الجامع لمسائل المدونةصفحات 759-798

كتاب المكاتب الأول

صفحات 759-798

[فصل 16 - فيمن نوى بالظهار الطلاق] ومن المدونة: قيل لابن القاسم: فكل كلامٍ تكلم به رجل ينوي به رجل ينوي به الظهار أو الإيلاء أو التمليك أو الخيار أيكون كما نوى به؟ قال: نعم، إذا اراد أنك بما قلت مخيرة أو مظاهر منها [أو مطلقة].
ابن المواز: أما إذا قال: أنت علي كظهر أمي، بنوي الطلاق فهو مظاهر، ولو نوى أنك بما أقول من ذلك طلق لم يلزمه إلا الظهار.
قال: وقاله لي ابن عبد الحكم، قال: وقد أنزل الله عز وجل الكفارة في الظهار فيمن قصد به الطلاق، وكانوا في الجاهلية يجعلونه طلاقاً، وقاله كله مالك.
قال ابن سحنون: وروى عيسى عن ابن القاسم أنها ثلاث، ولا ينفعه إن نوى أقل من ذلك، وقال سحنون: له ما نوى من الطلاق.
[قال الشيخ]: فوجه قول مالك أنه لا يكون طلاقاً وإن نواه: فلأن الظهار قد جعل فيه الكفارة لمن قصد به التحريم فهو على ذلك لا يتغير عنه.
ووجع قول ابن القاسم أنه يلزمه البتات: فلأنه نوى بما يلزمه فيه ظهار البتات، فوجب أن يلزمه، أصله إذا قال: أنت كأمي، وإنما لم ينو، لأنه جعلها كأمه، ولا تحرم كأمه إلا بالطلاق ثلاثاً.
ووجه قول سحنون أن له ما نوى: فلأنه نقلها بنيته من الظهار إلا الطلاق وهو أقوى، فيلزمه ما نوى، ولأنه بلفظ لا يلزمه فيه الطلاق فوجب أن يلزمه ما نوى كقوله: ادخلي الدار، يريد به الطلاق، أن ذلك يلزمه وينوى فيه.
قال الشيخ: وقول مالك أولى لما بينا، وبالله التوفيق.

قال ابن المواز: قال مالك: وأما إن قال لها: أنت علي كأمي، أو أنت أمي، فهو ظهاراً، إلا أن يريد به الطلاق فيكون ألبتة، وإن نوى واحدةً فيه ألبتة وإن لم تكن له نية فهو ظهار.
ولو نوى الطلاق فطلقت عليه، ثم تزوجها بعد زوجٍ فلا كفارة عليه للظهار.
قال أبو بكر البهري: مذهب مالك رحمه الله أن صريح الظهار لا يكون طلاقاً، وصريح الطلاق لا يكون ظهاراً، مثل أن يقول: أنت علي كظهر أمي، يريد به الطلاق، أو: أنت طالق، يريد به الظهار، من قبل أنه لا يجوز أن (؟؟) أصلاً من الأصول التي جعلها لله تعالى لحكمٍ ما إلى أصلٍ آخر أوجب فيه حكماً خلافه.
قال: وإن كنى الظهار مثل قوله:/ أنت كأمي، أو مثل أختي، إذا أراد به الطلاق كان طلاقاً، لأنه نقله إلى ما هو أقوى منه، لأن الطلاق يزيل العصمة، ومكنى الظهار لا يزيلها.
قال: إن كنى الطلاق مثل قوله: أنت برية، أو خليه، لا يكون ظهاراً، لأن مكني الطلاق يزيل العصمة أيضاً، الظهار إنما يحرم الوطء، فهو أضعف منه فلا ينقله إلى ما هو أضعف منه.
قال ابن المواز: ما كان في الزوج ظهاراً فهو في الأمة ظهار، وإن نوى به العتق لم يكن عتقاً، وما خرج إلى الطلاق في الزوجة فهو يخرج إلى الحرية في الأمة، إذا كان على وجه التحريم واليمين.

[الباب الثاني] في الظهار إلى أجل، أو من جماعة نساء أو كرره في زوجته

[فصل 1 - في الظهار إلى أجل] قال مالك: ومن قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي اليوم، أو هذه الساعة أو هذا الشهر، فهو مظاهر منها، وإن مضى ذلك الوقت، ولا يطؤها حتى يكفر؛ لأن الظهار قد لزمته باللفظ، كما لو قال لها: أنت طالق اليوم، أو هذه الساعة، كانت طالقاً أبداً.
وإن قال: لها: انت كظهر أمي إن دخلت هذه الدار اليوم، أو كلمت فلاناً اليوم، أو قال: أنت علي كظهر أمي اليوم إن كلمت فلاناً أو دخلت الدار، فهذا إذا مضى اليوم ولم يفعل ذلك لم يكن مظاهراً، فإنما يجب عليه الظهار بالحنث، وكذلك إن قال لها: إن دخلت الدار اليوم فأنت طالق، أو قال: أنت طالق إن دخلت الدار اليوم، فمضى اليوم ثم دخل الدار لم يلزمه طلاق.
قال ابن القاسم: وإن قال لها: أنت علي كظهر أمي إلى قدوم فلان، لم يلزمه ظهار حتى يقدم فلان فيلزمه الظهار، وإن لم يقدم فلا شيء عليه لأن مالكاً قال: من قال لأمرأته: أنت طالق إلى قدوم فلان، أنها لا تطلق عليه حتى يقدم فلان، فإن لم يقدم لم تطلق عليه، وإن قال لها: أنت علي كظهر أمي من الساعة إلى قدوم فلان فهو مظاهر منها الساعة؛ لأن من ظاهر من امرأته ساعة واحدة لزمه الظهار تلك الساعة وبعدها ولا يطؤها حتى يكفر وكذلك قال مالك: إن قال لها: أنت طالق من الساعة إلى قدوم فلان فهي طالق الساعة وبعدها.

فصل [2 - في الظهار من جماعة نساء] قال مالك: ومن تظاهر من أربع نسوة له في كلمة واحدة فكفارة واحدة تجزئه.
قال أبو محمد: كمن جمع أشياء في يمين واحدة، وروي ذلك عن مر وغيره.
وإن تظاهر منهن في مجالس مختلفة، ففي كل مرة كفارة، وإن كان في مجلس واحد، فقال لواحدة: أنت علي كظهر أمي، ثم قال للأخرى، وأنت علي كظهر أمي حتى أتى على الأربع فعليه لكل واحدة كفارة، مثل لو قال: والله لا آكل هذا الطعام، ولا ألبس هذا الثوب، ولا أدخل هذه الدار ثم حنث في شيء واحد من ذلك، أو في ذلك كله فليس عليه إلا كفارة واحدة، ولو قال: والله لا آكل هذا الطعام، ثم قال: والله لا ألبس هذا الثوب، ثم قال: والله لا أدخل هذه الدار، فعليه لكل واحدة كفارة، فهذا احتج مالك في الظهار.
ابن القاسم: وإن قال لإحدى امرأتيه: أنت علي كظهر أمي، ثم قال للأخرى: أنت علي مثلها، لزمه الظهار في هذه الثانية أيضاً، وعليه لكل واحدة كفارة.

