ابن وهب: وقاله جابر بن عبد الله وأبو أُمَامة بن سَهل بن حَنِيف وابن المسيب وابن يسار وغيرهم.
قال مالك: وإن بانت منه بما ذكرنا وهي غير حاملٍ فلا نفقة لها ولا كسوة, ولها السكنى في العدة, ولا رجعة له عليها, ولا يتوارثان, وإن كان طلاقه فيه رجعةً فلها النفقة والكسوة والسكنى كانت حاملاً أم لا, ويتوارثان ما تنقض العدة.
[فصل 2 - في الوكالة على الخلع]
قال مالك: ومن وكَّل من يصالح عنه زوجته لزمه صلح الوكيل في غيبته.
ابن القاسم: وإن وكَّل بذلك رجلين, فخالعها أحدهما, لم يجز إلا باجتماعهما جميعا, كما لو وكَّلهما على بيعٍ أو شراءٍ بخلاف رسُولَي الطلاق./
[الباب الرابع]
في خلع غير المدخول بها
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:229] فعم, فسواء كانت الزوجة مدخولاً بها أو غير مدخولٍ بها فإنه يحل للزوج ما أخذ منها إذا كانت الإساءة من قِبَلِهَا.
قال ابن القاسم: فإن صالحته, أو بارءته على المتاركة, أو خالعته على أن أعطته عبداً أو مالاً وذلك قبل البناء فليس لها أخذه بنصف الصداق, وإن قبضته جميعه ردته, وقلنا ذلك في المتاركة بغير شيء, فإذا ردت كان أبعد أن ترجع بشيء وقاله مالك والليث.
ولو سألته الطلاق قبل البناء على عشرة دنانير من صداقها -ابن المواز عن مالك: أو خالعته عليها من صداقها- فإن لها نصف ما بقي بعد العشرة, قبضتها أو لم تقبضها.
قال ابن المواز عن مالك: وأما في الخلع المبهم فلا شيء لها من المهر, أعطته على الخلع شيئاً أو لم تعطه, قاله مالك وأصحابه وغيرهم في التي لم يدخل بها خلا أشهب فإنه جعل أن ترجع عليه بنصف صداقها ويكون له ما أعطته ما أعطته.
قال ابن القاسم: وأما المدخول بها فتصالحه على شيءٍ من مالها, فإن لها أن ترجع بمؤخر صداقها, بخلاف التي لم يبن بها.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما إن قالت له قبل البناء: طلقني طلقةً على عشرة دنانير, ولم تقل: من صداقي, ففعل, غرمت العشرة دنانير التي شرطتها, لأنها اشترت بها طلاقها, وكان نصف صداقها, وكذلك إن قالت
له قبل البناء: طلقني طلقة بغير؛ فإنها تتبعة بنصف الصداق وإن لم ينقدها إياها.
-ابن المواز: وذلك بخلاف الخلع المبهم-.
ابن القاسم: ولا تخرج العشرة من المهر إلا أن يشترط ذلك.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قال لها: أنت طالق على عبدك هذا, فإن قبلت قبل التفرق وإلا فلا قبول لها بعد ذلك.
وإن قال لها: إذا أعطيتني ألف درهم فأنت طالقً ثلاثاً؛ فذلك لها متى ما أعطته, وكذلك إن قال لها: أمركِ بيدكِ متى ما شئت, أو إلى أجل؛ فأمرها بيدها إلى ذلك الأجل إلا أن توقف قبلة فتقضي, أو ترد, أو توطأ طوعاً فيبطل ما بيدها ولا يكون لها أن تقضي بعد ذلك.
[الباب الخامس]
فيمن أعطى على أن يطلق ويشترط الرجعة أو خالع وشرط إن طلبت شيئا عادت له زوجة ونيته في طلاق الخلع ومن قال: أنت طالق طلاق الخلع
[فصل 1 - فيمن أعطى على أن يطلق ويشترط الرجعة]
قال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس رضي الله عنه حين خالع زوجته: «إنها واحدة».
ابن وهب: وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: هي طلقةً بائنةً إلا أن يسمَّى شيئاً فهو [على] ما سمَّى, وقاله عددً من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.
وقد أبطل الرسول صلى الله عليه وسلم كلَّ شرطٍ ليس في كتاب الله تعالى فكذلك ينبغي أن يبطل كل شرطٍ خلاف السنة.
قال ابن القاسم: فإن أعطته شيئاً على أن يطلق ويشترط الرجعة فشرطه باطلٌ والخلع يلزمه ولا رجعة له إلا بنكاحٍ مُبتدأٍ إلا أن شرطه لا يحيل سُنَّة الخلع, قاله مالك.
وروي عن مالك: أن له الرجعة, وقاله سحنون.
قال عبد الوهاب: ووجه ذلك: أن العوض يكون في مقابلة ما يسقط من عدد الطلاق دون زوال العصمة, لأنها لما أجابته إلى ذلك دل على أنها على هذا عاوضت.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: والخلع طلقةً بائنةً, سمَّي طلاقاً أو لم يسم, وتعتد عدة المطلقة وله أن ينكحها/ في عدتها إن تراضيا, لأن الماء ماؤه بوطءٍ صحيح إلا أن يتقدم له فيها طلاقٌ يكون بهذا ثلاثاً للحرة, واثنتين للعبد فلا تحل له إلا بعد زوج.
ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم: وإن خالع امرأته وهي حاملٌ فله هو دون غيره أن يتزوجها في هذا الحمل ما لم تثقُل فتصير كالمريضة فلا يجوز ذلك له ولا لغيره حتى تضع.
[فصل 2 - فيمن خالع وشرط إن طلبت شيئاً عادت له زوجة]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا خالعها وشرط أنها إن طلبت شيئاً عادت له زوجة, فشرطه باطل, والخلع يلزمه ولا رجعة له إلا بنكاحٍ مبتدأٍ.
قال في كتاب ابن المواز: فإن ظنا أن ذلك يلزم فطلبته بذلك فعادت تحته بذلك ووطئها فليفارقها, وليس لها بإصابته إلا ما كان رده إليها يكون ذلك صداقها, كان أقل من صداق مثلها أو أكثر, ولا يتزوجها لأنه كالنكاح في عدة.
وقال محمد: هي حلالٌ له بعد الاستبراء, وإن كانت حاملاً فعد الوضع, وليس النكاح في عدة.
قال الشيخ: قال بعض علمائنا: يريد ما لم يكن ذلك أقل من ربع دينارٍ فلا بد أن يتم لها ربع دينار.
قال في كتاب ابن المواز: ولو أنها حملت منه فصالحها ثانيةً على شيءٍ آخر, أو على أن أبرأته من نفقة الحمل والرضاع كان الصلح الآخر باطلاً ويرد عليها ما كان أخذ منها وتكون عليه النفقة.
قال: ومن خالع زوجته, ثم نكحها في العدة, ثم طلقها قبل البناء والمسيس فهي تبني على عدتها ولها نصف الصداق بخلاف من ارتجع من طلاقٍ رجعيً ثم طلق قبل أن يمس فهذه تأتنف العدة.
قال الشيخ: وإنما قال ذلك لأن الرجعة تهدم العدة بخلاف النكاح المبتدأ.
