الجامع لمسائل المدونةصفحات 159-198

كتاب المكاتب الأول

صفحات 159-198

ومن كتاب ابن المواز: لأنها إذا أقامت سنين مع مكاتبٍ تزوجها، ثم قالت: لم أعلم أنه مكاتبٌ، وقد غرَّني، فلتحلف أنها ما علمت ولها الخيار.
قال أصبغ: تحلف أنها ما علمت أنه مكاتبٌ، ولا ينفعها أن تقول: ظننت المكاتب حرًا.
قال ابن حبيب: ولو قالت: جهلت أن لي الخيار، لم تُعذر بذلك.
[فصل 8 - في النصرانية تغر المسلم، والمسلم يغر النصرانية] ومن تزوج نصرانيةً ولم يعلم فلا حجة له في ذلك حتى يشترط أنها مسلمة، أو يظهر ويعلم أنه إنما تزوجها على أنها مسلمةٌ لما كان يسمع منها، فيكون منها الكتمان وإظهار الإسلام، فهذا كالشرط، وأما المسلم يغر النصرانية فيقول لها: إني على دينك، فيتزوجها ثم تعلم بذلك أن لها الخيار، لأنه غرها ومنعها من كثير مما يبيحه لها دينها من شرب الخمر وغيره، قاله مالك.
وقال ربيعة: لا خيار لها وليس الإسلام بعيب.

[الباب الثالث والعشرون]

ما تُردُّ به المرأة والرجل من عيب، ومن غر من ذلك وذكر العنين والخصي والمجبوب

[فصل 1 - فيما تُردُّ به المرأة من العيوب] روي أن الرسول عليه الصلاة والسلام زوج امرأة من بني غِفار، فوجد بكَشْحِهَا بياضًا، فردها وقال: «دلَّستم علي».
ورأى عمر بن الخطاب وعلي رضي الله عنهما وغيرهما ردَّ النساء من العيوب الأربعة: الجنون، والجذام، والبرص، وعيب الفرج.
قال الشيخ: ولا مخالف لهم، لأنها عيوب تؤثر في الاستمتاع المقصود، وتنقص كمال اللذة فوجب أن يثبت معها الخيار، أصله الجب والعنة.

قال مالك في كتاب محمد: وسواءٌ كان البرص الذي بالمرأة قليلاً أو كثيرًا.
قال في المدونة: ولا صداق لها إن لم يبن بها، وإن بنى بها فلها الصداق، ويرجع به الزوج على وليها إن كان الذي أنكحها أبٌ، أو أخٌ، أو من يرى أنه يعلم ذلك منها، لأنه غر الزوج منها.
قال ابن القاسم: ثم لا يرجع به الولي عليها.
قال مالك: وإن كان الذي أنكحها ابن عم، أو مولى، أو السلطان، أو من لا يظن به علم ذلك فلا شيء عليه، وترد المرأة ما أخذت إلا ربع دينار، لأنه هي الغارَّة.
قال عبد الوهاب: وخالفنا الشافعي في ذلك وقال: لا يرجع على المرأة ولا على الولي بشيء، ودليلنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: أيُّما رجلٍ نكح امرأةً وبها جنونٌ أو جُذامٌ أو بَرَصٌ فمسَّها فلها صداقها، وذلك لزوجها غرمٌ على وليِّها، ونحوه عن عليَّ رضي الله عنه ولا مخالف لهما من الصحابة ولأننا لو قلنا: إنه لا رجوع له عليه لألزمناه العوض من غير أن يحصل له في مقابلته الاستمتاع الذي دخل عليه، لأنه دخل على التأبيد لا على مرةٍ واحدة.
وإنما قلنا: يرجع على الولي بجميع الصداق، وعلى المرأة به إلا ربع دينار، لئلا يعرى البضع من عوض، ومن الولي يبقى لها جميعه فلم يعر من عوض.

ومن كتاب ابن المواز: وإذا كان الولي الذي يرجع عليه عديما، أو مات ولا شيء له، لم يرجع على المرأة بشيء، وليس عليها أن تخبر بعيبها ولها ولي، والبكر والثيب في ذلك سواء، وقال أصبغ عن ابن القاسم في العتبية.
وقال ابن حبيب: بل يرجع على المرأة إن كانت مليئة، وإن كانت عديمةً رجع على أوَّلهِما يُسَرا.
قال في كتاب ابن المواز: وإذا كان الولي البعيد يعلم ذلك منها حين عقد، فعليه يرجع الزوج، ويبقى للمرأة مهرها، وهذا إن أقر، أو قامت بينةٌ عليه، وإلا لم يحلفه إلا أن يدعي الزوج علمه بأمرٍ علمه فليحلف، فإن نكل حلف الزوج لقد علم وغره، وإن نكل فلا شيء له عليه ولا على المرأة، لإقراره بعلم الولي به وأنه غره.
ابن المواز: وأما الولي القريب فذلك عليه ويغرم المعجَّل، فإذا ودى الزوج المؤجل رجع حينئذٍ به عليه.
قال: وإن زوجها الأخ وهي بكرٌ بإذن الأب فالغرم على الأب، وإن كانت ثيبًا فعلى الأخ، وإن كان زوجها غير ولي عالمًا بعيبها وكتمه عليه فعليه يرجع، إلا أن يعلمه أنه غير ولي، أو يعلم ذلك الزوج فلا شيء عليه وإن كتمه، كالمنادي على السلعة يخبر أنها لغيره فالعهدة على ربها.
قال مالك: وليس على الولي أن يخبر بعيب وليته ولا بفاحشةٍ لها إلا العيوب الأربعة، ومثل أن يعلم أنها لا تحل له من رضاعٍ أو نسبٍ، أو معتدة.

قال ابن حبيب: وتفسير داء الفرج: ما كان في الفرج والرحم مما يقطع اللذة في الوطء، فإن علم بذلك أو ببقية العيوب الأربعة ثم دخل بها فلا خيار له، وإن بنى بها قبل أن يعلم ثم علم فأمسك فهو مخير، فإن ادعت أنه مسها أو تلذَّذ بها وبعد العلم، فأنكر، حلف وصُدِّق، فإن نكل حلفت وصُدِّقت، وإن لم تدَّع ذلك عليه فلا يمين عليه.
ابن المواز: قال مالك: إذا قال الزوج: كان بها الجذام قديمًا، وقال الأب: بل زوجتك صحيحةً، فالأب مصدقٌ.
ابن المواز: مع يمينه.
ومن المدونة: قال ربيعة: إذا وطئها بعد العلم بعيبها فقد لزمته.
قال ابن وهب: وكتب عمر بن عبد العزيز في الذي رأى في زوجته وَضَحَاً من بياضٍ فردها به أن استحلفه بالله في المسجد ما تلذذ منها بشيءٍ منذ رأى ذلك بها، واستحلف إخوتها أنهم لم يعلموا بالذي كان بها قبل أن يزوجوها، فإن حلفوا فأعط المرأة من صداقها ربعه.
قال الشيخ: وهذا خلاف ما تقدم وهو اجتهادٌ منه واستحسان.
قال مالك: ولا ترد المرأة إذا وجدت عمياء، أو عوراء، أو مقعدة، أو قطعاء، أو شلَّاء، أو سوداء، أو قد ولدت من زنا، ولا من شيءٍ سوى العيوب الأربعة.

