قال أصبغ: ولا على الرسول إن كان زعم أنه أمره بذلك.
قال في غيره: ولو قال الصبي: شرط هذا علي وأنا صغيرٌ، وقال أولياء المرأة: بل وأنت كبيرٌ، فعلى الزوج البينة وإلا حلف أولياء المرأة، ولزمته تلك الشروط.
[الباب الرابع]
في حد الصداق وفي الصداق بأقل من ربع دينار
[فصل 1 - في حد الصداق]
قال بعض البغداديين: لا حد لأكثر الصداق إجماعاً، وأقله عندنا ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الورق، أو ما يساوي أحدهما، بناءً على القطع في السرقة، لأنه عضو محرم، تناوله بحق الله تعالى، لا يستباح إلا بمال، فوجب أن يكون مقدراً كمثل ما يقطع فيه السارق، ولأن المهر في النكاح حق لله بدليل أنهما لو تراضيا على إسقاطه لم يجز، وحقوق الله في الأموال مقدرة كالزكاة والكفارات.
[فصل 2 - في الصداق بأقل من ربع دينار]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: فأقل الصداق ربع دينارٍ، فمن نكح بدرهمين أو بما يساويهما فإن رضي الزوج أن يتم لها ثلاثة دراهم ثبت النكاح، وإن أبى فسخ النكاح قبل البناء، وإن كان قد دخل بها جبر على أن يتم لها ثلاثة دراهم، ولا يفسخ لاختلاف الناس في هذا الصداق، لأن منهم من قال: ذلك صداقٌ جائزٌ، ومنهم من قال: لا يجوز.
وقال غيره: يفسخ قبل البناء، وإن أتم الزوج ربع دينار، ويفسخ أيضاً بعد البناء، ولها صداق مثلها، وهو كمن تزوج بلا صداق.
قال ابن القاسم: وإن طلقها قبل البناء فلها نصف الدرهمين لاختلاف الناس في أنه صداق.
قال ابن المواز: قال مالك: أقل الصداق من الذهب ربع دينار، ومن الورق ثلاثة دراهم، ومن العروض ما قيمته ثلاثة دراهم، ومن تزوج بدرهمين فإن لم يدخل خير، فإن أتم لها ثلاثة دراهم وإلا أوقعت عليه طلقة، وكان لها نصف الدرهمين، وإن دخل فقال عبد الملك: يلزمه تمام صداق المثل.
وقال ابن القاسم وأشهب: يتم لها ثلاثة دراهم.
قلت: فقول ربيعة: يجوز بدرهم، وقال يحيى بن سعيد: يجوز بسوطٍ ونعلين؟ قال: ولو أجزته بدرهم لأجزته بأقل منه إلى ما لا يكون صداقاً.
وقد أجمل الله سبحانه ما يقطع فيه اليد في السرقة، فوقت النبي عليه الصلاة والسلام فيه ربع دينار، فهو مما له بالٌ، فلا يباح الفرج بما لا بال له، وهو يأتي كالعضو.
وأما يحيى بن سعيد في قوله: بسوطٍ ونعلين، فقد استثنى إن كان ذلك صداقاً.
قال الشيخ: وقال الأبياني في كتابه: إن أبى أن يتم لها ربع دينارٍ فرقنا بينهما بطلقةٍ، ولا شيء لها، لا نصف الدرهمين ولا غيره.
ورجح ابن الكاتب هذا، وقال: هو الذي يوجبه النظر، لأنه إذا كان الفسخ من الصداق من أجل أنه عندنا ليس بصداقٍ فكيف يعطى نصف ما وجب الفسخ من أجله؟ ولأنه إنما يفسخ بحكمٍ فكيف يكون حكمه بالفساد، ومن أجل فريضته حكم بصحة الفريضة، إذ لا تستحق الزوجة إلا نصف ما يصح، وليس الفسخ كطلاقه إياها، كاختلاف الزوجين في مقدار الصداق قبل البناء لأنهما إذا تحالفا انفسخ النكاح، ولم يكن عليه من الصداق شيء، وإذا طلق قبل التحالف لزمه نصف ما أقر به وإن كان قادراً إذا حلفت الزوجة على أن لا يحلف ويتم لها ما قالته وتبقى على نكاحه، فهو كالمتزوج بدرهمين، إذ له البقاء على النكاح بتمامه ربع دينار، فإذا لم يتمه فسخ، وإن طلق لزمه نصف الدرهمين.
قال الشيخ: والصواب ما قاله ابن المواز وإليه ذهب أبو الحسن، وإنما كان لها في الفسخ نصف الدرهمين لأن بعض العلماء يراه نكاحاً صحيحاً لا يجوز فسخه، ويسعده حديث الموطأ، وإنما فسخه عندنا على طريق
الاستحباب، إذ لو كان فاسداً لم يجب الثبات عليه وإن أتم ربع دينار، فراعينا الخلاف فيه لقوته، وجعلنا حكمه حكم من طلق، إذ لو شاء الثبات عليه لأتم ربع دينار، فإن لم يتمه صار كمختارٍ للطلاق، فوجب عليه لذلك نصف الدرهمين، وليس ذلك كالاختلاف في قدر الصداق، لأن هذا لو رضيت الزوجة بقول الزوج لتم، ولا يجوز لها الرضى بالدرهمين، ولأن النكاح في الاختلاف في الصداق صحيحٌ بإجماع، وإنما اختلفنا في ثمنه كاختلاف المتبايعين في الثمن، والعلل مفترقةٌ، وعلى العلل يقاس لا على الجواب.
وما روى مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأةٌ فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياماً طويلاً، فقال رجل: يا رسول الله زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل عندك من شيءٍ تصدها إياه؟ " فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، فالتمس شيئاً"، فقال: ما أجد شيئاً، قال: "التمس ولو خاتماً من حديد"، فالتمس فلم يجد شيئاً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل معك من القرآن شيء؟ " قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسورٍ سماها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "قد زوجتكها بما معك من القرآن"، قال مالك: ليس عليه العمل.
قال عبد الوهاب: ويستحب لمن تزوج أن يدفع شيئاً من الصداق قبل الدخول، وأقله أقل ما يستباح به الفرج وهو ربع دينار، لأنه عليه الصلاة والسلام فعل ذلك لما زوج فاطمة من علي رضي الله عنهما.