قال الشيخ: والفرق بينهما: أن الزوجة في الطلاق الرجعي, أحكام الزوجية باقيةٌ بينهما, فإذا ارتجع عادت زوجة مدخولاً بها كما كانت قبل الطلاق فإذا طلق ثانيةً وجبت عليها العدة لهذه الطلقة, فإن كان بقي من العدة الأولى شيءً فهو داخلً في هذه العدة المؤتنفة, وإذا كانت الطلقة الأولى بائنة فهو لا يرتجعها إلا بنكاحٍ جديدٍ بصداقٍ وولي, فإذا طلق فيه قبل أن يمس فقد طلق قبل البناء فلا عدة عليها لهذا الطلاق الثاني فوجب أن تتم العدة للأول, وبالله التوفيق.
[فصل 3 - في النية في طلاق الخلع]
ومن المدونة: قال مالك: وإن خالعها واشترط رجعتها فالخلع ماضٍ ولا رجعة له.
قال ابن القاسم: وإن أخذ منها شيئاً وانقلبت وقالا: ذلك بذلك, ولم يسميا طلاقاً فهو طلاق الخلع, وإن سمَّيا طلاقاً لزم ما سمَّياه من الطلاق, وإن نوى بالخلع ثلاثاً أو اثنتين لزمته وإن لم يلفظ بها, وكذلك إن شرطت هي في الخلع أن تكون طالقاً تطليقتين فذلك يلزم.
قال مالك: وإذا لم يكن لها عليه مهرٌ ولا دينٌ فخالعها عل أن أعطاها شيئاً أو لم يعطها فذلك جائز ولا رجعة فيه وذلك خلعٌ, وقاله ابن القاسم.
وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك فيمن طلق امرأته وأعطاها: أن له الرجعة وليس بخلع, وروى عنه: أنها واحدةٌ بائنةٌ, وأكثر الرواة على أنها غير بائن, لأنه إنما تختلع بمال يأخذه منها, فلزمه بذلك سنة الخلع, وإذا لم يأخذ منها فليس بخلعٍ وهو رجلٌ طلَّق وأعطى.
قال ابن المواز: وإذا جرى ذلك بينهما بمعنى الخلع والصلح وإن لم يقولاه فهي واحدةٌ بائنة.
-قال الشيخ: كمن خالع على ما لا يصح تملُّكه كالخمر والخنزير-.
قال ابن المواز: وأنا إن لم يجر على ذلك فله الرجعة.
قال الشيخ: وكمن طلق بغير عوض.
[فصل 4 - فيمن قال: أنت طالق طلاق الخلع]
ومن المدونة: وقال غيره فيمن قال لمدخول بها: أنتِ طالقٌ طلاق الخلع, فهي ألبته, لأنها لا تكون واحدةً/ بائنة إلا بخلع.
ومن الواضحة: هذا قول ابن الماجشون.
وقال ابن القاسم في الذي قال لامرأته: أنت طالقً طلاق الخلع: إنها واحدةً بائنةً.
وقاله أصبغ في قوله: أنت طالقٌ طلاق الخلع, أو كما طلق فلانً زوجته, وفلانً خالعها.
قال أصبغ: وإن كان فلانً إنما طلقها واحدةً قبل البناء فتلزم هذه طلقةً كما طلقت تلك طلقة, ولكن لا تبين بها, لأن عليها العدة وإنما بانت تلك إذ لا عدة عليها.
وقال مطرف: قوله: أنت طالقً طلاق الخلع, كقوله: أنت طالقً واحدةً لا رجعة لي عليك فيها, فهي واحدةً وله الرجعة, لأن الخلع والمباراة لا تكون إلا بشيءٍ يأخذه منها أو تضعه عنه, وما عدا ذلك فطلقةً رجعية, وذكر الخلع ساقطً بقوله: أنت طالقً واحدةً بائنةً.
قال ابن حبيب: وبقول ابن الماجشون أقول.
[الباب السادس]
في الخلع على أخذ الولد أو على نفقته أو على طرح سكناها
[فصل 1 - في الخلع على أخذ الولد]
قال مالك: وإذا خالعها على أن يكون الولد عنده, فالخلع جائز, وله شرطه إلا أن يضر ذلك بالصبي ويُحَاف عليه إن نُزِعَ منها, مثل أن يكون يرضع وقد عَلِقَ فلا سبيل له إليه.
قال ابن القاسم: وإذا خرج الصبي من حدِّ الاضرار به والخوف عليه كان له أخذه منها حينئذٍ بشرطه.
قال ابن الماجشون: إن كان الولد صغيراً ألزمه الخلع ولها أن ترجع في ولدها فتأخذه ولا يلزمها الشرط, لأن الحضانة حقً للولد فليس للأم قطعها, وهذا لا اختلاف فيه عندنا.
وذكر عن أبي عمران في قول ابن القاسم إن ذلك جائزً إذا لم يضر ذلك بالولد, هل ذلك له فيمن ليس له جَدَّة, أو يتم ذلك له ولا حق للجدة فيه؟
فقال: القياس أن لا يسقط حق الجدة مثل ما إذا خالعها أو طلقها وتركت حقها في الولد من غير شرطٍ أن الجدة أولى به.
[فصل 2 - في الخلع على نفقة الولد]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا خالعها على أن ترضع ولده وتنفق عليه ما دام في الحولين جاز ذلك, وإن ماتت كان الرضاع والنفقة في مالها, وإن مات الولد قبل الحولين فلا شيء للزوج عليها.
قال مالك: ولم أَرَ أحداً طلب ذلك.
ابن المواز: كمن صالح على إسقاط نفقة الحمل فأسقطت سَقْطَاً فلا تُتَبع.
قال عبد الملك: لأنها على ذلك ضمنت, ورواه أشهب عن مالك, وروى أبو الفرج أن قول مالك أنه يتبعها في موت الصبي.
قال مالك: إن عجزت هي عن نفقة الولد رجعت النفقة على الأب ويتبعها بها, وقاله أشهب وعبد الملك وابين القاسم, وقال أيضاً ابن القاسم: لا يتبعها, وقاله أصبغ.
ومن المدونة: قال مالك: وإن شرط عليها نفقة الولد بعد الحولين أمداً سمياه تم الخلع ولزمها نفقة الولد في الحولين فقط, ولا يلزمها ما ناف على الحولين.
قال ابن القاسم: وكذلك إن شرط عليها الزوج نفقة نفسه سنة أو سنتين تم الخلع, ولم يلزمها من نفقة الزوج شيء.
وقال المخزومي: يلزمها نفقة الزوج ونفقة الولد بعد الحولين كالخلع بالغرر وقاله سحنون.
قال الشيخ: وهو الصواب, وقد احتُجَّ لقول ابن القاسم احتجاجً ضعيفً فتركتُه.
[فصل 3 - في الخلع على ألا سكنى لها]
قال ابن القاسم: وإن خالعها على ألاَّ سكنى لها عليه, فإن أراد إلزامها كراء المسكن جاز ذلك/ إن كان المسكن لغيره, أو كان له وسمَّى الكراء, وإن كان على أن تخرج من مسكنه تم الخلع ولم تخرج, ولا كراء له عليها.
[الباب السابع]
في الخلع على دين مؤجل أو سلف أو خمر أو حلال وحرام
[فصل 1 - في الخلع على دينٍ مؤجل أو سلف]
ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عمَّا جرَّ نفعاً من السَّلف.
