[الباب الرابع]
في وضع الأب بعض الصداق، وفي دفعه إليه
[فصل 1 - في وضع الأب بعض الصداق]
قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237]، قال مالك رحمه الله: فإذا زوج الأب ابنته البكر ثم طلقها الزوج قبل البناء فلأبيها أن يعفو عن نصف الصداق الذي لها، وكذلك فيما يُرَى موقعه من القرآن، له أن يعفو عنه، ولا يجوز ذلك لغيره من وصيٍّ أو غيره، فأما قبل الطلاق فلا يجوز للأب أن يضع من صداقها شيئًا.
قال ابن القاسم: إلا أن يفعل ذلك الأب على وجه النظر، مثل أن يُعَسِر الزوج عن المهر فيخفِّف عنه ويَنَظِرَه فيجوز ذلك، فأما أن يضع عنه لغير طلاقٍ ولا وجه نظر لها فلا يجوز، وقد قال الله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] وهو الأب في ابنته البكر، والسيد في أمته، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: 237] هي المرأة الثيب، وقال ذلك ابن عباس وربيعة وغيرهم.
قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة والشافعي: ليس للأب أن يعفو عن نصف الصداق، ودليلنا قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وهو الأب، ولا يصلح حملها على الزوج، لأنه ليس بيده بعد الطلاق عُقدة إلا أن يضمر فيه: الذي كان بيده، وحملها على الأب غير محتاجٍ إلى ذلك، ولأن الأب وليٌّ يملك الإجبار فجاز له العفو عن صداقها، أصله السيد في أمته.
فصل [2 - في قبض ولي اليتيمة صداقها
وفي دفع الصداق إلى الأب ثم ادعائه تلفه]
ومن المدونة: قال: وإذا زوج البكرَ اليتيمة وليُّها بغير أمرها فقبض صداقها لم يجز قبضه عليها، إلا أن يكون وصيّا، فإن كان وصيَّاً جاز قبضه عليها، لأنه الناظر لها، ومالها في يديه، وإن بلغت حتى تنكح، ويُؤْنس مع ذلك / منها الرشد والإصلاح لنفسها في مالها.
قال مالك: وإذا زوج الثيب أبوها ثم قبض صداقها بغير إذنها فادعى تلفه ضمنه الأب.
قال ابن القاسم: وإنما ضمَّنه مالك لأنه كان متعديًا في قبض الصداق، إذ لم توكِّله ابنته على قبضه، وهذا كدينٍ لها على رجلٍ فقبضه الأب بغير أمرها، فلا يبرأ الغريم، والأب ضامن، ولها أن تتبع الغريم.
قال ابن حبيب: إذا قبضه الأب بغير توكيلها على التقاضي ضمنه للزوج، وإن كان الأب رسولاً للزوج لم يضمن.
وأما الأب يقبض صداق ابنته البكر ثم يزعم أنه ضاع، فإن كان قبضه ببينة كان ضياعه من الابنة ولا شيء على الزوج ولا الأب، ويدخل الزوج بها، وإن قبضه بغير بينة لم يكن للزوج البناء إلا بدفع الصداق إليها ثانية، ولا شيء للزوج على الأب، وقاله ابن وهب وأشهب ونحوه لابن المواز.
قال ابن القاسم في العتبية: إذا أقر الأب بقبضه وضاع منه ولا بينة للزوج على دفعه، أن الأب مصدق وضياعه منها، ولا شيء على الزوج.
قال الشيخ: وهذا هو القياس، لأن الأب الذي له قبضه بغير توكيل عليه أقر بقبضه، فوجب أن يبرأ بذلك الزوج كوكيل البيع الذي له القبض بغير توكيل يقر بقبض الثمن ويدعي تلفه، أن ذلك يبرئ المشتري، فكذلك هذا، وكما لو باع لها سلعة وأقر بقبض ثمنها.
ووجه الأولى: فلأن تصديق الأب لقبضه ودعواه تلفه ذريعة إلى إجازة نكاح بغير صداق، وكما لو وكلته الثيب على قبضه فيدعي قبضه وتلفه، أن الزوج لا يبرأ إلا ببينة أو لا ترى أن الأب إذا صمن الصداق لابنته ثم مات عديمًا فلا يدخل الزوج إلا بدفعه، فهذا كان أحرى أن يدخل بلا غرم، لأن الصداق في ذمة غيره، ولكن من حق الزوجة ألا تسلَّم سلعتها إلا بقبض ثمنها، وهذا القول أحوط، وهو جار على مذهب المدونة لما بينَّا.
وبالله التوفيق.
[الباب الخامس]
في إنكاح الأولياء وتزويج ابنة الغائب أو العاضل
[فصل 1 - في إنكاح الأولياء]
قال أبو محمد: ولما خاطب الله سبحانه الأولياء فقال: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32]، وقال: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 232] دلَّ أن لهم مع النساء إذنًا في أنفسهن.
قال غيره: لأن هذه الآية نزلت في شأن مَعْقِلِ بن يَسار لما عَضَلَ أخته فنُهَي عن ذلك.
وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لا تنكح المرأة بغير إذن وليها فإن نكحت فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ -ثلاث مرات- فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له».
وقال عمر: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها، أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان.
قال مالك: وذو الرأي من أهلها: الرجل من العصبة أو العشيرة أو الفخذ، وكذلك مولى النعمة إذا كان له الصلاح -يريد المنعم عليه بالعتق- وليس العبد والمرأة من الأولياء.
قال الشيخ: ولما كانت المرأة لا تعقد على نفسها كان العقد على امرأةٍ غيرها أحرى أن لا يجوز، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لا تُنْكِحُ المرأة المرأة، ولا تُنْكِحُ المرأة نفسها».
وروى ابن وهب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يحلُّ النكاح إلا / بصداقٍ ووليٍّ وشهودٍ عدول».
قال عبد الوهاب: وإنما كان الولي شرطًا في النكاح حياطةٌ للفروج لئلا تحمل المرأةَ شهوةَ النكاح إلى وضع نفسها في غير كُفءٍ، فتُلْحِقُ عارًا بأوليائها.
قال: والولاية على ضربين: ولايةٌ عامةٌ وولايةٌ خاصةٌ، فالعامة ولاية الدين والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71].
والولاية الخاصة ولاية النسب أو الحكم، والولاية بالنسب مقدمةٌ على الولاية بالحكم.