فصل [3 - فيمن كرر الظهار في زوجته] قال مالك: وإن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي، قال لها ذلك مراراً في شيء واحد، أو في غير شيء، فليس عليه إلا كفارةٌ واحدةٌ، وإن قال لها ذلك في أشياء مختلفة، مثل أن يحلف بالظهار إن دخل هذه الدار، ثم يحلف به إن لبس هذا الثوب، ثم يحلف به إن أكل هذا الطعام، فعليه لكل شيء يفعله من ذلك كفارة، لأن هذه أشياء مختلفة، فصارت أيماناً بالظهار مختلفة.
قال ابن القاسم: وإن قال لها: أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي، ثلاث مرات، ينوي بقوله الظهار ثلاث مرات، فلا تلزمه إلا كفارةٌ واحدةٌ، إلا أن ينوي ثلاث كفارات، فتلزمه ثلاث كفارات، مثل...... حلف بالله تعال ثلاث مرات ينوي ثلاث كفارات فيلزمه ذلك إن حنث.
قال الشيخ: وذكر عن أبي محمد بن أبي زيد أنه قال: لا يطأ حتى يؤدي الثلاث كفارات.
قال أبو الحسن القابسي: فإن كفر كفارة واحدة حل له الوطء، والباقي إنما هو كطعام نذر، ولو وطئ ثم مات وأوصى بهذه الكفارات وضاق الثلث فإن واحدة منها تبدأ ككفارة الظهار، والاثنتان تبدأ عليهما كفارة اليمين بالله تعالى، لأنهما نذور، ونحو قول أبي الحسن ذكر عن أبي عمران، وهو الصواب إن شاء الله عز وجل.
ابن المواز: ولو كرر الظهار في وقت بعد وقت فكفارة واحدة تجزئه، ولو أخذ في الكفارة عن الظهار، ثم قال لها: أنت علي كظهر أمي، فليبتدئ من الآن كفارة واحدة وتجزئة، وقيل: بل يتم الأولى ويبتدئ كفارة ثانية.

قال ابن المواز: وهذا أحب إلي إذا كان لم يبق من الأولى إلا اليسير، وأما إن مضى منها يومان أو ثلاثةٌ فليتمه وتجزئه لهما، لأنه قل ما تفاوت منه.
وقال أصبغ: ي المستخرجة: سواء مضى أكثر الكفارة أو أقلها فإنه يجزئه أن يبتدئ الكفارة عن الظهارين إذا كان نوعاً واحداً، مثل أن يقول: أنت علي كظهر أمي، ثم يقول وقد أخذ في الكفارة مثل ذلك.
قال: وكذلك لو كان الأول بيمين حنث فيها، والثاني قولاً بغير يمين فإنه يجزئه أن يبتدئ الكفارة من يوم ظهاره الثاني، والثاني كالتوكيد للأول.
قال: ولو كان الأول قولاً بغير يمين، والثاني بيمينٍ حنث فيها فليتم الكفارة الأولى ويبتدئ كفارةً ثانية للظهار الثاني.
قال الشيخ: فوجه قول من قال: إنه يبتدئ من الآن كفارةً واحدةً وتجزئه، فلأن تكرار الظهار المجرد إنما يوجب كفارةً واحدةً، فهو لو لم يبتدئ الأولى حتى ظاهر منها ثانيةً لم تكن عليه إلا كفارة واحدة، فإذا ابتدأ الأولى لم يكن عليه إلا إسقاط ما مضى، لأنه قبل لزوم الثانية فلا تجزئ عنها، وابتداء الكفارة من الآن، وتجزئ عن الظهار الأول والثاني، وهذا كحد القاذف إذا كرر قذفه لرجلٍ واحدٍ أو لجماعةٍ، فإنما عليه لذلك كله حد واحد، فلو أخذ في حده ثم قذف في خلال حده الذي حد له أو غيره لابتداء الحد عليه من الآن ويجزئه، وكالأحداث التي يجب الوضوء لأحدها أو لجميعها، فلو أخذ في الوضوء ثم أحدث لأجزأ ابتداء الوضوء لها، وهذا بين صواب.
ووجه قول من قال: بل يتم الأول ويبتدئ الثانية، فلأن الكفارة إنما تبتدئ [بعد] العودة، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3]، فهذا

[فهذا إنما ابتدأ الكفارة بعد نية العودة فقد لزمه تمامها، وتخلدت في ذمته، وهذه رواية أشهب عن مالك، وهو قول ابن أبي سلمة، فلما تخلدت الأولى في ذمته لم يكن له أن يشرك فيها ثانية، كما لو وطيء المظاهر منها فأخذ في الكفارة عنها، ثم ظاهر منها ثانية، فإنه يبتديء الكفارة للظهار الثاني بعد تمام الأولى؛ لأن الأولى واجبة عليه مات، أو ماتت أو فارقها، فلا يشرك معها غيرها فيصير كأنه لم يكفر عن الثانية، وكمن قال: إن اشتريت فلاناً فهو حر، فاشتراه فأراد أن يعتقه عن ظهاره فلا يجزئه؛ لأنه وجب عتقه بما عقد له قبل الشراء فهذا مثله، وهو بين أيضاً على هذا القول.
ووجه قول أصبغ: إن كان الأول بيمين حنث فيها، والثاني قولاً بغير يمين، فإنه يجزئه أن يبتديء الكفارة من ظهاره الثاني، فصواب؛ لأنه إذا حنث في الأولى لزمه الظهار كالظهار المجرد، ولا يسقطه طلاقه ثلاثاً إن تزوجها بعد زوج، فهو كتكرير الظهار المجرد، ولأنها بالحنث صار مظاهراً منها، فلم يزدنا بقوله: أنت علي كظهر أمي إلا الإخبار أنها عليه كظهر أمه، فهو كتكرير الظهار.
قال: وإذا كان الأول ظهاراً مجرداً، والثاني يمين فيها فليتم الكفارة الأولى ويبتديء كفارة ثانية للظهار الثاني فهو كما قال؛ لأنهما ظهاران لا يتداخلان، وعليه إن حنث فيهما كفارتان؛ لأن الأولى لزمته لزوماً لا يسقطه الطلاق ثلاثاً، والثاني بيمين حنث فيها فهو كما لو كان الأولى بيمين والثاني بيمين خلافها، فهما ظهاران لا يتداخلان ويلزمه لكل واحدة منهما كفارة كاليمين بالله في ذلك.

قال الشيخ: وقيل: بل كفارة واحدة تجزئه؛ ووجه هذا: أنه بالحنث يصير كالظهار المجرد، كما لو كان هو الأول، ولأنه إنما حلف بالظهار على امرأة هو مظاهر منها، فقال: إن فعلت كذا فهي علي كظهر أمي فقد كانت عليه كظهر أمه قبل اليمين بالله فلم تزدنا مزية، وهذا أبين والله عز وجل أعلم.
قال الشيخ: والمحصول من هذا، والذي عليه العمل أن كل ما لزم فيه كفارتان فحدث عليه الثاني بعد أن أخذ في الكفارة عن الأولى فلا يجزئه إلا أن يتم الأولى ويبتديء الثانية، وكل ما لزم فيه كفارة واحدة فإنه: يجزئه أن يبتديء من وقت ظهاره الثاني مضى أكثر الكفارة الأولى، أو أقلها، وقول ابن المواز استحسان وتوسط في القولين، وكأنه جعل القليل تبعاً للكثير مضى أقلها، فكأنه لم يعمل منها شيئاً، وإن مضى أكثرها فكأنه أتمها فيتمها، ويبتديء وهذا استحسان؛ لأن كثيراً في أصولنا أن نجعل القليل تبعاً للكثير، ولكن القياس ما قدمنا.
وزاد ابن حبيب عن أصبغ: إذا كان الظهار الأول بحنث والظهار الثاني فحنث، فلا بد من كفارتين، كان ذلك بفعل في شيء واحد أو في شيئين مفترقين.
قال الشيخ: وهذا كاليمين بالله عز وجل إذا حلف ألا يفعل شيئاً فحنث بفعله، ثم حلف ألا يفعله بعد ذلك فحنث أيضاً، أن عليه كفارتين، ولو لم يحنث في الأولى حتى حلف ثانية فحنث فيها فإنما عليه كفارة واحدة، وكذلك الظهار في ذلك كله.
وقد روى أبو زيد، عن ابن القاسم فيمن قال: أنت علي كظهر أمي إن لم أتزوج عليك، فأخذ في الكفارة، ثم قال لها: أنت علي كظهر أمي إن لم أتزوج عليك، فهذا يبتديء شهرين من يوم الظهار الثاني.