قال مالك: وإذا كان لأحد الزوجين على الآخر دينً مؤجلً فخالعها على تعجيله قبل محله جاز الخلع ورد الدين إلى أجله.
قال غيره: وإن كان الدين عليه وهو عينً [مما] له تعجيله قبل محله فذلك جائزً وليس بخلع, وهو كرجلٍ طلق وأعطى فهي طلقةً واحدةً وله الرجعة عنده, وإن كان الدين عرضاً أو طعاماً من بيعٍ مما لا يجوز للزوج تعجيله إلا برضى المرأة ولا تستطيع المرأة قبضه إلا برضى الزوج فهذا يكون بتعجيله خلعاً ولا رجعة له, ويرد الدين إلى أجله, لأنه إنما طلق على أن تحط عنه الضمان الذي كان عليه إلى أجل, وإنما طلاقه إياها على أن يعجَّل لها ذلك, كما لو زادها دراهم أو عرضاً سواه على أن يعجل لها ذلك لم يجز, وكان حراماً, ورد الدين إلى أجله, وأخذ منها ما أعطاها, وكما لو طلقها على إن أسلفته سلفاً لزمه الطلاق, ورد السلف لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عما جرَّ نفعاً من السلف.
قال بعض فقهائنا: إذا كان لها الدين عيناً, فخالعها على تعجيله, فهو رجلً طلق وأعطى كما قال غيره, ولا يدخل هاهنا سلفً جرَّ منفعةً لسقوط النفقة عنه في العدة, لأنه له أن يخالعها من نفسه بلا مال, أو يقول لها: أنت طالق طلاق الخلع؛ فتكون طلقة تملك بها نفسها ولا نفقة لها فيثبت بذلك أنها ما أسقطت عنه ما لا يقدر على إسقاطه؛ هذا على قول ابن القاسم الذي يرى أن الخلع من غير أن تدفع المرأة, وأما على قول غيره الذي يرى أن الخلع إنما يكون بشيء تدفعه المرأة فتدخله علة إسقاط النفقة لتعجيل دينها فيدخله سلفٌ جرَّ منفعةً إذا كانت مدخولًا بها.
قال: ورأيت لابن الكاتب أنه قال: وجه قول مالك في تعجيل ما على الزوج من العين أنه سلفٌ جرَّ منفعةً إذا كانت مدخولاً بها, لأنه لو لم يخالعها على هذا كانت طلقة غير بائنة, ولزمته النفقة في العدة, فتعجيله الدين سلفً جرَّ منفعةً وهي إسقاط النفقة, يوضَّح ذلك أنه إنما تكون طلقةً بائنةً إذا جرى ذلك بينهما على وجه المباراة, إذ لو طلقها هو من غير أن تجري لها في ذلك أمرً لم تكن طلقةً بائنةً بإجماعهم وإن أعطاها في ذلك مالاً, وإنما اختلف قول مالك إذا أعطى وطلق فيما جرى منهما جميعاً على جهة المباراة, فلما كانت البينونة لا تصح إلا برضاهما كانت كأنها لم ترض له بإسقاط نفقة عدتها إلا باستعجال دينها.
ومن كتاب ابن المواز وكتاب ابن سحنون: إذا صالحها على أن عجَّلت له بعض دينه وأسقط عنها البعض بطل التعجيل والوضيعة, وتمَّ الفراق, لأنه إنما فارق ووضع على أن تُعجِّل وذلك حرامٌ كله.
قال مالك: وإن كان الدين عليه فصالحها على أن يعجَّل لها بعض دينها ووضعت عنه بقيته؛ فالوضعية نافذة, وترد إليه ما عجَّل لها لتأخذه منه إذا حل أجله.
قال الشيخ: كمن خالع على حلالٍ وهي الوضيعة وحرامٍ وهو التعجيل فيُرد الحرام ويمضي الحلال, وهو نحو ما قدمناه لابن المواز.
قال ابن القاسم: وكذلك إن صالحها على إن أخرته بدينٍ لها عليه إلى أجلٍ فالخلع جائز ولها أخذه/ بالمال حالا.
قال ابن القاسم: وكل ما رددنا من مثل هذا أو أجزنا الخلع فيه لم يرجع عليها الزوج بصداق المثل ولا غيره.
قال ابن المواز: إذا صالحها على أن عجَّل لها دينها, فإن لم يكن في ذلك وضيعة, ولا جرَّ نفعاً, فذلك جائزً, وكذلك إن أخرها بدينٍ له عليها ولا نفع له في ذلك, وإن حطته بعض دينها وعجَّل لها بعضه, أو أخرته به, فالحطيطة ماضيةً في الخلع, ويرد ما عجل لها ويبطل التأخير.
قال الشيخ: كمن خالع زوجته على حلالٍ وحرامٍ فإنه يجوز منه الحلال ويبطل الحرام.
قال ابن المواز: وإن تزوجت على عشرةٍ نقداً وعشرين إلى أجلٍ فصالحته قبل أن ينقدها شيئاً, وقبل البناء بها على العشرة النقد وطرحت ما بقي, فالطلاق ماضٍ وترد خمسةً وتبقى عليه الأجل ثم تأخذها منه.
قال الشيخ: لأن الواجب لها بالطلاق نصف صداقها وهو خمسةً نقداً أو عشرةً إلى أجل فقد أعطاها الآن الخمسة النقد, وعجَّل لها خمسةً من العشرة المؤجلة على إن حطته الخمسة الأحرى فألزمناها الحطيطة للخلع ورددنا الخمسة إلى أجلها لأنها من ضَعْ وتَعَجَّل.
قال ابن المواز: وإن كان على ستةٍ ردت ديناراً يبقى لها إلى أجله, وأما على خمسة عشر فهي لها, ولا ترد شيئاً, إذ ليس في ذلك وضيعة شيء.
[فصل 2 - في الخلع على الخمر]
ومم المدونة: قال ابن القاسم: وإن خالعها على خمرٍ تم الخلع ولا شيء له, وإن قبضها أُهرِيْقَت عليه.
قال عبد الوهاب: وقال الشافعي: يرجع عليها بصداق المثل, ودليلنا: أنه لما رضي أن يعتاض مالا يصح تملُّكه كان راضياً بسقوط العوض فلم يجب له بدل ولأنه معنىً يصح أن يوقع بغير بدل, ويفوت بنفس وقوعه, فإذا أوقعه بما لا يصح تملُّكه كان كمن أوقعه بغير شيء.
وقال أبو حنيفة: تكون طلقةً رجعيةً, ودليلنا عليه: أنه طلاقً أوقعه على وجه الخلع فكان بائناً كما لو صح العوض.
قال الشيخ: قيل في قول ابن القاسم: فإن تخلَّلت الخمر بيد الزوج فإنها له لأنها قد عادت حلالاً, وسواءٌ كانت الزوجة مسلمةً أو نصرانيةً.
[فصل 3 - في الخلع على حلالٍ وحرام]
ومن المدونة: وإن خالعها على حلالٍ وحرامٍ جاز منه الحلال وبطل الحرام كمالٍ وخمر.
وفي الباب الأول من الخلع تفسير الخلع والمباراة والفدية وأن ذلك كله طلقةً بائنة.