وإذا استخلفت المرأة أجنبيًا فزوَّجها مع القدرة على أحد الوليين، فقيل: إنه غير جائز، وقيل: إنه ماضٍ إذا تزوجت كُفْؤًا.
فوجه الأولى: قوله عليه الصلاة والسلام: «فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له».
فنفى بذلك أن تكون لغيره ولايةٌ مع وجوده، ولأن في إجازته ذريعةً إلى الفتيات على الأولياء وإسقاط حقهم.
ووجه الثانية: أن الولاية الخاصة لا تسقط الولاية العامة جُملةً، وإنما لها مزيَّةٌ عليها في التقديم، فإذا حصل العقد بها على وجهٍ لو عقده الخاصُّ لجاز ولم يفسخ، اعتبارًا بتقديم بعض العصبة على بعض.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا اختلف الأولياء في إنكاح المرأة وهم في القُعْدَد سواء، نظر السلطان في ذلك، فإن كان بعضهم أَقْعَد من بعض فالأقعدُ أولى بإنكاحها، فالابن وابن الابن أولى بإنكاحها وبالصلاة عليها من الأب، والأب أولى من الأخ، والأخ وابن الأخ أولى بإنكاحها من الجد.
وقال عبد الوهاب: إنما قلنا: إن الابن ولي، وأنه أولى من الأب لقوله عليه الصلاة والسلام لِعُمر بن أبي سَلمة: «قُمْ فزوِّجْ أُمَّك»، ولأن الابن وابن الابن أقوى تعصيبًا في الميراث والولاء من الأب، وإنما قلنا: إن الأب أولى من الأخ للإجماع على ذلك، ولأنه أقوى تعصيبًا، ولا يرثون معه شيئًا.
وإنما قلنا: أن الأخ وابن الأخ أولى من الجد خلافًا للشافعي، لأن تعصيبهم أقوى، لأنهم يُدْلون بالبنوة، والجد بالأبوة، لأن الأخ يقول: أنا ابن أبيها، والجد يقول: أنا أبو أبيها، وقد بينَّا أن تعصيب الابن أقوى من تعصيب الأب.
ومن المدونة: قيل لابن القاسم: أليس هذا إذا فوَّضت إليهم فقالت: زوجوني، أو خطبت فرضيت، فاختلف الأولياء في إنكاحها وتشاحوا على ذلك؟ قال: نعم.
قال مالك: وإذا كان أولياء المرأة حضورًا كلهم وبعضهم أقعد من بعضٍ، منهم ولد الولد والوالد نفسه والأخ والجد والعم وغيرهم، فزوَّجها العم أو الأخ برضاها وهي ثيب وأنكر والدها وسائر الأولياء لم يُرَدْ النكاح، فليس للأب ها هنا قول، لأنها قد ملكت أمرها.
قال مالك: وكذلك إن كانت بكرًا بالغًا لا أب لها ولا وصي، ولها من الأولياء من ذكرنا فزوَّجها الأبعد برضاها وأنكر الأقعد، فالنكاح جائزٌ، وقد قال مالك: إن الرجل من الفخذ يزوج وإن كان ثَمَّ مَنْ هو أولى منه.
قال ابن القاسم: وذو الرأي من أهلها يجوز إنكاحه إياها إذا كان له فضلٌ وصلاحٌ وإن كانت من العرب ولها من الأولياء من ذكرنا.
وكذلك مولى النعمة يجوز أن يزوج ملاته من نفسه ويلي عقد نفسه، أو يزوجها من غيره برضاها، فيجوز / ذلك على الأقعد من أخ أو غيره، وهو من ذوي الرأي من أهلها إذا كان له الفضل والصلاح، وكانت المرأة ثيبًا، أو بكرًا بالغًا لا أب لها ولا وصي.
وقال عليٌّ عن مالكٍ في الأخ يزوج أخته لأبيه، وثَمَّ أخوها لأبيها وأمها أن النكاح جائز إلا أن يكون الأب أوصى بها إلى الأخ الشقيق، فلا تُنْكَحُ حينئذٍ إلا برضاها، وإنما الذي لا ينبغي لبعض الأولياء أن يُنْكِحَ وثَمَّ مَنْ هو أولى منه، إذا لم يكونوا إخوة، وكان أخًا وعَمَّاً، أو عَمَّاً وابن عَم، ونحو هذا وهم حضورٌ.
قال سحنون: وقال أكثر الرواة: لا يزوِّج وليٌّ وَثَمَّ مَنْ هو أولى منه حاضر، فإن فعل نظر السلطان في ذلك.
وقال آخرون: للأقرب أن يجيز أو يرد، إلا أن يطول مكثها عند الزوج، وتلد الأولاد، لأن العقد لم يخرج من أن وَلِيَهُ وَلِيٌّ، وهذا في ذات المنصب والقدر.
وقال ابن المواز: وليس الخال من الأولياء.
قال ابن وهب: وقاله مالك وغيره من العلماء.
قال ابن حبيب: الأقرب امضاؤه، أو فسخه ما لم يبن.
قال ابن حبيب عن مالك: وذلك ما لم يكن الولي الأقرب حاضرًا يعلم أن غيره عقد على وليته فلا يتكلم، فإن ذلك منه رضى.
فصل [2 - في تزويج ابنة الغائب]
ومن المدونة: قال ابن القاسم وعلي بن زياد: قال مالك: من غاب عن ابنته البكر غيبة انقطاع كمن خرج إلى المغازي إلى مثل إفريقية
والأندلس وطَنجَة فأقام بها، فرفعت أمرها إلى الإمام، فلينظر لها ويزوجها.
قيل لابن القاسم: فهل للأولياء أن يزوجوها بغير أمر السلطان؟
قال: إنما سمعت مالكًا يقول: ترفع أمرها إلى السلطان.
-قال ابن المواز: وقال أشهب عن مالك: أن للإمام حينئذٍ أن يزوج -
قال ابن القاسم: وأما إن خرج تاجرًا إلى مثل إفريقية ونحوها، ولم يُرِدْ المقام بتلك البلدة، فلا يزوجها ولي ولا سلطان وإن أرادته الابنة، لأن مالكًا لم يوسِّع أن تزوج ابنة الرجل [البكر] وهو غائبٌ إلا أن تكون غيبة منقطعة.