قال أبو زيد عن ابن القاسم: ولو أنه لما صام أياماً أراد أن يبر بالتزويج فتزوج، فقد أسقط عنه الكفارة ويبطل عنه الصيام.
قال الشيخ: وعلى قول من قال: يلزمه تمامها إذا ابتدأ فيها، لا يسقط التزويج عنه تمامها.
وفي مختصر ابن عبد الحكم قال: وإذا ظاهر منها ووطئ، ثم ظاهر ثانيةً فعليه أيضاً الكفارة ثانية.
[فصل 4 - في دليل لزوم كفارة واحدة على من ظاهر من جماعة نساء] ومن المدونة قد تقدم: أن من قال لأربع نسوة: أنتن علي كظهر أمي، فإنما عليه كفارة واحدة.
قال الشيخ: وذهب الشافعي: أن عليه لكل واحدةٍ كفارة.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3] الآية، فجميع النساء إذا ظاهر الرجل منهن فإنما عليه كفارة واحدة.

ولأن الظهار يمين تكفر كالإيلاء، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمظاهر:» كفر عن يمينك «، فدل ألفها يمين كالإيلاء بخلاف الطلاق.
وقد روى ابن وهب: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره قال في رجلٍ تظاهر من أربع نسوةٍ في كلمةٍ واحدةٍ: أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة، ولم يختلف عليه أحد، فهذا الإجماع.
ومن العتبية قال: روى عيسى عن ابن القاسم فيمن تظاهر من جماعةٍ فظن أنه لا يجزئه إلا عن كل واحدةٍ كفارة واحدة فكفر بالصوم عن واحدة منهن، قال: قال مالك: يجزئه ذلك عن جميعهن.

[فصل 5 - في الظهار من أربع نسوة قبل نكاحهن] ومن «المدونة: ومن قال لأربع نسوة: إن تزوجتكن فأنتن علي كظهر أمي، فتزوجهن كلهن، فإنما عليه كفارة واحدة، ولا يقرب واحدة منهن حتى يكفر، فإن تزوج واحدة لزمه الظهار، ولا يقربها حتى يكفر، فإن كفر فتزوج البواقي فلا ظهار عليه فيهن.
قال الشيخ: وهذا كمن حلف بالله سبحانه ألا يفعل أشياء سماها، ففعل بعضها، فقد حنث في جميعها، ثم إن فعل باقيها فلا حنث عليه؛ لأنه قد حنث أولاً بفعل بعضها، فلا يتكرر عليه الحنث.
ومن «المدونة»: قال: وإن تزوج الأولى فلم يطأها ولم يكفر حتى ماتت، أو فارقها، سقطت عنه الكفارة، ثم إن تزوج البواقي لم يطأ واحدة منهن حتى يكفر؛ لأنه لم يحنث في يمينه بعد، وإنما يحنث بالوطء، لأن من تظاهر من امرأته ثم طلقها أو ماتت قبل أن يطأها فلا كفارة عليه، وإنما يوجب عليه كفارة الظهار بالوطء، فإذا وطيء فقد لزمته الكفارة، ولا يطأ في المستقبل حتى يكفر، ولو كان هذا قد وطيء الأولى ثم ماتت، أو طلقها، أو لم يطلقها، فقد لزمته الكفارة، فإن تزوج البواقي فلا يطأ واحدة منهن أيضاً حتى يكفر، ومن قال لأربع نسوة له: من دخلت منكن هذه الدار فهي علي كظهر أمي.
فدخلنها كلهن أو بعضهن فعليه لكل واحدة تدخل كفارة كفارة.
قال الشيخ: لأن من للتبعيض، فهو كمن قال ذلك لواحدة مفردة.
قال ابن القاسم: وكذلك لو قال لهن: أيتكن كلمتها فهي علي كظهر أمي، فإن كلم واحدة منهن لزمته كفارة، ولم يلزمه فيمن لم يكلم منهن ظهار وإن

وطئها حتى يكلمها وله وطؤهن قبل أن يكلمهن، ثم إن كلم أخرى لزمته كفارة ثانية بمنزلة مالو.
م: قال لأربع نسوة: من تزوجت منكن فهي علي كظهر أمي فتزوج واحدة منهن كان منها مظاهراً، ثم إن تزوج أخرى كان منها أيضاً مظاهراً بخلاف قوله: إن تزوجتكن.
قال ابن المواز: وكذلك قوله: من تزوجت من النساء فهي علي كظهر أمي فلكل من تزوج كفارة، بخلاف قوله: كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي هذا تجزئه كفارة واحدة.
قال الشيخ: وهذا على ما قلنا: أن من للتبعيض، وكأنه قال لكل واحدة مفردة: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي، كل امرأة أتزوجها، مثل قوله إن تزوجتكن؛ لأنه جمعهن في الوجهين.

[فصل 6 - فيمن قال كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي] ومن «المدونة»: قال مالك: ومن قال: كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي، لزمه ذلك فإن تزوج فلا يطأ حتى يكفر كفارة الظهار، وكفارة واحدة تجزئه من ذلك كله، وقاله عروة بن الزبير.
وذكر ابن حارث الأندلسي عن ابن نافع في قوله: كل امرأة أتزوجها

فهي على كظهر أمي، أن عليه لكل امرأة يتزوجها كفارة، وصوبه بعض أصحابنا وقال: ألا ترى أنه إذا تزوج واحدةً كفر عن ظهاره، ثم تزوج أخرى فقد حصل مكفراً عن ظهاره في هذه الثانية قبل لزوم الظهار فيها.
قال الشيخ: وهذا يلزمه فيمن قال لأربع نسوة: إن تزوجتكن فأنتن علي كظهر أمي، لأنه إذا تزوج واحدةً وكفر عنها، ثم تزوج ثانية فقد حصل مكفراً عن هذه الثانية قبل لزوم الظهار فيها، وليس الأمر كما توهم، لأن الظهار يمين كاليمين بالله عز وجل، فإذا جمع في يمينه جماعةً فحنث في واحدةٍ فقد حنث في جميعهن، فكفارة عن واحدةٍ كفارة عن جميعهن، وقوله: إن تزوجتكن، وكل امرأة أتزوجها، سواء، لأنه جمع النساء في يمينه،...... أن قول مالك أولى.
قال مالك: وأما إن قال: فهي طالق، لم يلزمه شيء.
قال ابن القاسم: والفرق بين الظهار في هذا وبين الطلاق: أن الظهار يمين تكفر ولا تحرم النكاح عليه، والطلاق يحرم، فليس له أن يحرم على نفسه جميع النساء.
قال ابن المواز: ولو تزوج امرأة ثم ماتت أو طلقها قبل أن يكفر فتزوج أخرى فلا يقربها حتى يكفر كفارةً واحدة عن كل من يتزوج أبداً.