قال الشيخ: لما جاء في ذلك من السنة، ولأن العيوب الأربعة: البرص وعيب الفرج مما يخفى، والجنون والجذام ضررٌ شديدٌ، وأما غير ذلك من العيوب فالغالب منها أنها لا تخفى، فالزوج مُفَرِّطٌ في استعلام ذلك، ولأن له أن يشترط السلامة، فلزمه ذلك بتفريطه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن اشترط السلامة مما ذكرنا ثم يجد ذلك بها فلا صداق لها إن لم يبن بها، وإن بنى بها فلها المهر، ويرجع به على الولي الذي شرط له ذلك.
قال مالك: وما علم أهل المعرفة أنه من عيوب الفرج رُدَّت به وإن جامعها وقد تجامَع المجنونة.
قال في كتاب محمد: وإذا كان الرتْق من قِبَل الختان فإنه يُبَطُّ على ما أحبت أو كرهت إذا قال النساء: إن ذلك لا يضرها، وإن كان خِلْقةً فإن رضيت بالبطِّ فلا خيار له، وإن أبت فالخيار إليه.
قال أصبغ: وإذا أقامت للعلاج وهو يتمتع بها، فإن طال ذلك كطول أمد العنين في علاجه فلها جميع الصداق، كالسنة وما قاربها من كثير من الأشهر.
قال ابن حبيب: وإن زعم أن بها رتقًا، أو غيره من داء الفرج فأكذبته فهي مصدقٌ، وإن طلب أن ينظر إليها النساء فليس ذلك له، فإن فارق وادعت المسيس

فلها جميع الصداق، فإن أتي بامرأتين فشهدتا أنهما رأتاها رتقاء، ولم يكن ذلك عن أمر الإمام جازت شهادتهما، إذ الطلاق بيده لم توجبه شهادتهما إنما أوجبت ترك الصداق إن فارق.
فإن قيل: فإذا لم تمكنهما من النظر فقد صار نظرهما تعمدًا جَرْحةً.
قيل: هذا يعذران بجهالته.
قال أبو محمد: وأخبرنا أبو بكر قال: قال سحنون: إن ابن القاسم يقول: لا ينظر إليها النساء في عيب الفرج يدعيه الزوج، وقد قال: ترد به، فكيف يعرف إلا بنظرهن.
وروى ابن سحنون عن أبيه: أنه ينظر إليها النساء إذا ادعى ذلك الزوج.
-قال الشيخ: ويردها، وبه أقول-.
قال ابن حبيب: وأما من بنى بزوجته فادعى المسيس فأكذبته، وشهد لها امرأتان أنها عذراء، فلا تقبل شهادتهما، لأنه يؤول إلى الفراق، وقد كذبهما من له الفراق، فافترق من الأول، وقاله مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ.

فصل [2 - فيما يرد به الرجل من العيوب] ومن المدونة: قال ابن المسيب: وإن كان بالزوج جنونٌ، أو ضررٌ، فالمرأة مخيرةٌ بين أن تقيم أو تفارق.
قال مالك: وأرى الضرر الذي أراد ابن المسيب هذه الأشياء التي ترد منها المرأة.
قال الشيخ: لقول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]، ولأن لها حقًا في الاستمتاع، فإذا وَجدت مانعًا منه أو من كماله كان لها الخيار كالرجل، واعتبارًا بالجبِّ والعنَّة، فإن فارقت قبل الدخول فلا صداق لها، لأن الفسخ من قِبَلِهَا، وإن كان بعد الدخول فلها المهر كاملاً لاستمتاعه بها.
فصل [3 - في حدوث العيب بعد النكاح] قال ابن حبيب: قال مالك وأصحابه: وما حدث بالزوجة عند الزوج من العيوب الأربعة فلا خيار له في فراقها إلا بغرم الصداق، النصف قبل البناء، والجميع بعده.
قال ابن المواز: وما حدث بالزوج بعد العقد من البرص فلا يرد به وإن كان شديدًا.

وقال ابن حبيب: يُرد به إن كان فاحشًا مؤذيًا.
قال مالك في النكاح الثاني من المدونة: وإذا حدث بالزوج جنونٌ بعد العقد عُزِلَ عنها وأُجِّل سنةً لعلاجه، فإن صحَّ وإلا فرق بينهما، والمجذوم البيَّن الجذام يفرق بينه وبين امرأته إذا طلبت ذلك.
قال ابن القاسم: فإن كان مما يرجى برؤه وعلاجه فليضرب له أجل سنة.
قال الشيخ: وفي الثاني إيعاب هذا.
فصل [4 - في أحد الزوجين يغر صاحبه في النسب] قال مالك: ومن تزوج امرأةً فإذا هي لِغِيةٌ، فإن زوجوه على نسبٍ فله ردها وإلا لزمته.
قال ابن القاسم: فإن ردها فلا صداق عليه إن لم يكن بنى بها، وإن بنى بها فعليه صداقها، ويرجع به على من غرَّه، فإن كانت هي الغارة ترك لها ربع دينارٍ وردت ما بقي، وإن انتسب لها فألفته لِغِيًا خيرت بين أن تقبله أو ترده.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم فيمن تزوج امرأة على نسبٍ انتسب لها إلى فخذٍ من العرب ثم يوجد من غير ذلك الفخذ، فإن كان مولى فلها الخيار إذا

كانت عربية، وإن كان عربيًا وهو من غير القبيل الذي سمى فلا خيار لها إلا أن تكون قرشيةً تزوجته على أنه قرشيٌ فإذا هو من قبيلٍ من العرب، أو تكون عربيةً تزوجته على إدعائه، فذلك لها.
وذكر عن أبي بكر بن عبد الرحمن فيمن تزوج امرأة وشرطت في عقد النكاح على الزوج أنه عربيٌّ من أنفسهم ثم وجد من مواليهم قال: فأجبت أنا وجميع أصحابنا أن للمرأة القيام بشرطها وفسخ النكاح.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: ولم يذكر في هذا السؤال أنها عربيةٌ أو مولاة، والأمر عندي سواء، وللمرأة شرطها بخلاف ما تقدم في رواية أبي زيد، والله أعلم.
وسئل أبو محمد بن أبي زيد عما يكتب الناس في صدقاتهم: وهي صحيحة العقل والبدن، ويجدها بعد ذلك عمياء أو شلَّاء، هل له أن يردها بهذا الذي كتب في الصداق؟ فقال: لا ينفعه ذلك، وليس كالشرط حتى يبين فيقول: لا عمياء ولا شلَّاء، قال: ولو كان في موضع صحيحة العقل سليمة البدن لرأيت له أن يردها إذا وجدها عمياء أو شلَّاء أو غير ذلك، وبهذا كان يفنيّ علماؤنا ونُفيّ نحن.
فصل [5 - فيمن غر فنكح امرأة في العدة] قال مالك: ومن غَرَّ من وليَّته فزوجها في عدة ودخلت، ثم علم بذلك الزوج فالنكاح مفسوخ، ويضمن الولي الصداق كله.

