وكذلك إن ترك الجماع لغير ضرورةٍ ولا علةٍ إلا أن ترضى المرأة بالمقام على ذلك.
فصل [6 - في ذكر ما لا يمنع من القسم، وقسم المريض والمجبوب
والقسم بين الحرة والأمة]
وقسم الحر بين نسائه المسلمات والحرائر والإماء والكتابيات سواء، والقسم بين صغيرةٍ جومعت، أو كبيرةٍ صحيحةٍ، أو مجنونةٍ، أو بإحداهن رتق، أو داءٌ، أو مرض لا تجامع معه، أو حيض سواء، لكل واحدة منهن يومها وليلتها.
مالك: ويقسم المريض بين نسائه إن كان مرضًا يقدر أن يدور عليهن فيه، فإن لم يقدر أقام عن أيتهن شاء لإفاقته ما لم يكن حيفًا، فإذا صح ابتدأ القسم، وليس لأم الولد مع حرةٍ قسم، وجائز أن يقيم عند أم ولده ما شاء ما لم يضار.
والمجبوب ومن لا يقدر على الجماع يقسم بين نسائه بالعدل، إذ له أن يتزوج.
قال مالك في النكاح الأول: فإن كان حر له أمةٌ حرةٌ ساوى بينهما في القسم كسائر حقوق الزوجة.
ورأى ابن المسيب أن للحرة الثلثين وللأمة الثلث.
قال الشيخ: فوجه ذلك: لحرمة الحرة، ولأن ديتها مثلاً دية الأمة، وعدتها في الموت مثلاً عدتها، وكذلك حدودها فكذلك في القسم.
تم كتاب النكاح الثاني بحمد الله وحسن عونه
والصلاة والسلام على محمدٍ وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً
[الكتاب الثالث]
كتاب النكاح الثالث
[الباب الأول]
فيمن تزوج امرأتين في عقدة أو أماً وابنتها في عقدة أو عقدتين
[فصل 1 - فيمن نكح امرأتين في عقدة واحدة]
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يتزوج الرجل امرأتين في عقدةٍ واحدةٍ إذا سمى لكل واحدةٍ صداقها، فإن أجملهما في صداقٍ واحدٍ لم يعجبني ذلك، وقد بلغني أن مالكاً كرهه، لأنه لا يُدرى ما صداق هذه من صداق هذه.
قيل: فإن طلق إحداهما أو مات عنها قبل البناء، كم يكون صداقها؟ أيقسم المهر الذي سمى بينهما؟ أيقسم بينهما على قدر مهورهما؟
قال: نكاحهما غير جائز.
قال أبو محمد وغيره: ولا شيء لهما قبل البناء عنده.
وقال سحنون: هذا جائز وإن لم يسمِّ لكل واحدةٍ صداقها، وكذلك جمع الرجلين سلعتيهما في البيع.
قال ابن دينار: ويقسمان ما سمى لهما بقدر صداق مثل كل واحدة.
قال الشيخ: وهذا أصوب، وكذلك لو دخل بهما على هذا القول، وعلى ظاهر قول ابن القاسم يكون لكل واحدةٍ صداق مثلها ويثبت النكاح.
وقد اختلف قوله في هذا البيع فكذلك يجري في النكاح.
قال الشيخ: ويحتمل على قياس قوله فيمن نكح بدرهمين فطلق قبل البناء أن يكون لها نصف الدرهمين، أن يكون لها في هذا القول نصف ما يخصها في هذا المسمى لهما، لأنه كان يراعي قول مَنْ يُجِزْهُ بالدرهمين فمراعاته قول نفسه، وقول غيره أولى.
فإن قيل: إن ما يخصها من هذا المسمى مجهول، فهو كالنكاح بالغرر، والدرهمان لا غرر فيهما، وهو لو أتم لها ثلاثة دراهم لثبت نكاحه؟
قيل له: على القول الذي يجيزه فلا يراه غرراً ولا يكون أسوأ حالاً من نكاح التفويض الذي يقضي فيه بصداق المثل، وذلك لا يعلم إلا بعد النظر فيه، فكذلك قسمة هذا المسمى على/ مثل صداق كل واحدةٍ منهما.
وأيضاً هو وأصحابه لا يجيزون نكاحها بدرهمين على حال، وهو في أحد قوليه يجيز ابتداء النكاح في جميعها في صداقٍ واحددٍ، وقاله غيره من أصحابه فمراعاة هذا القول أولى.
قال الشيخ: ويجوز أن يتزوج امرأتين إحداهما بصداقٍ مسمى والأخرى على تفويضٍ وذلك في عقدٍ واحد، لأنهما صداقان يجوزان في الانفراد فكذلك يجوزان في الاجتماع.
وكذلك لو جمعهما جميعاً في عقدٍ واحدٍ على تفويضٍ فإنه جائز، وقاله أبو عمران.
[فصل 2 - فيمن نكح حرة وأمة في عقد]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن نكح حرةً وأمةً في عُقدةٍ وسمى صداق كل واحدةٍ فقال مالك: يفسخ نكاح الأمة ويثبت نكاح الحرة، ثم رجع فقال: إن علمت الحرة بالأمة فنكاحها ونكاح الأمة ثابت، ولا خيار لها، وإن لم تعلم خيِّرت بين أن تقيم أو تفارِق.
قال سحنون: وقد بينا هذا الأصل في الكتاب الأول.
قال سحنون: إذا كان واحداً للطول فُسٍخَا جميعاً، وكذلك لو تزج امرأةً في عدتها وأخرى في غير عدتها في عقدةٍ واحدة، لفسد النكاحان جميعاً، كصفقةٍ جمعت حلالاً وحراما.
قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: ليس ذلك كصفقة جمعت حلالاً وحراماً لأن فسخ نكاح الأمة لم يتفق الناس عليه، ومالك قد اختلف قوله فيه، إذ قال بعض الناس: إن الآية منسوخة فلم يبلغ الأمر في ذلك إلى صفقةٍ جمعت حلالاً وحراماً.