[الباب الثامن]
فيمن قالت لزوجها: خالعني بكذا أو قال له ذلك أجنبي وكيف إن وجدت عديمة أو أتبع الخلع طلاقاً والخلع يقع بعد بتات طلاق أو فساد نكاح أو عيب والدعوى في الخلع
[فصل 1 - فيمن قالت لزوجها: خالعني,
وكيف إن وجدت عديمة]
قال مالك: وإن قالت له: خالعني أو بارني, أو طلقني على ألف درهم أو بألف درهم, فهو سواء, وإن أصابها عديمة جاز الخلع واتبعها بالدراهم, وإنما ذلك إذا صالحها بكذا وكذا, أو ثبت الصلح ورضي بالذي تعطيه يتبعها به.
قال ابن القاسم: وأما أن يكون إنما صالحها على أنها أن أعطته الألف تم الصلح فلا يلزمه الصلح إلا بدفع.
قال في كتاب ابن المواز: أو يقول: على أن تعطيني الساعة, أو أخالعك على أن تعطيني, فلم تعطه فهذا لا يلزمه الصلح.
ومن المدونة: وإن قالت له: يعني طلاقي بألف درهم, ففعل جاز ذلك.
قال مالك: وإن قالت له: خالعني ولك ألف درهم, فقال لها: قد خالعتك, لزمتها الألف, وإن لم تقل بعد قولها الأول شيئاً, وإن قال له رجل: طلق امرأتك ولك ألف درهم, ففعل لزم ذلك الرجل الألف.
فصل [2 - فيمن أتبع الخلع طلاقا]
قال مالك:/ وإذا أُتِبع الخلع طلاقاً من غير صُمَاتٍ نسقاً لزم ذلك, وإن كان بين ذلك صُمَاتً أو كلامٌ يكون قطعاً لذلك لم يلزم الطلاق الثاني.
ابن وهب: وقد قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: الخلع مع الطلاق اثنتان, وقال ابن أبي سلمة: إذا لم يكن بينهما صمات, ومن فعل ذلك فقد أخطأ السنة, وإنما الخلع واحدةً إذا لم يسمِّ طلاقاً.
فصل [3 - في الخلع يقع بعد بتات طلاق
أو فساد نكاح, أو عيب]
قال ابن القاسم: وإن خالعها على شيءٍ ثم تبيَّن أنه قد أبتَّها قبل ذلك أو حلف بطلاقها ألبتة أن لا يخالعها, أو أنه نكحها وهو محرِمً, أو أنها أخته من الرضاعة, أو مما لا يقرَّان عليه, أو انكشف أن بالزوج جنوناً أو جُذَاماً فالخلع في ذلك كله ماضٍ وترجع عليه بما أخذ منها, لأنها كانت أملك بفراقه, وفراقها إياه من أجل الجنون والجذام فسخَ بطلاق.
قال الشيخ: وذكر عن بعض فقهائنا القرويين: إن قيل ما الفرق بين أن يخالعها على مالٍ ثم يظهر أنها مطلقة, أو كاتب عبده ويتأدى منه ثم يظهر أنه كان أعتقه وهو منكِرً في الوجهين فألزمه أن يرد في الخلع ولم يلزمه أن يرد في الكتابة؟ فالفرق: أن للسيد أن يستسحي عبده وينتزع ماله ولا يزيل ملكه عنه إلا
الحكم عليه, والزوجة ليس له سبيلً إلى مالها وهو كأجنبيً فلا يصل إليه إلا بحق, فإذا ثبت طلاقه قبل ذلك فقد أخذه بغير حقٍ فافترقا.
ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم: وإن قال لها: أنت طالق واحدةً إن صالحتك, ثم صالحها قال: لا ترجع بشيءٍ وهو كمن قال لعبده: إن قاطعتك قبل السنة فأنت حر, ثم قاطعه فلا يرجع عليه بشيء.
قال عيسى: لأنه لما حنث بطلاقه كانت له الرجعة, وصارت عطية المرأة فيما قطعت عنه ماله من الرجعة, وكذلك عطية العبد فيما تعجل من العتق قبل السنة.
ولو قال: إن صالحتك فأنت طالقٌ ألبته, ثم فعل؛ فهذا يرد ما أخذ, وكذلك في العبد إذا لم يقل إلى سنة, فهو يرد ما أخذ إذا قاطعه.
وإن انكشف بعد الخلع أن بها جنوناً أو جُذاماً أو بَرَصَاً كان له ما أخذ منها وتم الخلع لأن له أن يقيم, ولو تركها أيضاً بغير خلعٍ كان فسخاً بطلاق.
وقال في كتاب النكاح الثاني: وإن ثبت أنه نكح بغررٍ أو بغير وليًّ فاختلعت قبل البناء بمال فذلك ماضٍ وله ما أخذ.
قال سحنون: هذه ترد إلى ما في كتاب الخلع أنه يرد ما أخذ منها.
قال ابن المواز: وليس له رجوع بالصداق على من غرَّه كعيبٍ ذهب.
قال ابن المواز: وإنما لا يرد ما أخذ فيما لأحدهما المقام عليه.
قال الشيخ: فيصير هذا قولاً ثالثاً, لأنه إذا وجدت بالزوج جنوناً أو جُذامَاً فللزوجة الرضى بذلك, فإذا خالعته على شيءٍ دفعته إليه ثم اطلعت على الجنون أو نحوه لم يكن لها أن ترجع عليه بشيءٍ خلاف قول ابن القاسم, وإن تزوج بغررٍ أو بغير ولي, ثم خالعها قبل البناء فإنه يرد ما أخذ منها كما ذهب إليه سحنون.
قال الشيخ: وما قاله سحنون أبينها, والله أعلم.
[فصل 4 - في الدعوى في الخلع]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قالت له امرأته: إنك كنت طلقتني أمس على ألف درهم وقد قبلت, وقال الزوج: كان ذلك ولم تقبلني؛ فالقول قولها.
وكذلك قال مالك في الذي ملك امرأته ثم خرج, فلما رجع ليدخل عليها أغلقت الباب دونه وقالت: كنت قد ملَّكتني فقد اخترت نفسي, وقال الزوج: لم تختاري؛ إن القول قولها, واختُلف فيها في المدينة, ومن قول مالك يومئذ: لا يقضي في التمليك إلا في المجلس.
قال بعض شيوخنا: ولا يمين عليها في ذلك, إلا إذ لو نكلت عن اليمين لم ترد إليه وإنما تحلف إذا تداعوا فيما وقع به الخلع, لأنها إذا نكلت حلف هو وغرمت له.
وقوله في الكتاب: ومن قول مالك يومئذ أنه لا يقضي في التمليك إلا في المجلس, إنما ذكر هذا لئلا يَتَوهَّمً/ مُتَوهَّمً أنه إنما كان القول قولها؛ لأنها إذا لم تكن قضت فقولها الساعة قضاءً على قول مالك أن لها أن تقضي وإن افترقا من المجلس.