قال ابن القاسم: ولو كانت هي الغارة ترك لها ربع دينار وردت ما بقي.
قال في رواية العسَّال أبي زيد عن ابن القاسم في مسألة المرأة تغره: إنه يرجع عليها بالصداق الذي دفع إليها، وليس يأخذ ما اشترت.
-قال الشيخ: يريد: وإن كان مما يصلح لجهازها، لأنها متعدية في التصرف فيه قبل إعلامه بما غرته به فيرضى أو يرد-.
قال ابن القاسم: فإن لم يعلم الزوج بذلك حتى طلقها أو ماتت فلا رجوع له عليها بشيءٍ من الصداق، كالعبد المعيب يبيعه مشتريه، فلا يرجع بشيءٍ من قيمة العيب، وروي ذلك عن مالك.
فصل [6 - في عيوب الفرج التي يرد بها الرجل] وعيوب الفرج التي يردُّ بها الرجل أربعة وهي: الجَبُّ، والخِصَاء، والعِنَّة، والاعتراض.
فالمجبوب: هو المقطوع ذكره وأنثياه، والخصي، هو المقطوع منه أحدهما، والعنين: هو الذي له ذكرٌ شديد الصغير لا يمكن الجماع بمثله، والمعترض: هو الذي لا يقدر على الوطء لعلة تعترضه وهو بصفة من يمكنه الوطء، وربما اعترض عن امرأةٍ دون أخرى، وأصحابنا يسمون العنين لهذا النوع من الرجال، وكذلك

من تقدم من الصحابة والتابعين، وحقيقة اسمه المعترض، كذلك ذكر ابن حبيب وعبد الوهاب.
ومن المدونة: قال مالك وأصحابه: وإن تزوج خَصيٌّ أو مجبوبٌ امرأةً ولم تعلم به، ثم علمت فلها الخيار في أن تقيم معه أو تفارقه، والمجبوب أشد.
قال عبد الوهاب: وإنما قال ذلك لعدم الاستمتاع، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]، ولأنه لو آلى منها لكان لها أن توقفه وتطالبه إذا امتنع من الوطء بالوطء أو الفراق، فكان الخصي والمجبوب أولى.
ومن المدونة: قال مالك: وإنما لها أن تفارقه بواحدةٍ بائنةٍ لا بأكثر منها، ويتوارثان قبل أن يختار فراقها، فإن فارقته بعد أن دخل بها فعليها العدة إن كان يطؤها، وإن كان لا يطؤها فلا عدة عليها.
وروى ابن وهب أن ابن سُندَر تزوج امرأةً وكان خصيًا فلم تعلم به، فنزعها منه عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

قيل لابن القاسم: فإن كان مجبوب الذكر قائم الخُصى فاختارت فراقه بعد أن دخل بها؟ فقال: إن كان يولد لمثله فعليها العدة، ويسأل عن ذلك، فإن كان يحمل من مثله لزمه الولد، وإلا لم يلزمه ولا يلحق به، وإن علمت به حين تزوجته أنه مجبوبٌ، أو خصيٌ، أو عنينٌ لا يأتي النساء رأساً أو أخبرها بذلك فلا كلام لها.
وإن لم تعلم بذلك في العقد ثم علمت به فتركته وأمكنته من نفسها فلا كلام لامرأة الخصي والمجبوب، وأما العنين فلها أن ترافعه ويؤجل سنة، لأنها تقول: تركته لرجاء علاجٍ أو غيره، إلا أن تتزوجه وهي تعلم أنه لا يأتي النساء رأساً كما وصفنا، فلا كلام لها بعد ذلك، وفي الثاني إيعاب هذا.
تم كتاب النكاح الأول، والحمد لله وسلامٌ على جميع أنبيائه.

[الكتاب الثاني]

كتاب النكاح الثاني

[الباب الأول]

في الصداق يقارنه بيع، أو يدخل فيه غرر أو مجهول وكل غرر أو خطر أو فساد بشرط

[فصل 1 - في الصداق يقارنه بيع] قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةٌ بعبدٍ على أن تعطيه داراً أو مالاً لا يجوز هذا النكاح عند مالك، وهو مفسوخٌ، وسمعت مالكاً يقول: إن تزوجها على أن تعطيه خادمها بكذا وكذا درهماً لم يجز، ولا يجتمع في صفقةٍ واحدةٍ نكاحٌ وبيع.
قال سحنون: وقال بعض الرواة- هو ابن الماجشون- في هذه المسألة: إن كان يبقى مما يعطي الزوج ربع دينارٍ فصاعداً جاز النكاح.
قال عبد الوهاب: وقال أشهب: يجوز نكاحٌ وبيع، فوجه قول مالك: أن النكاح عقدٌ مخصوصٌ من سائر عقود المعاوضة بأحكامٍ لا توجد في غيره، فوجب ألا يضم إليه عقدٌ غيره كالصرف والقراض، ولأنه يجوز أن

يكون العوض في مقابلة البيع فيعرو البضع من عوض، وتكون ذريعةً إلى الإباحة في إسقاط المهر.
قال الشيخ: ولأنه لا يدرى ما يخص البضع من ذلك فيصير نكاحاً مجهولاً.
قال عبد الوهاب: ووجه قول عبد الملك: أن المنع من خيفة أن يعرو النكاح من عوض، فإذا أمن ذلك جاز.
ووجه قول أشهب: أنه ليس في ذلك أكثر من الجهالة بمقدار المهر، وذلك لا يمنع صحة العقد، كما لو تزوجها على حكم زيد.
قال الشيخ: ولأن للرجل بيع سلعتين بثمنٍ معلومٍ، ولا يضره جهل ما يخص كل سلعةٍ من الثمن، فكذلك هذا ولا يدخل عليه ما اعتل به ابن الماجشون من أن يفضل مما يعطى المرأة ربع دينار، لئلا يعرو البضع من عوض، لأن ما يعطي الزوج مقبوض على ما تعطي المرأة، وعلى مقدار صداق مثلها، فمتى حصل للبضع على ذلك ربع دينارٍ فصاعداً جاز هذا على قياس البيوع، وإذا جاز ذلك في البيوع اقتضى أن يكون في النكاح أجوز، لأن طريقة النكاح المكارمة وطريقة البيوع المكايسة، ألا ترى أنه يجوز أن يتزوج بعبدٍ وبشرار بيتٍ ولا يصف ذلك، ولا يضرب لها أجلاً، فيكون لها الوسط من ذلك حالاً، ويتزوجها ولا يذكر صداقاً فيعطيها صداق المثل فيلزمها، ولا يجوز مثل هذا في