[فصل 3 - فيمن نكح أما وابنتها في عقدة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن نكح امرأةً وابنتها في عقدةٍ وسمى لكل واحدةٍ صداقها، ثم تبين أن الأم لها زوجٌ فسخ نكاحهما، ولم يثبت نكاح الابنة لأن من قول مالكٍ أن كلُّ صفقةٍ جمعت حلالاً وحراماً فلا يجوز ذلك عنده في البيوع، قال مالك: وأشبه شيءٍ بالبيوع النكاح.
قال ابن القاسم: وكذلك إن لم يكن للأم زوجٌ ولم يدخل بواحدةٍ منهما فلابد من فسخه، وليس له حبس إحداهما وفراق الأخرى، ثم ينكح بعد ذلك من أحب منهما، إن شاء الأم أو الابنة.
وقيل: لا يتزوج الأم للشبه التي في البنت.
قال مالك: وإن كان قد بنا بهما قبل الفسخ حرمتا عليه للأبد، ولو بنى بواحدةٍ منهما فُسخا وخطب التي بنا بها بعد الاستبراء، أُمَّاً كانت أو بنتاً، ولم يحل له نكاح الأخرى أبداً.
[فصل 4 - فيمن نكح أما وابنتها في عقدتين]
ومن المدونة: ومن تزوج امرأةً فلم يبن بها حتى تزوج ابنتها وهو لا يعلم، فدخل بالابنة، فارقهما جميعاً.
قال مالك: ولا صداق للأم، ويتزوج الابنة إن شاء بعد ثلاث حيض، أو وضع حمل، وتحرم عليه الأم أبدا، لأنها صارت من أمهات نسائه، وإن كان نكاح البنت حراماً فالحرمة تقع فيه كما يثبت فيه النسب والصداق، ويرفع الحد.
وإن نكح الأم آخراً وهو لا يعلم فبنى بالأم أو بهما، فارقهما وحرمتا عليه للأبد، لأن الأم قد دخل بها فصارت الربيبة محًّرمةً، والأم هي من أمهات نسائه فلا تحلان له أبداً.
وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَيُما رجلٍ نكح امرأةً فدخل بها أو لم يدخل بها فلا يحل له نكاح أمها أبداً، أَيُما رجلٍ نكح امرأةً فدخل به فلا يحل له نكاح ابنتها، وإن لم يدخل بها فلينكحها"، وقاله زيد بن ثابت، قال: لأن الأم مبهمة لا شرط فيها، وإنما الشرط في الربائب- يريد: قول الله تعالى في آية التحريم بعد قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ثم قال في الآية: ﴿وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.
قال ابن القاسم: وإذا نكح البنت فدخل بالأم فسختا النكاح فلا صداق للابنة إن لم يبن بها وإن كانت الفرقة والتحريم من قِبَلِ الزوج، لأنه لم
يتعمده وصار نكاح الابنة لا يقر على حال، فلما فسخ قبل البناء لم يكن لها مهرٌ لا نصف ولا غيره.
قال مالك في ثمانية أبي زيد: إذا نكح الأم بعد البنت أو البنت بعد الأم فوطئ بالثانية وحدها فسخ نكاحهما بغير طلاق، وكان للأولى نصف الصداق.
وقال عبد الملك وغيره: ما كان من فسخ غالبٍ قبل البناء فلا صداق فيه.
قال الشيخ: وحكى عن أبي عمران أنه قال: ولو تزوج الأم بعد البنت عامداً عالماً بتحريم ذلك ودخل بها كان عليه نصف صداق البنت، لأنه كأنه قصد طلاقها، وهذا على قوله، إن الزنا يحرِّم الحلال، وكذلك على قوله: إن الزنا لا يحرِّم الحلال إذا فارق البنت تورُّعاً، يكون أيضاً عليه نصف الصداق، لأنه نكاح يقَرُّ عليه، وكذلك من زنا بختنته قبل الدخول بابنتها ففرِّق بينه وبين البنت بالغلبة، ويكون عليه نصف الصداق.
وأما على قول عبد الملك وغيره فلا صداق لهما، لأنه فسخٌ غالبٌ قبل البناء، وقد نصَّ ابن المواز: أنه لا يفسخ في الزنا بالجبر، وقاله بعض شيوخنا القرويين: إنه
إنما يؤمر بذلك ولا يجبر عليه، فإذا تورع وفارق لزمه نصف الصداق على القولين جميعا، خلاف ما قاله أبو عمران.
قال الشيخ: واختلف فيمن مَرَّ بيده على فخذ ابنته وظنَّ أنها زوجته قاصداً اللَّذة، أو وطئها بالليل غَلَطاً، فقال جماعة من الفقهاء القرويين وأئمتهم: إنها تحرم عليه زوجته، وقال سحنون والليث وغيره: لا تحرم عليه.
ومن المدونة: قال مالك: وإن لم يبن بالثانية ثبت على نكاح الأولى، أُمَّاً كانت أو ابنة، دخل بها أم لا، ويفسخ نكاح الثانية.
قال: وإن تزوج الأم ودخل بها ثم تزوج الابنة ودخل بها حرمتا عليه جميعاً، ومحمل الجدات في التحريم محمل الأمهات، ومحمل بنات البنات وبنات الأبناء محمل البنات.
فصل [5 - فيما يكون سببا في تحريم المرأة على آباء الناكح وأبنائه]
ومن وطئ امرأةً أو قَبَّل أو باشر أو نظر للذَّة بملكٍ أو نكاحٍ صحيحٍ أو فاسدٍ أو حرامٍ بشبهةٍ أو في عدة فإنها تحرم على آبائه وأبنائه، وتحرم عليه ابنتها بنكاحٍ أو ملك.
وإن تزوجها في عدةٍ فلم يبْن بها حتى تزوج أُمَّها أو أختها، أقام على نكاح الثانية، لأن نكاح المعتدة غير منعقد، وهي تحل لآبائه وأبنائه ما لم يتلذَّذ منها بشيء.
وروى ابن وهب: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الذي تزوج المرأة فيغمزها ولا يزيد على ذلك: لا يتزوج ابنتها.