قال الشيخ: وهذا على........ فيمن قال لأربع نسوة: إن تزوجتكن، وقد تقدمت.
قال ابن المواز: ولو كفر بعد زوال الأولى وقبل نكاح الثانية لم يجزه إلا أن يكون قد مس الأولى قبل أن تزول عنه، فقد لزمته الكفارة بكل حال وزال الظهار.
قال الشيخ: يريد: ولكن لا يطأ الثانية حتى كفر الكفارة التي لزمته إن لم يكن كفر.

[الباب الثالث] في اليمين بالظهار، وعودته في ملك ثان ووقوعه مع طلاق أو إيلاء، وظهار الرجل من امرأته وهي أمة أو صبية أو محرمة أو حائض أو ارتقاء أو كتابية وظهار العبد من امرأته

[فصل 1 - في اليمين بالظهار] قال مالك: ومن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي إن لم أضرب غلامي اليوم، ففعل، لم يلزم ظهار.
قال مالك: وإن قال: إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي، لزمه الظهار إن تزوجها.
وقاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

[فصل 2 - في عودة الظهار في ملك ثان] ومن قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، فطلقها واحدة أو اثنتين فبانت منه، ودخلت الدار وهي في غير ملكه لم يحنث بدخولها، وهي في غير ملكه، فإن تزوجها فدخلت الدار وهي تحته عاد عليه الظهار، إلا أن يكون طلقها أولاً ألبتة، فإن الظهار يسقط عنه إن تزوجها بعد زوج، ولو حنث بدخولها قبل أن يفارقها أو كان إنما ظاهر منها على غير يمين، ثم أبتها قبل أن يكفر فهذا؛ إن نكحها بعد زوج عاد عليه الظهار، ولم يطأها حتى يكفر.

قلت: فمن قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي أو قال لها: أنت طالق، وأنت علي كظهر أمي إن تزوجتك.
قال: قال مالك: ومن قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق وأنت علي كظهر أمي، فتزوجها طلقت عليه، ثم إن تزوجها بعد ذلك لم يقربها حتى يكفر كفارة الظهار؛ لأن الطلاق والظهار وقعا بالعقد فلزماه.
قال ابن القاسم: والذي قدم الظهار في لفظه أبين عندي.
قال الشيخ: قال غيره: وكذلك لو قال لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق، وأنت علي كظهر أمي، فبدخول الدار وقع الحنث في الطلاق والظهار معاً فلزماه.

[فصل 3 - في وقوع الظهار مع طلاق] ومن «المدونة»: قال مالك: وأما إن قال لزوجته: أنت طالق ألبتة، وأنت علي كظهر أمي، طلقت عليه، ولم يلزمه فيها ظهار وإن تزوجها بعد زوج؛ لأنه أوقعه بعد أن بانت منه.
وقال أبو محمد: وليس ذلك كالطلاق، إذا نسق على طلاق مثله في التي لم يدخل بها.
وهذا معنى، والظهار معنى آخر وذلك بخلاف إذا بدأ في لفظه بالظهار فهذا يلزمه الظهار إن تزوجها بعد زوج.

[فصل 4 - في وقوع الظهار مع إيلاء] ومن المدونة: ومن قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت على كظهر أمي، والله لا أقربنك، أو قال لها: والله لا أقربك إن تزوجتك وأنت علي كظهر أمي، فتزوجها لزمه الإيلاء والظهار، مثل من قال لزوجته: والله لا أقربنك وأنت علي كظهر أمي، أنه.... منها مظاهر.
فصل [5 - في ظهار الرجل من امرأته وهي أمة] ومن تظاهر من امرأته وهي أمة ثم اشتراها فهو مظاهر منها.
قال الشيخ: يريد فإن كان بيمينٍ لم يحنث فيها، وهو كمن طلق زوجته واحدةً وقد كان ظاهر منها بيمينٍ أنه يعود عليه إن تزوجها.
قال الشيخ: وقاله جماعةً من أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: معنى المسألة أنه ظاهر منها ظهاراً مجرداً بغير يمين، فلذلك عاد عليه الظهار كما يعود ذلك عليها إذا طلقها ثلاثاً، وأما إن كان بيمين لم يحنث فيها فإنه إذا اشتراها لا يعود عليه اليمين، لأن هذا ملك بيمين لا ملك عصمة، فهو غير الملك الأول كملك العصمة بعد الطلاق ثلاثاً.
قال: ولكن لو باعها ثم تزوجها فإنه يعود عليه اليمين، لأنه بقي له طلقتان فاليمين تعود عليه ما بقي من طلاق ذلك الملك شيء.
قال الشيخ: والأول أصوب، لأنه ظاهر من زوجته بيمينٍ لم يحنث فيها، فلا يلزمه إلا الطلاق ثلاثاً، أصله لو كانت حرة.

[فصل 6 - في ظهار الرجل من امرأته وهي صبية أو محرمة أو حائض أو رتقاء أو كتابية] ومن المدونة: قال: وإن تظاهر من امرأته وهي حرة، أو أمة، أو صبية، أو محرمة، أو حائض، أو رتقاء، أو كتابية لزمه ذلك وكفارته منهن سواء، ويلزم المسلم الظهار والطلاق في زوجته الكتابية كما يلزم ذلك في الحرة المسلمة.
وإن تظاهر الرجل من امرأته قبل البناء أو بعده وهو رجل بالغ فذلك سواء ويلزمه، ألا ترى أنه لو ظاهر من أمةٍ له لم يطأها قط لزمه الظهار في قول مالك، فالزوجة أحرى وأشد في الظهار.
[فصل 7 - في ظهار العبد من امرأته] وإن تظاهر العبد من امرأته وهي حرة أو أمة لزمه، وكفارته منهما سواء ابن شهاب: ويلزمه الظهار كالحر.
قال ابن سيرين: وليس عليه أن يكفر إلا بالصيام.
ابن حبيب: قال ابن القاسم عن مالك: ولا يدخل على العبد في تظاهره الإيلاء إلا أن يكون مضاراً لا يريد أن يفيء، أو يمنعه أهله الصيام بأمرٍ لهم فيه عذر، فهذا يضرب له أجل الإيلاء إن رفته.
قال أصبغ: إذا منعه أهله الصيام فليس بمضار، ولا كلام لامرأته ولتصبر.
وقال ابن القاسم: إن منعه سيده الصيام وأذن له في الإطعام أجزأه.
وقال ابن الماجشون: ليس لسيده منعه الصيام وإن أضر به ذلك في عمله.
قال الشيخ: لأن إذنه له في النكاح إذن له في الظهار.
وفي الباب الأول مسألة المجوسي يسلم ثم يظاهر من زوجته فتسلم هي بقرب ذلك أنه يلزمه.