البيوع، وما قال أشهب هو القياس، والله أعلم، وقول ابن الماجشون أيضاً حسن، وهو على قياس ابن نافعٍ في مسألة الموضحتين إذا صالح من موضحة عمداً وموضحةٍ خطأً على شقص من دار.
قال ابن نافع: فيه الشفعة بقيمة الشقص ما لم ينقص عن دية موضحة الخطأ وذلك أنه جعل ممن الشقص معلوماً هو دية موضحة الخطأ، ومجهولاً وهو دية موضحة العمد، فأعطى للمعلوم حقه من قيمة الشقص، وكان ما بقي للمجهول، فكذلك يصنع في النكاح، يجعل ما يعطي الزوج ثمناً للبضع وثمنه مجهولٌ، وبما تعطي الزوجة وثمنه معلوم، فأعطى للمعلوم قيمته مما يعطي الزوج وما بقي للبضع، فإن بقي ربع دينارٍ فأكثر جاز عنده وإلا لم يجز.
وذكر عن ابن الكاتب أنه قال: إن كان اعتبار ما يفضل للبضع بعد عقد النكاح فكأنه إنما نكحها بالذي يفضل، وذلك مجهولٌ، فإن كان اعتبار ذلك قبل العقد فأحسبهما لا يختلفان في جوازه، لأنه يصير للبضع شيء مسمى، وللسلعة شيء مسمى، فهو كما لو تزوج امرأتين في عقدٍ واحدٍ، وسمى لكل واحدةٍ صداقها

ولا يشبه ذلك السلع التي يجوز ذلك فيها وإن لم يسم، لأن السلع مما تقوم، فيقع لكل سلعةٍ من الثمن ما يخص قيمتها إن وقع استحقاق، والأبضاع لا يصح تملكها ولا وقع فيها وطءٌ قبل التسمية فيقضى عليه بصداق المثل، فوجب ألا يصح إلا بعد التسمية لها، وإن أجملهما في صداقٍ واحدٍ لم يجز، وغيره يجيز ذلك، ويقسم المسمى على صداق مثل كل واحدة، اعتباراً بالسلع، وإلى مثل هذا نحى أشهب في جواز نكاحٍ وبيع، وهذا معنى كلام ابن الكاتب دون لفظه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وهذا النكاح الذي وقع مع البيع في صفقةٍ يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ويكون لها صداق المثل.
فصل [2 - في الصداق يدخل فيه غرر أو مجهول أو محرم] قال مالك: وإن تزوجها على عبدٍ آبقٍ، أو بعيرٍ شاردٍ، أو جنينٍ في بطن أمه، أو بما تلد غنمه، أو بثمرةٍ، أو زرعٍ لم يبد صلاحهما فالنكاح يفسخ في ذلك كله قبل البناء ويثبت بعده، ويكون لها صداق المثل، ويكون الذي سمى لها من الغرر لزوجها، إلا أن تقبض الجنين بعد ولادته، أو الآبق أو الشارد وغيره، فلترده إلا أن يموت عندها في بدنٍ أو سوقٍ فيكون لها وتغرم قيمته يوم قبضته لزوجها، فأما الثمرة فما جنت منها، أو حصدت من الحب فعليها أن ترد مكيلته وما هلك من ذلك كله قبل أن تقبضه فهو من الزوج، وما هلك من ذلك بعدما قبضته وإن لم يتغير في سوقٍ أو بدنٍ فهو من المرأة أبداً حتى ترده، لأنه في ضمانها يوم قبضته.

قال ابن المواز: وإن نكحها بثمرةٍ لم يبد صلاحها على أن تجدها بلحاً جاز النكاح، فإن تأخرت الثمرة حتى طابت فجدتها بسراً أو رطباً أو تمراً فلا يفسخ النكاح وإن لم يدخل بها، ويكون لها قيمة ذلك البلح مجدوداً يوم النكاح وترد ما جدت منها، وما أكلت ردت مكيلته، وإن لم تعرف فقيمته، وإن طلقها قبل البناء فلها نصف قيمة البلح مجدوداً يوم النكاح.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن تزوجها بما تلد غنمه، أو بخمرٍ، أو خنزيرٍ، أو على دار فلان، أو على أن يشتريها لها فليفسخ هذا النكاح قبل البناء ويثبت بعده، ولها صداق المثل.
وقد اختلف قول مالك في المختصر الكبير في فسخ النكاح بعد البناء إذا عقد بخمر، أو خنزير، أو بثمرةٍ لم يبد صلاحها، أو بجنينٍ في بطن أمه، أو ببعيرٍ شاردٍ، أو بعبدٍ آبق.
قال عبد الوهاب: لا خلاف في منع ابتداء العقد بما لا يصلح أن يتملك كالخمر والخنزير، ولا بغررٍ كالعبد والآبق والجمل الشارد والجنين في بطن أمه، والثمرة التي لم يبد صلاحها على التبقية، وما أشبه ذلك، فإن وقع فقيل: يفسخ قبل البناء وبعده، لأن فساده في عقده، وقيل: يفسخ قبل البناء ويثبت بعده ويجب فيه صداق المثل، لأن فساده في صداقه.
وعند أبي حنيفة والشافعي: العقد صحيحٌ لا يفسد بفساد المهر، ويجب فيه صداق المثل.