وقال ابن مسعود: إذا قَبَّلها أو جلس بين فخذيها فلا يتزوج ابنتها.
[الباب الثاني]
في المحرمات من النساء، ومن وطئ امرأته أو ابنتها بزنا أو نكاح، وما تجب به الحرمة
[فصل 1 - في المحرمات من النساء] قال تعالي: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وبَنَاتُكُمْ وأَخَوَاتُكُمْ وعَمَّاتُكُمْ وخَالاتُكُمْ وبَنَاتُ الأَخِ وبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ فهؤلاء بالقرابة سبع، وقال: ﴿وأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ﴾ إلى قوله: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقل تعالى قبل ذلك: ﴿ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ / لم يعنِ به دون أبناء الرضاع، لكن دون من يدَّعي ابناً بالتبني، لأن النبي عليه الصلاة والسلام
قد كان تبنى زيد بن حارثة، ثم تزوج زوجته زينب بنت جَحش، فأنزل الله تعالى فيهما، وأمر أن يدعوا لآبائهم.
فحرَّم الله تعالى من النسب سبعاً، ومن الصهر والرضاع سبعاً، وحرَّم الرسول عليه الصلاة والسلام من ذلك بالرضاع ما يحرم من النسب، فهؤلاء محرماتٌ على التأييد، إلا الجمع بين الأختين فإنما هو تحريمٌ في حال جَمْعِهِما، وحرَّم غير هؤلاء في حالٍ دون حالٍ، فمن ذلك نكاح الخامسة، وحرَّم المحصنات من النساء- يقول ذوات الأزواج- إلا ما ملكت أيمانكم، يقول: بالسبي ولهن أزواجٌ بدار الحرب.
قال ابن حبيب: أو سُبين معهم.
وحرَّم نكاح المشركات حتى يؤمن، فهن محرمات بنكاحٍ أو ملكٍ، وحرَّم نكاح المعتدة حتى تنقضي عدتها، والمبتوتة على الذي أبتَّها حتى تنكح زوجاً غيره.
ونهى النبي عليه الصلاة والسلام عن نكاح المتعة، ونكاح المُحْرِم، ونكاح المحلِّل، ونكاح الشغار.
وقد مضى تفسير بعض ذلك، ويأتي تفسير باقيه في مواضعه إن شاء الله تعالى.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأة بنكاحٍ صحيحٍ، أو في إجازته اختلاف حرمت بالعقد دون الوطء على آبائه وإن بعدوا وأبنائه وإن سلفوا بنسبٍ أو رضاع، وحرمت عليه أمهاتها، ولا تحرم عليه ابنتها بالعقد على الأم دون الوطء أو الالتذاذ.
وأما إن تزوج ذات محرمٍ أو رضاعٍ أو معتدةٍ لم تحرم بالعقد فقط على آبائه ولا أبنائه، ولا تحرم عليه أمها.
فصل [2 - فيمن وطيء أم امرأته أو ابنتها بزنا أو نكاح]
ومن المدونة: قال مالك: ومن زنى بأم زوجته أو بابنتها فليفارق زوجته ولا يقيم عليها.
وقال في الموطأ: لا يُحرِّم الزنا حلالاً.
قال سحنون وأصحابه على ما في الموطأ: لا اختلاف بينهم فيه، وهو الأمر عندهم فيه وقاله عددٌ من الصحابة والتابعين.
قيل لابن القاسم: فإن تزوج أُم امرأته وهو يعلم أنها أمها أتحرم عليه زوجته؟ قال: قد أخبرتك أن مالكاً كره أن يقيم عليها بعد الزنا بأمها، فنكاحه لأمها وزناه بها في هذا سواء، إلا أن يُعذَر بجهالةٍ في تزويجه ولا يُحد، ويُلحق يه الولد، ويكون هذا آكد في التحريم من الزنا للحوق النسب وزوال الحد.
يريد وإذا لم يعذر يجهلٍ في نكاحه لزمه الحد وفارق زوجته على أحد قولي مالك، وإذا عُذِر بالجهالة لم يحد ولزمه فراقها بلا اختلاف من قول مالك.
[فصل 3 - فيما تجب به الحرمة]
قال: ومن زنى بامرأةٍ أو تلذَّذ منها حراماً فلا أحب له أن يتزوج أمها ولا ابنتها، ولا أحب لابنه ولا لأبيه أن يتزوجها أبداً، وإن كانت في عصمة أحدهما فليفارقها- يريد على أحد قولي مالك- ولا بأس أن يتزوجها هو نفسه بعد الاستبراء من مائه الفاسد.
قال الشيخ: وقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ إلى قوله ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ﴾، فالنكاح هاهنا الزنا، أي لا يزني بها إلا زانٍ أو مشرك، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقال ابن المسيب، إنها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾.
قال ابن حبيب: ولا يجوز نكاح الزانية المجاهرة وذات الخدن، ويستحب لمن تحته امرأة تزني أن يفارقها، وإن بُلي بحبِّها فليحبسها، وروي ذلك عن النبي
صلى الله عليه وسلم، وما عُلم من ذلك فعليه الاستبراء بثلاث حيض، وفي مملوكته بحيضة.
وفي كتاب ابن المواز: قال ابن وهب عن مالك عن المرأة المُعلِنة بالسوء: لا أرى للرجل أن يتزوجها، ولست أراه حراماً.
[الباب الثالث]
في وطء الأختين بنكاح أو ملك والجمع بين النساء
[فصل 1 - في الجمع بين الأختين بنكاح]
قال الله تعالى: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، قال ابن حبيب: يقول: في الجاهلية: يقول: فإنه مغفورٌ لكم، وكانت مُضرُ تحرِّم من ذلك ما حرم الإسلام إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين أخذوه من ملة إبراهيم عليه السلام.
قال غيره: وأما الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها فمحرَّم بدليل القرآن وبنص السنة، فدليل القرآن قوله تعالى: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾، والسنة: نهيه عليه الصلاة والسلام أن يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، ولا خلاف في ذلك.