[الباب الرابع] في منع المظاهر الوطء قبل الكفارة ودخول الإيلاء عليه في تركها

[فصل 1 - في منع المظاهر الوطء قبل الكفارة] قال الله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ الآية فدل أن العود إرادة الوطء لا الوطء لقوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾.
قال مالك فيمن ظاهر من زوجته: فلا يطؤها حتى يكفر، ويجب عليها أن تمنعه من جماعها.
قال ابن القاسم: فإن خشيت منه على نفسها رفعت ذلك إلى الإمام، ويمنعه الإمام من وطئها، إن خاصمته حتى يكفر، ويؤدبه إن اراد جماعه قبل الكفارة.
قال مالك: ولا يقبل ولا يباشر، ولا ينظر إلى صدرها، ولا إلى شعرها حتى يكفر؛ لأن ذلك لا يدعو إلى خير، وقد قال تعالى: ﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾، فعم.
وقال أصبغ في العتبية: إن قبلها في شهري صيام الكفارة، فلا شيء عليه.

وقاله سحنون بعد أن كان يقول بقول عبد الملك: إن ذلك يقطع التتابع كالمعتكف، ثم رجع وقال: ليس هو أشد من رمضان وفرق بينه وبين المعتكف؛ لأن المتظاهر يحل له غيرها.
وقال عبد الملك وسحنون: وإنما يكره للمتظاهر أن يقبل أو يباشر أو يتلذذ بالنظر إلى المحاسن، لأن ذلك داعية إلى الوطء وتغرير خيفة أن يفعل الوطء الذي ينهاه الله عز وجل عنه قبل أن يكفر.
قال الشيخ: وكمنع المحرم من دواعي الوطء خيفة أن يقع فيه، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
ومن «المدونة»: قال مالك: وجائز أن ينظر إلى وجهها، وقد ينظر غيره إليه.
قال ابن القاسم: وجائز ان يكون معها في بيت ويدخل عليها بلا إذن، وإن كان تؤمن ناحيته.

[فصل 2 - في دخول الإيلاء على المظاهر إن لم يكفر] قال مالك: فإن امتنع من الكفارة وهو قادر عليها، دخل عليه الإيلاء؛ لأنه مضار، ووقف لتمام أربعة أشهر من يوم التظاهر، فإما كفر أو طلقت عليه.
قال ابن القاسم: فإن كفر، زال عنه حكم الإيلاء وإن لم يطأ.

قال الشيخ: وحكي لنا عن بعض شيوخنا القرويين في المتظاهر المضار إذا ضرب له الأجل لامتناعه من الكفارة وهو قادر عليها: إنما يضرب له الأجل من وقت تبين ضرره، ورأى أن هذا الذي يقتضيه مذهب الكتاب.
ونقل عن غير واحدٍ من المختصرين المسألة على غير هذا، إنما يضرب له الأجل من يوم المتظاهر، ومثل هذا الذي نقلوه في كتاب محمد فاعلمه.
ومن المدونة: قلت: ولم أدخل عليه مالك الإيلاء إذا علم أنه مضار وهو لم يحلف على ترك الوطء؟ قال: لأن مالكاً قال: كل يمين منعت الجماع فهي إيلاء، وهو إذا كف عن الوطء وهو يقدر على الكفارة علم أنه مضار، فيدخل عليه الإيلاء، وليس الظهار بحقيقة الإيلاء، ولكنه مثل من حلف بالطلاق ليفعلن كذا، وهو قادر على فعله، فيمنع من الوطء، لأنه في يمينه على حنثٍ فيدخل عليه الإيلاء، وقاله ربيعة وابن شهاب.
قال ابن القاسم: وإن قال: أنا أكفر، ولم يقل: أنا أطأ، فذلك له، لأن فيئته الكفارة ليس الوطء، فإذا كفر كان له أن يطأها بلا كفارة، وإن كان لا يعلم منه ضرر وكان يعمل في الكفارة فلا يدخل عليه الإيلاء.
وإذا كان من أهل الصوم فمضت أربعة أشهرٍ ولم يصم فلها إيقافه.
وروى غيره: أن وقفه لا يكون إلا بعد ضرب السلطان له الأجل، وكلٌ لمالك، والوقف بعد ضرب السلطان الأجل أحسن، فإذا أوقفه فقال: أنا أصوم شهرين عن ظهاري، أو كان ممن يقدر على عتقٍ أو إطعامٍ فقال: أخروني حتى أعتق أو أطعم، أخره الإمام مرة أو مرتين أو ثلاثاً، فإن لم يأخذ في ذلك بعد التلوم فرق بينهما، لأنه مضار كالمولي إذا وقف فقال: أنا أفئ، فاختبره الإمام مرة

بعد مرةٍ فلم يفء وعرف كذبه ولم يكن له عذرٌ طلق عليه، وهذا المعنى مستوعب في كتاب الإيلاء.
ومن قال لامرأته: إن وطئتك فأنت علي كظهر أمي، فهو مولٍ حين تكلم بذلك، فإن وطئ سقط عنه الإيلاء ولزمه الظهار بالوطء، ولا يقربها بعد ذلك حتى يكفر كفارة الظهار، فإن لم يكفر كان سبيله كما وصفنا في المظاهر الضار.
قال ابن المواز: وليس لهذا المولي أن يحنث بالإصابة، لأن بقية وطئه يقع في امرأة ظاهر منها، وهو ممن لا تنفعه الكفارة قبل وطئه، لأنه لم يصر فيها مظاهراً حتى يطأ، وقد قيل: تعجل علي طلقة الإيلاء، إذ لا بد منها.
وقد قيل: حتى يتم أربعة أشهرٍ كالحالف ألا يطأ البتة.
قال الشيخ: فعلى مذهب ابن المواز إذا وطئ في هذه المسألة فالكفارة تلزمه وإن ماتت المرأة أو طلقها.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا وطئها مرة ثم ماتت أو طلقها البتة فليس عليه كفارة إلا أن يطأها ثانية، فهذا قد لزمته الكفارة، بانت منه أو ماتت.

قال الشيخ: وهذا هو ظاهر قوله في هذا الكتاب، والمسألة تجري على اختلافهم في الذي قال لزوجته: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثاً، فقد روي عن ابن القاسم: أن له أن يحنث نفسه بالوطء، ويتمادى حتى ينزل؛ لأنه إنما أراد وطئاً تاماً، فبتمامه يحنث، وعلى قول مالك الذي رأى: أنه لا يمكن من الفيء بالوطء إذ باقي وطئه حرام لا يمكن أيضاً في هذه المسألة من الوطء، إذ باقي وطئه في امرأة ظاهر منها، ويكون الأمر كما قال ابن المواز وفي كتاب الإيلاء إيعاب هذا.

[الباب الخامس] فيمن ظاهر وهو معسر ثم أيسر قبل الكفارة أو بعدما أخذ فيها وكفارة العبد في الظهار وغيره

[فصل 1 - فيمن ظاهر وهو معسر ثم أيسر قبل الكفارة أو بعدما أخذ فيها] وكفارة الظهار مرتبة بالتنزيل فعلى المكفر فيه أن يعتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب الفاحشة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً.
قال ابن القاسم: وإنما ينظر إلى حاله يوم يكفر، ولا ينظر إلى حاله يوم جامع ولا يوم ظاهر، وقاله مالك.
قال: ومن تظاهر وهو معسر ثم أيسر لم يجزه الصوم.
قال ابن القاسم: وإن أعسر بعد ما أيسر أجزأه الصوم.
قال مالك: ولو أيسر بعد ما أخذ في الكفارة في صوم أو إطعام فإن كان بعد صوم اليومين أو نحوهما أحببت له أن يرجع إلى العتق ولا أوجبه عليه، وإن كان قد صام أياماً ذات عدد فما ذلك عليه وليمض على صومه، وكذلك الإطعام مثل ما وصفنا في الصيام.

