتق عبده وعليه دين: فرد غرماؤه عتقه ثم أيسر السيد قبل بيعه فأدى إلى الغرماء؛ فإن العبد يعتق بالعتق الأول الذي كان أعتق.
قال سحنون: ومثل ذلك من أخدم عبده أو آجره ثم أعتقه قبل تمام المدة، فلم يجز المخدم ولا المؤاجر؛ فالعتق موقوف، فإذا تمت المدة عتق العبد بالعتق الأول الذي كان أعتق.
ابن حبيب: قال أصبغ: وإذا أعتق السيد أحد المكاتبين فلم يجز الباقون ذلك فسعى معهم وأدى بعضه الكتابة ثم عجزوا وعتق الذي كان أعتق السيد؛ فلا يرجع على سيده بشيء مما كان أدى إليه بعد عتقه، وذلك كالغلة، وكذلك لو أدى معهم حتى عتقوا لم

يرجع على سيده بشيء مما أدى بعد عتقه مما كان ينويه إلا أن يكون له فضل فيرجع به على أصحابه.
م: لو وجب أن يرجع على سيده بشيء مما أدى بعد عتقه؛ لكان يسقط ذلك عنه وهو في الكتابة ولكن السيد لما رد فعله بقي العبد مكاتباً على حاله فما أخذه منه كالغلة.
م: وليحيى بن عمر مثل كلام أصبغ.
وقال بعض القرويين: إن المسألة يدخلها القولان اللذان في مسألة من أجر عبده ثم أعتقه أنه إذا قال: أردت عتقه الآن؛ كانت بقة الإجارة للعبد، فكذلك المكاتب إذا قصد أعتقه للوقت فما يقتضى منه يرد على العبد، ولا فرق بين حق الإجارة وبين حق المكاتبين.
م: إذا كان يقتضي منه يرد عليه في هذا القول فيجب أن يسقط ذلك عنهم، ويكون ذلك عوضاً من سعيه معهم، إذ ليس عليه أن يؤدي أكثر مما يخصه إذا كانوا يقوون على السعي، فإذا أدوا أعتقوا كلهم، وإن عجزوا ولهذا مال أدوا عنه بقية الكتابة، ورجع عليهم بذلك، وإن لم يكن له مال رقوا، وعتق هذا بالعتق لأول.
وقال بعض أصحابنا: يسقط عنه حصته ويسعى معهم بعد ذلك ولا أدري ما وجه ذلك.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإنما مُنع السيد من عتق أحد المكاتبين وهما قويان على السعاية من أجل صاحبه الذي معه في الكتابة، فإن أجاز صاحبه عتقه

وكان صاحبه يقوى على السعاية كما ذكرنا ليس بصغير ولا زمن جاز عتقه ويوضح عن الباقي حصة المعتق من الكتابة، ويسعى وحده فيما بقي عليه، ولا يسعى معه المعتق، ولو أجاز على أن يسعى معه المعتق فيما بقي عليه لم يجز العتق وسعيا جميعاً في جميع الكتابة.
وقال ربيعة: لا يجوز للسيد أن يعتق أحدهم أو يقاطعه، وإن أذن في ذلك أصحابه ويرد إن فعله؛ لأن سعاية العتق وماله عون لأصحابه في العتق.
قال سحنون: وهذا أعدل.
م: ينبغي أن ينظر في ذلك: أي ذلك أنفع لهم، من إجازة عتقه لضعفه عن السعي له، أو رده لقوته فيه فيفعل الأنفع لهم من ذلك.
قال ابن المواز: إذا كانوا قد أشرفوا على العجز لولا هذا الذي أعتقه السيد لقوته على السعي أو لكثرة ماله وقد يكون قد تقارب عتقهم، فلا يجوز في مثل هذا إذنهم للسيد في عتقه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو دبر السيد أحدهما بعد الكتابة ثم أديا؛ عتقا، وإن عجزا: لزم السيد تدبير من كان دبر، وإن مات السيد قبل عجزهما والمدبر يحمله الثلث وهو قوي على الأداء حين مات السيد؛ لم يعتق إلا برضى صاحبه على ما ذكرنا في العتق.
قال أبو محمد بن أبي زيد: انظر إن رضوا هل يكون في الثلث الأقل من قيمته أو ما يقع عليه من بقية الكتابة كما لو كان وحده؟ م: نعم يكون في الثلث الأقل، ولا فرق بينهما.

م: ذكر عن بعض شيوخنا أنه قال: ولو دبر أحدهما وهو زمن لا سعاية فيه ثم مات السيد؛ فإنما يجعل في الثلث قيمة الرقبة، ولا ينظر إلى الكتابة إذ هو عاجز عنها.
م: قال بعض أصحابنا: لا فرق بين الزمن وغيره؛ لأن الكتابة قائمة ومن معه في الكتابة يؤدي عنه فحكمها باق.
م: وهو الصواب؛ لأن من لم يعجز بعد، حكمه حكم المكاتب، وهذا بين والله أعلم.
وفي العتبية قال سحنون عن المغيرة: فيمن كاتب ثلاثة أعبد له كتابة واحدة وبعضهم حميل ببعض، فأبق أحدهم، وعجزهم السلطان، ثم قدم الآبق ومعه قوة على الأداء، والسلطان الذي عجزهم قائم، فالقادم على كتابته إن أداها عتق هو والمكاتبين معه ويرجع عليهم بما أدى عنهم.
قال بعض أصحابنا: إما ذلك إذا لم يعلم الغائب أو جهل وجه الحكم فعجز أصحابه دونهم فوجب نقض حكمه، فأما لو علم بالغائب فتلوم له وعجز الجميع ثم قدم الغائب؛ فالحكم ماض عليه وعلى أصحابه ويرقون أجمعون.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كان المدبر زمناً يوم مات السيد؛ عتق في الثلث، ولا يوضع عن أصحابه من الكتابة شيء كعتق الصغير والزمن.

جارٍ التحميل