[الباب الخامس]
في المرأة تحدث في الصداق هبة أو عتقاً أو بيعاً أو شراء أو زكاة أو غير ذلك
[فصل 1 - فيما تملك به المرأة الصداق ملكاً مستقراً]
قال بعض أصحابنا البغداديين: الأصل عندنا أن المرأة تملك الصداق بالعقد والتسمية ملكاً غير مستقر، وإنما يستقر بالموت أو بالدخول، لأنه لو كان ملكاً مستقراً لم يجز أن يبطل بعد استقراره، وقد ثبت أنها لو ارتدت أو كانت أمةً فعتقت فاختارت نفسها قبل الدخول لم تستحق شيئاً، لأن الفسخ من قبلها، ولو طلقت قبل البناء لملكت النصف، فدل أنه غير مستقر، وإنما يستقر بالموت أو بالدخول.
[فصل 2 - في المرأة تحدث في الصداق هبة]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا وهبت المرأة صداقها للزوج بعد أن قبضته أو قبل وهي جائزة الأمر ثم طلقها قبل البناء فلا رجوع له عليها بشيء، ولو وهبته نصفه فله الربع عليها إن قبضته، أو لها عليه إن لم تقبضه، وكذلك في هبتها ستين من مئةٍ أو أربعين وقبضت الباقي فإنما عليها نصف ما قبضت.
قال الشيخ: وكان لم يصدقها غيره.
ومن كتاب محمد: وإذا وهبته قبل البناء جميع صداقها جبر على أن لا يدخل بها حتى يعطيها ربع دينار فأكثر، فإن لم يفعل حتى طلق فلا شيء عليه، ولو قبضته ثم وهبته فلا شيء لأحدهما على الآخر.
ومن العتبية: ابن القاسم: ومن تزوج بكراً بمئة دينارٍ فأعطته ذلك من عندها، ثم علم الأب فالنكاح ثابت بنى بها أو لم يبن، ويرد ما أخذ منها، ويغرم المئة من ماله، كالعبد يعطي مالاً لمن يشتريه.
قال في رواية عيسى: ومن أعطته امرأةٌ مئة دينارٍ يتزوجها بها، فإن كانت ثيباً فزادها على ما أعطته ربع دينار فالنكاح جائز، وإن كانت بكراً ولم يبن بها فإن أتم لها الصداق وإلا فسخ، وأصل النكاح صحيح، وإن بنى فلها عليه صداق المثل.
ثم رجع فقال: النكاح ثابتٌ بنى أو لم يبن، فإن كانت بكراً فعليه أن يعطيها من ماله مثل ما أعطته، وإن كانت ثيباً فزادها من ماله ربع دينارٍ لم تكن لها حجة.
قال الشيخ: ذكر عن أبي عمران فيما جرى من عادتهم بالقيروان في رد النقد إلى الزوج، أن ذلك نكاحٌ وسلفٌ لا يجوز إذا وقعت الغيبة على النقد، ولو لم يغب عليه واشترط ذلك كان النكاح صحيحاً.
فإذا فسد النكاح فيما ذكرناه فسخ قبل البناء وثبت بعده، لأنه فسادٌ في الصداق، ويكون لها صداق المثل.
ومن المدونة: قال مالك: وأن وهبت مهرها لأجنبيٍّ قبل قبضه وهي جائزة الأمر فإن حمله ثلثها جاز، وإن جاوز الثلث بطل جميعه إلا أن يجيزه الزوج.
وقال ابن القاسم: إذا حمله الثلث وكانت جائزة الأمر فلم يقبضه الموهوب له حتى طلقت قبل البناء، فإن كانت موسرةً يوم طلقها فللموهوب أن يأخذ من الزوج جميع الصداق، وللزوج الرجوع عليها بنصفه، وإن كانت يوم طلق معسرةً حبس الزوج نصفه ودفع نصفه إلى الموهوب له، ولو قبض الأجنبي جميعه قبل الطلاق لم يرجع عليه الزوج بشيء، كانت الزوجة يوم الهبة موسرة أو معسرة، أو الآن، لأن دفعه ذلك إليه وهي معسرةٌ إجازةٌ لما فعلته، ويتبع الزوج المرأة بنصفه.
ابن المواز: وروي لابن القاسم: أن للمرأة أن ترجع على الموهوب بما تغرم للزوج، وهذا خلاف لقوله الأول.
ومن المدونة: قال غيره: إذا كانت يوم الهبة موسرةً ولم يقبضه الموهوب حتى طلقت لم ينظر إلى عسرها يوم الطلاق، وعلى الزوج دفع جميعه إلى الموهوب وللزوج متابعتها بنصفه.
قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم: أنه لما كان ملكها للصداق ملكاً غير مستقر وأن للزوج أن يطلق فيستحق نصفه كانت هبتها لذلك النصف ضعيفة لحق الزوج فيه، ولقول من يرى أن الهبة لا تتم إلا بالقبض فلما ضعفت لهذا استحسن ابن القاسم أنها إن كانت موسرة يوم الطلاق كان على الزوج دفعه إلى الموهوب، لأن الزوجة أملك به قبل الطلاق، وإذ لا ضرر عليه في ذلك، لأنه يرجع عليها بحقه، وإن كانت معسرة كان له حبس نصفه لحقه فيه، ولمراعاة الخلاف، ولما يلحقه من الضرر.
ووجه قول غيره: أن الزوجة لما كانت أملك بجميع الصداق قبل الطلاق، وكان ثلثها يوم الهبة يحمله، كانت هبتها فيه جائزة، ولا كلام للزوج فيه، فلا ينظر إلى ما حدث بها بعد ذلك، وعلى الزوج دفعه إلى الموهوب، لأنه كان له ديناً عليه.
قال الشيخ: وذكر أن أبا عمران قال: قول الغير أقيس، لأن هبة الدين إذا كان في ذمة فهو مقبوض، سواء مات الواهب أو أعدم، وابن القاسم ضعف أن يكون مقبوضاً وكأن الزوج عنده أدرك عين شيئه فهو أولى به.
وانتصر ابن الكاتب لابن القاسم فقال: الحيازة التي كانت من الزوج قد انكشف أنها لم تكن للموهوب في جميع الصداق، وإنما كانت في نصفه لظهور استحقاق الزوج، فإن كانت موسرة مضى فعلها، لأنها فعلت ما يجوز لها وهي معطية عوضاً مما وهبت- يريد وإذا كانت معسرة بحق الزوج في النصف أبد الاستحقاق ذلك بالفراق يوم الطلاق، وأن الزوجة لا تستحق إلا نصفه، فكان الزوج أولى بأخذ ما نص له في القرآن من موهوب لا يستحق ذلك واهبه.