قال عبد الوهاب: إذا غاب الأب غيبة انقطاع، فإن كانت حياته معلومة، ومكانه معروفًا، إلا أن استئذانه يتعذَّر، وهي بالغ، فقد اختلُف في جواز إنكاحها:
فقال مالك: يزوجها الإمام إن رفعت إليه.
وقال عبد الملك: لا يجوز إنكاحها بوجه في حياة الأب.
وقال ابن وهب: إن قطع عنها النفقة جاز إنكاحها برضاها، وإن أجراها عليها لم يجز.
فوجه قول مالك: أن طول غيبته ضرر بها، فهو كما لو عَضَلَها.
ووجه قول عبد الملك: أنها ذات أبٍ غير عاضلٍ، فلا تُزوج عليه، ولا تسقط ولايته لغيبته كالقريب الغيبة فهو كالحاضر.
ووجه قول ابن وهب: أن المراعي في ذلك دخول الضرر البين، وذلك موجود مع انقطاع النفقة، فيكون كالعَضَل.
قال: واختلف فيمن ينكحها، فقيل: لا يزوجها إلا السلطان، وقيل: للأولياء أن يزوجوها برضاها.
فوجه الأول: أن إنكاحها مع بقاء الأب هو لإزالة الضرر عنها كالعضل، فكان كالحكم على الأب، وذلك يختص بالسلطان.
ووجه الثاني: أنها بكر جاز تزويج غير الأب إياها برضاها، فجاز ذلك لسائر الأولياء، أصله إذا مات.
وأما إذا انقطع خبر الأب فلم تعلم حياته ولا موته جاز إنكاح الأولياء إياها برضاها.
وقال عبد الملك: ليس ذلك لهم إلا بعد سنين / من يوم فُقِد.
فوجه الأول: أن الظاهر من أمره الموت، فجاز إنكاحها، وأحسن أحوالها أن يُجْرَى مجرى العضل، فيجب إزالة الضرر عنها.
ووجه قول عبد الملك: أنه أنزلها بمنزلة امرأة المفقود من حيث كان الضرر يلحقها بانتظاره، فوجب وقف ذلك على ضرب الأجل له كامرأة المفقود.
قال ابن حبيب من قول مالكٍ في غيبة الولي أنه إن كان قريبًا كتب إليه الإمام، وإن سافر انتظره، فإن بعدت غيبته زوجها الإمام إلا في الأب، فلا يزوجها إلا أن تطول غيبته جدًا فيزوج الأيم، وأما البكر فلا إلا أن ينقطع بالسكنى في بلدٍ منقطع بعيد قد يُئِسَ من رجعته، وطال ثواه بها، كالعشرين والثلاثين سنة، فيزوجها السلطان ولا يفعل ذلك أحد من الأولياء، فإن زوجها وليٌّ لها بإذن السلطان في الغيبة البعيدة مضى النكاح، وإن جَهِل السلطان أو الولي فزوجها في الغيبة القريبة لم يجز، وفسخ إذا جاء الأب وإن ولدت الأولاد، وإن أجازه الأب لم يجز، وقال ابن القاسم.
[فصل 3 - في تزويج ابنة العاضل]
ومن المدونة: وإذا رضيت ثيب بكفءٍ في دينه، وهو دونها في النسب والشرف وردَّه أبٌ أو ولي، زوَّجها من الإمام.
ولقد سألنا مالكًا عن نكاح الموالي في العرب؟ فقال: لا بأس به.
قال عبد الوهاب: والكفاءة المعتبرة عندنا هي الدين دون النسب، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي
في أنها للنسب لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13], وقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير», فاعتبر الدين والأمانة دون النسب.
وقوله: «تُنْكَحُ المرأة لدينا ومالها وجمالها, فعليك بذات الدين تربت يداك», فأخبر عن أغراض النكاح, وأمر بذات الدين وجعله العمدة.
قال الشيخ: قيل لابن المواز: ما تقول في الذي جاء عن عمر: لا تزوجوا النساء إلا الأكفاء, فأي امرأةٍ من قريشٍ تزوجت غير كفؤ لها فَرَّقَ عمر بينهما, وقال: لا تنكحوا ذوات الأحساب إلا من الأكفاء؟
قال: قد قال عمر غير هذا, قال: دين الرجل حسبه, وكرمه تقواه, ومروءته خلقه, فليس الحسب والشرف إلا في الإسلام والتقوى وما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس لأحد معه حُجة.
وروى ابن وهب أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فانكحوه», قالوا: يارسول الله: وإن كان أسود, فقال عليه الصلاة والسلام: «إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير».
وذكر ابن وهب أن بلالاً خطب بنتاً لبُكَير, فأباه أخوتها, وكانوا بدرييَّن, فأخبر بلال رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك, فغضب رسول الله, فبلغهم الخبر, فأتوا أختهم فقالوا: مالقينا من غضب رسول الله من أجل بلال؟ فقالت: قد جعلت أمري لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً.
ومن المدونة: قيل لابن القاسم: فإن رضيت بعبد وهي امرأة ثيب من العرب, وأبى الأب أو الولي أن يزوجها منه, [أيزوجها منه السلطان أم لا]؟
قال: لم أسمع من مالك فيه شيئاً إلا ماأخبرتك / من نكاح الموالي في العرب [50/ب]
ولقد قيل لمالك: إن بعض هؤلاء القوم فرقوا بين عربية ومولاة, فأعظَمَ ذلك إعظاماً
شديداً, وقال: أهل الإسلام بعضهم لبعضٍ أكْفاء, لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13].
وقال غيره: ليس الوليُّ بعاضل في منعه ذات القدر نكاح العبد ومثلِه, لأن للناس مناكح قد عُرِفَتُ لهم وعُرِفُوا بها.
وقال المغيرة وسحنون: يفسخ.
قال عبد الوهاب: وهذا هو الصواب, لأن الحرية من الكفاءة, ولأن العار يدخل على الأولياء بوضع وليَّتهم نفسها تحت عبد, فكان لهم منعُها.
فصل [4_متى يعدُّ الأب عاضلاً لابنته؟]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يكون الأب عاضلاً لابنته البكر البالغ في ردِّ لأول خاطبٍ أو خاطَبيْن حتى يتبيَّن ضرره, وإذا لم يُعْرف من الأب في ذلك ضرر لم يهجم السلطان على ابنته في إنكاحها, ولا حدَّ في ردِّ الأب عنها الواحد والاثنين إلا أن يعَرف ضرره وإعضاله لها, فإذا تبيَّن ذلك منه فأرادت الجارية
النكاح قال له الإمام: إما أن تزوجها, وإما زوجناها عليك, لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا ضَرَرَ ولاضِرَار».
