قال مالك في كتاب محمد فيما عقده الأب العبد على ابنته أو غيرها، أو فيما عقدته المرأة على ابنتها أو ابنة غيرها أو على نفسها: يفسخ قبل البناء أو بعده، وإن ولدت الأولاد وطال زمانه أجازه الأولياء أو كان بإذنهم، كان [لها] خَطْبٌ أو لم يكن، ويفسخ بطلقة، ولها المسمى إن دخلت.
قال أصبغ: ولا ميراث فيما عقدته المرأة أو العبد وإن فسخ بطلاق، لضعف الاختلاف فيه.
قال ابن القاسم: وكذلك عَقَدُ مَنْ فيه بقية رق.
قال مالك: وكذلك إن كانت المرأة أو العبد وصيين على التي عقدا عليها، فلا يجوز عقدهما، إلا أن للعبد الوصي أو المرأة الوصية أن يولِّيا أجنبيًا على العقد، فيجوز وإن كره الأولياء، وإن لم يكونا وصيين فلا يجوز عقدهما ولا استخلافهما.
قال ابن القاسم في العتبية: وإن كان العبد ذا نَفَاذ ونَظَر فليحضر وليُسمع من رأيه، وليس له في الاستخلاف شيئًا.
وقال في الواضحة: وإن جَهِلَ العبد فاستخلف غيره فعقد نكاح ابنته الحرة فسخ ذلك، وإن فات بالبناء مضى ولم يفسخ.
قال في العتبية: وكذلك النصراني لا يزوج ابنته المسلمة ولا يستخلف من يزوجها، ولا يطلب في ذلك رضاه إلا أن يكون وصيَّاً لرجل مسلم وأجازه الإمام
فله أن يستخلف مسلمًا يلي عقد نكاح بنات الميت.
قال عبد الوهاب: وإنما لم يجز عقد العبد على النساء، لأن الرق ينافي ولاية عقد النكاح، لأن العبد ناقص نقصًا أوجبه الكفر، وهو أصل رقِّه، فهو كالكافر فيه، ولأن كلَّ نقص منع وجوب صلاة الجمعة وتقلَّدَ الحكم منع ولاية عقد النكاح على النساء كالنساء.
ومن المدونة: قال مالك: والعبد إذا استخلفه حر على البُضْعِ فليوكِّل غيره على العقد.
قال مالك: وللمكاتب إنكاح إمائه على ابتغاء الفضل، وإلا لم يجز إذا ردَّ ذلك السيد.
ولا يتزوج المكاتب إلا بإذن سيده.
فصل [3 - في النكاح تعقده امرأة]
قال مالك: ولا تعقد المرأة نكاحًا على أحد من الناس ولا ابنتها ولكن تستخلف رجلاً يعقد لها النكاح إن كانت وصيةً، ولها أن تستخلف أجنبيًا وإن كان أولياء الجارية حضورًا.
قال سحنون: قال بعض / الرواة: وذلك أن جميع من سميت ليس بولي، فإذا استُخلف أحد منهم على النكاح فليستخلف هو غيره، بذلك جاءت الآثار والسنة.
وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ميمونة، فجعلت ميمونة أمرها إلى أمُّ الفضل، فولَّت أمُّ الفضل العباسَ فزوَّجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى ابن وهب عن أبي هريرة أنه قال: لا تُزوِّجَ المرأةُ المرأة، ولا تُزوِّجُ المرأةُ نفسها، فالزانية هي التي تُنكِحُ نفسها.
قلت لابن القاسم: فحديث عائشة رضي الله عنها حين زوجت حفصة بنت أخيها عبد الرحمن من المنذر بن الزبير، أليس قد عقدت عائشة رضي الله عنها النكاح؟
قال: لا أعرف تفسيره، إلا أني أظنُّ أنها وكَّلت مَنْ عقد نكاحها.
قال ابن المواز: ولا يثبت أنها عقدته، فلا يحتج بمثل هذا، وقد يقال فيمن فعل بأمره أن الآمر فعله، وكما جاء في بريرة أنها كانت مكاتبة فاشترتها
عائشة رضي الله عنها، فصار ولاؤها لها، وليس في الحديث أنها عجزت، فلم يستقم إلا أن يقال: إنها عجزت، لأنه لا اختلاف في أن ولاء المكاتب لمن عقد كتابته، إلا أن يعجز، فعلى هذا يُحْمَلُ أمر عائشة في التزويج أنها أمرت من عقد النكاح، وذكر حديث أبي هريرة أنه قال: لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج نفسها، فإن الزانية هي التي تنكح نفسها.
قال الشيخ: وذكر هذا الحديث عبد الوهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تنكح المرأة نفسها».
وقال غير ابن القاسم في المدونة: قد جاء حديث عائشة رضي الله عنها ولكن لم يصحبه عمل، فهو كغيره من الأحاديث مما لم يصحبه عمل، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن»، وقد أُنزِل حدُّه على الإيمان، وقَطْعُه على الإيمان،
وروي عن الصحابة رضي الله عنهم أحاديث لم يعمل بها، وأخذ عامة الناس والصحابة بغيرها، فبقي الأول غير مُكَذَّب ولا معمول به، فاترك ما تُرِكَ العمل به، ولا تكذِّبه، واعمل بما عُمِلَ به، وصَدِّقه، وقد صَحِبَ العملَ قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتزوج المرأة إلا بولي»، وقول عمر: لا تتزوج المرأة إلا بولي، وإن عمر فرَّق بين من يَزَّوَّجُ بغير ولي.
وقال عيسى عن ابن القاسم: وللرجل أن يستخلف من شاء امرأة أو عبدًا أو نصرانيًا يعقد نكاحه.
قال: فتعقد المرأة على عبدها نكاحه، ولا تعقد على أمتها، وكذلك قال ابن حبيب: إن للمرأة أن تليَ عقد نكاح من تلي عليه من الذكور، وكذلك في عبدها، وأنها لا تعقد على من لا يعقد على نفسه أبدًا.
قال الشيخ: وإنما يعقد على من له حِلُّ ما عقدت عليه يومًا مَا.
[الباب الثاني عشر]
في نكاح بغير إذن الولي
[فصل 1 - في ذكر ما يدل على تحريم النكاح
بغير إذن الولي وعقوبة فاعله]
روى ابن وهب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنكح المرأة بغير إذن وليها، فإن نكحت فنكاحها باطل، وأعادها ثلاث مرات، فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له».