وقد أطال في ذلك الحجاج فاقتصرت على بعضه ومفهومه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو أصدقها حيواناً بعينه فقبضت ذلك المرأة، ثم وهبته لأحدٍ وهي جائزة الأمر، ثم طلقها الزوج قبل البناء، كان له عليها نصف قيمته يوم وهبته، نما عند الموهوب أو نقص.
وقال بعض الرواة: بل نصف قيمته يوم قبضته، لأنها ضامنة له لو هلك.
قال الشيخ: وقول مالك أولى، لأنها لم تضمنه بالقبض فيلزمها إذا تعدت فيه قيمته يوم قبضت كالغاصب، أو كالبيع الفاسد، بل كان ضمانه منه، لأنه لو مات ثم طلق الزوج قبل البناء لم يرجع عليها بشيء، فقبضها وغير قبضها سواء، فإنما يلزمها قيمته يوم أحدثت فيه ما أحدثت.
[فصل 3 - في المرأة تحدث في الصداق بيعاً أو عتقاً]
قال ابن المواز: ولو باعته ثم طلقها قبل البناء جاز بيعها، ورجع الزوج عليها بنصف الثمن.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: قال مالك: ولو نكحها بعبدٍ بعينه فدفعه إليها فأعتقته ثم طلقها قبل البناء، فله عليها نصف قيمته يوم أعتقته.
ابن المواز: وقال عبد الملك: بل نصف قيمته يوم قبضته، ولا يعجبنا ذلك، لأن ضمانه منه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يرد العتق موسرة كانت أو معسرة، لأنها إن كانت يوم أعتقته موسرة لم يكن للزوج كلام، وإن كانت معسرة وقد علم الزوج بعتقها فلم يغير ذلك جاز العتق فإن علم ذلك وأنكر عتقها وهي معسرة كان له رد العتق، ولا يعتق من العبد شيء، لأن مالكاً قال: إذا أعتقت المرأة عبدها وثلثها فإنه يعتق عليها النصف الذي صار لها.
وقال أشهب في غير المدونة: لا يعتق إذا رد الزوج عتقها أولاً.
وقال أشهب وعبد الملك: وروي لمالكٍ أن ذات الزوج إن أعتقت ثلث عبدٍ لا تملك غير ذلك العبد، خير الزوج، فإما أجازه فيعتق جميعه، أو يرده فلا يعتق منه شيء.
وقال ابن القاسم: يعتق ثلثه فقط وإن كره الزوج، ورواه عن مالك.
ومن المدونة: ابن القاسم: ولو تزوجت ولها عبدٌ لا مال لها غيره، فأعتقته كله فرد الزوج عتقها ثم مات عنها أو طلقها، فإنه يعتق عليها الآن جميعه.
وقد قال مالك في المفلس إذا رد الغرماء عتقه ثم أفاد مالاً: أن العبد يعتق عليه، فأرى الزوجة في عتقها بمنزلة المفلس في عتق عبده فيما وصفنا.
وقد بلغني عن مالكٍ أنه قال في الزوجة: يعتق عليها العبد إذا مات زوجها أو طلقها، ولا أدري هل كان يرى أن يقضى بذلك عليها أم لا؟ والذي أرى ألا تستخدمه ويعتق عليها بغير قضاء.
قال الشيخ: وفي العتق الأول وجه ذلك والفرق فيه.
وفي كتاب محمد قال ابن القاسم: وإن كانت غنماً فزكتها، رجع بنصفها ناقصة، ولو كانت مئتي درهم فزكتها، رجع بمئةٍ كاملة.
ابن المواز: لأنها في العين ضامنة، والنماء فيها لها، وما ادعت أنه تلف مما قبضت صدقت فيما يصدق فيه المستعير والمرتهن مع يمينها، وما يغاب عليه من عين أو عرض فلا تبرأ من ضمانه إلا ببينة، قال ابن القاسم وعبد الملك.
قال أصبغ: وأرى في العين خاصة أنها تضمنه وإن قامت ببينةٌ بهلاكه بغير تفريط.
قال ابن المواز: لا يعجبني قول أصبغ، ولا تضمن إذا قامت البينة بهلاكه إلا أن تحركه لغير جهازها، وهو كالوديعة.
قال عبد الملك: ولو لم يطلقها فادعت تلف ما يغاب عليه، وطالبها أن تتجهز بالصداق فليس ذلك له، لأنه مالها ضاع، فلا تضمن مالها، وعليها اليمين، وبالطلاق يصير مالاً له.
وقال عبد الملك في العتبية: عليها أن تخلف ذلك من مالها إذا لم تقم بينة بهلاكه لتشتري به جهازها.
ابن المواز: قال أصبغ: ولو اشترت بالعين جهازها بأمرٍ معروفٍ ظاهرٍ فضاع أو تلف لم تضمن، كما لو أصدقها ذلك بعينه.
قال ابن المواز: وما أكلت من مهرها فإن طلق قبل البناء حوسبت به، وإن لم يطلق وبنى فلا شيء عليها، وقال ابن عبد الحكم عن مالك في المرأة المحتاجة: لها أن تأكل من صداقها بالمعروف وتكتسي، وروي مثله عن ابن القاسم في العتبية.
[فصل 4 - في المرأة تحدث في الصداق شراء]
ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج امرأةٌ بألف درهم، فاشترت منه بها داره أو عبده أو ما لا يصلح لجهازها، ثم طلقها قبل البناء، فإنما له نصف ذلك، نما أو نقص، وهو بمنزلة ما لو أصدقها إياه، ولو أخذت منه الألف درهم ثم اشترت ذلك من غيره، رجع عليها إذا طلقها بنصف الألف درهم، وكان لها نماؤه وعليها نقصانه ومنها مصيبته.
قال الشيخ: لأنها انفردت بمنفعته دونه، ولم يدخل على ذلك.
قال مالك: إلا أن يكون ما اشترت من غير الزوج مما يصلحها في جهازها مثل خادمٍ وعطرٍ وثيابٍ وفرشٍ وأسرةٍ ووسائد وكسوةٍ ونحوه، فليس للزوج إذا طلقها إلا نصف ذلك.
قال عبد الوهاب: لأن العرف شراء الجهاز بالصداق، فقد دخل الزوج على ذلك، وصارت كأنها فعلت ذلك بأمره وتصريحه، لقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، ولأنه عليه الصلاة والسلام أخذ صداق فاطمة فصرفه في جهازها من طيبٍ وفرشٍ ووسائد على ما روي في الخبر، وفعله على الوجوب، ولأن علياً رضي الله عنه حكم بذلك في قضيةٍ ارتفع إليه فيها فقضى على الأب تجهيز ابنته بالصداق، وقال للزوج لما طلق وطلب نصف ما دفعه وقال: أعطيت دراهم وأخذت صوفاً وخرقاً قال: أنت أضعت مالك، ولم يخالف عليه أحد.