[الباب السادس]
في إنكاح الأوصياء
[فصل 1_ في تزويج الوصي البالغة]
قال مالك: وللوصي ووصي الوصي أن يزوج البكر البالغ برضاها وإن كسره الولي, ولا نكاح للأولياء مع الوصي ووصي الوصي, وهما أولى من الأولياء.
قال الشيخ: لأنها ولاية كان للأب على ابنته, فكان له نقلها إلى من شاء بعد وفاته, كولاية المال.
قال مالك: ولو رضيت الجارية ووليها برجل والوصي ينكر فلا نكاح لها ولاهم إلا بالوصي, فإن هم اختلفوا نظر السلطان في ذلك.
قال مالك: وإن زوجها الولي برضاها من رجل وقد حاضت, ولها وصي أو وصي وصي فلا يجوز نكاحه.
قال ابن المواز: قال مالك: إذا زوجها أحد أوليائها برضاها كان للوصي أن ينقض نكاحها.
ومن المدونة: قال يحيى بن سعيد: الوصي أولى من الولي, ويشاور الولي.
قال: والوصي العدل مثل الأب.
قال ابن القاسم: ووصي الوصي في البكر وإن بَعُدَ كالوصي.
قال مالك: ويزوج الثيب الولي برضاها وإن كره الوصي, وإن زوجها الوصي أيضاً برضاها جاز وإن كره الولي, وليس هو كالأجنبي فيها.
قال ابن المواز: قال أشهب: وإنما الوصي في الثيب كالأب في الثيب.
فصل [2_ في تزويج الوصي الصغيرة]
ومن المدونة: قال مالك: وليس لأحدٍ أن يزوج الطفلة قبل بلوغها من قاض أو وصيٍّ أو وليٍّ إلا الأب وحده, لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر باستئذان اليتيمة, ولاإذن إلا للبالغة.
قال في كتاب ابن المواز والواضحة: وإذا قال الأب للوصي: زوِّج ابنتي فلاناً, أو ممن ترضاه, أو قال: زوِّجها فقط, فهذه يزوجها الوصي قبل البلوغ, وله إكراهها على ذلك بعد البلوغ كالأب.
وإن قال: فلان وصيٌّ فقط, أو قال: وصيٌّ على بُضْعِ بناتي, أو على تزويجهن, فلا يزوجهن هذا حتى يبلغن ويرضين.
ابن المواز: قال أصبغ: ولو كان الذي أمره الأب بتزويجه لها رجلاً فاسقاً سكِّيراً لم يجز ذلك عليها, ولا يجوز ذلك للأب لو فعله بها, وكان للسلطان أن
يرد نكاحه عليها, لأنه من الضرر, وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الضرر.
وكما لو دعت هي إلى تزويج مثل هذا لم يجز أن تُجاب إليه.
قيل: فلو أوصى إليه فقال له /: زوِّج ابنتي من فلا بعد عشر سنين [أو بعد أن تبلغ] أو قال له: ممن ترضاه؟
قال: ذلك جائز لازم إذا فرض لها صداق مثلها, وليس لها ولا للوصي أن يأبيا ذلك إذا طلب ذلك من سمَّاه الأب, ويحكم له بذلك, إلا أن يكون لها في ذلك حجة, مثل أن يكون يوم أمره الأب بتزويجه مأموناً مرضيَّاً حسن الحال, ثم خرج بعده إلى الفسق والدَّعارة والتلصُّص, فيبطِل الحاكم عنها وصية الأب فيه سواءً أحبته أو كرهته.
قيل: فلو كانت حجتها أن قالت: إن هذا الرجل يوم أمر أبي بإنكاحي منه خلوٌّ من النساء, وهو الآن قد تزوج بعده, أو قالت: اتخذ السراري, فلست أُدْخِلُ عليَّ الضرر؟
قال: ليس هذا مما ترد به النكاح عن نفسها, والأمر لها لازم.
قال الشيخ: وقع في بعض روايات المدونة فيمن قال: إن مت من مَرضي فقد زوجتُ ابنتي من ابن أخي.
قال فيها سحنون: إنما يجوز ذلك إذا قبل النكاح ابن الأخ بِقُرْبِ ذلك ولم يتباعد.
قال الشيخ: وهذه بخلاف مسألة أصبغ, لأن هذا زوَّج ابنته بعد, وأنما بقي إعلام الزوج ورضاه, فلذلك اشترط إن قَبِلَ بالقرب, وأما الآخر فإنما أوصاه أن يعقد ذلك الوصي إن رضي الزوج, فلذلك جاز بعد الطول وهذا بيِّن.
وفي بعض حواشي الكتاب: إذا قال في صحته: إذا مت فقد زوجت ابنتي فلانةً من فلانٍ ابن أخي, أنه لا يجوز هذا عند ابن القاسم, وبه قال أصبغ وابن المواز, لأنه نكاح إلى أجل, كما لو قال: إذا مضت سنة فقد زوجت ابنتي من فلان, وأشهب يجيز هذا.
قال أصبغ: وإن في المرض لَمَغّمَزاً أيضا ولكن أهل العلم متفقون على إجازته وهو من أمر الناس ومن وصايا المسلمين في أمراضهم.
[فصل 3_في تزويج الأب أو الوصي الطفل الصغير]
ومن المدونة: قال مالك: وأما الطفل الصغير فلأبيه أو وصيه أن يزوجه قبل بلوغه, وليس ذلك لغيرهما من الأولياء, ووصي الوصي في ذلك كالوصي.
قال: ولأن للطفل أن يطلِّق إذا بلغ وليس ذلك للطفلة.
فصل [4 - في استخلاف الأم من يزوج ابنتها] قال مالك: وللأب أو للولي أن يستخلف من يزوج, وليس للأم أن تستخلف من يزوج ابنتها البالغ اليتيمة, إلا أن تكون الأم وصية, فإن كانت الأم وصية عليها أو على صَبَيَّة غير ابنتها فهي أحقُّ بعقد النكاح من الأولياء, غير أنها لا تلي هي عقد نكاحها, ولكن توكِّل بذلك رجلاً بعد بلوغ الصبيَّة ورضاها, فأما قبل بلوغها فلا.