قيل لمالك فيمن يزوج امرأةً بغير أمر الولي بشهود: أَيُضْرب أحد منهم؟
فقال: أو دخل بها؟
قالوا: لا، وأنكر الشهود أن يكونوا حضورًا.
فقال: لا عقوبة عليهم.
قال ابن القاسم: إلا أني رأيت منه أنه لو دخل عليها لعوقبت المرأة والزوج والذي / أَنْكَح، ويؤدَّب الشهود أيضًا إن عَلِمُوا.
قال ابن وهب: وروي عن عمر بن الخطاب في رَكْبٍ جمعتهم الطريق، قولَّت امرأة أمرها غير وليِّ فأنكحها رجلاً منهم، ففرَّق عمر بينهما، وعاقب النَّاكِحَ والمُنْكِح.
وكتب به عمر بن عبد العزيز إلى أيوب بن شرحبيل: أَيُّما رجل نكح
امرأة بغير إذن وليِّها انتَزِعْ منه امرأته، وعاقِبِ الذين أَنْكَحُوا.
[فصل 2 - في ما يترتب على النكاح بغير إذن الولي إن فعل]
قال مالك: ويكره للرجل أن يتزوج امرأةً بغير إذن وليها.
قال ابن القاسم: فإن فَعَل كُرِهَ له وطؤها حتى يعلم وليُّها فيجيز أو يفسخ، ولو أن امرأة استخلفت رجلاً فزوجها بغير إذن الولي، فسخه الإمام أو وليها عند الإمام، فليفسخه بطلقة بائنة، سواء دخل بها أو لم يدخل، ثم إن أرادته زوَّجها إياه الإمام مكانها وإن كَرِهَ الولي، إذا دعت إلى سداد وإن لم يساوِ حَسَبَها ولا غِناها، وكان مرضَّيًا في دينه وعقه، وهذا إذا لم يكن دخل بها.
قال الشيخ: يريد: ولو كان دخل بها لم يُنكِحْها حتى تستبرأ بثلاث حيض.
قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران في قوله: وهذا إذا لم يكن دخل بها، قال: إن كان الاشتراط من قول ابن القاسم فهو خلاف الذي ذكر ابن حبيب.
والذي ذكر ابن حبيب قال: قال مالك: إن كان نكاحًا ليس لأحد إجازته فلا يتزوجها في الاستبراء منه، وإن كان للولي أو السلطان إجازته فله أن يتزوجها في عدتها منه قبل تمامها.
قال أبو عمران: فإن كان هذا الاشتراط من لفظ سحنون فقد مرَّ على مذهبه، لأنه قال في العبد يتزوج بغير إذن سيده فيجيز السيد نكاحه: أنه يستبرئ بعد إجازة السيد، وقاله ابن الماجشون معه.
وكذلك كل عقد كان فاسدًا ثم أجيز فلابد فيه من الاستبراء، بخلاف من تزوج بصداق فاسد، هذا إذا ثبت بالدخول لا استبراء فيه.
وكذلك الذي يكون عقده صحيحًا ثم يطؤها وطأ فاسدًا مثل وطء الحائض والصائمة في رمضان، لا استبراء في هذا الوطء.
قال الشيخ: لأن الاستبراء في مثل هذا إنما يقع في ابتداء النكاح أو ما ضارعه مما للولِيِّ فسخه أو إجازته كابتداء نكاح، وأما نكاح لا تعقُّبَ لأحد في إجازته فلا استبراء في وطئه.
قال الشيخ: يريد: ولو كان دخل بها لم يُنكِحْها حتى تستبرأ بثلاث حيض.
قال ابن القاسم: وإن كان وليها غائبًا وقد استخلفت رجلاً فزوَّجها فرفعت هي أمرها إلى الإمام قبل قدوم وليها، نظر الإمام في ذلك وبعث إلى وليها إن قرب، وإن بَعُدَ نظر كنظر الغائب في الردِّ والإجازة.
وقال غيره: إن كانت غيبة الولي بعيدةً لم ينتظر، وينبغي للإمام أن يفرق بينهما ويأتنف نكاحها منه إن أرادته، ولا ينبغي أن يُثْبِتَ نكاحًا عقده غير وليٍّ في ذات الحال والقدر.
قال ابن القاسم: وإذا تزوجت امرأة بغير إذن الولي فأراد الولي أن يفرق بينهما فالفرقة في مثل هذا لا تكون إلا عند السلطان، إلا أن يرضى الزوج بالفراق دونه.
وإن تزوجت ولم تستخلف أحدًا لم يقر هذا النكاح في دنيئة ولا غيرها، ويفسخ وإن ولدت الأولاد، لأنها هي عقدت النكاح، ولا يجوز ذلك على حال.
قال / ابن القاسم: ويدرأ عنها الحد.
وإن زوجها وليها من رجل، ثم طلقها ذلك الرجل ثم خطبها فليس له نكاحها إلا بعقد الولي أيضًا، والنكاح الأول والثاني سواء.
وقال ابن القاسم: من أعتق أم ولده وله منها أولاد رجال ثم أنكحها سيدها من نفسه أو من غيره برضاها جاز وإن كره ولدها، لأن المَوْلى ولي.
وبالله التوفيق.
[الباب الثالث عشر]
في النكاح الذي يفسخ بطلاق أو بغير طلاق
[فصل 1 - في النكاح الذي يفسخ بطلاق]
قال مالك: كل نكاح يكون للولي أو لأحد الزوجين أو لغيره إمضاؤه أو فَسخُه، فإن فَسْخَه إياه بطلاق، وتكون تطليقة بائنة.
قال ابن القاسم: ويقع فيه الطلاق والمواريثة قبل الفسخ، مثل التي تتزوج بغير أمر الولي، فيطلقها الزوج قبل البناء أو بعده، فإنه يلزمه ما طلقها، وكذلك إن خالعها على مالٍ أخذه منها قبل أن يجيز الولي، ثم أبى الولي أن يجيز، فإن الزوج يحل له ما أخذ منها، لأن طلاقه يقع عليها بما أعطته.