قال ابن بَكير: والمعنى الجامع بينهن أن كل امرأتين من ذوات المحارم لو
كان موضع إحداهما ذكَراً لم تحل له الأخرى لم يجز لجامعٍ أن يجمع بينهما، وهذه علة لا تنكسر البتة، وإنما جاز الجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها لانخرام ذلك وذلك أنا إذا جعلنا موضع الابنة ابناً لم تحل له زوجة أبيه، وإذا جعلنا موضع الزوجة رجلاً لم يحرم عليه أن يتزوج ابنة رجلٍ أجنبي، فلهذه العلة أجزنا الجمع بينهما، وفي الأختين لا ينخرم ذلك من الجهتين.
ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج أختاً بعد أختٍ فلم يبن بهما أو بنى بإحداهما او بهما فليثبت على الأولى ويفارق الأخرى فسخاً بغير طلاق، وكذلك كل من يحرم الجمع بينهن ممن يجوز له نكاح إحداهما بعد صاحبتها، وللمدخول بها المسمى أو المثل إن لم يسم.
قال أشهب: فإن بنى بهما ثم مات ولم تعلم الأولى منهما، وكلاهما تدعى أنها هي الأولى فلتحلفا، ويكون لكل واحدةٍ صداقها المسمى، والميراث بينهما نصفين، وعلى كل واحدةٍ عدة الوفاة مع الإحداد.
محمد: ومع ثلاث حيض.
قال الشيخ: فإن حاضت في الأربعة أشهر وعشرٍ أجزأها ذلك.
ابن حبيب: فإن لم يبن بهما فالميراث بينهما، ولكل واحدةٍ نصف صداقها وإن بنى بواحدة معروفةٍ فلها الصداق ونصف الميراث، وللأخرى نصف الصداق ونصف الميراث.
وإن نكحهما في عقدة فلا ميراث لهما، ومن بنى بها فلها الصداق ولا صداق للأخرى
قال أشهب في كتاب محمد فيمن نكح أختاً بعد أخت ولكل واحدةٍ شهود ولم تُؤرخ البينة ولم تُعرف الأولى: فالزوج مصدَّق فيمن قال: إنها الأولى، ويفارق الأخرى بغير صداقٍ ولا طلاق.
محمد: وهذا صواب، وذكر عنه أنه قال: ولو قال في إحداهما: ما تزوجتها، قبل قوله.
محمد: وهذا لا يعجبني.
فإن لم يذكر الآخرة بعينها فرِّق بينه وبينهما كالقائل: جَهِلْتُ الأولى.
ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج أخته في الرضاعة ففرق بينهما بعد البناء فلها المسمى.
قال مالك: ومن نكح أختين في عقدةٍ ولم يَعلم هو ولا هما بذلك فلم يبن بهما أو بنى بإحداهما أو بهما ثم علم بذلك فليفارقهما، وينكح أيتها شاء بع استبرائها إن مسها، ولا خيار له في حبس إحداهما.
قال ابن القاسم: ومن وطئ أمةً بالملك ثم تزوج أختها لم يعجبني ذلك، لأن مالكاً قال: لا ينبغي للرجل أن ينكح إلا امرأةً يجوز لها وطؤها إذا نكحها.
قال ابن القاسم: وهده عندي لا يستطيع إذا تزوجها أن يطأها ولا يقبِّلها ولا يباشرها حتى يحرِّم فرج أختها، ولا يجوز له أم ينكح إلا في الموضع الذي يجوز له الوطء فيه، إلا أنه إذا نكحها لم أفرق بينها وبينه، وأوقفته عنها حتى يحرم فرج أيتهما شاء.
قال سحنون: وقد قال عبد الرحمن: إن النكاح لا ينعقد، وهو أحسن قوليه.
وقال أشهب في كتاب الاستبراء: عقد النكاح تحريمٌ للأمة كان يطؤها أو لا.
ابن المواز: وقاله ابن عبد الحكم، قالا: لأنه لو لم يكن وطئ الأولى لم يكن مخيراً في وطء من شاء، كما لو اشتراهما، وإنما له وطء المتزوجة، ولو وطئ الأولى لم تحرم بذلك المتزوجة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن باع أمةً وطئها ثم تزوج أختها فلم يطأها حتى اشترى المبيعة، لم يطأ إلا الزوجة، وليس عليه أن يحرِّم فرج جاريته، والعقد هاهنا في الزوجة كالوطء في الملك.
[فصل 2 - في الجمع بين الأختين بملك اليمين]
قال عبد الوهاب: أما الجمع بين وطء الأختين بملك اليمين فعندنا أنه كالنكاح في المنع، واختلف فيه الصدر الأول، فذهب قوم إلى جواز المنع بينهما بملك اليمين، ودليلنا: قوله تعالى: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ فعم، لأن وطء الملك أحد نوعي استباحة الفرج في الشرع، فهو كالنكاح، ولأن الذي له مُنع ذلك في النكاح خيفة العداوة والتباغض وقطع الأرحام، وذلك يستوي فيه النكاح والملك.
ومن المدونة: قال مالك: ومن اشترى أختين فوطئ إحداهما فلا يطأ الأخرى حتى يحرم فرج التي وطئ، فإن باع التي وطئ، ثم وطئ الباقية، ثم اشترى المبيعة تمادى على وطء الباقية.
قال ابن القاسم: ولو لم يطأ الباقية حتى اشترى المبيعة وطئ أيتهما شاء، ولو أن حين وطئ إحداهما وثب على الأخرى فوطئها قبل أن يحرم عليه التي وطئ وقف عنهما حتى يحرِّم أيتهما شاء.
قال في كتاب الاستبراء: فإن حرَّم فرج الثانية أقام على وطء الأولى، وإن حرم فرج الأولى لم يطأ الثانية حتى يستبرأ لفساد وطئه، وليحرِّ فرج إحداهما ببيع، أو بنكاح، أو عتقٍ إلى أجلٍ، أو بما تحرم عليه.