[الباب السابع]
في المرأة يتزوجها رجلان ولا يعلم الأول منهما ووليَّ المعتقة, والاولي يرضى بغير كفءٍ ثم لا يرضى به في نكاح ثان
[فصل 1_في المرأة يتزوجها رجلان ولا يُعلم الأول منهما]
قال مالك: وإذا وكَّلت المرأة كلَّ واحدٍ من ولييها يزوجها فزوَّجها هذا من رجلٍ وهذا من رجلٍ أخر, فالنكاح لأوَّلهِما إذا عُرَفَ الأول, إلا أن يدخل بها الأخر فهو أحقُّ [بها] وكذلك قضى عمر رضي الله عنه.
قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة: تردُّ للأول على كل حال, ودليلنا: أنه إجماع الصحابة, روي عن ذلك عمر والحسن بن علي
ومعاوية, وقيل: مرويٌّ عن عليٍّ رضي الله عنهم ولا مخالف لهم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن لم يدخل بها واحد منهما ولم يعرف الأول فسخا بطلقة طلقة, ولا قول لها إن قالت: هذا هو [الأول], ثم تبتدئ نكاح من أحبت منهما أو من غيرهما.
قيل لابن المواز: فإن مات الأول منهما أو طلق قبل أن يدخل الآخر بها ثم دخل الآخر بعد موته أو بعد طلاقه؟
قال: إن لم يعلم بذلك حتى دخل الآخر ثبت نكاحه / كما لو دخل بها والأول حي لم يمت ولم يطلق, ولا ميراث لها من الأول ولا عدة عليها منه, وإن علم بذلك قبل دخول الآخر فسخ نكاح الآخر واعتدت من الأول وورِثَته, وكذلك إن طلق فإنه يفسخ نكاح الآخر على كل حال, وذلك إذا كان عقد
الآخر في حياة الأول قبل أن يموت أو يطلق, وأما لو عقد بعد موته أو طلاقه, فإن تزوجها في عدة موته فسخ نكاحه, لأنه ناكح في عدة, وأما في طلاقه فيثبت نكاحه, إذ لا عدة عليها, لأنه قبل البناء.
قيل: فإن دخل الآخر والأول حيٌّ لم يطلق, فأقر الولي الذي زوَّج الآخر أنه كان عالماً بتزويج الأول؟
قال: لم يقبل قوله بعد دخول الآخر إلا أن تقوم بينة أنه كان أقر عندهم قبل تزويجه بعلمه, فيفسخ حينئذ نكاح الآخر فسخاً بغير طلاق.
ولكن لو أقر الآخر نفسه بعد دخوله بأنه قد كان بتزويج الأول عالماً قبل أن يدخل بها لم يحتج إلى بينة, وفسخ نكاحه بطلقة بائنة, فكان لها الصداق كاملاً.
وقال عبد الملك: فسخاً بغير طلاق.
فصل [2_في وليِّ المعتقة من رجلين]
ومن المدونة: وإذا أعتق الأمة رجلان فكلاهما وليَّاها, فإن أنكحها أحدهما بإذنها جاز على الآخر وإن لم يرض.
فصل [3_في الولي يرضى بغير كفءٍ
ثم لا يرضى به في نكاح ثان]
قال مالك: وإذا رضي الولي برجل ليس بكفءٍ للمرأة, فصالح ذلك الرجل زوجته فبانت منه, ثم أرادت المرأة نكاحه بعد ذلك فامتنع الولي وقال: لست بِكُفْءٍ لها, فليس ذلك له, وإذا رضي به مرة فليس له أن يمتنع منه أخرى.
قال ابن القاسم: ألا أن يَظَهَر منه على فسق, أو تلصُّص, أو ما فيه حجة غير الأمر الأول, فذلك للولي, وكذلك إن رضي بعبد على ما ذكرنا.
[الباب الثامن]
في توكيل المرأة أجنبيا يزوجها أو قالت لوليها: زوجني ممن أحببت
[فصل 1_في توكيل المرأة أجنبياً يزوجها]
قال ابن القاسم: وإذا وكلت المرأة الدنية مثل المعتقة والمسلمانية والسوداء والمسكينة أجنبياً فزوجها وهي ببلد لا سلطان فيه, أو فيه سلطان يعسر عليها تناوله ولا ولي لها جاز ذلك.
وفي رواية أشهب عن مالك: أن الدنَّية وغيرها سواء, ولا يزوجها إلا ولي أو سلطان.
قال الشيخ: فوجه الأول: أنه لما لم يكن لها ولي, وكان متناول السلطان بعيداً صار ذلك ضرورة أباحت تزويج الأجنبي إياها, لأنه ولي عام, لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:71].
ووجه الثانية: أن الولي العام لا يزوج مع حضور الخاص, أصله في غير الدنِّية.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن ولَّت من أسلمت هي على يديه, فإنه يجوز إنكاحه إياها, وأما من أسلم على يديه أبوها وتقادم ذلك حتى
يكون لها من القدر والغناء والإباء في الإسلام ما يتنافس الناس فيها فلا يزوجها وهو كالأجنبي فيها.
قيل لمالك: فرجال من الموالي يأخذون صبياناً من العرب تصيبهم السنة فيكفلونهم ويربونهم حتى يكبروا, فتكون فيهم الجرية فيريد أن يزوجها؟
فقال: ذلك جائز, ومن أنظرُ لها منه.
قال الشيخ: يريد إذا بلغت وأذنت, وهذا إذا لم يكن لها أب, وأما إن كان لها أب فلا ينكحها بغير رضى أبيها إلا أن يَجعل ذلك الأب بيده, ونحوه في كتاب محمد.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما كل امرأة لها بال وغناء وقدر, فإن تلك لا يزوجها / إلا وليها أو السلطان.
قيل لمالك: فلو أن امرأة لها قدر تزوجت بغير أمر ولي, فوَّضت أمرها إلى رجل فرضي الولي بعد ذلك, أيثبت النكاح؟
فوقف فيه.
وقال ابن القاسم: إذا أجازه الولي بالقرب جاز, وسواء دخل الزوج أم لا وإن أراد فسخه بحدثان الدخول كان ذلك له وفسَخَه, فأما إن طالت إقامتها معه وولدت الأولاد أمضيته إن كان ذلك صواباً ولم يفسخ, وقاله مالك وغير واحد من الرواة.