قال ابن القاسم: لأن فسخ هذا النكاح عند مالك لم يكن على وجه تحريم النكاح، ولم يكن عنده بالأمر البين، وقد سمعته يقول: مَا فَسْخَه بالبين ولكنه أحب إلي.
فقلت له: أترى أن يفسخ وإن أجازه الوي؟
فوقف عنه، فعرفت أنه عنده ضعيف.
وقال غيره في التي خالعها على مال: يرد المال، لأن للولي الإجازة أو الفسخ، مثل التي تتزوج رجلاً فتختلع منه، ثم يظهر أنه كان مجنونًا أو مجذومًا، فالخلع ماض، وترجع عليه بما أخذ منها، لأنها أملك لفراقه.
[فصل 2 - في النكاح الذي يفسخ بغير طلاق]
وقال ابن القاسم غير مرةٍ هو وأكثر الرواة: إن كلَّ نكاحٍ كانا مغلوبين على فسخه مثل نكاح الشغار ونكاح المريض والمحُرِم، وما كان صداقه فاسدًا، أو عُقِدَ على أن لا صداق فيه فأُدْرِكَ قبل البناء فكانا مغلوبين على فسخه، فالفسخ في ذلك كله بغير طلاق، ولا يقع فيه طلاق، ولا ميراث فيه.
قال ابن القاسم: وما عقدته المرأة على نفسها أو على غيرها، وما عقده العبد على غيره، فإن هذا يفسخ قبل البناء وبعده بلا طلاق، ولا ميراث فيه، وهكذا قال مالك: إن كل نكاح يفسخ على كل حال فالفسخ فيه بغير طلاق.
قال الشيخ: وقد تقدم لمالك في كتاب محمد: أن ما عقدته المرأة على نفسها فالفسخ فيه بطلاق.
قال ابن القاسم: وكل ما فسخ بعد البناء مما فسد لعقده ففيه المسمى، وما فسخ من جميع ما ذكرت قبل البناء فلا صداق فيه، وترده إن قبضته.
قال الشيخ: وإنما قال ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها»، وفيه دليلٌ أنه إن لم يصبها فلا مهر لها.
قال ابن القاسم: وإن قذفها الزوج في النكاح الذي لا يقرَّان عليه على حال لَاعَن، لثبوت النسب فيه، وإن ظاهر منها لم يلزمه ظهار إلا أن يريد بقوله: إن تزوجتك، من ذي قبل، فهذا إن تزوجها تزويجًا صحيحًا لزمه الظهار.
وإن آلى منها لم يلزمه الإيلاء، لأنه أمر بفسخ، ولكن إن تزوجها بعد هذا النكاح المفسوخ لزمه الإيلاء، لأنه لو قال لأجنبية: أنت طالق، لم يلزمه شيء، ولو قال لها: والله لا أطؤك، ثم تزوجها كان مُوليًا منها عند مالك، وإنما الظهار بمنزلة الطلاق.
ولو قال لأجنبية: أنت طالق، لم يلزمه شيء إلا أن يريد بقوله: إن تزوجتك فأنت طالق، فهذا إن تزوجها فهي طالق، وكذلك الظهار، ثم قال ابن القاسم لرواية / بَلَغَتْه عمن يرضاه من أهل العلم: إن كلَّ نكاح نصَّ الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام على تحريمه لا يختلف فيه فإنه يفسخ بغير طلاق، وإن طلق فيه قبل الفسخ لم يلزمه، ولا يتوارثان كمتزوج الخامسة أو أخته من الرضاعة، أو المرأة
في عدتها، أو على عمتها، أو على خالتها، أو على أمها قبل أن يدخل بها، ولا تحرم بهذا النكاح إن لم يمسَّ فيه على آبائه وأبنائه، ولا يكونان به إن مسَّها فيه مُحصَنَيْن.
وقال غيره في الذي يتزوج امرأة ولم يدخل بها حتى تزوج ابنتها فَعَلِمَ بذلك وفسخ نكاح الابنة: أن الابنة لا تحلُّ لآبائه ولا لأبنائه لشبهة العقد.
قال الشيخ: وقول الغير يدخل في التي تتزوج على أختها أو عمتها أو خالتها وإن دخل بهن، لأنها تحل له بعد الفسخ إن فارق الأولى، وأما لو دخل بالأم ثم تزوج البنت فسخ نكاحه قبل البناء، فإنه لا تحرم هذه الابنة على آبائه ولا أبنائه في قول ابن القاسم وغيره.
قال ابن القاسم: وكل ما اختلف الناس في إجازته أو رده فالفسخ فيه بطلاق، ويقع فيه الطلاق والموارثة قبل الفسخ كالمرأة تُزوج نفسها، أو تُنْكَحُ بغير ولي، والأمة تتزوج بغير إذن السيد، لأن هذا قد قال خلق كثير: إن أجازه الولي جاز، ألا ترى أنه لو زوجت امرأة نفسها فرفعت ذلك إلى قاض يجيز ذلك، وهو رأي [بعض] أهل المشرق، فقضى به وأنفده حين أجازه الولي، ثم أتى قاض ممن لا يجيزه أكان يفسخه؟ ولو فسخه لأخطأ في قضائه.
وهكذا كلُّ نكاح اختلف الناس في إجازته أو فسخه إذا رُفع إلى قاض فحكم بإجازته، ثم رُفع بعد ذلك إلى غيره، لم يكن له نقضه، لأن غيره قد حكم به، وهو مما اختُلِف فيه.
قال ابن القاسم: وكذلك نكاح المحرِم والشغار بعينه أحب ما فيه إليَّ أن يفسخ بطلاق، ويكون فيه الميراث، لأنه قد اختُلف فيه.
قال الشيخ: وتحصيل ما يفسخ بطلاق أو بغير طلاق في قول ابن القاسم، هو: أن كل نكاح لأحد الوليين أو الزوجين إجازته أو فسخه فلم يَختلف قوله أن الفسخ فيه بطلاق، وأن كلَّ ما نصَّ الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام على تحريمه لا يختلف فيه، فالفسخ فيه بغير طلاق، واختلف قوله فيما اختلف الناس فيه فقال: يفسخ بغير طلاق، وقال: بل بطلاق، وكل ما فُسخ بطلاق ففيه الميراث على قوله هذا، وكل ما فسخ بغير طلاق فلا ميراث فيه.