ومن المدونة: قال ابن وهب عن مالك: وليس للمرأة أن تحبس ذلك وتدفع إلى الزوج نصف ما نقدها، لأنه كان لذلك ضامناً، فلا يباع عليه ماله وهو كارهٌ إلا أن يرضى بذلك.
قال إسماعيل القاضي: إذا اشترت بصداقها من زوجها داراً أو عبداً فإنما ينزل أمرها على التخفيف عنه، إلا أن يتبين أنها إنما قصدت الشراء منه كما تشتري من غيره، للرغبة في ذلك، فيرجع عليها حينئذ بنصف الصداق.
وذكر عن بعض شيوخنا: إذا تزوجها بدنانير ثم أعطاها فيها عرضاً فاستحق فإنما ترجع عليه بقيمة العرض، وكأن النكاح إنما وقع بذلك العرض والدنانير ملغاة، كما قال: إذا طلقها قبل البناء إنما له نصف العرض بمنزلة ما لو تزوجها به، وهذا بخلاف البيوع، لأن النكاح قد تظهر فيه التسمية في العلانية، ويكون في السر غير ذلك، وليس البيوع كذلك.
كما قال: لو تزوجها بثلاثين ديناراً عشرةٍ منها نقداً وعشرةٍ إلى أجلٍ، وسكتا عن العشرة الثالثة، فالرواية: أن هذه العشرة المسكوت عنها حالةً، وإنما فارق النكاح البيع في هذا، لما ذكرنا أن فيه سراً وإعلاناً، فأمره في غيرها ما وجهٍ يخالف البيوع فاعلمه.
[الباب السادس]
في نماء الصداق ونقصه وغلته وجنايته
[فصل 1 - في نماء الصداق ونقصه وغلته]
قال مالك: وكل ما أصدقه الرجل امرأته من حيوان أو رقيق بعينه تعرفه المرأة، أو دار أو غير ذلك مما هو بعينه، قبضت ذلك المرأة أو لم تقبضه فحال سوقه، أو نقص في بدنه، أو نما، أو توالد ثم طلقها قبل البناء، فللزوج نصف ما أدرك من هذه الأشياء يوم طلق على ما هو به من نقص أو نماء، لأنه في ذلك شريك لها.
قال ابن القاسم: ولا ينظر في هذا إلى قضاء قاض، لأنه كان ضامناً لنقصها.
قال مالك: ولو هلكت هذه الأشياء بيد المرأة ثم طلقها قبل البناء لم يرجع عليها بشيء، ولو هلك ذلك بيده كان له أن يدخل بها ولا صداق عليه، وتكون مصيبتها من المرأة.
قال ابن القاسم: ولو نكحها بعرض بعينه فضاع بيده ضمنه، إلا أن تعلم ذلك فيكون منها.
قال مالك: وإن تزوجها على حائط، فأثمر الحائط عند الزوج، أو عند المرأة، ثم طلقها قبل البناء والثمر قائم، فللزوج نصف ذلك كله وللمرأة نصفه.
قال ابن القاسم: وما استهلك أحدهما من الثمر ضمن حصة صاحبه من ذلك، وما سقى أحدهما في ذلك كان له بقدر علاجه وعمله.
وكذلك إن نكحها بعبدٍ بعينه فلم يدفعه إليها حتى اغتله ثم طلقها قبل البناء فالغلة بينهما أيضاً.
وكذلك إن نكحها بأمةٍ بعينها فولدت الأمة عند الزوج أو عندها، أو اكتسبت مالاً، أو وهب لها، أو تصدق به عليها فذلك كله- إن طلقت قبل البناء- بينهما.
وكذلك ما غل أو تناسل من إبلٍ أو بقرٍ أو غنمٍ أو من جميع الحيوان، أو أثمر من شجرٍ أو نخلٍ أو كرمٍ فذلك كله بينهما.
ومن استهلك من ذلك شيئاً ضمن حصة صاحبه منه، إلا أنه يقضي لمن أنفق منهما بنفقته التي أنفقها فيه، ثم يكون له نصف ما بقي.
وقد قيل: إن كل غلةٍ أو ثمرةٍ للمرأة خاصة بضمانها، كانت في يدها أو في يد الزوج.
قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم: قوله عليه الصلاة والسلام: "الخراج بالضمان"، فلما كان ضمان هذه الأشياء قبل البناء منهما كانت الغلة بينهما،
وهذا بين.
ووجه قول غيره: لما كان أن لو هلكت هذه الأشياء قبل البناء كان للزوج أن يدخل ولا شيء عليه صح أن ضمانها من الزوجة، فوجب أن تكون غلتها لها.
قال الشيخ: وقول ابن القاسم أصح، لأن ملك الزوجة للصداق ملك غير مستقر قبل البناء، فإذا وقع البناء صح ملكها له، ووجب عليه ضمانه، ولها غلته، فإذا طلق الزوج قبل البناء صح ملكها لنصفه، وملكه لنصفه، فوجب أن تكون الغلة بينهما.
قال ابن المواز: وقد قيل: الغلة والنفقة على المرأة، وأحب إلينا أن تكون النفقة من الغلة، فإن لم تكن غلة فلا نفقة على الزوجة.
قال: وما اغتلت فهلك بيدها من غير سببها لم تضمنه، وهي فيه مصدقةٌ مع يمينها إن أخذت في الغلة حيواناً، ولا تصدق في هلاك العين إلا ببينة.
وأما الزوج فهو ضامن لما اغتل من عينٍ وغيره، لأنه متعدٍ فيما يستغل وفي حبسه.
قال الشيخ: ولأن للمرأة استعجال العين، لأن ضمانه منها، سواء طلبت الزوج بالدخول أم لا، وسواءٌ كان الزوج صغيراً أو كبيراً، قاله ابن حبيب.
ابن المواز: وما فره أو نما في بدنه فلا رجوع لمن أنفق عليه منهما بما أنفق إلا من غلةٍ إن كانت لا تعدوها، وكذلك لو داوى مريضاً به.
قال ابن القاسم: ولو أنفقت على العبد في تعليم صنعةٍ نفقةً عظيمةً فلا رجوع لها بشيٍ من ذلك.
وكذلك قال مالك في رده بعيبٍ في البيع، وكذلك ما أنفقت في أدب الجارية وتعليمها الأدب والرقم، وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية.
قال الشيخ: يدل قوله، لو أنفقت عليه في مطعمٍ وملبسٍ رجعت بذلك لأن بذلك قوامه وحياته.