قال سحنون: وقال غيره: لا يجوز وإن أجازه الولي, لأنه عقده غير الولي.
قال ابن وهب عن مالك في موضع آخر: يفرق بينهما بطلقة, دخل بها الزوج أم لا, إلا أن يجيز ذلك الولي أو السلطان إن لم يكن لها ولي, فأما المرأة الوضيعة مثل المعتقة والسوداء والمسلمانية فإذا كان نكاحها ظاهراً معروفاً فذلك عندي أخف من المرأة لها الموضع.
قال الشيخ: وهذا كله موافق لرواية ابن القاسم, وتحصيل مذهب ابن القاسم فيها: هو أنه إذا طال قبل البناء فلابد من فسخه, وإذا طال بعد البناء فلابد من إجازته, وإنما يجيز الولي في القرب, كذلك كان يدرّسه بعض شيوخنا, وهو بيِّن-.
قال ابن القاسم: وإذا استخلفت المرأة على نفسها رجلاً فزوجها ولها وليان أحدهما أقعد بها من الآخر, فلما علما أجازه الأبعد ورده الأقعد فلا قول هاهنا للأبعد, بخلاف التي زوجها الأبعد وكره الأقعد, لأن ذلك نكاح عقده ولي, وهذا نكاح عقده غير ولي فلا يكون فسخ هذا إلا بيد الأقعد, وقاله مالك.
قال ابن القاسم: وإن غاب الأقعد وأراد الأبعد فسخه نظر فيه السلطان, فإن كانت غيبة الأقعد قريبة بعث إليه وانتظره ولم يعجل, وإن كانت غيبته بعيدة نظر السلطان كنظر الغائب في الرد أو الإجازة, وكان أولى من الولي الحاضر.
فصل [2_في المرأة إن قالت لوليها: زوجني ممن أحببت]
قال مالك: وإذ قالت المرأة لوليها: زوجني ممن أحببت, فزوجها من نفسه أو من غيره لم يجز حتى يسمي لها من يزوجها, ولها أن تجيز أو ترد.
وقد قال ابن القاسم: إن زوجها من غيره جاز وإن لم يسمه, وإن زوجها من نفسه فبلغها ذلك فرضيت به جاز, لأنها قد وكلته بتزويجها.
قال الشيخ: فصار الخلاف إنما هو في الأجنبي خاصة, فأما في نفسه فلا يجوز عليها إلا أن ترضى.
قال الشيخ: فوجه قوله: إذا زوجها من غيره لم يجز حتى يُعلمها به, لاختلاف أغراض النساء في أعيان الرجال, وإن تساووا في الكفاءة.
ووجه قوله للثاني: فلأن تفويضها ذلك إليه رضى بما صنع.
وأما إذا زوجها من نفسه لم يجز حتى يعلمها في القولين, لأنه يتَّهم في تقديم حظِّه ومحاباته نفسه, وكما لو أمرته ببيع سلعتها فباعها من نفسه أنها مخيرة عليه.
[الباب التاسع]
في القاضي يزوج المرأة من نفسه والأب يزوج ابنه وهو صامتٌ ثم ينكر وتزويج مواليه الصغار, والوصي إماء اليتامى
[فصل 1_في القاضي يزوج المرأة من نفسه]
قال ابن القاسم: وإذا لم يكن للمرأة وليٌّ فزوَّجها القاضي من نفسه أو من ابنه برضاها جاز, لأنه وليُّ من لا ولَّي له, وإن كان لها وليٌّ فزوَّجها القاضي من نفسه أو من ابنه برضاها, وأصاب وجه النكاح ولم يكن / منه جور فليس لوليها فسخ ذلك, لأنه في حديث عمر: لا ينكح لامرأة إلا وليها أو ذوي الرأي من أهلها أو السلطان, فقد جعل إليهم النكاح بينهم في هذا الحديث.
قال الشيخ: ولما جاز عقده عليها للأجنبي برضاها جاز عقده عليها لنفسه برضاها, وقد أعتق النبي عليه الصلاة والسلام صفيَّة وتزوجها.
ابن المواز: قال ابن وهب: وأخبرني يونس عن ابن شهاب عن عروة ابن الزبير أنه سأل عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:3] فقالت: هي البكر اليتيمة تكون في حجر وليها فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط لها في صداقها, فَنُهُوا عن أن يَنْكِحُوهنَّ إلا أن يقسطوا لهنَّ ويبلغوا بهنَّ أعلى سُنَّتِهِنَّ من الصداق, وإلا فلينكحوا ما طاب لهم من النساء سِوَاهن.
فصل [2_في الأب يزوج ابنه وهو صامت ثم ينكر]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن زوَّج ابنه البالغ المالك لأمره وهو حاضرٌ صامت, فلما فرغ الأب من النكاح قال الابن: ما أمرته ولم أرض, ولكن صمتُّ لأني علمت أن ذلك لا يلزمني, فليحلف ويكون القول قوله.
وقد قال مالك فيمن زوَّج ابنه البالغ وهو غائب فأنكر إذا بلغه النكاح: سقط النكاح والصداق عنه وعن الأب.
فهذا عندي مثله وإن كان حاضراً, وابنه وأجنبي في ذلك سواء إذا كان الابن قد ملك أمره:
قال الشيخ: فإن نكل عن اليمين لزمه النكاح, فإن شاء طلَّق وودى نصف الصداق, وإن شاء ثبت عليه.
وقد سئل ابن القاسم في المستخرجة عن الرجل يخطب امرأة إلى وليها فيزوجه ويشهد له, فتنكر المرأة أن تكون علمت أو رضيت أتستحلف؟
قال: إن كان الإشهاد على ذلك في المسجد, وحيث يُرَى أنها لم تعلم فلا يمين عليها, وإن كان الإشهاد ظاهرا, أو إطعاماً لوليمة أو إشهاراً في دارها.
وحيث يُرى أنها عالمة فأرى أن تحلف بالله ما وكَّلته ولا فوَّضت إليه ذلك, وما ظننت أن ذلك اللَّعب ولا ذلك الطعام الذي صُنِعَ إلا لغيري, ثم لا شيءَ عليها, فإن نكلت عن اليمين لزمها النكاح.
قال الشيخ: فكذلك مسألة الابن.