[فصل 3 - في تطليق العبد امرأته قبل إجازة السيد نكاحه]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا نكح عبد بغير إذن سيده وطلق امرأته قبل أن يجيز السيد نكاحه، أو أُعتقت أمة تحت عبد فطلقها زوجها قبل أن تختار، فالطلاق لازم، كان واحدة أو البنات، فإن فسخ السيد نكاح عبده قبل البناء لم يجز للعبد أن يتزوج أمها، وكذلك كل ما فسخ نكاحه قبل البناء مما اختلف
الناس فيه، فإنها لا تحل لأبيه ولا لابنه، لأن كل نكاح اختلف الناس فيه فالحرمة تقع فيه كالحرمة في النكاح الصحيح الذي لا اختلاف فيه.
[فصل 4 - في تزويج الغائب بغير أمره]
وقد روي عن مالكٍ في رجل زوَّج ابنه البالغ المالك لأمره وهو غائب بغير أمره، ثم أتى الابن فأنكر ما صنع أبوه، قال: لا ينبغي للأب أن يتزوج تلك المرأة.
قال مالك: وإن زوَّج أجنبي غائبًا بغير أمره فأجاز إذا بلغه لم يجز هذا النكاح / وإن رضي إذا طال ذلك، ولا يتزوجها أبوه ولا أجداده ولا ولده ولا ولد ولده.
قال ابن القاسم: ولا ينكح هو أمها، وينكح ابنتها إن لم يبن بالأم.
وقال المغيرة وابن الماجشون وابن دينار: إذا قدم الغائب فلم يرض فلا يقع بذلك التحريم، وروي لمالك.
قال عبد الملك: وإن أجازه القادم ففسخناه فإن الحرمة تقع به حينئذ.
قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم: أنه نكاح اختلف في جوازه إن أجازه الزوج، ولأنه يجوز عندنا إن أجازه بالقرب، فوجب أن تقع به الحرمة كالنكاح الذي لأحد الزوجين إجازته أو فسخه.
ووجه رواية عبد الملك: أنه إنما تقع الحرمة في نكاح اتفق الزوجان على عقده بغير مؤامرة الولي، وكان للولي الخيار فيه، أو كان بأمر الولي فوجد أحد الزوجين بالآخر عيبًا فوجب له الخيار في فسخه، فهذا تقع الحرمة فيه لاتفاق الزوجين على عقده، وأما الغائب فلم يأمر بنكاحه من هذه ولا رضيه فلا يجب أن تقع الحرمة فيه.
قال الشيخ: وإذن لا يشأ أحد أن يمنع رجلاً نكاح امرأة أراد نكاحها إلا ذهب إليها ورغَّبها في الصداق، وأنكحها من أبيه أو ابنه بغير أمره فأوقع الحرمة بينهما وهذا من الضرر.
فصل: 5 - [في حق السيد في التطليق على عبده
إن نكح بغير إذنه]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا نكح عبد بغير إذن سيده فللسيد أن يطلق عليه واحدة بائنة أو طلقتين جميع طلاق العبد.
قال الشيخ: لأنه لما نكح بغير إذن السيد صار طلاقه بيد السيد، فله أن يُبَيِنُهَا منه كما كان ذلك للعبد.
قال مالك: فإن طلق عليه طلقتين، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.
وقال أكثر الرواة: لا يطلق عليه إلا واحدة، لأن الواحدة تُبِينَهَا وتُفْرِغُ له عبده.
قال مالك: وللأمة إذا عتقت تحت العبد أن تختار نفسها بالبتات.
قال ابن القاسم: وإنما جَعَلَ ذلك لها مالك لأنه ذَكَرَ عن ابن شهاب في زبراء أنها قالت: ففارقْتُه ثلاثًا، فبهذا الأثر أخذ مالك، وكان يقول مرة: لا تختار إلا واحدة بائنة، وقاله أكثر الرواة.
قال الشيخ: فوجه الأول: أنها ملكت ما كان يملكه من الفراق، فلها أن تفارقه بما شاءت كَهُوَ.
ووجه الثانية: أن الواحدة تبينها منه، وتملك نفسها بها، فالزيادة على ذلك ضرر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» فَمُنِعَتْ أن تُضِرَّ به.
[الباب الرابع عشر]
في إنكاح الرجل أم ولده ومكاتبته ومدبرته وأمته وعبده كرها وفي تزويج الأمة والعبد بغير إذن سيده
[فصل 1 - في إكراه الرجل أم ولده ومكاتبته
ومدبرته على النكاح]
قال ابن القاسم: وكره مالك أن يزوج الرجل أم ولده.
قال ابن القاسم: فإن فعل لم يفسخ.
قال ابن حبيب: اختلف قول مالك في جواز إكراه إياها على النكاح، فأجازه مرةً إذا زوَّجها ممن يشبهها، ثم رجع فقال: لا يزوجها إلا برضاها، وكان أحب إليه أن لا يزوجها أصلاً على وجه التنزُّه.
قال ابن المواز: له أن يُكْرِهَ أم ولده ومكاتبته ومدبَّرته على النكاح.
وقال في كتاب المكاتب: ولا يزوج مكاتبته إلا برضاها.
[فصل 2 - في إكراه الرجل عبده وأمته على النكاح]
ومن المدونة: قال مالك: وله أن يُكْرِه عبده أو أمته على النكاح.
قال في كتاب ابن المواز: وليس له أن يضر به / فيزوجه ما لا خير فيه.
قال عبد الوهاب: وقال الشافعي: ليس له أن يُكْرِهَ العبد.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32] ولم يشترط رضاهم، ولأنه عقد على منفعة كالإجارة، ونقيس العبد على الأمة.
ابن المواز: قال مالك في العبد نصفه حر: لا يزوجه سيده إلا برضاه، ولا يتزوج هو إلا برضى سيده، وكذلك الأمة نصفها حر لا يتم نكاحها إلا برضاها.
[فصل 3 - في تزويج السيد معتقته إلى أجل]
واختلف قوله في المعتقة إلى أجل فقال: يزوجها بغير رضاها، وقال: لا يزوجها إلا برضاها.
قال أشهب: له أن يزوجها كما له أن ينتزع مالها، وكذلك روى ابن القاسم عن مالك.