وقال ابن حبيب: لا ترجع بذلك، وهو خلاف.
فصل [2 - في جناية الصداق]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةً بعبدٍ فجني عليه جنايةً ثم طلقها قبل البناء فأرش ذلك بينهما، ولو جنى العبد وهو في يد المرأة فدفعته بالجناية ثم طلقها بعد ذلك فلا شيء للزوج في العبد، ولا على المرأة إلا أن يحابي في الدفع لا يجوز محاباتها على الزوج في نصفه إلا برضاه، وإنما يجوز إذا دفعته على وجه النظر.
قال ابن المواز: وإذا حابت على الزوج كان الزوج على خياره في نصفه، إن شاء أجاز ذلك، وإن شاء غرم نصف الجناية وكان له نصف العبد، فإن مات العبد قبل خياره رجع عليها بما زادت نصف قيمته على نصف الأرش.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن كانت المرأة قد فدته- يريد قبل الطلاق لم يأخذ الزوج منها نصفه، إلا أن يدفع إليها نصف ما فدته به.
ابن المواز: وإن حابت.
قال أبو محمد: يريد إلا أن تعطي أكثر من الأرش.
قال الشيخ: يريد لأنها إذا فدته بالأرش وإن كان أكثر من قيمته لم يكن للزوج حجة، لأنها لو أسلمته في الأرش لم يكن للزوج أن يأخذ نصفه إلا بدفع نصف الأرش، وذلك لها عليه إذا فدته به فلم تدخل عليه ضرراً.
فأما إن باعته وحابت في بيعه فإنه يرجع عليها بنصف المحاباة، والفرق أنه في البيع لا يستطيع الرجوع في نصفه، لأنها باعته في وقت كان لها البيع جائزاً، وقد أتلفت عليه بعض ثمن نصفه، فوجب له الرجوع به، وفي الجناية لم تتلف عليه شيئاً، لأنه على خياره في نصفه، وليس عليها واجبٌ أن تفتديه، فتكون قد أتلفت عليه شيئاً، لأن المجني عليه استحق رقبته، إلا أن تفديه بالأرش، وافتداؤه كاشترائه، وليس واجب عليها أن تشتريه، فلا تتكلف إخراج ثمنه، وقد فرق فيه بغير هذا، وهذا أبين.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو جنى العبد وهو بيد الزوج- يريد قبل الطلاق- فليس للزوج دفعه، وإنما ذلك للمرأة، فإن طلقها قبل أن تدفعه وهو عنده أو عندها كان بمنزلتها في نصفه.
[الباب السابع]
في الصداق يستحق أو بعضه، وزيادة الزوج فيه وتزويجه بمن يعتق عليها
[فصل 1 - في الصداق إن استحق كله أو بعضه]
قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةً على عبدٍ بعينه، أو أمةٍ بعينها، أو دارٍ بعينها فاستحق بعض ذلك، فإن كان الذي استُحِق من الدار في ضرر، كان لها أن ترد ببقيتها وتأخذ قيمتها، أو تحبس ما بقي وترجع بقيمة ما استحدث، فإن استحق منها مثل البيت أو الشيء التافه الذي لا ضرر فيه رجعت بقيمته فقط، وكذلك العروض.
وأما ما استحق من العبد أو الأمة من جزءٍ قل أو كثر فهي مخيرة في أن ترد في بقيته وترجع بقيمة جميعه، أو تحبس ما بقي منه وترجع بقيمة ما استحق.
وكذلك قال مالك في البيوع: إذا استحق من الدار أو النخل أو الأرضين الشيء التافه الذي لا ضرر فيه، لزم المشتري البيع ورجع بثمن ما استحق، وإن استحق من ذلك ما فيه ضرر- يعني عن الأجزاء- خير المبتاع بين أن يحبس ما بقي ويرجع بثمن ما استحق، أو يرد ما بقي ويرجع بجميع الثمن.
وأما إن استحق جزء يسير من عبدٍ أو أمةٍ فللمبتاع أن يحبس ما بقي ويرجع بثمن ما استحق، أو يرد ما بقي ويأخذ جميع الثمن لضرر الشركة في العبد من منع السفر به، ومن الوطء في الأمة بخلاف الدار.
قال الشيخ: وأما لو استحق من الدار بيت أو ناحية بعينها وذلك يضر به في صفقته، فيفترق الحكم فيه في النكاح من البيوع عند ابن القاسم.
أما في البيوع فليس له أن يحبس ما سلم بحصته من الثمن، لأن حصة ذلك مجهولة لا تعلم إلا بعد التقويم، وهو قد وجب له الرد فصار الرضى بأخذه بحصته من الثمن بيعاً مؤتنفاً بثمنٍ مجهول.
وأما إذا استحق جزء شائع كالنصف أو الثلث فحصة ذلك معلومة، وفي النكاح يجوز الرضى بما بقي، كان المستحق جزءاً شائعاً أو معيناً، لأنه إنما يرجع في الوجهين بقيمة ما استحق كما لو استحقت الدار كلها، فإنما يرجع بقيمتها ولا ينفسخ النكاح.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن تزوجها على عروضٍ أو رقيقٍ لها عدد فاستحق منها شيء فمحمله محمل البيوع، لأن مالكاً قال: أشبه شيء بالبيوع النكاح.
قال الشيخ: وهذه أيضاً مثل الأولى، إنما يستوي البيوع والنكاح إذا استحق من ذلك جزء شائع.
فأما إن استحق شيء معين وهو كثير مما يضر به في صفقته، ويوجب له رد جميع الصفقة، فيفترق البيوع من النكاح.
ففي البيوع لا يجوز له الرضى بما بقي، لأن حصته مجهولة، وفي النكاح يجوز لأنه في البعض وفي الجميع إنما يرجع بقيمة ما استحق.
ومن كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم فيمن تزوج بمالٍ فاستحق بعينه: فالنكاح ثابت، وإن بنى لم يمنع منها، واتبعته بمثله إن كان مما يقضى بمثله، أو
بقيمته إن كان مما يقوم، وإن كان لم يدخل تلوم له السلطان فإن جاء به وإلا فرق بينهما.
قال أصبغ: وأرى إن كان قد دخل فاستحق الجميع أن يمنع منها حتى يدفع ولو ربع دينار، أو يكون قد بقي منه لم يستحق ربع دينارٍ فلا يمنع، وتتبعه بما بقي.
ابن المواز: ولو استعار شيئاً أو سرقه فتزوج به لحيل بينه وبين امرأته وإن دخل حتى يدفع إليها جميع مهرها، كالمكاتب يقاطع سيده بشيءٍ سرقه.