قال ابن القاسم: وكذلك في كفارة القتل.
قال: ومن صام ثلاثة أيام في الحج ثم وجد ثمن الهدي في اليوم الثالث فليمض على صومه, وإن وجد ثمنه في أول يوم فإن شاء أهدى أو تمادى في صومه.
ابن المواز: وكذلك في كفارة اليمين بالله عز وجل.
وقال ابن عبد الحكم: صيام اليمين بالله والظهار والقتل والتمتع كله سواءً إن لم يصم إلا يومين ثم أيسر فليرجع إلى ما يجب عليه.
فصل [2 - في كفارة العبد في الظهار وغيره] ومن المدونة: قال مالك: وإذا تظاهر العبد فليس عليه إلا الصوم ولا يطعم وإن أذن له سيده, والصوم أحب إلي.
قال ابن القاسم: بل هو الواجب عليه, ولا يُطعم من قدر أن يصوم.

الأبهري: معنى قول مالك: عن العبد عجز عن الصيام فأذن له سيده في الإطعام, فقال: أحبَّ إلي أن يؤخر ذلك حتى يقدر على الصيام.
ابن المواز: والعبد إنما عليه أن يكفَّر بالصوم, فإن منعه سيده وكان يَضرَُ ذلك به بقي على ظهاره حتى يجد سبيلاً إلى الصيام, فإن تركه كان حينئذٍ مُضاراً يدخل عليه الإيلاء.
قال: فإن لم يضر الصوم بالسيد وأراد منعه ليفَّرق بينه وبين امرأته جُبر على أن لا يمنعه من الصيام.
ومن كتاب ابن سحنون: قال مالك: وإذا كان عبد مَخَارَج يؤدي خراجه فلا يمنعه, وإذا قوي فلا يمنعه.
وفي الموطأ قال مالم: لا يدخل على العبد الإيلاء في ظهاره, لأنه لو دخل عليه الإيلاء في تظاهر لطَلَّق عليه قبل أن يفرغ من صيامه.
ومن المدونة: قال مالك: وأما العتق فلا يجزئه في شيء من الكفارات وإن أذن له السيد, إذ الولاء لسيده.
قال مالك: وإن أذن له أن يطعم في اليمين بالله تعالى أجزأه.
وفي قلبي منه شيء, والصيام أبين عندي.
قال ابن القاسم: وإن أطعم بإذن سيده أجزأه, لأن سيده لو كفَّر عنه بالطعام, أو رجل كفَّر عن صاحبٍ له بالطعام بإذنه أجزأه.

[الباب السادس]

فيمن ظاهر من امرأته ثم ماتت أو طلقها

أو كفر عنها وليست له زوجة / قال الله تعالى:} ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴿[المجادلة:3] أي: مؤمنة, فإنما أوجب الكفارة بعد نية العودة, ومعنى العودة فيما قاله كثير من التابعين: إرادة الوطء وليس الوطء, لأن الله تعالى منع منه قبل الكفارة بقوله:﴾ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا {[المجادلة:4], فإن نوى عودة الجماع كفر, ولو كفَّر قبل مراده لذلك لم يجزه وإن أراده بعد الكفارة.
قال الشيخ: وقيل: إن العودة الوطء, لأن الظهار إنما اقتضى تحريم الوطء والعودة هو الإقدام عليه دون العزم, لأن الإقدام هو مخالفة الكف والامتناع, وكذلك وجهه بعض البغداديين.
قال ابن سحنون عن أبيه: والمتظاهر إذا كفر بغير نية العودة, لكن يريد أن يطلقها ويقول: متى راجعتها حلَّت لي بغير ظهارٍ علي, قال: لا يجزئه حتى ينوي العودة, وأكثر قول أصحابنا: أن من كفَّر نية العودة لا يجزئه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن ظاهر زوجته ثم طلقها واحدةٌ أو ثلاثاً فبانت منه ثم أعتق عن ظهاره منها, أو صام, أو أطعم, ثم تزوجها بعد ذلك لم تجزه تلك الكفارة, لأنه أخرجها قبل وجوبها ومتى تزوجها رجع عليه الظهار.

ومن قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي, وكفر عن ظهاره هذا, ثم تزوجها لم تجزه تلك الكفارة, لأنه كفَّر قبل نية العودة, ولا ينوي ذلك فيمن ليست في عصمته ولا يكفَّر قبل حنثه, وقد قال الله تعالى:} ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا {[المجادلة:3].
قال ابن القاسم: والعودة إرادة الوطء, والإجماع عليه, فمن كفر قبل إرادتها كان كمن كفَّر عن غير شيءٍ وجب عليه.
قال مالك: وإن وطئ المتظاهر منها قبل أن يكفَّر ناسياً أو عامداً في ليلٍ أو نهار لزمته الكفارة لِجمَاعِه ذلك ماتت بعد ذلك زوجته هذه أو مات عنها أو طلقها.
قال: وإن طلقها واحدةً أو ثلاثاً قبل أن يطأها فلا كفارة عليه إلا أن يتزوجها يوماً ما, فيعود عليه الظهار ولا يطأ حتى يكفَّر, ولو طلقها قبل أن يمسها وقد عمل في الكفارة لم يلزمه تمامها.

  • قال الشيخ: يريد: وإن كان الطلاق رجعياً-.
  • قال ابن نافع: وإن أتمها أجزأه إذا أراد العودة قبل الطلاق.
  • قال الشيخ: يريد وإن كان الطلاق ثلاثاً.
  • أبو محمد: وروى أشهب عن مالك, وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: إذا نوى العودة ثم طلق: أو ماتت فقد لزمته الكفارة.
  • وروى ابن القاسم خلافه: أنه إن أجمع على إمساكها يريد الوطء ثم أخذ في الكفارة ثم طلقها أو ماتت قبل تمامها أنه لا شيء عليه إلا أن يتزوج الحية فعليه الصيام من أوله, ورواه أيضًا أشهب.

ولو كان طعام فقال أصبغ: بيني، وقال أشهب: يبتدئ.
وذكر ابن المواز عن مالك في المظاهر إذا طلق بعدما أخذ في الكفارة فتمادى في الكفارة حتى أتمها في العدة أجزأه ذلك إن كان طلاقه رجعياً، ارتجع بعد ذلك أو لم يرتجع، كانت الكفارة صياماً أو طعاماً، وإن كان الطلاق بائناً لم يجزه تمام الكفارة صياماً أو طعاماً، وإن كان الطلاق بائناً لم يجزه تمام الكفارة في العدة، ثم إن تزوجها يوماً ما، أو كانت الكفارة صوماً ابتدأها، وإن كانت طعاماً بنى على ما كان أطعم قبل أن تبين منه لجواز تفرقة الطعام.
قال ابن المواز: وهذا قول مالك وابن القاسم وابن وهب، وأصح ما انتهى إلينا.