قال ابن المواز: فإن باعها فلا يطأ الباقية حتى تخرج المبيعة من الاستبراء.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن ظاهر منها لم تحل له أختها، إذ له الكفارة، وكذلك إن باعها من عبده أو ابنه الصغير أو يتيم في حجره، إذ له الاعتصار والانتزاع والبيع من نفسه، وكذلك 'ن زوجها تزويجاً لا يقرِّان عليه، أو باعها من أجنبي بيعاً فاسداً، إلا أن تفوت في البيع الفاسد فتحل له أختها، وإن باعها وبها عيوبٌ حلَّت له أختها، وهو بيعٌ حتى ترد، وإن أُسرت أو أبقت إباق إياس حلت له أختها.
قال ابن حبيب: ولو أخدمها شهراً وشهه لم تحل له أختها، وإن أخدمها سنين كثيرة أو حياة المخدم فذلك يحل له أختها، قاله ابن الماجشون.
ومن كتاب النكاح قال ابن القاسم: ومن اشترى أختاً بعد أختٍ فله أن يطأ الأولى أو الأخيرة، وأما من تزوج امرأةً فلم يمسها حتى اشترى أختها فليقِم على وطء الزوجة، ولا يطأ الذي اشترى حتى يفارق زوجته، فإن وطئ المشتراة كفَّ عن الزوجة حتى يحرم فرج الأمة، ولا يفسد هاهنا النكاح على حال الصحة عُقدة الزوجة.
ابن المواز: قال أشهب: إذا وطئ المشتراة فلا يكفُّ عن وطئ زوجته، بل يطؤها، لأن فرج أختها حرامٌ بالنكاح في هذه.
ومن المدونة: ومن زوَّج أم ولده ثم اشترى أختها فوطئها، ثم رجعت إليه أم الولد، أقام على/ وطء الأمة، ولو ولدت منه الأمة ثم زوجها وأختها ثم رجعتا إليه جميعاً وطئ أيتهما شاء، إلا أن يطأ أولاهما رجوعاً، وما وجب في أختي النسب وجب مثله في أختي الرضاع في هذا، وكثير من هذا في كتاب الاستبراء.
فصل [3 - في نكاح أخت مطلقة طلاقاً بائنا في عدتها]
ومن طلق امرأته طلاقاً بائناً فله تزويج أختها في عدتها، وكذلك خامسةٍ في عدة رابعةٍ مبتوتة، وإن طلقها طلقةً فادعى أنها أقرت بانقضاء العدة، وذلك في أمدٍ تنقضي في مثله العدة فأكذبته فلا يصدَّق في نكاح الخامسة، أو الأخت، أو قطع النفقة والسكنى، لأن مالكاً قال: القول في العدة قول المرأة، فإن نكح
الأخت أو الخامسة فسخ النكاح الثاني إلا أن يأتي هو على قولها ببينةٍ أو بأمرٍ يُعرف به انقضاء العدة.
[فصل 4 - في الجمع بين النساء]
ولا يجمع بين أختين من نسبٍ أو رضاع، ولا بين المرأة وبنات أخيها أو بنات أختها، أو مع بنات بينهم الذكور والإناث من نسبٍ أو رضاع، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾، ولأن المرأة خالة بنت أختها، وعمة بنت أخيها، وقد روى ابن وهب عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن جمع الرجل بين المرأة وعمَّتها وبين المرأة وخالتها.
قال ابن شهاب: ولا بينها وبين من لأبيها أو لأمها من عمةٍ أو خالةٍ من عصمة نكاحٍ ولا في وطءٍ بملكٍ أو بنكاح.
قال الشيخ: لأنها تقع من عمة الأب بنت ابن أخيها ومن خالته بنت ابن أختها، وحكم بنات الإخوة وإن سلفوا في الجمع حكم الإخوة.
وقد جعل العلماء لذلك أصلاً وهو أن ينظر إلى المرأتين اللتين يريد الجمع بينهما أن لو كانت إحداهما رجلاً والأخرى امرأة، فإن حرم تناكحهما فيحرم الجمع بينهما، وإن حل تناكحهما حل الجمع بينهما، وهذا في النسب لا في الصهر.
ومن المدونة: قال مالك: ويجمع بينهن في الرق، فإن وطئ إحداهن لم يطأ الأخرى حتى يحرم فرج التي وطئ.
وقال يحيى بن سعيد: لا ينكح الرجل بنت ابن امرأته ولا بنت ابنتها من غيره ولا شيئاً من أولادهما وإن بعدن عنها.
قال الشيخ: لأن حكم بنت البنت وبنت الابن وإن سفلتا حكم البنت في التحريم، فبنت ابن امرأة الرجل وبنت ابنتها كابنتها، وبنتها ربيبة، فكذلك أولئك لهن حكم الربائب، وهذا بين.
قال ابن حبيب: ومن قول مالك: أنه لا يجوز لأبيك نكاح ابنة زوجتك من غيرك، كانت زوجتك حينئذ في عصمتم أم لا.
قال ابن مواز: ويجوز أن ينكح ما نكح أبو زوجتك أو ابنها من النسب.
قال الشيخ: لأن أبا زوجتك ليس هو أبوك، ولا ابنها ابنك، وليس كل من يحرم عليك نكاحه أن لو كان امرأةً يحرم عليك ما نكح، أل ترى أن الأخ يحرم عليك نكاحه أن لو كان امرأةً، لأنها أخت، ولا يحرم عليك ما نكح من النساء فكذلك الربيب، وإنما يقع التحريم فيما نكح الابن والأب خاصة.
ومن المدونة: قال عمر بن عبد العزيز: لا يجمع بين المرأة وابنتها من ملك اليمين، فقد نزل في القرآن النهي عنه، وإنما استحل ذلك من استحلَّه لقول الله تعالى: ﴿إلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وسئل عنه عثمان رضي الله عنه فقال: لي يحل ذلك، ونهى عنه علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما وقالا: إنما أحل الله لك ما سمى لك سوى هؤلاء مما ملكت أيمانكم.
ابن القاسم: ومن وطئ أمةً له أو لولده فلم تحمل وامرأته أم لها/ حرمت عليه امرأته، لأنه ممن لا حد عليه فيها، وهذا لا اختلاف فيه، والتي لا حد عليه فيها أشد في التحريم ممن عليه الحد.