فوجه قول من أفسده: قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ﴾، فعلق الإحلال بالمال، والخمر والخنزير ليسا بمالٍ لنا، ولأنه عقد معاوضة يجب أن يفسد بفساد العوض كالبيع، ولأن المعقود به إذا كان فاسداً وجب فساد العقد، أصله نكاح الشغار.
ووجه التصحيح: أن عقد النكاح مفارق لعقد البيع في موضوعه، لأن البياعات طريقها المغابنة والمكايسة، والنكاح طريقه المواصلة والمكارمة، ألا ترى أنهما إذا عقدا من غير تسمية صداقٍ جاز، بخلاف البيع والإجارة.
واختلف أصحابنا في تأويل قول مالك: إنه يفسخ قبل الدخول، فمنهم من حمله على الإيجاب تغليظاً وعقوبةً لهما، لئلا يعودا إلى مثل ذلك، ومنهم من حمله على الاستحباب احتياطاً وخروجاً من الخلاف، فإن وقع الدخول لم يفسخ، لأن الصداق قد وجب، فلا يوجد المعنى الذي لأجله فسخ قبل الدخول.
وقد تقدم في الأول بعض هذا.
[فصل 3 - في الصداق إذا كان غائباً موصوفاً معه دراهم أو لا] ومن كتاب ابن المواز وابن حبيب: قال ابن القاسم: لا بأس بالنكاح بعبدٍ غائبٍ بعيد الغيبة إذا وصفه، كان معه عينٌ أو لم يكن إلا ما بعد جداً مثل

خراسان، والأندلس.
ابن حبيب: ومثل إفريقية من المدينة، كان مع ذلك عينٌ أو لم يكن فلا خير فيه، ويفسخ.
ابن المواز: قال ابن القاسم: وأما مسيرة الشهر ونحوه فجائز، والضمان من الزوج حتى تقبضه، وله أن يدخل إن كانت الغيبة قريبة، ولا يدخل بها في البعيدة وإن قدم إليها ربع دينار، وإن سماه مع العبد، لأن النقد في البعيد لا يجوز والدخول انتقاد.
قال الشيخ: هذا إن كان الدخول بشرطٍ في العقد، وأما إن لم يشترط في العقد فجائزٌ التطوع به كالبيوع.
قال: فإذا كان قريباً ووصفه ثم هلك العبد قبل قبضه فلها قيمته على تلك الصفة.
قال أبو العباس الأبياني: وإذا تزوجها على عبدٍ موصوفٍ فقبضته، ثم استحق رجعت بعبدٍ مثله في صفته، وإن مات بيدها ثم علمت بعيبٍ كان به

عند الزوج، فعلى المرأة غرم قيمة العبد معيباً للزوج يوم قبضته، وترجع عليه بعبدٍ مثله في صفته، وفيه اختلاف، وهذا أحسن.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأة، أو اشترى سلعةً بدراهم بعينها غائبة، فلا خير في ذلك إلا أن يشترط أن عليه بدلها إن تلفت، ولو حضرت الدراهم ونقدها إياها جاز النكاح، وكذلك البيع، فإن وجب البيع والنكاح بها ثم استحقت في يد المرأة والبائع فعلى المشتري والزوج مثلها، وتم النكاح والبيع.
قال مالك: ومن تزوج امرأةً على دارٍ أو أرضٍ أو عبدٍ، كل ذلك غائب، فإن وصف ذلك جاز النكاح، وإن لم يصفه فسخ النكاح قبل البناء، ويثبت بعده، ولها صداق المثل.
ابن المواز: وإن وصفه فلا يدخل في العبد البعيد الغيبة حتى يدفعه، والضمان منه.
قال: وابن القاسم يرى أن تباعد الغيبة مثل خراسان والأندلس لم يجز، وأما مثل المدينة من مصر فجائز.
ومن المستخرجة: قال ابن الماجشون فيمن تزوج بثمرةٍ بدا صلاحها فأجيحت الثمرة كلها: إن مصيبتها من الزوج، وترجع عليه المرأة بقيمة الثمرة وإنما يحمل ذلك محمل البيوع.

وابن القاسم يقول: لا جائحة فيها، والمصيبة من المرأة، ولا ترجع على الزوج بشيء.
قال الشيخ: وإنما فرق بينه وبين البيوع، لأن طريقة النكاح المكارمة، وطريقة البيوع المكايسة.
ولكن قد قال في كتاب العرايا: إن الجائحة في العرية، وهو باب رخصةٍ ومرفقٍ لا باب مكايسة.
فجعل ذلك كالبيوع، وكان ينبغي ألا يجعله في العرايا كالبيوع؛ لأنه معروفٌ لا معاوضةً فيه، ويجعله في النكاح كالبيوع، لأنه معروفٌ، معاوض فيه، وقد قال مالك: أشبه شيءٍ بالبيوع النكاح.
ومن المدونة: قال مالك: وإن تزوجها على بيتٍ أو خادمٍ ولم يصف ذلك جاز النكاح ولها خادمٌ وسط، والبيت الناس فيه مختلفون، إن كانت من

الأعراب فلهم بيوتٌ وشورةٌ قد عرفوها، وشورة الحضر لا تشبه شورة البادية.
قال مالك: وإن تزوجها على شوار بيتٍ إذا كان الشوار شيئاً معروفاً عند أهل البادية والحاضرة.
قال ابن القاسم: ولكلٍ قدره من الشوار.
قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران فيمن تزوج ببقعةٍ على أن يبنيها للمرأة، فإن كانت بقعةً بعينها في ملكه ووصف الطول والعرض والبناء فذلك جائزٌ، وإن كان البيت الذي يبنيه مضمونٌ عليه فقد أفتى أبو محمد أن ذلك لا يجوز.
قال الشيخ: وكذلك السلم في البيت.
قال الشيخ: لأن ذلك يرجع إلى السلم في شيءٍ معين، لأنه لابد أن يصف البناء والموضع، فيؤدي ذلك إلى تعيينه، وهذا ظاهر ما في كتاب ابن حبيب، وعند ابن المواز ما يدل على خلافه.

[فصل 4 - في الصداق إذا كان غير موصوف] وإن نكح على مئة بعيرٍ، أو شاةٍ، أو بقرةٍ، ولم يصف ذلك جاز النكاح، وعليه وسط من الأسنان، وكذلك على عبدٍ بغير عينه ولم يصفه ولا ضرب له أجلاً فالنكاح جائزٌ ولها عبدٌ وسطٌ حالٌ، وليس للزوج دفع قيمته إلا أن ترضى المرأة.
قال في كتاب ابن المواز: ومن نكح من رقيقٍ ذكر العدد، ولم يذكر حمراناً ولا سوداناً فلها الوسط من الأغلب في البلد، وكذلك في المستخرجة.
قال ابن المواز: فإن استويا في البلد نظر إلى وسط السودان ووسط الحمران، فأعطيت نصف ذلك.

  • قال الشيخ: يريد من كل جنسٍ نصفه.
    قال: وذلك على قدر قيمة ذلك يوم وقع النكاح، وكذلك إن طلق قبل البناء، وقال أصبغ، وقال: هي جيدة.
    وفي العتبية عن مالك: وتعطى الإناث دون الذكور، وكذلك شأن الناس.
    قال سحنون في كتاب ابنه: ومن نكح على خادمٍ لم يجز حتى يسمي جنس الأمة، فيكون عليه وسطٌ من ذلك الجنس لا من العلية، ولا من الوخش، وإذا كان مجملاً لم يجز، وفسخ النكاح قبل البناء، ويثبت بعده ولها صداق المثل.