[الباب السابع]

في الصيام في كفارة الظهار

ومن أكل في صومه، أو وطئ، أو مرض قال الله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، قال ابن القاسم: فمن أكل ناسياً، أو لمرض في صوم ظهار، أو قتل نفسٍ، أو مذر متتابعٍ، أو أُكرِهَ على الفطر، أو تقيَّأ، أو ظنَّ أن الشمس قد غابت فأكل، أو أكل بعد الفجر ولم يعلم، أو وطئ نهاراً غير التي تظاهر منها ناسياً، فليقض في ذلك كله يوماً ويصله بصومه، فإن لم يفعل ابتدأ الصوم من أوَّله.
قال: وله أن يطأ غير التي تظاهر منها في خلال الكفارة ليلاً في الصوم، أو نهاراً في الإطعام، كانت الموطوءة زوجته أو أمته، وإن وطئ التي تظاهر منها ليلاً، أو نهاراً، أول الصوم أو آخره، ناسياً أو عامداً ابتدأ الشهرين.
وكذلك حكم الإطعام إذ أطعم بعض المساكين، وإن لم يبق إلا مسكين واحد ثم جامع استأنف الطعام، لقوله تعالى: ﴿قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾.
وكذلك من وطئ في الحج ناسياً أو عامداً فعليه أن يتمَّ حجَّه ويقضيه من قابل.
قال ابن القاسم: ومن صام عن ظهاره شهراً ثم مرض، وهو لا يجد رقبةً لم يكن له أن يطعم، وإن تمادى به المرض أربعة أشهرٍ لم يدخل عليه الإيلاء، لأنه غير مضار، وتُنتظر إفاقته، فإن صح صام، إلا أن يعلم أن ذلك المرض لا يقوى صاحبه على الصوم بعده، فيصير حينئذٍ من أهل الإطعام.

وقال أشهب: إذا مر صار من أهل الإطعام.
قال في بابٍ يعد هذا: ومن تظاهر وهو مريض مثل الأمراض التي يصح من مثلها الناس فلينُظر حتى يصح ثم يصوم إذا كان لا يجد رقبة، وكل مرضٍ يطول بصاحبه ولا يدري أيبرأ منه أم لا لطول ذلك المرض به، ولعله يحتاج إلى أهله، فليطعم ويصيب أهله، ثم إن صح أجزأه ذلك الإطعام، لأن مرضه كان إياساً.
وقال أشهب: إذا طال مرضه فإن رُجِيَ برؤه وقد احتاج إلى أهله فليُطعم.
قال مالك: ومن تظاهر من امرأته وليس له إلا خادم واحدة، أو دار لا فضل فيها، أو عرض قيمته ثمن رقبة، لم يجزه إلا العتق، ولا يجزئه الصوم، لأنه يقدر على العتق، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾، وهذا واجد.
قال: ومن تظاهر من أمته ولم يكن له غيرها لم يجزه الصوم، وأجزأه عتقها عن ظهاره، وله أن يتزوجها بعد ذلك إن رضيت به.
قال: ومن صام شهراً وأطعم ثلاثين مسكيناً عن ظهاره لم يجزه، وكذلك لو أعتق نصف رقبةٍ وأطعم ثلاثين مسكيناً أو صام شهراً لم يجزِه.

[الباب الثامن]

في الإطعام في كفارة الظهار

قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾، فلم يستثن الوسط من الشبع كما ذكر في كفارة اليمين بالله عز وجل، فينبغي أن يكون الشبع مُدَّين إلا ثلثاً بمد النبي صلى الله عليه وسلم عدل من الشبع، وهو عِيَارُ مُدِّ هِشَام، فمن أخرج به أجزأه، وقاله مالك.
وروى ابن وهب ومطرف عن مالك: مُدَّين لكل مسكينٍ بمدِّ النبي صلى الله عليه وسلم في الظهار.
وروى البغداديون: أن مُدَّ هشام مُدَّان النبي صلى الله عليه / وسلم، وقالوا: لما أبهم الله عز وجل كفارة الظهار وفدية الأذى فلم يذكر فيها وَسَطَاً، ونص الرسول عليه الصلاة والسلام على مُدَّين في فدية الأذى، كان الظهار مثله، والله أعلم.

وروى ابن حبيب: أن مُدَّ هشام الذي جعله لفرض الزوجات مُدُّ وثلث.
وروى ابن القاسم: أنه مُدَّان إلا ثلث، وروى البغداديون: أنه مُدَّان بمُد النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: فإن كان عيش بلدهم تمراً أو شعيراً أطعم منه في الظهار عّدلُ شِبَعِ مُدِّ هشام من الحِنطَة.
قال مالك: ويطعم من التمر أو الشعير في كفارة الإيمان إذا كان عيشهم عشرة مساكين وَسَطَاً من شِبَع الشعير والتمر، لأن إطعام الأيمان فيه شرط، ولا شرط في إطعام الظهار، فلا يكون إطعامه إلا شبعاُ، ولا أحب أن يغَذِّي ويُعَشِّي في الظهار، لأن الغذاء والعشاء لا أظنه يبلغ مُدَّاً بالهاشمي، ولا ينبغي ذلك في فدية الأذى أيضاً، ويجزي ذلك فيما سواهما من الكفارات، ويكون في الخبز إدام، فإن كان الخبز وحده وفيه عدل ما يخرج من الحب أجزأه.
ومن كتاب ابن المواز: ومن غدَّى أو عشَّى خبز البُرِّ والإدام في الظهار لم ينبغ ذلك له ولا إعادة عليه، وإن أطعم عن ظهاره شعيراً وهو يأكل القمح، أو ذُرَةً وهو يأكل الشعير لم يجزه.
قال: وإن أطعم شعيراً وهو يأكل الذرة أجزأه إذا زاد مبلغ شبع القمح، وقاله أشهب.

ومن المدونة: قال ابن القاسم: ويُخرج في كفارة الأيمان وسائر الكفارات، والطعام في الجزاء، وفي الإفطار في رمضان وفي كل شيءٍ مُدَّاً لكل مسكينٍ بُمدِّ النبي عليه الصلاة والسلام خلا فدية الأذى وكفارة الظهار، فإنه يُخرج في فدية الأذى مُدين لكل مسكينٍ بمُد النبي صل الله عليه وسلم، ويُخرج في كفارة الظهار مُدَّاً بِمُدِّ هشام لكل مسكينٍ كما وصفنا.
قال سحنون: فأما كفارة قتل النفس فلا إطعام فيها.
قال ابن القاسم ومن أعطى في سائر الكفارات من الذي هو عيشهم أجزأه، ولا يجزئ في ذلك دقيق أو سويق أو عروض أودراهم فيها وفاء بقيمة الطعام.
وقال ابن حبيب: إذا أخرج الدقيق برَيعِة أجزأه.
قال الشيخ: ولا يخالفه ابن القاسم في ذلك، لأنه أعطى ما يلزمه، وتطوَّع لهم بطحنِه، كما أجزأه إذا أعطاهم خُبزاً، فكذلك يجزيه دَقِيقاً.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أعطى في الظهار ستين مُدَّاً بالهاشمي لعشرين ومئة مسكين، نصفَ مُدٍ نصف مُدٍ لم يجزه، إلا أن يزيد ستين منهم لا من غيرهم، نصف مُدٍ لكل واحدٍ فيجزيه، وإن أعطى ذلك لثلاثين مسكيناُ لكل