فإن حملت منه الأمة عتقت عليه- يريد إن بنى بالأم- وعليه قيمتها للابن، وكذلك من ملك من ذوات المحارم فوطئها فحملت منه، فإنه لا حد عليه وتعتق عليه، إذ حرم عليه ما كان له فيها من المتعة، وليس له أن يبقيها في الخدمة.
ومن مختصر المدونة لأبي محمد: قال ربيعة ويحي بن سعيد: ولا بأس أن يجمع بين ابنتي العم أو الخال، وليس أبوهما واحداً.
قال مالك: ما اعلمه حراماً، وغيره أحسن منه.
وقال يحي بن سعيد: إنما كره لعلة التقاطع بينهما.
قال ربيعة ومالك: ويجمع بين المرأتين بينهما نسب يحل لإحداهما أن لو كانت رجلاً نكاح الأخرى، ولا يجوز إن لم يحل أن يتناكحا، وأما من قبل الصهر فذلك جائز، حل لإحداهما لو كانت رجلاً تزويج الأخرى أم لا.
قال مالك: ولا بأس أن يجمع بين المرأة وربيبتها، وقد جمع عبد الله بن جعفر بين امرأة علي وبين ابنته من غيرها.
[الباب الرابع]
ما يحصن الزوجين، ويحل المبتوتة وحكم الردة في ذلك
[فصل 1 - في معاني الإحصان]
وفرض الرسول عليه الصلاة والسلام الحكم بالرجم فيمن أُحصن بنكاحٍ من الأحرار البالغين، وقضى به هو الخلفاء بعده.
وحرَّم الله تعالى في كتابه المبتوتة بالثلاث على التي أبتَّها حتى تنكح زوجاً غيره، وأبان ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: "حتى تذوق
العسيلة".
والإحصان على وجوه: إحصان حريةٍ، وإحصان نكاحٍ، وإحصان عفافٍ، وإحصان إسلامٍ.
فإحصان الحرية قوله تعالى: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿ومَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ أي الحرائر.
وإحصان التزويج قوله تعالى: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني بالسبي ولها زوج، وقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾.
وإحصان العفاف قوله تعالى: ﴿والَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾، ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾.
وإحصان الإسلام قوله تعالى: ﴿فَإذَا أُحْصِنَّ﴾ أي أسلمن، وقاله ابن مسعودٍ وغيره.
قال الشيخ: وحكى عن أبي عمران في قوله تعالى: ﴿فَإذَا أُحْصِنَّ فَإنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ أنه قال: من قرأ (أحصن) بضم الهمزة فتأويله: تزوجن، وهو إحصان النكاح، فيكون حد الأمة المتزوجة على هذه القراءة بنصِّ القرآن، وحد غير المتزوجة بالحديث الذي رواه أبو هريرة وزيد بن خالدٍ رضي الله عنهما وعن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن قرأ (أحصن) بفتح الهمزة فيحتمل تأويله أن يكون، أسلمن، فتكون المتزوجة، وغير المتزوجة على هذا التأويل داخلة في الآية.
قال الشيخ: وإحصان النكاح يجب بخمسة أوجه: بالإسلام والحرية والبلوغ والعقل والنكاح الصحيح، واختلف في وجهٍ سادسٍ وهو الوطء الفاسد، فقيل: لا يحصِّن، وقيل: يحصِّن.
[فصل 2 - في الإحصان والإحلال بوطء الصغيرة والمجنونة]
قال ابن القاسم: ومن تزوج صغيرةٍ لم تُحصن، ومثلها يُجامع، فوطئها أحصنته ولم يحصنها ولكنه أحلها، والمجنونة المغلوبة على عقلها تحصن واطئها ولا يحصنها، وقال بعض الرواة: يحصنها، لأنها بالغةٌ مسلمة ونكاحها حلال.
قال الشيخ: يريد ابن القاسم إذا كان العقد في الصحة ووطئها في حال جنونها ثم أفاقت فلم يطأها حتى زنت، أن وطئها في حال جنونها لا يحصنها حتى يطأها بعد إفاقتها، وفي قول غيره: يحصنها وطؤه ذلك وإن لم يطأها بعد إفاقتها.
[فصل 3 - في الإحصان والإحلال بوطء الصبي]
ومن المدونة: قال ابن القاسم:/ وإن لم يحتلم الصبي ومثله يقوى على الجماع، فزوَّجه أبوه أو وصيه امرأةً فبنى بها وجامعها لم يحصنها ولا يحلها، ولا يجب لها بوطئه مهرٌ ولا عدةٌ عليها إن بارا عنه أبٌ أو وصي، لأن وطء الصبي ليس بوطء، وتقع الحرمة بعقد نكاحه بين آبائه وأبنائه وبين هذه المرأة.
قال مالك: ولا حد على كبيرةٍ زنت بصبيٍ صغيرٍ لم يبلغ، وأما الصبية فهي تحصِّن الكبير.
قال ابن المواز: وعلى هذا جماعة أصحاب مالك، وقاله مالك.
ابن وهب: وقاله يحيى بن سعيد، وقال: إنما ذكر الصبي بمنزلة الأصبع، ولو زنى رجل بصبيةٍ مثلها يوطأ إلا أنها لم تحصن لحد، ولم تحد الصبية، وقاله الأوزعي ومالك والليث.
[فصل 4 - في الإحصان والإحلال بوطء الخصي والمجنون]
ومن المدونة: وإذا تزوجت المرأة خصياً قائم الذكر فوطئها قبل علمها به ثم علمت به، فاختارت فراقه لم يحلها وطؤه ذلك، ولم يكن إحصاناً لها ولا له، ولا يكون الإحصان عند مالك إلا ما يقام عليه الحد ولا خيار فيه.
وإن وطئها بعد علمها به ورضاها انقطع خيارها وأحلها وطؤه ذلك، وكانا به محصَنين، لأنه نكاحٌ يُغتَسل منه، ويجب بوطئه الصداق والحد.