قال عبد الوهاب: وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجوز إلا على معلومٍ مقدرٍ وهو قول الشافعي، ودليلنا قوله عليه الصلاة والسلام: "الصداق ما تراضى عليه الأهلون"، فلم يفرق، ولأن طريق النكاح المكارمة والمواصلة بخلاف البيع الذي طريقه المكايسة والمغابنة، بدليل أنه لا يفسد لعدم ذكر العوض في العقد، وهو التفويض.
ومن المدونة: قال مالك: وكذلك إن تزوجها على عرضٍ موصوفٍ ليس بعينه ولم يضرب له أجلاً، فالنكاح جائزٌ، وهذا لا يحمل هاهنا محمل البيوع وهو على النقد، ألا ترى أنه يتزوج المرأة بمئة دينارٍ، ولا يسمي أجلاً فتكون نقداً، وكذلك إن اختلعت منه امرأته على عبدٍ فلم تسمه له، ولا وصفته، فعليها عبدٌ وسطٌ.

فصل [5 - في الصداق إذا فسد بالشرط] ومن نكح امرأةً بألف درهمٍ على إن كانت له امرأةً أخرى فصداقها ألفان، فهذا من الغرر، وهذا مثل البعير الشارد فيما فسرنا.
قال مالك: وإن نكحها بألفين فوضعت عنه في هذا النكاح ألفاً على أنه لا يخرجها من بيتها، ولا يتزوج عليها، فله أن يخرجها ويتزوج عليها وليس لها إلا ألف.
قال ابن القاسم: وكذلك إن نكحها بألفٍ على أنه إن أخرجها من بلدها فمهرها ألفان، فله أن يخرجها ولا شيء عليه غير الألف.
قال الشيخ: يريد: وكذلك على أنه إن تزوج عليها فصداقها ألفان، فله أن يتزوج ولا شيء عليه غير الألف، بخلاف قوله: إن كانت له امرأةٌ أخرى.
قال مالك: ولو انعقد النكاح عليه بألف درهمٍ ثم حطت بعد ذلك نصفه على أن لا يخرج بها، أو لا يتزوج عليها ونحوه، ففعل ذلك، فلها أن ترجع عليه بما وضعت عنه إن فعل من ذلك شيئاً، وله أن يفعله.
وقال علي بن زياد: إن حطته في العقد من صداق مثلها لما شرط عليه لزمه ما حطته إن فعل من ذلك شيئا، وإن كانت الحطيطة مما ناف على صداق المثل لا يلزمه، ورواه ابن نافع عن مالك.

[الباب الثاني]

في الصداق يوجد به عيب أو يؤخذ بشفعة أو يؤخذ به رهن وفي صداق السر

[فصل 1 - في الصداق يوجد به عيب] قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةٌ على تلالٍ خلٌ بأعيانها فوجدتها خمراً فهي كمن نكحت على مهرٍ فأصابت به عيباً، فلها رده، وترجع به، إن كان يوجد مثله، أو بقيمته إن كان لا يوجد مثله.
قال الشيخ: ذكر عن أبي عمران أنه قال: نحا سحنون في التي تزوجت على قلال خلٌ فأصابتها خمراً إلى ما ذكر ابن المواز: أنهما إذا دخلا على الجزاف في الصبرة ثم علم بعد ذلك كيلها، ثم استحق ما في يد البائع أنه يرجع بقيمة صبرته ولا يرجع بمثلها وإن عرف كيلها.
قال أبو عمران: والصواب أن يرجع في القلال بمثلها إذا كانت موجودة،

وكذلك في الصُّبْرَة.
قال الشيخ: يريد في القلال أنها تراق وتغسل جيداً وتملأ ماءً ثم يكال ذلك الماء فتعطى مثل كيله خلاً، وإن كانت للنصارى مكاييل مثل مكايلنا أكتيل ذلك الخمر بها، وأعطي مثله خلاً بمكايلنا، لأن تلك القلال نجسةً فلا يكال بها، وتكسر بعد ذلك لأنها لمسلم.
وقال غيره على قول سحنون: إنما لم يكن لها مقدار القلال، لأن من نكح بشيءٍ بعينه كصبرة بعينها فاستحقت فعليه قيمتها.
وفي المجموعة: قال ابن الماجشون: إذا تزوجها بشيءٍ يكال أو يوزن بعينه فاستحق رجعت بمثله.
قال الشيخ: فصار في هذا إذا تزوجها بجزافٍ مما يكال أو يوزن قولان: أحدهما: يرجع بمثله، والثاني: بقيمته.
قال مالك: وإن تزوجها على عبدٍ بعينه فقبضته ثم وجدت به عيباً فلها رده وترجع على الزوج بقيمته- يريد يوم عقد النكاح بخلاف البيع.

  • ابن حبيب: كان ذلك قبل البناء أو بعده-.
    قال مالك: وإن فات العبد عندها بعتق، أو بشيءٍ يكون فوتاً رجعت بقيمة عيبه، وإن حدث به عندها عيبٌ مفسدٌ فلها رده، وما نقصه وأخذ قيمته، أو حبسه وأخذ قيمة العيب القديم.
    قال ابن القاسم: والخلع عندي مثل النكاح سواء، يكون للزوج في العيب مثل ما وصفنا للمرأة سواء.
    وإن تزوجها على أمةٍ فأصابتها ذات زوجٍ ولم يخبرها به فذلك عيبٌ، ولها ردها وأخذ قيمتها، وكذلك الخلع في هذا سواء.

[فصل 2 - في الصداق يستحق بشفعة] فإن تزوجها على غير مهرٍ مسمى، ففرض لها نصف دارٍ له فرضيت بذلك ففيه الشفعة بقيمته يريد إذا فرض لها ذلك قبل البناء، وأما إن دخل بها ثم فرض لها ذلك فإنما يأخذه الشفيع بصداق مثلها، وهي منصوصةٌ هكذا، وذلك بين.
[فصل 3 - في الصداق يؤخذ به رهن] وإن تزوجها على صداقٍ مسمى، أو تزوجها ولم يفرض لها صداقاً، فأعطاها رهناً بالصداق المسمى أو بصداق مثله فهلك الرهن بيدها، فإن كان الرهن حيواناً فلا شيء عليها، والمصيبة من الزوج، وإن كان مما تغيب عليه المرأة فهو منها.
فص [4 - في صداق السر] قال مالك: وإذا أظهر الزوجان مهراً وأسرا دونه أخذا بما أسرا إن شهد به عدول.