قال ابن القاسم: وإذا قال لزوجته: خالعتيني على هذا العبد, فقالت المرأة: بل على هذا الثوب؛ فالقول قولها, وتحلف إلا أن يأتي الزوج ببينة, لأن مالكاً قال فيمن صالح زوجته على شيء فيما بينهما, فلما أتى ببينةٍ ليشهد عليها جحدت المرأة أن تكون أعطته شيئاً على ذلك: إن الخلع ثابت ولا يلزمها إلا اليمين, ولو جاء الزوج بشاهدٍ على ما يدعي حلف معه واستحق.
قال الشيخ: إن قيل: إن ادعى الزوج أن زوجته خالعته على شيءٍ فأنكرت فأحلفها وألزمته الخلع, هل للزوجة نفقة لأنها تقول: إنما أقررت بالخلع لتسقط نفقتي في العدة؟
فالجواب: عن ذلك: أنها إن أقرت له بالمخالعة لكنها قالت: إنما كانت على غير شيء؛ فلا نفقة لها, لأنها واحدة بائنة باتفاق, وإن أنكرت الخلع أصلاً فيجب على قول ابن القاسم في قوله: أنت طالقٌ طلاق الخلع ألاَّ نفقة لها لأنها واحدة بائنة, وكذلك على قول من يرى أنها ألبته, وأما على قول من يرى
أنها واحدة رجعية فلها النفقة, وتكون واحدةٌ بائنة, لأنه مقرٌ أنه خالعها على مالٍ وهي تقول: إنما أراد بدعواه ذلك أن يسقط عن نفسه نفقة العدة, ولا ينفعك قولك: إنكِ خالعتيني, على قول من يرى أنها واحدةً رجعية.
ومن العتبية: قال أصبغ: وإذا أقام بينةً أنها صالحته على عبدها فأنكرت, وأقامت بينةً أنها صالحته على عشرة دنانير, وكل بينةٍ تقول: إنها كانت لفظةً واحدةً ومجلِساً واحداً, فالبينتان تسقط, والصلح ماض, وليس له إلا العشرة إن شاء, وكذلك إن ادعى أنه صالحها بالأمرين جميعاً.
قال سحنون عن ابن القاسم: وإذا صالحته على عبدٍ غائبٍ فمات أو وَجَد به عيباً فقالت: كان ذلك به بعد الصلح, وقال هو: قبل الصلح, فالمرأة مدعية, وعليها البينة, وإن ثبت أنه مات بعد الصلح فلا عُهدة فيه بخلاف البيع.
[الباب التاسع]
في خلع الأب والوصي والسيد والأمة وأم الولد والمكاتبة
[فصل 1 - في خلع الأب والوصي]
قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:237].
قال مالك: وهو الأب في ابنته البكر والسيد في أمته.
قال مالك: ويجوز للأب أو الوصي المباراة على الصغير على النظر والحظَّ فيما يأخذ له, كما يُنكِحُه نَظَرا.
قال ابن القاسم وغيره: ألا ترى أنهما ينكحانه وهو كاره, لما يريان له من الحظ في النكاح من المرأة الموسرة, فكذلك يطلقان عليه بالمال وشبهه, ولا يلزم الصبي أن يطلَّقا عليه على غير الخلع وأخذ المال.
قال ابن القاسم: وإن لم يكن للطفل اليتيم وصيَّ فأقام له القاضي خليفةً كان كالوصي في جميع أموره ولو كان الأب هو الذي عقد نكاح ولده, ثم مات الأب والابن صغير, فصالح الوصي عنه امرأته, جاز ذلك على الصبي, وتلزم الصبي طلقةً بائنةً في مباراة أبيه أو وصية, فإن تزوجها بعد بلوغه أو قبله, ثم
طلقها بعد بلوغه أو قبله طلقتين, لم تحل له إلا بعد زوج.
فصل [2 - في خلع السيد]
وإذا زوج الوصي يتيمةً وهو بالغٌ سفيهٌ بأمره أو زوج السيد عبده البالغ بغير أمره فذلك جائزٌ عليه, أو زوج ابنه أو يتيمة قبل البلوغ ثم بلغ سفيهاً لم تجز المباراة على أحدٍ من هؤلاء بغير إذنه لأنه ممن يلزمه طلاقه/ إن طلق, ولا يُكرهون على الطلاق.
وقال أبو محمد: وروى عيسى عن ابن القاسم في العتبية أنه يباري عن السفيه ويزوجه بغير أمره.
وقد تقدم في كتاب النكاح الأول الاختلاف في إكراهه على النكاح من كلام ابن حبيب
ومن كتاب الخلع: قال ابن القاسم: وإذا زوج السيد عبده الصغير لم يطلق عليه إلا بشيء يأخذه له.
وروى ابن نافع عن مالك, فيمن زوج وَصِيْفَه مِنْ وَصِيْفَتِهِ ولم يبلغا, أنه جائز, فإن فرق السيد بينهما على وجه النظر والاجتهاد, جاز ذلك ما لم يبلغا.
قال ابن نافع: لا يجوز من ذلك إلا ما كان على وجه الخلع.
قال مالك: وللأب أن يخالع على ابنته الصغيرة, وإن كان على إسقاط جميع المهر, فذلك جائزً عليها, وليس لوصيً أو غيره أن يخالعها من زوجها, بخلاف مباراة الوصي عن يتيمه, والفرق بينهما: أن الوصي يزوج يتمه ولا يستأمره ولا يزوج يتيمته إلا بإذنها بعد بلوغها, فكذلك يباري عن يتمه ولا يباري عن يتميته إلا برضاها.
وروى ابن نافع في صغيرةٍ زوَّجها أبوها أن للخليفة أن يباري عنها على وجه النظر, ويلزمها ذلك إذا كبرت, فأنكره سحنون وأسقطه, ولم يقرأه عند السماع,
ومن العتبية: روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في التي لم تبلغ المحيض وقد بنى بها الزوج فصالحته على مالٍ أعطته فذلك نافذ, وله ما أخذ إن كان ما [أعطته] يصالح به مثلها.
وقال أبو بكر بن اللبَّاد: المعروف من قول أصحابنا أن المال مردودً والخلع ماض.
وقال سحنون في اليتيمة البالغة تفتدي من زوجها قبل البناء: فذلك جائز, وله ما أخذ, ولا رجوع لها فيه.
قال في كتاب ابنه: ومَنْ يُجزْه لم أُعَتَّقْه فيما اختار.
وقال أصبغ: لا يجوز مباراة الصغيرة غير البالغ أو السفيهة, وكذلك بعد موت أبيها قبل البناء؛ ويرد ما أخذ منها, ويمضي الفراق ولو أخذ الزوج حميلاً بما يدركه في نصف الصداق الذي بارأته به فغرمه؛ رجع به على الحميل كالتي يباري عنها أبً أو أخً بغير علمها, إلا أن هذه يرجع فيها الزوج بما ودى فيأخذه ممن يباري عنها, ولا يرجع في مباراة الصبية الحميل بما غرمه للزوج على أحد.
[فصل 3 - في خلع الأب على ابنته بعد البناء]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا خالع الأب على ابنته الثيب بعد البناء وهي بالغً على أن ضمن للزوج الصداق فلم ترض الابنة بطلب الأب؛ أخذت به الزوج ورجع به الزوج على الأب, وكذلك الأخ في هذا بمنزلة الأب, -قال ابن القاسم: وكذلك الأجنبي- وإن خالعها الأب بعد البناء وقبل بلوغها على أن تترك لزوجها جميع المهر جاز ذلك عليها, ثم لأبيها إذا رجعت إليه قبل البلوغ أن يزوجها كما يزوج البكر, ويجوز إذنه عليها.