وقد حكى عن أبي محمد: أن اليمين إنما هي على الولد استظهاراً, فإن نكل فلا يلزمه شيء.
وقال غيره: إذا نكل طلق عليه ولزمه نصف الصداق.
والصواب ما قدمنا عن ابن القاسم, وبالله التوفيق.
قيل لابن القاسم: فإن رضي الابن بالنكاح وهو كبير, وهو في عياله, إلا أنه قال: لا أغرم من المهر شيئاً, وقال الأب: إنما أردت أن يكون المهر عليك؟
قال: قال مالك: لايكون على واحد منهما من المهر شيء, وتقع الفرقة بعد أيمانهما.
قال ابن القاسم: إلا أن يكون قد دخل فإنه يحلف الأب ويبرأ، ويكون ذلك على الابن وإن كان عديما، إلا أن يكون الابن ممن يُوْلَى عليه فيكون ذلك على الأب، إلا أن يكون للابن مال.
فصل [3 - في تزويج المعتق مواليه الصغار
وتزويج الوصي إماء اليتامى]
ومن المدونة: قال مالك: ومن أعتق صبَّيًا صغيرًا فزوَّجها قبل البلوغ لم يجز عقده عليها بخلاص الوصي الذي يجوز عقده على الصغير ولا يجوز عقده على الصغيرة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر باستئذان اليتيمة، ولا إذن إلا للبالغة.
وللوصي إنكاح إماء اليتامى وعبيدهم على وجه النظر لليتامى وطلب الفضل لهم، وكما يجوز بيعه وشراؤه على من يلي عليه فكذلك يجوز إنكاح إمائهم وعبيدهم بعضهم من بعض أو من الأجنبي.
وقد تقدم أن للرجل أن يُنْكِحَ عبده أو أمته وإن كَرِهَا، وله جبرهما على النكاح.
[الباب العاشر]
فيمن أرسل من يزوجه فضمن الرسول الصداق
أو زاد فيه
[فصل 1 - فيمن أرسل من يزوجه فضمن الرسول الصداق]
قال مالك: ومن أتى إلى امرأة وقال: إن فلانًا أرسلني أخطبك له، وأمرني أن أعقد له نكاحه إن رضيت، فقالت: قد رضيت، ورضي وليها فأنكحه وضمن الخاطب الصداق، ثم قدم فلان فقال: ما أمرته، فلا يثبت هذا النكاح، ولا يلزم الرسول شيئًا مما ضمن.
قال الشيخ: يعني بعد يمين الغائب أنه ما أمره، لأنه لو أقر له لزمه النكاح.
وقد قال مالك في كتاب ابن المواز في امرأة زوَّجها وليها وزعم أنها أمرته، ثم إن المرأة أنكرت ذلك لمَّا بلغها، قال مالك: عليها اليمين، فإن حلفت سقط عنها النكاح، فهذا مثله.
قال الشيخ: وإنما لم يضمن الرسول؛ لأنه إنما ضمن لها على تمام النكاح فإذا انفسخ النكاح انفسخ الضمان.
وقال علي بن زياد: ويضمن الرسول ما ضمن لها.
قال الشيخ: يعني أنه يضمن نصف الصداق، لأنه فسخ بطلاق قبل البناء، فإنما يضمن ما كان على الزوج لو طلق.
[فصل 2 - في ضمان الرسول الصداق وزيادته فيه]
ومن المدونة: قال مالك: ومن قال لرجل: زوجني فلانة بألف، فذهب المأمور فزوجه إياها بألفين، فعلم بذلك قبل البناء، قيل للزوج: إن رضيت بألفين وإلا فُرِّق بينكما، إلا أن ترضى المرأة بالألف فيثبت النكاح.
قال الشيخ: أراه يريد إنما هذا بعد أن يحلف الزوج أنه إنما أمر الرسول أن يزوجه بألف، فإذا حلف قيل للمرأة: إن رضيت بألفٍ وإلا فُرِّق بينكما، فإن نكل الزوج عن اليمين لزمه النكاح بألفين، وهذا إذا كان على عقد الرسول بألفين بينة، وإن لم يكن على عقده بألفين بينة إلا قول الرسول فهاهنا يكون الحكم فيها كاختلاف الزوجين في الصداق قبل البناء، تحلف الزوجة أن العقد كان بألفين، ثم يقال للزوج: ترضى بذلك، أو فاحلف أنك إنما أمرته بألف، وينفسخ النكاح إلا أن ترضى الزوجة بالألف.
قال ابن القاسم: وتكون فرقتهما تطليقة.
وقال المغيرة: بغير طلاق.
قال ابن القاسم: وسواء في ذلك قال له: زوجني فلانة، أو قال: زوجني، ولم يقل: فلانة.
قال: وإن قال الرسول: أنا أغرم الألف التي زدت، وأبي الزوج لم يلزمه النكاح بذلك، لأنه يقول: إنما أمرتك أن تزوجني بألف درهم، فلا أرضى أن يكون صداقي ألفين.
-قال الشيخ: ولا أرضى حَمْلُك عنِّي، ولا منَّتك علي-.
قال مالك: وإن لم يعلما حتى دخلا لم يلزم الزوج غير الألف، ولا يلزم المأمور شيئًا، لأنها صدَّقة، والزوج جحدها الألف الزائدة، والنكاح بينهما ثابت -يريد وعلى عقد النكاح بينهما بألفين بينة، وليس على رضى الزوج
والزوجة بالتسمية بينة.
قال ابن القاسم: وإن أقر المأمور بعد البناء بالتعدي غرم الألف الثانية، والنكاح ثابت.
وإن دخل الزوج بعد علمه بتعدي المأمور لزمته الألفان، علمت المرأة بتعديه أو لم تعلم.
وكذلك من أمر رجلاً أن يشتري له أمة بمئة درهم فاشتراها له بمئتين، فوطئها الآمر بعد علمه بما زاد المأمور، والبائع عالم بذلك أو غير عالم، فعلى الآمر غرم مئتين.
ومن كتاب ابن المواز: قال: وإذا بنى الزوج قبل أن يعلم فإنه يحلف الزوج ما أمره إلا بالألف وما علم بما زاد إلا بعد البناء، فإن نكل غرم، وإن لم يكن على أصل النكاح بالألفين بينة / غير قول الرسول حلف الزوج أيضًا، إلا أنه إذا نكل هاهنا لم يغرم حتى تحلف المرأة على أن أصل النكاح كان بألفين، لا على أن الزوج أمر الرسول بألفين، فإن حلف الزوج أولاً فلها أن تحلف الرسول أنه أمره بألفين، فإن نكل غرم الألف [الأخرى].