- قال الشيخ: ولو كان شيئاً تقدمت له فيه شبهة ملك، وقد بنى فاستحق اتبعته به، كالمكاتب يقاطع سيده به-.
وإن لم يبين تلوم به السلطان، فإن جاء به وإلا فرق بينهما، وكذلك/ في كتاب ابن المواز.
وقال أشهب عن مالك فيمن تزوج بعبدٍ بعينه ودخل بها فاعترف أنه مسروق أو استعاره، فإنه يحال بينه وبينها حتى يدفع إليها مهرها، وقاله أشهب.
قال: ولو تزوج بعبدٍ ولده الصغير فلا سبيل لأحدٍ عليه، والمرأة حق به قرب ذلك أو بعد، موسراً كان الأب أو معدماً، ويتبع به في ذمته، وقاله مالك، وذلك كشرائه ذلك لنفسه، وكجواز عتق رقيقهم عن نفسه، فهو كأنه اشتراه لنفسه وأعتقه، أو تزوج به.
قيل: فلم كان إذا أعتقه عن نفسه يرد في عدمه، ولا يرد إذا أصدقه امرأته وهو عديم؟
قال: لأن من أعتق وهو عديم وعليه رد عتقه للدين، وهذا قد صار لولده عليه دين وهو ثمنهم، فلذلك رددت عتقه إلا أن يطول أمرهم، وأما المرأة فكأنه باعهم منها، وقد اشتراهم لنفسه من نفسه، فخرجوا من يده بالبيع، فليس ينقص على الغريم بيعه وشراؤه كما ينقص عليه عتقه.
ومن العتبية: قيل: فمن نكح بمالٍ حرام أتخاف أن يضارع الزنا؟
قال: إي والله، ولكن لا أقول به.
قال سحنون: ومن تزوج بعبدٍ اغتصبه فالنكاح ثابت وعليه قيمته، بخلاف الحر يتزوج به، إذ لا ضمان عليه في الحر، ويضمن العبد للعبد، ولو كانت الزوجة عالمة بغصبه فسخ قبل البناء ويثبت بعده، ولها صداق المثل.
وقد روى أصبغ عن ابن القاسم فيمن نكح بعبدٍ لغيره أو بحر، فلا يفسخ ذلك بحال، تعمد ذلك بمعرفته أو لم يتعمد.
قال أصبغ: وكذلك لو علمت هي بحرية الحر ولم يعلم هو إلا أن يعلما جميعاً فيفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ولها صداق المثل.
فصل [2 - في زيادة الزوج في الصداق]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةً على صداقٍ مسمى ثم زادها فيه بعد ذلك طوعاً فلم تقبضه حتى مات، أو طلق قبل البناء، فلها نصف الزيادة إن طلق، وإن مات لم تأخذ منه شيئاً، لأنها عطية لم تقبض.
قال عبد الوهاب: وقال شيخنا أبو بكر الأبهري وغيره من أصحابنا: القياس أن تجب لها الزيادة بالموت، لأنه لا يخلو أن تكون الزيادة حكمها حكم المهر أو حكم الهبة التي لا تستقر إلا بالقبض، فإن كانت كالمهر وجب استحقاقها بالموت وإن كانت كالهبة وجب ألا يجب لها نصفها بالطلاق قبل الدخول، لتأخير القبض، فلما وجب نصفها بالطلاق دل على أنها في حكم الصداق.
قال الشيخ: ولأنها لو كانت كالهبة لم يثبتها الدخول، لأن الهبات لا تستقر إلا بالقبض، وإنما هي كالهبة بعد البيع للبيع، حكمها حكم الثمن أنها وإن قبضت ثم ردت السلعة بعيبٍ فإنها ترد مع الثمن، ولو كانت هبة خالصة لم ترد، لأنها قد قبضت، فكذلك الزيادة في الصداق يجب أن يكون حكمها حكم الصداق.
فصل [3 - في نكاح المرأة بمن يعتق عليها]
ومن المدونة: قال مالك: ومن نكح امرأةً على أبيها أو من يعتق عليها عتق عليها بالعقد، فإن طلقها الزوج قبل البناء رجع عليها بنصف قيمته.
قال ابن القاسم: وبلغني عن مالكٍ أنه استحسن أن لا يرجع الزوج على المرأة بشيء، وقوله الأول أحب إلي، أنه يرجع عليها بنصف قيمته، كانت معسرة أو موسرة، ولا يتبع العبد بشيء، ولا يرد عتقه، كقول مالك في معسر أعتق عبده فعلم غريمه فلم ينكر الغريم وسكت، ثم أراد الغريم بعد ذلك رد العبد في الرق من أجل دينه فليس ذلك له.
قال ابن القاسم: والزوج حين أصدقها/ إياه قد علم أنه ممن يعتق عليها، فلذلك لم أرده على العبد بشيء.
قال عبد الملك في غير المدونة: وإنما عتق على الزوجة لأنها قبلته وهي تعلم أن عتقه لها لازم، فهي كمن قالت لرجل: أصدقني عبداً بعينه على أنه حر إذا ملكته، فعليها نصف قيمته إذا طلقت قبل البناء، وقد استحسن مالك أن لا يرجع عليها بشيء.
قال: لأنه أعطاها وهو يعلم أنه لا يثبت بيدها ولا طرفة عين، فكأنه أعطاها على أن لا يرجع به إن طلق.
قال مالك: وإن لم يعلم به الزوج أنه ممن يعتق عليها إلا عند الطلاق فله أخذ نصفه، ويمضي عتق نصفه، إلا أن يشاء اتباعها بنصف قيمته، فيمضي لها عتقه كله فذلك له.
قال الشيخ: ولو أصدقها إياه عالماً بانه ممن يعتق عليها وهي لا تعلم لعتق عليه ويغرم لها قيمته كالمقارض يشتري أبا رب المال عالماً، فإن طلق الزوج قبل البناء فعليه نصف قيمته.
ومن الواضحة: ومن نكح امرأةً على أبيها أو من يعتق عليها وهي تعلمه أو لا تعلمه، فإنه يعتق عليها، بكراً كانت أو ثيباً، فإن طلقها قبل البناء رجع عليها بنصف قيمته بوم أصدقها إياه، فإن لم يجد لها غيره فانظر، فإن كان علم هو يوم العقد أنه ممن يعتق عليها فليس له رد العتق ويتبعها بذلك، وإن لم يعلم به إلا عند الطلاق فله أخذ نصفه ويمضي عتق نصفه إلا أن يشاء اتباعها بنصف قيمته فذلك له فيمضي عتقه كله، وقال [لي] من كاشفت مكن أصحاب مالك.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: تأول بعض الناس في مسألة الكتاب إذا تزوجها بمن يعتق عليها، إنما يصح ذلك في الثيب، فأما في البكر فلا يجوز ذلك للولي، لأنه يعتق عليها، وذلك ضرر، كما لا يجوز للوصي أن يشتري لمن يلي عليه من يعتق عليه.