قال ابن القاسم وأشهب: وذلك ما لم تحض.
وقال سحنون: يزوجها وإن حاضت.
قال الشيخ: وقد تقدم إيعاب هذا وشرحه في كتاب النكاح.
فصل [4 - في خلع الأمة]
قال مالك: ولا تختلع أمةً ولا أم ولد من زوجٍ بمالٍ إلا بإذن السيد, فإن فعلا بغير إذنه كان له رد العطية ولزم الزوج الصلح, ويرد ما أخذ, ولا يتبع به الأمة إن عتقت, وأكره أن يزوج الرجل أم ولده, فإن جهل وفعل لم يفسخ إلا أن يكون أمرًا بيناً من الضرر بها فيفسخ, وقد تقدم هذا في كتاب النكاح.
[فصل 5 - فيما تبذله المكاتبة في الخلع]
ويجوز ما خالعت به المكاتبة, أو وهبت من مالها بإذن السيد.
سحنون: وذلك في الشيء اليسير التافه, وأما ماله القدر فلا, لأن ذلك داعيةً إلى عجزها.
[الباب العاشر]
في الخلع في المرض
قال مالك: ومن خالع زوجته في مرضه جاز له ما أخذ منها, فإن مات في مرضه ذلك ورثته, وإن ماتت هي لم يرثها.
قال/ أبو عمران: وترث المرأة من المال الذي أعطته, ومثله لابن المواز.
قال مالك: وكذلك إن ملَّكها في مرضه, أو خيرها فاختارت نفسها, أو طلقها طلاقاً بائناً في مرضه بأي وجهٍ كان فإنه لا يرثها إن ماتت, وهي ترثه إن مات من ذلك المرض, لأن الطلاق جاء من قِبَلِه.
قال مالك: وإن اختلعت منه في مرضها وهو صحيحً بجميع مالها لم يجز ولا يرثها.
قال ابن القاسم: وأنا أرى إذا اختلعت منه على أكثر من ميراثه فله قدر ميراثه, وأما على قدر ميراثه منها فأقل فذلك جائزً ولا يتوارثان.
وقال ابن نافع: إذا خالعها على أكثر من ميراثه لزمه الطلاق ولا يجوز له من ذلك إلا قدر ميراثه مثل ما فسَّر ابن القاسم.
قال ابن نافع عن مالك: ويوقف المال حتى تصح أو تموت.
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك حتى تصح في المريض يخالع امرأته: فذلك جائزٌ وله ما أخذ منها وترثه -مما أخذ منها ومن غيره -.
قال مالك: وإن كانت هي المريضة لم يجز الخلع.
ابن المواز: ولمالك قول آخر أبين من هذا, وروى عنه ابن عبد الحكم أنه يكون له منه خلع مثلها ويرد ما بقي.
ابن المواز: وثم جواب أحسن من هذا, إذ لا تهمة فيه وهو قول ابن القاسم إن ماتت من ذلك المرض فله ميراثه منها, وقال أصبغ.
وقال: يوقف ذلك ولا يمكن منه, فإن صحت أخذه, وإن ماتت أخذ منه قدر ميراثه من التركة يوم ماتت لا يوم الصلح, وإن كان أقل من ميراثه فله الأقل, ولا تحسب عليها ما أنفقت على نفسها في مصالحها.
ابن المواز: ولا ما تلف, ويُحسب ما صالحته به من التركة, وليس لها تعمد تلف مالها من غير مصلحة, وإن أوصت بشيء فذلك في ثلث بقية تركتها بعد عزل ما صالحوا به, ثم يضاف ذلك إلى ما بقي بعد الوصايا فيأخذ قدر ميراثه منه إلا أن يكون ما صالح به أقل فيأخذ الأقل.
ومن العتبية: روى يحيى بن يحي عن ابن القاسم: قال مالك: إنما ينظر؛ فإن كان قدر ميراثه منها قدر الصلح أو أقل نفذ ذلك للزوج, ولا تبالي كان أكثر من ميراثه منها يوم الموت أو أقل, هلك مالها أو بعضه قبل أن تموت؛ أو بقي ولا شيء للورثة عليه, وقد انقطع الأمر بينهم يوم وقوع الصلح, وكأنه حكم مضى بأمر جائز, ولأن الذي أخذ الزوج لو هلك لم يرجع على الورثة بشيء من قيمته, ومصالحتها بالذي أعطته كبيع من البيوع.
[الباب الحادي عشر]
فيمن خالع ثم ظاهر أو آلى أو حنت في يمين بطلاقها وجامع مسائله منه
[فصل 1 - فيمن خالع ثم ظاهر أو آلى]
قال ابن القاسم: ومن صالح امرأته ثم ظاهر منها في عدتها أو آلى منها لزمه الإيلاء ولم يلزمه الظهار, إلا أن يقول: إن تزوجتك, أو يُجري قبل ذلك من الكلام ما يدل عليه, فيلزمه الظهار إن تزوجها, لأن مالكاً قال فيمن خالع إحدى امرأتيه فقالت له الأخرى: ستراجعها؟ فقال: هي طالقً أبداً, ولا نية له, قال: فإن تزوجها طلقت عليه مرةً واحدة, وكان مخاطباً؛ لأن مالكاً جعله جواباً لكلام امرأته.
وفي غير المدونة: من قال لامرأته: أنت طالقً أبداً, إنها ثلاث.
قال الشيخ: وحكى عن بعض القرويين: أن هذا ليس بخلافٍ لما في المدونة وأن معنى مسألة المدونة: أنه إنما وقع له التأبيد على الرجعة, كأنه لما قالت له امرأته: ستراجعها؟ قال: إن راجعتها أبداً فهي طالقً, فلذلك لزمه طلقةً, وصوَّب هذا القول بعض أصحابنا.
قال الشيخ: وظاهر المدونة خلاف ذلك, وأنه إنما وقع التأبيد على الطلاق/ لأنه لما قالت له امرأته: ستراجعها؟ قال: هي طالقً أبداً, يريد إن راجعتها, فعلة هذا التأويل يصير في قوله: أنت طالقً أبداً, قولان؛ قولٌ: إنه واحدةً, وقولٌ: إنه ثلاثٌ.
والله أعلم.
[فصل 2 - فيمن حنث في يمين بطلاق زوجته]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق, فصالحها ثم دخلتها بعد الصلح, لم يلزمه طلاق.
قال مالك: وإن قال لها: إن لم أقضِ فلاناً حقه إلى وقت كذا فأنت طالق ثلاثاً, فلما جاء الوقت وخاف الحنث صالحها فراراً من أن يقع عليه الطلاق فبئس ما صنع, ولا يعجبني أن يفعل ذلك, فإن فعل لم يحنث إن لم يقض فلاناً حقه, لأن الوقت مضى وليست بامرأة.