قال ابن المواز: مَنْ له انتزاع مالها فله إكراهها ما لم يطلب بذلك ضررها.
قال الشيخ: يريد: فإذا قرب أجل عتقها لم يكن له أن يزوجها كُرْهَاً كما له أن ينتزع مالها.
وكذلك في العتبية عن ابن القاسم قال فيها في الموصى بعتقها إلى أجل وهي تخدم الورثة: فليس لهم إكراهها على النكاح ولكن برضاها، ولا لهم انتزاع مالها قرب الأجل أو بعد.
وقال سحنون، ولأنها به قوِّمت في الثلث.
فصل [4 - في تزويج السيد عبده على أن الطلاق بيد السيد]
ومن الواضحة: قال ابن الماجشون: ولا يجوز أن يزوج عبده على أن الطلاق بيد سيده ويفسخ، وإن بنى بها مضى ويبطل الشرط.
فصل [5 - في زواج العبد والأمة بغير إذن السيد]
ومن المدونة: قال مالك: ولا يتزوج عبد أو أمة بغير إذن سيده.
قال الشيخ: لقوله تعالى في آخر الآية بعقب ذكر الإماء: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ [النساء: 25]، وقال صلى الله عليه وسلم: «أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر» وهذا أبلغ شيء في الحظر عليه، رواه عبد الوهاب.
ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج أمة رجلٍ بغير إذنه لم يجز النكاح وإن أجازه السيد، ويفسخ وإن ولدت الأولاد.
قال ابن القاسم: ولو أعتقها السيد قبل علمه بالنكاح لم يكن بُدٌ من فسخه.
قال مالك: وإذا فرِّق بينهما بعد البناء فلا ينكحها الزوج إلا بعد العدة من مائة الفاسد، وإن كان نسبُ ما في بطنها يثبت منه.
قال ابن القاسم: وكذلك إن اشتراها الزوج في تلك العدة فلا يطؤها حتى تنقضي عدتها لفساد مائة.
قال مالك: وكل وطءٍ كان فاسدًا يُلحق فيه الولد ففرق بين الزوج والمرأة فلا يتزوجها حتى تنقضي عدتها.
ولو باع الأمة رجل، أو باعت هي نفسها بغير إذن السيد فأجازه السيد جاز، فإن قال المشتري: لا أقبل البيع، فلا كلام له، والبيه له لازم.
قال عبد الوهاب: تزويج الأمة بغير إذن السيد على وجهين: فإن باشرت العقد على نفسها لم يجز وإن أجازه السيد، فالنكاح فاسد، ولا يلتفت إلى إجازة السيد، لأن فساده في العقد لحقِّ الله تعالى، وإن ردت أمرها إلى رجل فعقد عليها فروايتان:
إحداهما: أنه كعقدها على نفسها، لأن السيد يزوج بالملك، وغيره يزوج بالولاية وذلك غير متفق.
-قال الشيخ: وهذا مذهب المدونة-.
والأخرى: أنه يجوز بإجازة السيد كما لو أذن لهذا العاقد لجاز عقده، وكإذنه لعبده أن يعقد على نفسه، فوقوعه بغير إذنه موقوف على الإجازة والرد
قال ابن المواز: ومن اشترى جارية / من رجل وهو يعلم أنها ليست له فوطئها فهو زان، وعليه الحد، وولده رقيق لسيد أمهم، بخلاف أن لو زوجته الأمة نفسها وأخبرته أنها حرة وهو يعلم أنها كاذبة فيطؤها بعد العلم، فلا يكون على هذا حد، ويلحق به نسب ولده، وهم وأمهم رقيق لسيدها، ويفسخ نكاحها، لأنه تزوجها بغير إذن السيد، وجعلتُ الولد رقيقًا، لأنه تزوجها وهو عالم أنها أمة، وهذا إذا أشهد على إقراره قبل تزويجه إياها فلا، لأنه يُتهم أن يُرِقَّ بذلك ولده، ويدفع عن نفسه غرم النفقة فيهم، فلا يصدق، ويكونون أحرارًا وتلزمه قيمتهم.
قال أشهب: وإن كان عديمًا أُتْبِعَ بقيمتهم دينًا، ولا قيمة عليه فيمن مات منهم قبل ذلك ولا على الولد الموسر قيمة نفسه وإن كان الأب عديمًا.
[فصل 6 - في تزويج الأمة أو العبد بين السيدين]
ومن المدونة: قال: ولا تنكح أمة ولا عبد بين رجلين إلا بإذنهما، فإن عقد للأمة أحد الشريكين بصداق مسمَّى لم يجز وإن أجازه الآخر، ويفسخ وإن دخلت، ويكون بين السيدين الصداق المسمى إن دخلت، فإن نقص عن صداق المثل تم للغائب نصف صداق المثل إن لم يرض بنصف التسمية.
[قال الشيخ]-يريد إن أخبر العاقد الزوج أنه إنما يملك نصفها، فأما إن غره فقال: هي حرة، أو قال: هي لي وحدي، فهاهنا يرجع الزوج على العاقد بكل ما غرمه للشريك الغائب، ويرجع على العاقد أيضًا بما دفع إليه إلا نصف ربع دينار.
قال ابن حبيب: وإذا نكح عبد بإذن أحد سيديه فللآخر أن يفسخ نكاحه، ويأخذ من المرأة جميع ما أصدقها، فيكون ذلك بيد العبد مع ماله إلا أن يجتمعا على قسمه، ولا يترك لها منه ثلاثة دراهم [ولا حجة لها] إذا كانت تعلم أن الآذن فيه شريك، فإن اقتسما الصداق أو ماله فلها أن تأخذ من الآذن حصته من الصداق، ولو غرَّها الآذن ولم يعلمها ردت إلى العبد جميع ما أصدقها ورجعت هي بمثله على الآذن، وإن استهلكته اتبعها الذي لم يأذن بجميعه واتبعت هي الآذن بمثله، ولها اتباع ذمة العبد بجميع ما أخذ منها إلا أن يسقط عنه الذي لم يأذن فيسقط كله، لأن الذمة لا تنقسم.
قال الشيخ: قول ابن حبيب كله موافق لأصله في المدونة إلا قوله: ويأخذ من المرأة جميع ما أصدقها، ولا يترك لها ثلاثة دراهم إذا كانت تعلم أن الآذن فيه شريك فهذا خلاف للمدونة، ففي المدونة بعد هذا: أنه يترك لها ربع دينار.