قال الشيخ: وهذا خير من كلام ابن حبيب في البكر، وقوله أيضاً: إن كانت الزوجة معسرة فله أن يتبعها بنصف قيمته، خلاف لقول ابن القاسم، وهو كقول ابن المواز في أحد الشريكين يعتق حصته من عبد وهو معسر، فللشريك أن يتبعه بنصف القيمة ديناً، وهذا لا يقوله ابن القاسم، وقيل غير هذا، وهذا أحسن.
قال ابن الماجشون: فإن نكحها على أن يعتق لها أباها فالنكاح مفسوخ، وإن كان على أن يعتقه عنها فالولاء لها ولا شيء عليها، لأنها لم تملكه، وإن كان
على أن يعتقه عن نفسه فالولاء له، ويفسخ النكاح قبل البناء، ويثبت بعده، ولها صداق المثل.
[الباب الثامن]
في صداق الذمية، والمجوسية تسلم وصداق الأمة والمرتدة والغارة
[فصل 1 - في صداق الذمية والمجوسية إن أسلمتا
وصداق الأمة إن عتقت تحت عبد]
قال مالك: وإذا أسلمت الكتابية أو المجوسية ولم يسلم الزوج فهو فسخ بغير طلاق، فإن لم يبن بها فلا صداق نقداً ولا مؤخراً، فإن قبضته ردته، لأن الفرقة جاءت من قبلها، ولو بنى بها كان لها جميع صداقها مقدمه ومؤخره.
وكذلك الأمة تعتق تحت عبدٍ فتختار نفسها، فإن كان قد بنى بها أخذت جميع صداقها مقدمه ومؤخره، وإن لم يبن بها فلا شيء لها من الصداق، وإن كانت أخذت منه شيئاً ردته، وفرقة هذه تطليقه.
فصل [2 - في صداق الأمة المبعضة]
قال مالك: وإذا كانت أمة نصفها حر فصداقها/ موقوف بيدها كمالها، وليس لمن له فيها الرق أن يأخذ منه شيئاً، ويلي عقد نكاحها من له فيها الرق برضاها.
قال الشيخ: وهي كالأمة بين الشريكين فليس لأحدٍ أن يأخذ شيئاً من مالها أو يزوجها إلا أن يجتمعا على ذلك، وكذلك هذه، لأنها شريكة لسيدها في نفسها.
وحكي عن بعض شيوخنا أنه قال: الفرق بين صداق هذه الأمة وبين أرش جرحها: أن ذلك بينها وبين السيد، لأن ذلك ممن عضو هو بينها وبين السيد، فوجب أن يكون ثمنه بينهما، والصداق قد سماه الله نحلة، والنحلة كالهبة، فكان ذلك موقوفاً بيدها كسائر مالها، ولأن الصداق ثمن بضع استباحه بإذن السيد، والجراح استباحه بغير إذنه فوجب له ثمن حصته، والله اعلم.
فصل [3 - في صداق الأمة إن ابتاعها سيدها]
قال مالك: ومن تزوج أمة ثم ابتاعها من سيدها قبل البناء فلا صداق لها، وإن قبضه السيد رده؛ لأن الفسخ من قبله، وإن ابتاعها بعد البناء فالصداق لسيدها البائع كمالها إلا أن يشترطه المبتاع.
قال: وإن ابتاعها غير الزوج فمهرها للسيد البائع، إذ النكاح قائم بنى بها الزوج أم لا، بمنزلة مالها إلا أن يشترطه المبتاع.
قال مالك: وإذا أعتقت أمة تحت عبدٍ بعد البناء وقد كان الزوج فرض لها- يريد واختارت نفسها أو المقام مع زوجها- فلها مهرها كمالها، إلا أن يشترطه السيد فيكون لها.
قال: وكذلك إن أعتقت قبل البناء، وقد كان الزوج فرض لها قبل العتق فاختارت المقام مع الزوج فمهرها لها يتبعها إذا عتقت إلا أن يكون السيد أخذه قبل العتق، أو اشترطه فيكون له.
قال الشيخ: فهذا يدل على أن للسيد حبس صداقها ويتركها بلا جهاز.
وقال في كتاب الرهن من المختلطة: لا يحبس السيد صداق أمته، ولمن يجهزها به كالحرة.
قال سحنون: وابن القاسم يرى أن للسيد انتزاع صداق أمته، ولست أقوله، وقد قال مالك: وليس للحرة أن تقضي منه الدين إلا الشيء اليسير.
وقيل: يحتمل أن يكون معنى ما في كتاب الرهن: أنه بوأها مع زوجها بيتاً فلزمه أن يجهزها بصداقها، وهاهنا لم تبوأ معه بيتاً، فليس على السيد أن يجهزها به فجاز له انتزاعه، والله أعلم.
وروي عن سحنون: أنه يترك لها منه ثلاثة دراهم، إذ ليس له أن يزوجها بلا صداق.
وروى أبو زيد في العتبية عن ابن القاسم فيمن زوج أمته ففلس السيد قبل البناء فباعها عليه السلطان فاشتراها زوجها أن الصداق للبائع.
- قال الشيخ: يريد نصف الصداق، لانفساخ النكاح بشراء الزوج لها-
قال: ولا يرجع به الزوج، لأن السلطان هو الذي باعها، بخلاف بيع السيد.
قال الشيخ: وعاب ذلك أبو عمران وضعفه وقال: قد اختلف قول ابن القاسم في ذلك.
وقد روى لنا الباجي مما أخرج في سماع عيسى أن لا شيء للبائع من الصداق، وبيعه وبيع السلطان سواء.
وقد تأول بعض الناس أن معنى قوله في رواية أبي زيد: ليس للزوج رجوع على سيد الأمة بالصداق- يريد: لا يرجع به في ثمن الأمة فيحاص به غرماء سيدها لأن النكاح إنما انفسخ بعد عقد البيع، فهو كدينٍ طرأ من معاملةٍ حدثت.
ومن النكاح: قال/ مالك: فإن اختارت هذه نفسها قبل البناء فلا صداق لها، وإن قبضه السيد رده، فإن كان قد اشترطه بطل شرطه، لأن الفسخ جاء من قبله.