قال ابن القاسم: ولو تزوجها بعد الوقت لم يحنث, قضى فلاناً حقه أم لا, وإن صالحها بدراهم أو طعامٍ أو عرضٍ موصوفٍ إل أجل جاز, وله أن يأخذ بذلك رهناً أو كفيلاً, ولا يبيع الطعام قبل قبضه, لأنه محمل البيع, وإن صالحها على دينٍ فباعه منها بعرضٍ إلى أجل, أو صالحها على عرضٍ موصوفٍ إلى أجلٍ فباعه منها بدينٍ إلى أجلٍ لم يجز, لأنه دينً بدين, ويرجع فيكون له الدين الأول, وإن صالحها على عبدٍ بعينه على ألا يقبضه إلا إلى أجل من الآجال فهو حالً, والخلع جائزٌ, والأجل فيه باطل.
قال سليمان: قال سحنون: الخلع جائزٌ, والعبد إلى أجله كما إذا خالعته بجنينٍ في بطن أمه فلا يكون له إلا إذا خرج.
قال الشيخ: والفرق عند ابن القاسم بين العبد المعين وبين الجنين والعبد الآبق والثمرة التي لم يبد صلاحها: أنه في هذه الأشياء لا يقدر الآن على قبضها وإزالة الغرر فيها فَعُذِرَ بإجازة ذلك في الخلع, لأن له أن يخالعها بغير عوضٍ فكأنه في الغرر خالعها بغير شيء, وأما العبد المعين, فهما قادران على قبضه, فترك ذلك تعمداً غررً دخلا فيه من غير عُذرٍ, فلذلك مُنِع, وإجازة ذلك في الخلع -كما قال سحنون- أبين, والله أعلم.
[الباب الثاني عشر]
جمع القول في حضانة الولد
[فصل 1 - في حضانة الأم لولدها]
روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى للأم بالحضانة على الأب وقال لها: «أنتِ أحقُ به ما لم تنكحي», وقضى به أبو بكر وعمر رضي الله عنهما, وقضى أبو بكر على عمر أن أُمَّ الأم إذا نكحت الأمُّ أحقُ منه في حضانة ولده, وكانت كل مَنْ هي أقرب رَحماً بالأم من النساء فذلك لها بعد الأم, ولأن المراعاة في ذلك حفظ الولد والإشفاق عليه والقيام بمصالحه ومراعاة أموره؛ والأم أقوم بذلك من الأب ومن كل أحد.
واختُلف عن مالك هل هذا حقً للأم أم للولد عليها؟
فإذا قلنا: إنه حقً للأم فلقوله صلى الله عليه وسلم: «أنتِ أحقُ له ما لم تنكحي», ولأنها يلحقها ضررٌ بالتفرقة بينها وبين ولدها مع كونها أحَنَّ عليه وأرفق به.
وإذا قلنا: أنه حقٌ للولد, فلأن الغرض حفظ الصبي ومراعاته ومصلحته
دون مراعاة الأم, ألا ترى أنه يؤخذ منها إذا تزوجت وإن لحقها الضرر بأخذه, وكذلك إذا غاب الولد غيبة استقرار.
ومن المدونة: قال مالك: ويُترك الغلام في حضانة الأم حتى يحتلم ثم يذهب حيث شاء, وللأب أن يتعاهد عند أمِّهم ويؤدبهم ويبعثهم إلى الكُتَّاب, ولا يبيتون إلا عندها إلا أن تتزوج الأم والولد صغير يرضع أو فوق ذلك فإنه ينزع منها إذا دخل بها زوجها لا قبل ذلك, ثم لا يرد إليها إذا طلقت أو مات زوجها, ولا حق لها فيه إذا سلمته مرة.
وقال عبد الوهاب: يرد إليها لزوال المانع.
قال الشيخ: وما في المدونة أصوب كزوال نفقته عن الأب بالبلوغ ثم إن مرض لم ترجع إليه, وكالثيب ترجع إليه بعد أن دخل بها/ زوجها, لأن الحضانة والنفقة إذا سقطت مرة لم تعد, وإنما تجب باستصحاب الوجوب, وقد قال ابن المواز: قال ابن القاسم: وإذا تزوجت الأم أو الجدة فلم يؤخذ الولد منها حتى فارقها الزوج فلا ينزع منهما بخلاف أن لو أخذ منهما.
قال مالك: ولو ردتهم استقالاً من غير نكاحٍ ثم بدا لها فليس لها أخذهم إلا أن تأتي بعُذرٍ له وجهٌ.
قال في رواية أشهب: مثل أن تكون مَرِضت أو انقطع لبنُها, وإلا فليس ذلك لها.
قال مالك: وإذا بقي الولد مع أبيه والأم مُتَنَحيَّةٌ عنه فلما مات الأب أرادت أخذه فليس ذلك لها لاستصحاب الحال.
فهذا يؤيده ما قلناه, وبالله التوفيق.
ومن العتبية: قال أشهب عن مالك فيمن توفي زوجها فتركت أولادها خمسة أشهرٍ أو سبعةً ثم قيل لها: أنت أحق بهم ما لم تنكحي, فقالت: والله ما عَلِمْتُ بهذا, فقال: الشأن في هذا قريب, فقد تجهل السنة.
وسئل عمن فارق امرأته ولها منها بنتً فطرحتها إليه ولحقت بأهلها فتأيَّمت عندهم ما شاء الله ثم تزوجت, لا تَعُرضُ لابنتها ولا تريدها حتى ماتت, فقامت أمها تطلب ابنة ابنتها؟
فقال: إن كان لذلك سنة فأكثر فلا شيء لها, قد تركوها ورفضوها, وإن كان ليس لذلك إلا يسير فأرى لها أخذها.
قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: واختلف شيوخنا إذا تزوجت الأم تزويجاً فاسداً لا يقرَّان عليه, ودخل بها الزوج ونزع منها الولد, ثم علم بفساد النكاح ففسخ, فقال بعضهم: يرجع إليها الولد, وقال غيره: لا يرجع, وهو أصوب, وفسخ نكاحها كطلاق زوجها في النكاح الصحيح.
وقال بعض شيوخنا: إذا كان للولد وليَّان, وهما في القُعْدُدِ سواء, فسافر أحدهما ليس له الرحلة بالولد, والمقيم أولى لبقاء الولد مع أمه, وكذلك إن لم يكن لها أم, ولأنه هو المقدم في نكاحها إن كانت أنثى.
أبو محمد: قال ابن القاسم: فإن نكحت الأم أحدهما لم ينزع منها إذا كان ذلك أرفق به.
قال أصبغ: إلا أن يخاف عليه عندها ضيعةً وجفوةً فيكون الولي الآخر أولى وأحق به.
قال مالك: ومن تزج امرأة, ومعها بنتٌ صغيرٌ قد بها بها, ودخل بها وهي معها, ثم قال: أخرجيها عني, فليس له ذلك.
[فصل 2 - في أخذ الأب أو وصية الولد ممن يحضنه]
ومن المدونة: قال مالك: وتُترك الجارية في حضانة الأم في الطلاق والموت حتى تبلغ النكاح ولا يخاف عليها, فإذا بلغت وخِيف عليها نُظِر, فإن كانت الأم في حِرْزٍ وتحصينٍ فهي أحق بها أبداً حتى تنكح وإن بلغت أربعين سنة, وإن لم تكن الأم في حرزٍ وتحصينٍ في موضعها, أو كانت غير مَرضيَّةٍ في نفسها أو نكحت فدخلت, فأب أخذها منها, وكذلك للأولياء وللوصي أخذ الولد بذلك إذا أخذ إلى أمانةٍ وتحصين.