قال الشيخ: وهو صواب، لئلا يعرى البضع من صداق.
[فصل 7 - في إجازة السيد نكاح عبده]
ومن المدونة: قال مالك: ولو نكح العبد بغير إذن سيده فأجاز نكاحه جاز.
ابن القاسم: وهو في هذا بخلاف الأمة، لأن العبد يعقد نكاح نفسه بإذن سيده وهو رجل، ولا يجوز للأمة أن تعقد نكاح نفسها، فإن فعلت لم يجز وإن أجازه السيد.
قال عبد الوهاب: وقال أبو الفرج: القياس أن لا يصح نكاح العبد بوجه كالأمة، وهو قول الشافعي، ودليلنا: أن العقد لا يمتنع أن يقع على الفسخ كنكاح العنِّين، والخصي، والحرة للعبد، وغير ذلك، فإذا ثبت هذا فإن أجازه السيد جاز.
قال: وإن طلق فيما أجازه السيد فله أن يرتجع وإن كره السيد، لأن الرجعة من حقوق النكاح.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا نكح العبد بغير إذن سيده فقال السيد: لا أجيز، ثم قال قد أجزت، فإن أراد بأول قوليه فسخًا تم الفسخ ولم يجز النكاح وإن أجازه السيد إلا بنكاح مستقبل، وإن أراد أنه لم / يرض ثم كُلِّمَ فأجازه فذلك جائز إذا كان ذلك قريبًا.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ويصدَّق السيد إن لم يرد عزم الفراق في المجلس ما لم يَقُمَ، وإن شك السيد على أي وجه خرج [ذلك] منه فهو فراق
واقع.
قال مالك: وأما البيع فبخلاف ذلك إذا قال فيما بيع عليه، قد رضيت، فقد تم للمشتري.
[فصل 8 - فيمن أعتق عبده أو باعه قبل علمه بنكاحه]
قال ابن القاسم: وإن أعتقه السيد قبل علمه بنكاحه جاز نكاحه، ولم يكن للسيد رده، فإن باعه السيد قبل علمه بنكاحه لم يكن للمبتاع فسخه، وله أن يرضى بالعبد أو يرده، فإن رده كان للبائع إذا رجع إليه أن يفسخ نكاحه أو يجيز.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: ولو علم المشتري بنكاحه فأقره ورضي به ثم اطلع على عيب قديم، إنه إذا رده بالعيب القديم رد معه ما نقصه النكاح، لأنه لما رضي به فأقره صار كأنه عيب حدث عنده، وإذ لا يستطيع البائع إن رد عليه بالعيب فسخ نكاحه فوجب لذلك ألا يرده إلا بما نقصه، ونحوه لأبي عمران، وهو بين.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: يُخرَّج ذلك على القولين في الرد بالعيب
فمن رأى أنه نَقْضُ بيع فليس على المشتري ما نقصه، لأنه إذا رده يرجع الخيار للبائع في فسخ النكاح أو إجازته، ولا يُلتفت إلى ما تقدم من رضى المشتري به، لأن البيع قد انتقض.
قال الشيخ: فإن قيل: يلزم على هذا القول أن لو زوجه المشتري، ثم رده بعيبٍ أن يفسخ البائع نكاحه لانتقاض شراء المشتري.
قيل: هذا لا يلزم، لأن الأول نكاح عقده العبد على نفسه، وكان للبائع نقضه أو إجازته، فإذا انتقض بيعه بقي على خياره كما لو لم يعلم بيعه، وهذا عقد نكاحه مالكه، ولم يكن لأحد بعد عقده نقضه، فوجب ألا ينقضه البائع كما لا ينقض عتقه.
ولو أعتقه المشتري ولم يعلم بنكاحه فأراد الرجوع على البائع بقيمة عيب النكاح فذكر عن أبي عمران أنه قال: ليس له ذلك لحجة البائع أن لو لم يعتقه المشتري ثم ردَّه عليه بعيب النكاح لكان للبائع نقض نكاحه، فلما أفاته المشتري بالعتق لم يكن له الرجوع عليه بقيمة عيب لو رجع إليه لأمكنه زواله.
ولو مات السيد قبل علمه بنكاحه كان لورثته من الخيار في ردِّ نكاحه أو إجازته مثل ما كان للسيد، وقد قال مالك فيمن حلف ليقضينَّ غريمه حقه إلى أجل كذا إلا أن يشاء أن يؤخِّره فيموت الذي له حق؛ فإنه يجزئه تأخير ورثته كما كان لصاحبهم.
[الباب الخامس عشر]
في إنكاح الأخ أخته بغير إذن أبيه ونكاح الصغير والسفيه بغير إذن وليه والوكالة على النكاح وقبض الصداق
[فصل 1 - في إنكاح الأخ أخته بغير إذن أبيه]
قال مالك: ومن زوج أخته البكر بغير أمر الأب لم يجز وإن أجازه الأب، إلا أن يكون ابنًا قد فوَّض إليه الأب جميع شأنه، فقام بأمره فيجوز بإجازة الأب وكذلك في أمة الأب.
قال ابن القاسم: وكذلك الأخ والجد يقيمه هذا المقام.
قال ابن حبيب: وكذلك سائر الأولياء إذا أقامهم الأب هذا المقام.
قال ابن المواز: والحجة في هذا حديث عائشة رضي الله عنها حين زوَّجت بنت أخيها عبد الحمن، فكُلِّم في ذلك فرضي.
قال مالك: وإنما كان ذلك لمثل / عائشة رضي الله عنها لمكانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن المواز: وإنما لم يجز نكاح الابن غير المفوَّض إليه وإن أجازه الأب
ولا في إجازة السيد تزويج أمته، لأنه لا ولي لهما غيرهما ولا شركة لهما معهما في أنفسهما ولا مشورة، فهما بخلاف من لها المشورة مع الأولياء، تولي أمرها غير الولي فلا يجوز، إلا أن يجيزه الولي، فإن لم يجزه فرَّق بينهما بطلقة.
قال مالك: إلا أن يطول مكثه معها، وتلد الأولاد، فلا أرى أن يفسخ.