وكذلك إن تزوجت مجنوناً ولم يعلم بها فلها الخيار في فراقه، وإن وطئها بعد علمها به ورضاها أحصنها ذلك، لأنه نكاح صحيح، ووطؤه يوجب الصداق والحد.
قال الشيخ: قال بعض شيوخنا: وسواءٌ كان مقطوع الخشفة أو غير مقطوعها.
قال الشيخ: وهذا هو ظاهر المدونة، وذكر عن سحنون انه قال: إنما يكون لها الخيار إذا كان مقطوع الخشفة، لأن اللذة فيها، وأما إن كان غير مقطوع الخشفة فلا خيار لها، ولا حجة لها انه لا يولد لمثله كما لا حجة لها إذا تزوجت رجلاً فوجدته عقيماً لا يولد له.
وقال أبو القاسم بن الكاتب: انظر إن كان إنما جعل لها الخيار لأنه لا ينزل الماء الدافق فصار وطؤه ناقصاً لذلك، ويؤيد ذلك إجماعهم أن ليس للرجل أن يعزل عن زوجته الحرة إلا بإذنها، فدل أن الإنزال من حق الزوجة، وليس كذلك الرجل العقيم لتكامل وطئه بإنزاله، وإذ قد يولد له بعد ذلك.
قال ابن المواز: مذهب ابن القاسم إذا صح العقد ثم وطئها بعد ذلك في حال جنونه أحلها وأحصنها، ولم يحصنه ذلك.
وقال أشهب: لا يحلها ولا يحصنها، وإن كان سليم وطئ مجنونة في حال جنونها فذلك يُحصنها ويُحلها، لأن الوطء للرجل وإليه يُنظر.
وقال عبد الملك: لا أبالي من كان منهما مجنوناً أو كانا مجنونين جميعاً في حال الوطء، فذلك يُحل ويحصن إذا صح العقد في الإفاقة، ويعقد من يجوز عقده عليها.
[فصل 5 - في الإحصان والإحلال بوطء العبد للحرة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن تزوجت الحرة عبداً أذن له سيده في النكاح، فوطئها قبل علمها به لم يحصنها ولم يُحلها ولها الخيار في فراقه حتى تعلم، فإن وطئها بعد علمها به ورضاها أحلها وأحصنها، ولا خيار لها بعد.
ابن المواز: قال مالك: وإذا تزوجت عبداً بغير إذن سيده ودخل بها لم يحلها وطؤه حتى يجيزه السيد، ثم يطأ العبد بعد ذلك.
وقال أشهب: إذا أجازه أحلها الوطء الأول.
[فصل 6 - في الإحصان والإحلال بنكاح المجبوب]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يحصن المرأة ولا يحلها مجبوب، إذ لا يطأ.
ابن حبيب: قال أصبغ عن ابن القاسم فيمن تزوجت شيخاً فلم ينتشر فأدخلت ذكره بأصبعها ثم فارقها/ قال: إن انتشر بعد أن أدخلته وعمل أحلها ذلك لمن أبنها، وإن بقي كذلك فلا يحلها.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ولو وطئ فوق الفرج فأنزل ودخل ماؤه في فرجها وأنزلت هي أيضاً فلا يحلها ولا يحصنها.
[فصل 7 - في الإحصان والإحلال بوطء الحر للأمة المسلمة والحرة الكتابية]
ومن المدونة: ويحصن الحر وطء الأمة المسلمة والحرة الكتابية بنكاح صحيح، وإن فسد النكاح لم يحصن.
ابن المواز: وروى ابن وهب أن عبد الملك بن مروان سأل عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، هل تحصن الأمة الحر؟ قال: نعم، فقال له: عمن تروي هذا؟ قال: أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون ذلك.
ومن المدونة: قال ربيعة: يحصن الحر المملوكة وتحصن الحرة بالعبد، وقاله علي بن أبي طالب وجماعة من الصحابة والتابعين.
والأمة المسلمة والحرة الكتابية يحلهن وطء العبد أو الحر المسلم بنكاح، ولا يكونان به محصنين حتى توطأ هذه بعد الإسلام، وهذه بعد العتق، والعبد لا يحصنه ذلك حتى يطأ بعد عتقه، والوطء بعد عتق أحدهما يحصن المعتق منهما، والعبدان إذا عتقا وهما زوجان فلم يجامعها بعد العتق حتى زنيا لم يكونا به محصنين حتى يطأها بعد العتق.
[فصل 8 - في الإحصان والإحلال بمجرد الخلوة، وبزنا المرأة]
ومن المدونة: قال مالك: ومن بنى بزوجته ثم طلقها فادعت المسيس وأنكره، فالقول قول المرأة في الصداق، وعليها العدة، ولا يملك الرجعة، ولا يحلها ذلك لزوج كان طلقها البته، إلا بتقاررهما على الوطء.
قال ابن القاسم: أما في الإحلال فلا أمنع المطلق منها وأدينها وأخاف أن إنكار الزوج ليضر بها في نكاحها، ولا يكون الزوج محصناً، لأنها لا تصدق عليه في الإحصان.
قال بعض الرواة: وإن أخذت منه الصداق، لأنه إنما أخذ منه الصداق بما مضى به الحكم الظاهر وهو لم يقر بأنه أصابها.
قال مالك: ولا تكون هي محصنة إن زنت.
قال غيره: ولها أن تسقط ما أقرت به من الإحصان قبل أن تؤخذ في زنا أو بعد ما أخذت وتقول: أقررت لأخذ الصداق.
قال الشيخ: يريد: فإذا رجعت عن إقرارها بالإحصان رجع عليها الزوج بنصف الصداق، وقاله أبو الحسن بن القابسي.
وقال بعض فقهائنا: يحتمل أن يكون هذا في الرشيدة، وأما السفيهة فالصداق صار مالاً من مالها فليس لها إتلافه.