مسكين مُدَّين لم يجزه حتى يعطي لكل مسكينٍ مُدَّاً مُدَّاً.
قال الشيخ: يريد ويجزيه أن يعطي ثلاثين من غيرهم مُدَّاً مُدَّاً.
قال ابن القاسم: ولا يجزئ في فدية الأذى أن يعطي إثنى عشر مسكيناً مُدَّاً مُدَّاً، ولكن يطعم سنة مساكين مُدَّين مُدَّين بمدَّ النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك في كفارة الإفطار في رمضان لا يجزيه أن يعطي ثلاثين مسكيناً مُدَّين مُدَّين ولا عشرين ومئة، نصق مُدٍ نصف مُدٍ، ولكن يعطي سنين مسكيناً لكل مسكينٍ مدَّاً بمد النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: وإن أطعم في كفارة الظهار حِنطةً ثم ضاق السعر حتى صار عيشهم التمر أو الشعير، أو خرج إلى بلدٍ عيشهم ذلك أجزأه أن يطعم من ذلك ثلاثين مسكينا، وكذلك هذا في جميع الكفارات.
قال الشيخ: يريد: إذا لم يتعمد الخروج إلى ذلك البلد ليخفف عن نفسه، وقاله سحنون.
قال: وإن أطعم في كفارة الظهار ثلاثين مسكيناً ثم لم يجد في بلده غيرهم لم يجز أن يعطيهم في غدٍ بقية الكفارة، ولبيعت بها إلى بلدٍ آخر.
قال مالك: ومن عليه كفارتان عن يمينين فأعطى اليوم مساكين عن أحد يمينه، ثم لم يجد في غدٍ غيرهم فلا يعجبني أن يعطيهم عن اليمين الأخرى.
قال ابن القاسم: كانت اليمين الأولى أو مخالفةً لها كيمين بالله مع ظهارٍ ونحوه.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: فإن فعل أجزأه إن لم يجد غيرهم.

قال يونس بن عُبيد: إلا أن تحدث عليه اليمين بعد ذلك فليطعمهم في غدٍ إن شاء.
قال ابن القاسم: ولا يطعم في شيء من الكفارات مَنْ فيه عَلَقَة رقٍ ولا ذمياً ولا غنياً، فإن فعل أعاد.
قال الشيخ: لأن الله تعالى جعلها للمساكين فلا تكون في غيرهم.
قال مالك: ولا يجزئ أن يطعم في الكفارات كلها إلا حراً مسلماً مسكيناً.
قال: ولا يطعم في شيءٍ من الكفارات أحداً من قرابته وإن كانت نفقتهم لا تلزمه، فإن أطعم من لا تلزمه نفقتهم أجزأه إن كانوا محاويج.
قال: ويطعم الرضيع من الكفارات إذا كان قد أكل الطعام.
قال ابن القاسم: ويُعطَى ما يُعطَى الكبير، فإن كان في يمينٍ بالله أعطى مُدَّاً بُمِدِّ النبي صلى الله عليه وسلم.

[الباب التاسع]

في العتق في كفارة الظهار

[فصل 1 - فيما يجزئ من الرقاب في الكفارات] ولما ذكر الله عز وجل في عتق النفس رقبةً مؤمنةً كان كذلك في الظهار وغيره من الكفارات.
وفي حديث السوداء ما دلَّ على ذلك، إذ قال ربُّها للنبي صلى الله عليه وسلم: عليِّ رقبةَ أفأعتها؟ ولم يذكر عمّاذا لزمته، فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم يعتقها حتى سألها: «أين الله»؟ فقالت: في السماء، فقال: «من أنا»؟ فقالت: رسول الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أعتقها»، وفي غير حديث مالك: «إنها مؤمنة».

ولا تجزئ ذات العيب البين في رقبةٍ ولا هدي أو نسكٍ، ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذوات العوار في النسك.
وسئل عليه الصلاة والسلام: أيُّ الرقاب أفضل؟ فقال: «أغلاها ثمناً وأنفسُها عند أهلها».
قال مالك: لا يجزئ في الظهار وغيره من الكفارات إلا رقبةً مؤمنةً سليمةً من العيوب الفاحشة.
قال أصبغ: ومن اعتق منفوساً عن ظهاره ثم كَبُر فكان أخرس، أو مُقَعداً أو أصمَّاً أو مُطبِقاً جنوناً فلا شيء عليه، وقد أجزأه، وهذا شيء يحدث، وكذلك في البيع لا يُرد بذلك.

[فصل 2 - فيمن أعتق بعض عبد عن ظهاره] ومن المدونة: ومن أعتق عن ظهاره نصف عبدٍ لا يملك غيره ثم أيسر بعد ذلك فابتاع باقيه فأعتقه عن ظهاره لم يجزه لتبعيض العتق، وهو حين ملك بقيته لا يعتق عليه وكان له ملكه.
وكذلك قال ماكل فيمن أعتق شقصاً له من عبدٍ وهو معدم، ثم أيسر فاشتر نصيب صاحبه، أو ورثه، أو تُصُدَّق به عليه، أو وُهِب له، أو أوصَِ له به فَقبِله، أنه لا يعتق عليه، ولو أعتق نصفه عن ظهاره وهو موسر فقُوم عليه بقيته ونو به الظهار لم يجزه، لأن الحكم يوجب عليه عتق بقيته.
ابن المواز: قال ابن القاسم: وإن أعتق حميع عبدٍ بينه وبين شريكه وهو موسر أجزاه عن ظهاره، أو كفارة يمينه، وقد قال مالك فيمن أعتق جميع عبد بينه وبين شريكه: إن ذلك يلزمه، وليس لشريكه أن يعتق نصيبه إذا كان الذي أعتق جميع ميتاً.
قال الشيخ: وهذا على الرواي المذكورة في كتاب الرجم، وقد قال فيها أشهب وسحنون: إن لشريكه أن يعتق نصيبه، وهذا هو الصواب، فعل هذا القول ينبغي ألا يجزي عتقه في الظهار، لأن شريكه مُقدَّم عليه في الرد والإجازة، وقاله سحنون وأصبغ.
ومن العتبية: قال عيس عن ابن القاسم فيمن أعتق نصف عبده عن ظهاره ثم أعتق باقيه عن ذلك الظهار: إنه يجزيه، فإن لم يعتق باقيه ورفعه إل السلطان: قال: يأمره بذلك، فإن أعتقه عن ظهاره أجزأه ذلك وإلا أعتقه عليه.

ابن حبيب: وقال ابن الماجشون وأصبغ: لا يجزئه أن يعتق باقيه عن ذلك الظهار، وليعتق عليه بالسنة.
وعاب أصبغ قول ابن القاسم، وكذلك قال سحنون في كتاب ابنه.
قال الشيخ: وهو الجاري عل أصله في المدونة: أن ذلك لا يجزئه.
[فصل 3 - في ذكر ما لا يجزئ إعتاقه في الكفارة] ومن المدونة: ولا يجزئه أن يعتق عن ظهاره أو غيره من الكفارات رقبةً يشتريها بشرط العتق، وقاله ابن عمر ومَعفل بن يَسار صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهما من أهل العلم.
قال الشيخ: ولأنها ليست برقبةٍ لما وُضِع له من ثمنها بشرط العتق فيها.
قال مالك: ولا يجزئه أن يعتق مدبَّراً ولا مكاتباً، وإن لم يؤد من كتابته شيئاً ولا معتقاً إلى أجلٍ، ولا أم ولدٍ، أو عبدٍ قال: إن اشتريته فهو حر، فاشتراه فأعتقه عن ظهاره فلا يجزئه ذلك، ولا تجزئه إلا رقب يملكها قبل أن تعتق عليه.

جارٍ التحميل