فصل [2 - في نكاح الصغير بغير إذن وليه]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا تزوج صبي صغير بغير إذن أبيه أو وصيه، ومثله يقوى على الجماع، فإن أجازه من يلي عليه جاز، كبيعه وشرائه بغير إذنه يجيزه على وجه النظر له، وإن أراد فسخه فسخه، وإن فسخه قبل البناء أو بعده فلا صداق لها.
وكذلك رأى مالك فيمن بعث يتيمًا في طلب آبق فأخذه فباعه وأتلف الثمن، أن لربْ العبد أخذه، ولا شيء على اليتيم من المال الذي أتلف، ولا يُتبع به دينًا، بخلاف ما أفسد أو كسر.
قال ابن المواز: وكما لو اشترى شيئًا فأكله أو أتلفه لنزع من البائع الثمن كله، ولم يتبع الصغير بشيء.
قيل: فإن تزوج الصغير واشترط عليه شروطًا فأجاز ذلك وليه، أو زوجه أبوه أو وليه بشروط فيها طلاق أو عتاق أو تمليك.
قال ابن المواز: لا يجوز من ذلك كله شيء إلا أن يكبر ويلزمها نفسه، ويرضى بعد أن يبلغ.
قال ابن القاسم: وإن كَبِرَ وعَلِمَ بالشرط قبل الدخول فدخل عليه لزمه، وإن علم به فلم يرضه قيل له: إما أن ترضى وإما أن تطلق ويكون عليك نصف الصداق.
ابن المواز: هذا قوله في كتابه في السماع، وفي كتابه في المجالس: إذا بلغ وعلم قبل الدخول، فإن شاء دخل وإن شاء فسخ ولا شيء عليه من الصداق ولا على أبيه إن كان يوم زوَّجه لا مال له.
ابن المواز: وهذا أحب إلينا إلا أن ترضى المرأة بإسقاط الشرط فيثبت النكاح على ما أحب الزوج أو كره، وسقط عنه الشرط كان تمليكًا أو غيره، لأنه لم يكن يلزمه قط، وهو بمنزلة الرسول يزيد على ما أمره أن يزوجه به، أو يشترط عليه غير ما أمره به فيعلم بذلك قبل البناء، فإن رضي بذلك تم النكاح، وإن كره لم يلزمه شيء، وفسخ النكاح، إلا أن ترضى المرأة بإسقاط الشرط.
قال ابن المواز: وإذا لم يرد نكاح الصبيِّ حتى كَبِرَ وخرج من الولاية جاز النكاح.
فصل [3 - في نكاح السفيه بغير إذن وليه]
قال ابن حبيب: والسفيه كالصغير يجوز عليه إنكاح أبيه إياه وإن كَرِه.
وقال ابن الماجشون: لا يزوجه من يلي عليه إلا برضاه.
قال الشيخ: ورواية ابن حبيب عن ابن الماجشون موافقة لظاهر المدونة، وذلك أنه قال في كتاب الخلع: إذا زوَّج الوصيُّ يتيمه وهو بالغ سفيه بأمره، أو زوج السيد عبده بغير أمره، فذلك جائز عليه.
فشرطه في السفيه دون العبد بأمره دليل على أنه لا يكرهه، وهو الصواب إذ لا يؤمن منه أن يطلِّق إذا أجبره على النكاح، فيؤدي ذلك إلى إتلاف ماله.
ووجه قول ابن حبيب: أن الولاية ثابتة له عليه في المال والبيع والشراء، فله أن ينكحه اعتبارًا بالصغير.
قال ابن حبيب: وإذا زوج السفيه - / بغير إذن وليه فلوليه إجازته أو رده، فإن رده بعد البناء رد إليه جميع ما كان أصدقها إلا قدر ما كان يستحل به مثلها ولم يحدُّ مالك.
وقال ابن القاسم: يجتهد في ذلك السلطان فيترك للدنيَّة ربع دينار، ولذات القدْر أكثر من ذلك بما يراه.
وقال ابن الماجشون: ولا يترك لها شيء، لا ربع دينار ولا غيره وإن كان لها قدر.
قال ابن حبيب: وهذا القياس، وقول مالك استحسان.
قال الشيخ: الجاري على أصل المدونة أن يترك لها ربع دينار كانت دنَّية أو جيدة، وهو قدر ما يستحل به فرجها كالعبد بتزوج بغير إذن السيد، وهو الصواب إن شاء الله.
قال ابن حبيب: وإن لم يعلم بتزويجه حتى مات أحدهما، فإن مات هو فلا ميراث لها منه ولا صداق، وإن ماتت هي فالنظر لوليه، فإن أجازه ودى الصداق وأخذ الميراث، وإن فسخه لم يرثها.
قال الشيخ: وذكر أصبغ عن ابن القاسم أنهما يتوارثان ويمضي الصداق، لأن النظر فيه قد فات بالموت.
وذكر ابن المواز عنه خلاف هذا، قال: قال أصبغ: إن مات هو لم ترثه، وردت كل ما أعطاها إلا ربع دينار إن أصابها، وكذلك في حياته إن فسخه.
قال ابن القاسم: هذا في الدنية، ويجتهد في الزيادة لذات القدر.
قال أصبغ: بما يرى مما لا يبلغه صداق مثلها.
قال ابن المواز: ورواية ابن وهب عن مالك في السفيه: لا يترك لها إلا ربع دينار.
قال الشيخ: فصار في فسخه ثلاثة أقوال، قول لا يترك لها شيء، وقول يترك لها ربع دينار، وقول فرَّق بين الدنيَّة وغيرها.
قال ابن المواز: ولو كان غير بالغ لم يترك لها شيئًا.
قال: وإ، لم يُرَدْ نكاح الصبي حتى بلغ، وخرج من الولاية جاز النكاح.
فصل [4 - في تزويج بنات السفيه وإمائه وأخواته]
ومن كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم: ولا يزوج المُوْلِيّ عليه ابنته إلا بإذن وليه، إلا أن يكون سفيهًا ضعيفًا فلا يكون له سخط ولا رضى، وبناته كمن لا أب لهن.
قال ابن وهب: والولي أولى بإنكاح بناته وإمائه، ولا أمر له مع وليه فيهن ويستحب له أن يحضر النكاح، فإن لم يحضره لم يضره.