قال الشيخ: والرشيدة عندي والسفيهة سواء في ذلك، لأن ذلك إنما يُعلم من جهتها، وبدعواها أخذته، فإذا رجعت عن ذلك وجب رده، لأنها لو شاءت أولا لم تدعه، وأمور الصدقات في هذا المعنى إنما تؤخذ من قبل الزوجات.
قال الشيخ: وحكي عن بعض شيوخنا فيمن لم تعلم له بزوجته خلوة، فظهر بها حمل فلاعن منه فإن ذلك يحصنها لإقرارها بالإحصان، ولا يحلها.
قال بعض فقهائنا: ولو رجعت هذه فقالت: ليس الولد منه، فيحتمل أن يقال: لا يقبل رجوعها في نقص الإحصان، لأن الولد لا يزول نسبه بقولها، ولو استلحقه الزوج لحق به، ولم يُلتفت إلى رجوعها، ومن نفى هذا الولد على غير وجه الخبر حُد، فصار كالولد الحلال في الحكم لا كولد الزنا، فلهذا لا يقبل رجوعها، والله أعلم.
قال الشيخ: أما قوله في الولد فصواب، لا يُنفى بروجوعها، وللأب أن يستلحقه، وأما في الإحصان فيظهر لي أن لها أن تسقطه وتقول: ادعيت الوطء لئلا أحد، فيجب أن يقبل ذلك منها وتحد، وكما يقبل قولها في مسألة الكتاب إذا قالت: إنما أقررت بالوطء لآخذ الصداق، ويسقط بذلك/ بالإحصان، وكذلك يسقط إذا قالت: إنما ادعيت وطء الزوج خوفاً من الحد، فهذه أعذر من الأولى، والله أعلم.
[فصل 9 - في الإحصان بزنا أحد الزوجين بعد إقامته مع الآخر وإنكاره الوطء]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أقر بجماع امرأته من عنين أو غيره، وأنكرت هي ثم طلقها البته، كانت مخيرة في أخذ الصداق أو تركه.
قيل له: فإن زنت المرأة بعد ذلك، أتكون محصنة؟
قال: لا تكون محصنة إلا بأمر يعرف به المسيس بعد النكاح.
قال ابن القاسم: وإذا أقامت امرأة مع زوجها عشرين سنة، ثم أخذت تزني فقالت: لم يكن الزوج جامعني، والزوج مقر بالجماع فهي محصنة.
قال سحنون: وكذلك يقول غيره: أنها محصنة، وليس لها إنكار، لأنها إنما تدفع حدا قد وجب عليها، ولم يكن منها قبل ذلك دعوى.
قال في كتاب الرجم: وإن طالت إقامة الرجل مع زوجته ثم زنى فقال: لم أجامعها، فإن لم يعلم وطؤه بولد يظهر، أو بإقرار فلا حد عليه.
قال مالك: ويحلف، وإن علم منه إقرار بالوطء رجم.
قال يحيى: هذا خير مما في كتاب النكاح، قال ابن المواز: وهو قول أصحابنا.
قال الشيخ: كأنهما أشارا إلى أن هذا منه اختلاف قول، وكذلك نحا إليه أبو محمد ولم يتعقبه، وذكر عن بعض المتأخرين من أصحابنا: أن ذلك ليس
باختلاف قول، وإنما اختلف جوابه فيهما لاختلاف السؤالين، وذلك أنه في مسألة كتاب النكاح هذه، الزوج فيها مقر بجماعها، فقد وجب الرجم عليها فلا ينفعها إنكارها بعد وجوب الرجم، وفي مسألة الحدود لم تدع المرأة أنه جامعها ولا أقر الزوج بجماعها، فلذلك لم يرجم.
قال الشيخ: والأظهر أنه اختلاف قول، هذا ظاهر قولهم، لأنهم إنما عللوا المسألة باختلافهما في الوطء بعد الزنا أو قبله.
ونص ما في كتاب ابن المواز قال: فإذا أقام معها عشرين سنة ثم فارقها، فزنت، وقد اختلفا في الوطء؟ قال: قال ابن القاسم وابن عبد الحكم: إن اختلفا بعد الزنا لم يقبل قول من أنكر الوطء والرجم قائم، وكذلك لو لم يقم معها إلا ليلة واحدة.
قال عبد الملك: فإن كان اختلافهما قبل الزنا فعليهما حد البكر وإن طالت إقامته معها، كانت تحته أو فارقها، كما لو قالت بعد طول السنين وهي تحته: لم يمسني، وطلبت أجل العنين وصدقها، أن ذلك لها.
قال الشيخ: فجعلوا العلة الاختلاف قبل الزنا وبعده، لأنه بعد الزنا يريد رفع حد وجب، فلا يُقبل منه، وليس العلة إقرار الزوج بالجماع، لأن إقراره بذلك لا يوجب إحصانها إذا أنكرت ذلك قبل الزنا، ولا يكون هو محصناً بدعواها هي الوطء أيضا قبل الزنا، وإنما العلة أن الحد إذا وجب فلا يقبل قول من أراد رفعه.
قال الشيخ: فالقول الآخر أصوب لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
"ادرؤا الحدود بالشبهات".
[فصل 10 - في الوطء الذي يحصن الزوجين ويحل المبتوتة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأة فلم يدخل بها حتى مات فادعت أنه طرقها ليلاً فجامعها، لم تصدق، ولا يُحلها ذلك لزوج كان طلقها البته إلا بدخول يُعرف، وإن زنت لم تكن محصنة بقولها ذلك، وهي مثل الأولى لها طرح ما ادعت.
قال ابن القاسم: ولا يحصن الزوجين ويحل المطلقة ثلاثاً إلا نكاح يصح عقده ويصح الوطء فيه، ولا يجزئ من الوطء إلا مغيب الحشفة وإن لم ينزل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى تذوق العسيلة"، وقاله مالك.
قال ابن القاسم: ولا يكون بوطء الملك [محصناً] ولا بنكاح لا يقران عليه وإن رضي المولي، كمن تزوج ذات محرمٍ منه، أو حرة زوجت نفسها، أو أمة زوجت نفسها بغير إذن السيد، أو تزوج امرأة على عمتها أو خالتها أو أخت