قال ابن المواز: قال مالك: ووصي الأب كالأب في أخذ الولد إذا نكحت وليس له جدةً ولا خالة.
قال: وللعم والجد أخذ الصبية إذا نكحت أمها, وأما الوصي فليس بينه وبينها مَحْرمٌ مع زوج أمها أحب إلي, لأنه ذو محرمٍ منها إلا أن يخاف عليها عنده فالوصي أحق.
ومن العتبية: قال ابن القاسم: الوصي كالأب في الولد إلا في نكاح البكر قبل البلوغ.
قال أصبغ: وإن تزوجت الأم فالوصي أحق بالولد جواري كنَّ أو غِلماناً -وإن حضن الأبكار- وهو أحق من الأخ والعم وابن العم إن كان رَضيَّا, وإذا انتقل الوصي من البلد فله أن يرتحل بهن جواري كن أو غلماناً, وليس لإخواتهم/ وأعمامهم وجدودهم منعه.
أشهب: وسئل مالك عمن أوصى بابنته إلى وليًّ فتركها مع عمتها إلى أن بلغت الجارية أو كادت أن تبلغ, ثم تزوجت العمة فطلبتها الجدة أم أمها وأرادت أخذها, فأرادت الجارية أن تكون مع عمتها, ورضي بذلك الولي, قال: أرى أن تترك مع عمتها إذا أحبت الجارية ورضي بذلك الولي, ولا تأخذها الجدة.
قال الشيخ: يدل قوله هذا أن الأم إذا كانت وصيةً تزوجت أن الولد لا ينزع منها, لأن العمة لما كانت إذا تزوجت ورضيت الصبية الولي بكونها مع عمتها؛ لم يضر التزويج وكانت أولى من جدتها لأمها, فالأم أحرى أن لا ينزع الولد منها إذا رضيت, إذ لها الولاية والحضانة, ولا يضرها التزويج كما لم يضر العمة, والله أعلم.
ويحتمل إنما كانت العمة أولى لترك الجدة حضانتها أولاً كالأم إذا تركت حضانتها للأب ثم مات فليس لها أخذهم.
ومن المدونة: قال مالك: وكل من له الحضانة من أب أو رحم أو عصبة ليس لها كفاية, ولا موضعه يحرز ولا يؤمن في نفسه, فلا حضانة له, والحضانة لمن فيه ذلك وإن بعد, وينظر السلطان في ذلك للولد بالذي هو أكفى وأحرز, فربَّ والد يضيع ولده, ويدخل عليهم رجالاً يشربون فينزعون منه.
ويترك الولد في الحضانة عند غير الأم إلى حدً ما يترك عند الأم.
قال مالك في كتاب ابن المواز: وإذا نكحت الأم فالجدة للأم أولى بحضانة الولد إذا كان لها منزل تضمهم فيه ولا تضمهم مع أمهم.
ومن العتبية: قال أشهب: ولا يكلف الأب مع النفقة على الولد النفقة على الجدة أو الأم ولا أجر حضانتها إذا أبى ذلك, وإنما عليه نفقة الولد خاصة وإن قامت عليهم وحضنتهم إلا أن يصالحها على شيء يرضاه.
قال مالك: وإذا قال الأب: ما عندي ما أنفق على الولد, والولد ابنةً بنت أربع سنين قال: ولكن أرسليها إليَّ تأكل معي, قال مالك: يُنظر؛ فإن كان ما ذكر أمرًا معروفاً قيل للأم: أرسليها تأكل مع أبيها وتأتيك بالليل, وإن خيف أن يضر بالأم وهو واحد فليس له ذلك.
فصل [3 - في حضانة غير الأم]
والأم أحق بحضانة الولد في الوفاة والطلاق حتى يبلغوا ما وصفنا, فإن ماتت الأم أو نكحت فدخلت فالحضانة لمن هي أقعد بالأم إذا كانت ذا محرم من الصبيان فالجدة للأم أحق وإن قعدت بعد الأم, ثم الخالة.
ابن المواز: وخاله الخالة كالخالة.
وروى عن مالك: أن الأب أولى من الخالة.
قال أصبغ: وليس هذا بشيء, وقوله المعروف أن الخالة أحق.
ومن المدونة: قال مالك: ثم الجدة للأب ثم الأب, والأب أولى من الأخوات والعمات وبنات الأخ, فإن لم يكن الأب فالأخت ثم بنت الأخت ثم العمة ثم بنات الأخ.
قال مالك في كتاب محمد: فإن لم تكن بنت أخٍ فالأخ ثم الجد ثم ابن الأخ ثم العصبة, قال في المدونة: وهم الأولياء, ومن هؤلاء الأولياء الجد والأخ وابن الأخ والعم وابن العم ومولى النعمة, لأنه وارث, والمولى عتاقة, وليس من يسلم على يديه بمولَىَّ ولا ينتسب إليه وإن ولاَّه, وإذا تزوجت الأم ولها أولادٌ صغارٌ وجدتهم لأمهم في بلدٍ ثانٍ وخالتهم معهم حاضرةً؛ فالخالة أحق, وإذا كان الولد ليس لهم جدةً من قِبَلِ أمهم, أو لهم جدةً لأمًّ لها زوجٌ أجنبيٌ فالحضانة لمن هي أقعد بالأم على ما ذكرنا.
قال عبد الوهاب: وإنما قُدِّمت قرابات الأم على قرابات الأب في الحضانة كما قدمت الأم على الأب, وإنما قدمت الجدة على الخالة لأنها أقرب وهي والدة, ولذلك قدمت أم الأب على العمة لأنها والدة.
واختلف إذا انتقلت الحضانة عن جهة الأم أيهما أقرب الأب أو قرابته من النساء؟ فإذا قلنا: إن الأب أولى فلأن به يدلون والأصل أولى, وإذا قلنا: إنهن أولى فلأنهن بالصبي أرفق وألطف به تَأتَّياً في مصلحة, ولا يمكن ذلك للأب, لأن ذلك لا يليه الرجال وإنما يليه لهم النساء.
ابن وهب: إن كان للجدة أم الأم زوج فلا حق لها في الحضانة.
ومن المدونة: قال مالك: وكل من خرج من بلده, متنقلاً لسكنى بلدٍ آخر غير بلد الأم, من أبٍ أو أحدٍ من أولياء الولد الذين ذكرنا؛ فله الرحلة بالولد إذا كان الولد معه في كفاية, تزوجت الأم أم لا, ويقال لها: اتبعي ولدك إن شئت أو دعيه.
قال: وأما من خرج من الأولياء لسفرٍ من غير سكنى فليس له الرحلة بالولد الذين ذكرنا.
قال ابن زمنين: كان بعض شيوخنا المقتدى لهم يفتون أن ليس للأب أن يرتحل بالولد لسكنى بلدٍ آخر حتى يثبت عند الحاكم [بالبلد] الذي فيه الحاضنة أنه قد استوطن البلد الذي رحل إليه, وخالفهم بعض أصحابنا وقال: إنه إذا أراد الرحيل أخذ ولده ساعة يرتحل.
وعلى هذا القول يدل لفظ الكتاب.