[الباب الثالث]

في ضمان الصداق عن ولده أو أجنبي في صحة أو مرض وكيف إن لم يضمن

[فصل 1 - في ضمان الأب الصداق عن ولده] ومن المدونة: قال مالك: ومن زوج ابنته وضمن لها الصداق في عقد النكاح أجزته.
قال ابن القاسم: ولا يرجع به الأب على الزوج، لأن ضمانه الصداق هاهنا على وجه الصلة والصدقة.
قال مالك: فإن مات الأب قبل أن تقبض البنت صداقها استوفته من مال أبيها، فإن لم يترك الأب شيئاً فلا شيء لها على الزوج إذا كان قد دخل بها.
قال ابن القاسم: فإن لم يكن دخل بها فلا سبيل للزواج إليها حتى يعطيها مهرها، وكذلك قال مالك فيمن قال لرجل: بع من فلانٍ فرسك والثمن لك علي، فباعه ثم هلك الضامن قبل أن يقبض البائع الثمن أن للبائع الثمن من مال الضامن فإن لم يدع شيئاً فلا شيء له على المبتاع، وكذلك من ضمن لأحدٍ شيئاً ليخرج من يده لأخر شيئاً على وجه الصلة.
وقال مالك فيمن زوج ابنه الصغير في حجره ولا مال للابن، أن الصداق على الأب، فإن مات الأب أخذته الزوجة من ماله، ولا يحاسب الورثة الابن بذلك ويدفع إليه ميراثه كاملاً مما بقي، فإن كان على الأب دينٌ كان للمرأة أن تحاصهم بصداقها.

قال: فإن كان للابن مالٌ لم يكن على الأب شيءٌ إلا أن يشترطه الأب على نفسه، ويضمنه عنه، فهو على الأب ولا يرجع به على الابن.
قال ابن المواز: إلا أن يكون ذلك من الأب على وجه الحمالة لا على وجه الحمل، فيكون للأب أو لورثته بعده الرجوع على الابن، وهذا إذا كان له يوم زوجه الأب مال، فإن لم يكن له يومئذٍ مال فإن ذلك على الأب على كل حال.
[قال ابن القاسم]: وكذلك لو كتبه على الابن فهو على الأب ولا ينفعه ما كتب.
وقال أصبغ: بل يكون ذلك على الابن.
قال ابن المواز: وقول ابن القاسم أحب إلينا أنه على الأب إلا أن يقول الأب: إني لست منه في شيء، وإنما لكم ذلك على ابني، فهذا إن علم [به] الابن بعد البلوغ وقبل الدخول كان فيه بالخيار إن شاء أن يلزمه نفسه ويثبت النكاح، وإن شاء لم يلتزمه ويفسخ النكاح، وإن دخل قبل أن يعلم وبعد البلوغ أسقط عنه ما فوق صداق مثلها، ويثبت النكاح.

[فصل 2 - في ضمان الأب الصداق عن أجنبي] ومن المدونة: قال مالك: والرجل الذي له الشرف يزوج رجلاً ويضمن صداقه، فهذا لا يتبعه بشيءٍ أيضاً.
قال ابن القاسم: وليست هذه الوجوه فيما سمعنا من مالك بمنزلة حمالة الديون التي يرجع من تحمل بها على الذي تحمل عنه، وإنما ذلك بمعنى الحمل والصلة، وليس كهبةٍ لم تقبض، وهو كمن وهب لرجلٍ مالاً فلم يدفعه إليه حتى قال لرجل: بعه فرسك بالذي وهبت له، وأنا ضامنٌ له حتى أدفعه إليك، فقبض الرجل الفرس فأشهد على الواهب بالذهب، فإن هذا يثبت للبائع على الواهب، فإن لم يقبض البائع الثمن حتى مات الواهب ولم يدع مالاً فلا يرجع البائع على الموهوب بشيءٍ من ثمن الفرس، وإنما وجب ثمن الفرس للبائع على الواهب، وكذلك الصداق، وعلى هذا ينبني، وهذا محمله.
قال مالك: وإن ضمن الأب صداق ابنه البالغ ودفعه عنه، ثم طلق الابن قبل البناء رجع نصف الصداق إلى الأب وليس للابن منه شيء، ولو لم يدفعه الأب رجعت عليه المرأة بنصفه ولا يرجع الأب على الابن بشيءٍ مما ودى عنه.
قال ابن حبيب: وإن ألفي النكاح فاسداً رجع إلى الأب ما ودى عنه، ولو تبارء الزوجان قبل البناء على المتاركة والنكاح صحيحٌ رجع الأب بما وداه، وسقط عنه إن لم يود، قاله ابن القاسم.

وقال ابن الماجشون: يرجع إلى الزوج النصف الذي يجب لها بالطلاق، كما لو باراها بعد البناء على رد الجميع الذي وجب لها بالبناء كان ذلك للزوج.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: سألت أبا بكر بن عبد الرحمن عن العطايا إذا كانت في أصل عقد النكاح هل تفتقر إلى القبض؟ فقال: لا تفتقر إلى القبض، ولا تبطل بموت المعطي قبل القبض، لأنه باب معاوضةٍ لما نكح الزوج عليها.
قيل: فإن كان فيها غررٌ لعدم الصفة لما يعطى ونحوه أيبلغ به الفسخ؟ قال: لا، لأن العطايا إنما هي مشترطةٌ للمرأة لا للزوج، فلا يضر النكاح كونها مجهولة.
قيل: فإن طلق الزوج قبل البناء، أو ماتت، هل ترجع هذه العطايا إلى المعطي لسقوط النكاح الذي لأجله كانت العطايا؟ فقال: لا ترجع إليه، لأنه قد منع منها مرةً فلا ترجع إليه بطلاق المرأة، ولا بموتها كالاعتصار إذا طرأ ما يمنع منه ثم زال المانع أنه لا يرجع، وإن كان قد اختلف في بعض ذلك إذا زالت موانع الاعتصار، ولكن لا يدخل هذا الاختلاف في مسألتك.
قيل: فهذه العطايا إنما كانت مشترطةً بهذا النكاح ولأجلها نكح الزوج وزاد في الصداق، وإذا زال النكاح وجب زوالها بزواله، كما إذا حمل صداق ولده ثم طلق الولد قبل البناء أن نصف الصداق يرجع إلى الأب؟