قال: وإن زوج هذا السفيه منهم أحدًا بغير أمر الولي كان للولي إجازته أو رده.
قال: وإن لم يكن له وليٌّ فأنكح بناته جاز إذا كان ذلك صوابًا.
قال أصبغ: كله صواب جيد.
قال ابن المواز: إلا قوله: إذا لم يكن له ولي، فهو والأول سواء، لابد من نظر السلطان فيه كنظر الولي، فيجيز أو يرد على حسن النظر.
ومن العتبية: قال أصبغ: قيل لأشهب: السفيه يزوج أخته؟ قال: نعم، وحسبته قال: إن كان ذا رأي ولا مَولِىَّ عليه فذلك جائز وإن كان سفيهًا.
فصل [5 - في الوكالة على النكاح وقبض الصداق]
ومن المدونة: قال: وإذا وكَّلت المرأة وليًا يزوجها من رجل، فقال لها الوكيل: قد زوجتك من فلان، فأقرت أنها أمرته وقالت: لم تزوجني، فلا قول لها، والنكاح يلزمها إن ادعاه الزوج.
وكذلك الوكيل على بيع سلعة.
وإن وكلته المرأة على العقد وقبض الصداق فقبضه ثم ادعى تلفه، كان كدين لها وكَّلته على قبضه فقبضه ثم ادعى تلفه، فصدقته في الوكالة وكذبته في القبض.
فإن أقام الزوج أو الغريم بينة أنه دفع ذلك إلى الوكيل / صُدِّق الوكيل على التلف، وإن لم يقيما بينة بالدفع ضَمِنَا، ثم لا شيء لهما على الوكيل، لأنهما صدَّقها على الوكالة.
وأما الوكيل على بيع سلعةٍ يقول: قبضت الثمن وضاع مني، فهو مصدق، لأن وكيل البيع له قبض الثمن وإن لم يؤمر بذلك، وليس للمبتاع أن يأبى عليه، والوكيل على عقد النكاح ليس له قبض الصداق إلا بتوكيل عليه خاصة، ولا يلزم الزوج دفع ذلك إليه، فإن فعل ذلك ضمن.
قال الشيخ: وإنما كان وكيل البيع له قبض الثمن وإن لم يؤمر به وليس للمبتاع أن يأبى ذلك عليه، لأن وكيل البيع يُسلِّم ما باع إلى المبتاع، فعلى المبتاع تسليم الثمن إليه كما يتسلَّم السلعة منه، ووكيل النكاح لا يسلِّم البُضْعَ إلى الزوج، فلا يلزم الزوج تسليم الصداق إليه.
ولو أن وكيل البيع إنما وُكِّل على عقد البيع خاصة وتسليم السلعة على ربِّها لم يلزم المبتاع تسليم الثمن إلى الوكيل إلا بتوكيل عليه، ويكون كوكيل النكاح.
قال الشيخ: فالعلة في ذلك أن مَنْ سلَّم السلعة له أن يتسلَّم ثمنها كما سلَّمها، ألا ترى أن البائع إذا سلَّم ما باع، له انتقاد جميع ثمنه وإن لم يشترط نقده.
والمُكْرِي داره أو عبده أو نفسه مدة لا يلزم المكتري نقد جميع الكراء إذا لم يكن عُرْف ولا شرط، لأنه لم يتسلَّم جميع ما اكترى، فإنما يلزمه أن ينقد كراء ما قبض.
وبالله التوفيق.
[الباب السادس عشر]
فيمن نكح بغير بينة، أو سرا أو نكح بغير صداق
[فصل 1 - في إعلان النكاح]
ونهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن النكاح بغير بينةٍ أو بغير صداق، ونهى عن نكاح السر، وأمر بإعلان النكاح.
ومرَّ عليه الصلاة والسلام هو وأصحابه ببني زُرَيْق فسمعوا غناءً ولهوًا ولعبًا فقال: ما هذا؟ قالوا: نكح فلان يا رسول الله، فقال: «كَمُلَ دينه، هذا النكاح لا السفاح، ولا نكاح السر حتى يُسمع دُفٌ، أو يُرى دُخَانٌ».
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لا يجوز نكاح السر حتى يُعلن به ويُشهد عليه.
قال ابن وهب: وإن عمر بن عبد العزيز رحمه الله كتب إلى أيوب بن شرحبيل أن مُرْ مَنْ قَبِلَكَ أن يظهروا عند النكاح الدُّفَوف، فإنها تفِّرق بين النكاح والسفاح، وامنع الذين يضربون بالبرابط.
قال سحنون: والبرابط: الأعواد.
ومن كتاب محمد وابن حبيب: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أظهروا النكاح واضربوا عليه بالغِرْبَال» يعني: الدفَّ المدوَّر، وقال غيره: وهو مغشيٌّ من جهة واحدة.
قال ابن المواز: قال مالك: لا بأس بالدفِّ والكَبَر.
قال أصبغ: يعني في العُرْسِ خاصة، ولا يعجبني المِزْهَر المربَّع، قال: ولا يجوز الغناء في العُرْس ولا غيره، إلا مثل ما كان يقول نساء الأنصار أو رجز خفيف لا بمنكَر ولا طويل.
قال ابن حبيب: وقد أُرخِص في العُرْس إظهار الكَبَر والدُّفِّ والمِزْهَر، ويُنْهى عن اللهو بذلك في غير العُرس.
[فصل 2 - في الوليمة في النكاح]
قال: وكان النبي عليه الصلاة والسلام يستحبُّ الإطعام على النكاح عند عقده، وعند البناء، ولم يدَع الوليمة على أحد من نسائه قلَّ أو كثر.
قال أنس: ولم يولم على واحدةٍ منهنَّ مثل ما أولم على أم سلمة، وكان ذلك الخبز واللحم، وأولم على صفية بالصَّهبَاء بالسَّويق والتمر، وقال صلى الله عليه وسلم: لابن عوف: «أَوْلِمْ ولو بشاة»، وقال: «أعينوا بلالاً على وليمته».
وقد أبيح أن يولم أكثر من يوم، وروي: «أن اليوم الثاني فضل، والثالث سمعة».
وأجاب الحسن رجلاً دعاه في اليوم الأول، ثم في الثاني، ثم دعاه في الثالث فلم يُجبه، وفعَل ابن المسيب مثله.