قال أصبغ: ولو نكل الزوج فغرم في الوجهين فله أن يحلف الرسول، فإن نكل غرم.
قال ابن المواز: وهذا غلط، لا يمين للزوج على الرسول، إذ لو أقر بالتعدي لم يكن بُدٌ من يمين الزوج، لأنه لما ترك اليمين فقد ألزم ذلك نفسه.
-قال الشيخ: يريد محمد: لابد من يمين الزوج أنه ما علم بما زاد إلا بعد البناء فإذا نكل عن ذلك لزم الغرم، فلذلك لم يكن له على الرسول يمين-.
قال أصبغ: وهذا فيما يشبه أن يكون صداقًا وإن كان دون صداق مثلها وقد بنى، فيحلف وعليه ما أقر به، وإن لم يشبه أن يكون صداقًا وجاء بأمر مُفْرِط مثل الدينارين والثلاثة والخمسة في ذوات القدر واليسار فليحلف قبل البناء، وإن بنى حلف وبلغ بها صداق مثلها على تزويج التخفيف والصلة والقريب المواصل.
قال ابن القاسم: وإذا أنكر الآمر ما زوجه به، ثم أقر ورضي بعد ذلك، فإن كان إنكاره ردَّاً وفسخًا لفعله فلا يجوز أن يجيزه، قَرُبَ أو بَعُدَ إلا بنكاح جديد، وإن لم يكن على الرد مثل أن يقول: أكثرتم علي، وما أحِبُّ هذا، وما أَرَاني أرضى، وشِبه هذا فلا بأس أن يجيز، وإن طال الأمر ولا يُعلم منه رضى ولا سخط فلا يجوز إلا أن يأتنفا نكاحًا جديدًا حين لم يُجْزِه حين علم، ولأنهما لا يتوارثان، وأما ما قُرب فيتوارثان استحسانًا.
وقال: وتحرم على آبائه وأبنائه، ردَّ ذلك أو رضيه، وقال أصبغ، وذلك كله ما لم يدخل.
[الباب الحادي عشر]
في النكاح يعقده ذمي أو عبد أو امرأة
[فصل 1 - في النكاح يعقده ذمي]
قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]، وقال: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: 51].
قال مالك: فلا يجوز لنصرانيٍّ عقد نكاح مسلمة أَبَاً كان أو غيره.
قال ابن القاسم: ويعقد النصراني نكاح وليته النصرانية لمسلمٍ إن شاء، لأنه وليٌّ لها، وإن كان لهذه النصرانية أخ مسلم فلا يعقد نكاحها من مسلم إن كانت من نساء أهل الجزية، لقول الله تعالى في أهل الكفر: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 72].
قال ابن المواز: وإذا زوَّجها مسلم فقد زوجها غير وليٍّ، كان أَبَاً أو غيره.
قال ابن القاسم: وإن لم تكن من نساء أهل الجزية وقد أعتقها مسلم جاز أن يزوجها وليها المسلم ومولاها بإذنها، لأن ولاءها للمسلمين.
وأما إن كانت من نساء أهل الجزية فلا يزوجها مسلم من مسلم ولا من نصراني، فإن زوجها المسلم من مسلم فُسِخ نكاحه، لأنه زوَّجها غير وليٍّ، وإن
زوجها من نصراني لم أفسخه، لأنه نصراني تزوج نصرانية بغير ولي، ولسنا نعرض لهم في نكاحهم، إلا أن المسلم الذي عقد نكاحها منه ظلم نفسه لما أعان على ذلك ودخل لهم فيه.
قال ابن المواز: قيل لأشهب: فالنصراني تكون له البنت النصرانية أيعقد نكاحها مع مسلم؟
قال: نعم.
قيل له: فإن كان الأب مسلمًا أيعقد نكاحها مع مسلم؟
قال: لا.
قال أصبغ: إن وقع لم أفسخه، وهو نكاح، لأن النصراني لا يعقد نكاحًا إلا كان عقد المسلم أصح منه وأفضل، وإنما ولايتها في الحكم أولى من وليها المسلم فإن لم يرغبوا فولت مسلما عقد نكاحها فهو أحب إلى من وليها الكافر.
قال ابن المواز: وهذا غلط، وخلاف لقول مالك / وابن القاسم [وأشهب] مع غفلة عن الحجة، لأن المسلم ليس بولي لها، فإذا أنكحها من مسلم صار هذا المسلم قد تزوجها بلا ولي فنكاحه باطل.
قيل لابن القاسم: فإن كانت هذه النصرانية لا ولي لها أرادت نكاح مسلم، أتولي مسلما يزوجها منه؟
قال: لا، ولا يزوجها إلا أهل دينها أساقفتهم أو بعض ولاتهم.
قيل له: هل للسيد المسلم أن يزوج أمته النصرانية من نصراني أو غيره؟
قال: نعم، وليس هذا من قبل الولاية ولكن من قبل أنها ماله.
قال الشيخ: وأما تزويجه إياها من غير مسلم فجائز، وأما من مسلم
فلا يجوز، لأن المسلم لا يجوز له نكاح الأمة الكتابية ولا يطؤها إلا بملك اليمين، كان حرًا أو عبدًا، كانت لمسلم أو ذمي، ولا يزوجها سيدها من غلام له مسلم، قال مالك في النكاح الثالث.
فصل [2 - في النكاح يعقده عبد]
ومن المدونة: قال مالك: والعبد والمكاتب والمدبَّر والمعتق بعضه والنصراني والمرتد ليس منهم مَنْ يلي عُقْدَةَ النكاح، فإن عقد أحدهم نكاح ابنته البكر أو الثيب برضاها، وابنة النصراني ملسمة لم يجز ويفسخ وإن دخل بها، وللمدخول بها المهر بالمسيس.
قال مالك: ولو كانت ابنة العبد حرة فأراد أولياؤها إجازة ذلك لم يجز، ولابد من فسخه، لأن العبد والمكاتب والمدبر لا يجوز لهم أن يعقدوا نكاح بناتهم ولا أخواتهم ولا أمهاتهم.