قال ابن القاسم: وأما التي زوجها سيدها بتفويضٍ ثم أعتقها قبل البناء، ثم فرض لها الزوج بعد العتق، واختارت المقام معه، فهذه يكون لها جميع ما فرض لها ولا سبيل للسيد عليه، إذ لم يكن ذلك بمالٍ لها فيشترطه، وإذ لو مات الزوج أو طلق قبل الفريضة لم يكن لها شيء، فلما رضي الزوج بالفريضة قبل البناء كان شيئاً تطوع به الزوج لم يكن وجب عليه في أصل النكاح.
قال مالك: ومن زوج أمته فله منعها من الزوج حتى يقبض صداقها.
ابن وهب: وقال بكير وغيره: للسيد أخذ صداقها إلا قدر ما يستحل به فرجها، وله أن يضع من مهرها لزوجها بغير إذنها.
ابن شهاب: هو كمالها، وللسيد أخذه إذا احتاج إليه كما يأخذ مالها، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع".
فصل [4 - في صداق المجوسية تسلم]
قال مالك: وإذا أسلم أحد الزوجين المجوسيين بعد البناء ففرق بينهما، فللمرأة صداقها المسمى كاملاً.
[فصل 5 - في صداق المرتدة]
ابن القاسم: وكذلك المرتدة إذا بنى بها زوجها قبل أن تستتاب، فلها صداقها المسمى.
[فصل 6 - في صداق من اشترط في نكاحها
أن ما ولدت فهو حر]
قال: وكذلك من زوج أمته وشرط أن ما ولدت فهو حر، لم يقر هذا النكاح على حال، ويكون لها إن دخل بها المسمى.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: وقيل: لها صداق المثل، وهو أقيس، وذلك أن الصداق وقع للبضع ولحرية الولد، وما يخص كل واحدٍ من ذلك مجهول، فهو كمن تزوج بصداقٍ مجهول، فوجب لذلك صداق المثل.
قال الشيخ: ووجه الأخرى: فلأن الصداق إنما وقع على البضع المتيقن، والولد أمر يكون أو لا يكون فلا حق له.
ابن المواز عن مالك: إن نكح على هذا فسخ قبل الدخول وبعده، سواء زوجها من حرٍ أو عبدٍ له أو لغيره، ويكون الولد حراً، وولاؤه لسيد الأمة الذي أعتقه.
ابن حبيب: ولو شرط أول ولدٍ تلده حراً، فإن عثر على ذلك قبل الولد فسخ قبل البناء وبعده، وإن لم ينظر فيه حتى ولدت عتق الولد، وثبت النكاح، إذ لم يبق فيه شرط.
ابن المواز: ولو كانت اغتصبت فزوجها الغاصب من رجلٍ على أن ولدها منه حر، فولدت ثم استحقها سيدها، فليأخذها ولا حرية لهم.
- قال الشيخ: إذ لا ينعقد عليه ما شرط غيره في أمته-.
قال ابن القاسم في المستخرجة: وليس لأبيهم أن يعتقهم إلا أن يشاء السيد ولا للسيد أن يلزم ذلك الأب إذا أباه الأب.
قال يحيى بن عمر: وهو بخلاف ولد الذي تزوج الأمة على أنها حرة.
قال الشيخ: والفرق بينهما: أن الأول شرط له حرية الولد غير مالكه، فلم يتم له شرطه، ومتزوج الغارة إنما تزوج حرةً في ظنه، وأن ولده منها حر من أصله، لا شرط فيه لأحدٍ، فوجبت بذلك حريته كولد المشتري للأمة تستحق بملك، لأنه إنما أولد أمته في ظنه، وأن ولده منها حر من أصله، فوجب بذلك حريته/ وبذلك قضى عمر بن الخطاب، وألزم الأب قيمتهم لمولى الأمة عبيداً يوم الحكم، إذ لا سبيل إلى رقهم، وهذا بيِّن فاعلمه.
[فصل 7 - في صداق الغارة]
ومن المدونة: ابن القاسم: والأمة تغر من نفسها فتتزوج: فإنها سترد ما فضل عن صداق مثلها وتأخذ صداق المثل، لأن ذلك حق لسيدها، فليس ما صنعت يبطل ما وجب على الزوج للسيد من حقه في وطئها، والحرة التي غرت من نفسها فتزوجت في عدتها يكون لها قدر ما يستحل به فرجها، لأنها هي الغارة فليس لها أن تجر إلى نفسها هذا الصداق بما غرت.
والله أعلم.
[الباب التاسع]
ما جاء في نكاح التفويض
[فصل 1 - في جواز نكاح التفويض
وما يجب به الصداق فيه]
وقد أذن الله سبحانه في نكاح التفويض بقوله: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾.
قال مالك: فنكاح التفويض جائز، وهو أن يقولوا: قد انكحناك، ولا يسمون صداقاً، فهو بالخيار إن شاء دفع مهر مثلها ودخل، وإن شاء فارق ولم يلزمه غير المتعة، وهذه سنة نكاح التفويض، فإن بنى بها فلها صداق مثلها وليس كصداق أختها، أو ذات رحم، ولكن مثلها في مالها وجمالها وشبابها وحالها في زمانها.
ابن القاسم: وقد تكون واحدة لها مال وجمال وشطاط، وأختها لا مال لها ولا جمال فليس صداقهما عند الناس، وتشاح الناس فيهما سواء.
قال الشيخ: وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "تتزوج المرأة لمالها وجمالها ودينها"، فدل أن الاعتبار بهذا دون غيره.
قال مالك: وينظر في هذا إلى ناحية الرجل أيضاً، فقد يزوج فقير لقرابته، وأجنبي لماله، فليس صداقها عند هذين سواء، فيخفف عن القريب ويكمل على الأجنبي صداق المثل.
قال مالك: ولا يجب صداق المثل في نكاح التفويض إلا بالبناء، إذ لو مات الزوج قبل البناء التسمية لم يكن لها صداق ولا متعة ولها الميراث.
قيل لمالك في كتاب ابن المواز: فما جاء عن ابن مسعودٍ فيمن تزوج امرأةً فهلك عنها قبل أن يفرض لها وقبل أن يدخل عليها، فأقام ابن مسعودٍ شهراً ينظر فيها، ثم قال: أرى لها صداق مثلها؟
فقال: ليس عليه العمل، وقد حدثني نافع عن عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت: أن لها الميراث ولا صداق لها.
قال مالك: وبيان ذلك في كتاب الله تعالى حيث يقول: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، فإذا طلقها فلم يكن لها فيه شيء، فكذلك إذا مات عنها لم يكن لها شيء.