فقال ليس هذا سواء، لأن الصداق هاهنا عوض البضع، فإذا زال ملك الزوج عن البضع زال الصداق الذي بسببه أعطيه الزوج، وفي مسألتك العطايا لست عوض البضع إنما هي عطايا للزوجة فليس له رجوعٌ فيما أعطي لها، وليس له حكمٌ بينه وبين الزوج.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا من أهل بلدنا: إذا انفسخ النكاح قبل البناء رجعت العطايا إلى الأب كالذي حمل الصداق عن ابنه الكبير ثم طلق قبل البناء أن نصف الصداق يرجع إلى الأب، وأعاب بعض فقهائنا هذا القول وغلطه وصوب قول الشيخ أبي بكر بن عبد الرحمن، واحتج بمثل حجته، وزاد بأن قال: الصداق عوضٌ عن البضع، وإنما يجب جميعه بالبناء فمتى سقط منه شيءٌ رجع ذلك إلى الحامل، وليس الصداق في الحقيقة عوضاً عن العطايا وعن البضع، ولا الزوج كالمشتري لها إذا زاد من أجلها، ولو كان ذلك لكان النكاح فاسداً، وإنما زيادته في الصداق من أجلها كزيادته لجمالها.
قال الشيخ: وظهر لي أن القياس ما قاله بعض شيوخنا، وأنه لا فرق بين حمله عن ولده الصداق- وبذلك انعقد نكاحه- وبين إعطائه عراً، وإعطاء ابنته عرضاً، وعليه انعقد النكاح، فإذا انفسخ العقد الذي من أجله كانت العطايا

يوجب انفساخها، وكأن الأب قال للزوجة: تزوجي ابني وأنا أصدق عنه من مالي مئة دينارٍ، أو قال لرجلٍ: تزوج ابنتي وأنا أعطيها من مالي مئة دينارٍ، فعقدا على ذلك، ثم انفسخ النكاح، لوجب أن يرجع في عطيته، وهكذا كمن قال لرجل: بع من فلانٍ سلعتك بمئة، وأنا أعطيك المئة، فانعقد الأمر على ذلك ثم استحقت السلعة، أو وجد بها عيباً فردت، أنه يرجع في عطيته، لأنه إنما أعطاه ذلك من أجل البيع فلم يتم، فلا تتم عليه العطية.
وأما قوله: وليس الصداق في الحقيقة عوضاً عن البضع والعطايا، ولو كان كذلك كان فاسداً.
فنقول: إن الصداق في الحقيقة عوضٌ عن البضع والعطايا، ألا ترى أن الأب إذا أعدم بالعطايا كان للزوج فسخ النكاح، فلو لم يكن عوضاً لما وجب فسخه، ولم يفسد ذلك النكاح، لأن العطية ليست للزوج، وإنما هو كمن قال: أعط فلاناً ثوباً وأنا أشتري سلعته بمئة دينار، فإذا انفسخ البيع انفسخت العطية، لأن الهبة للبيع تنفسخ بانفساخه، سواءٌ كانت للمشتري أو لغيره، وهذا بين، والله أعلم بالصواب.
ومن المدونة: ابن وهب: قال ربيعة: ومن زوج ابنه الصغير، والابن مليءٌ فالصداق على الابن وإن لم يكن مليئاً فعلى الأب.

قال أبو الزناد: أو جعله على الابن فيلزمه.
وقال يحيى بن سعيد: ومن زوج ابنه صغيراً أو كبيراً ولا مال له فالصداق على الأب عاش أو مات، فإن كان لواحد منهما فلذلك عليه إلا أن يشترطه الأب على نفسه.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: معنى قول يحيى: أو كبيراً، يريد: سفيهاً.
قال الشيخ: وذلك عندي سواء، لأنه هو عقد عليه، فالصداق عليه إلا أن يظهر أنه على الابن كالوكيل يشتري سلعة فالثمن عليه إلا أن يقول: الموكل ينقدك دوني.
ومن المدونة: قال ابن وهب عن مالك: إذا كان الولد صغيراً لا مال له فزوجه الأب فالصداق على الأب، ولا يلزم الابن منه شيء وإن أيسر، ولا يرجع به الأب على الولد إذا أيسر الابن، وإنما ذلك بمنزلة ما أنفق عليه.
وإن زوجه بنقد ومؤخر، فدفع النقد ثم أيسر الولد فأراد الأب أن يجعل مؤخر الصداق على الابن فليس ذلك له، وهو على الأب كله.

قال عبد الوهاب: إذا زوج الأب ابنه الصغير، فإن سمى الأب الصداق عليه لزمه وكان ديناً عليه للمرأة، وإن أطلق فلم يسم على من الصداق نظر، فإن كان للصبي مالٌ فالصداق عليه، لأن من شرط عقود المعاوضات أن يكون العوض على من يملك المعوض، كما لو اشترى له ثوباً أو عقاراً، وإن لم يكن له مالٌ فالصداق على الأب، لأنه ليس من النظر أن يلزم الأب ذمة الابن ديناً لا يحتاج إليه، لأن الصبي لا يحتاج إلى التزويج، فإن أيسر الابن لم ينتقل الوجوب إليه، لأنه استقر على الأب، وإن أعسر الأب بعد بلوغ الابن وقبل دخوله، وقالت المرأة: لا أسلم نفسي إلا بعد قبض الصداق، قيل للابن: إن أردت فأد الصداق وادخل، وإلا فطلق ولا يلزمك شيء.
[فصل 3 - في ضمان الأب الصداق في مرضه] ومن المدونة: قال ابن القاسم عن مالك: ومن زوج ابنه الصغير في مرضه وضمن صداقه لم يجز الضمان، لأنه وصيةٌ لوارث، وجاز النكاح، فإن شاء الابن البناء وهو كبيرٌ ودى الصداق ودخل بزوجته، وإلا لم يلزمه الصداق، وفسخ النكاح.
ابن المواز: قيل لمالك: فإن بلغ الابن في مرض أبيه فدخل بها، وقبضت المرأة صداقها من الأب، ثم مات الأب؟

قال: فالصداق مردود على ورثة الأب، ولا يكون ذلك لها، لأنها عطية لوارث، فيكون صداقها ديناً على زوجها تتبعه به.
قال ابن المواز: ولا يحال بينه وبينها لذلك، وذلك إذا بقي في يديها ربع دينار، وإلا حيل بينهما حتى يدفع ربع دينار.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن كان الولد صغيراً وله مال نظر فيه وليه أو وصيه، فإن رأى في إجازة ذلك غبطة دفع إليها الصداق من مال الولد، وثبت النكاح، وإن رأى غير ذلك فسخه، وإن طلبت الزوجة ذلك في مرض الأب لم يكن لها شيء من مال الأب، وقد قال مالك فيما يضمن الأب عن ابنه في مرضه: لا يعجبني هذا النكاح.
قال ابن القاسم: وإن صح الأب لزمه الضمان ثم إن مرض بعد صحته فقد ثبت عليه الضمان.
قال ابن المواز: وإن ضمن الأب صداق ابنته في مرضه فابن القاسم وأشهب يريانه كالوصية لابنته فهي باطلة إن مات.
وقال ابن وهب وعبد الملك: هو وصية للزوج من الثلث، وقاله مالك.
ابن المواز: وهو القياس إلا أن يكون أكثر من صداق مثلها فترد الزيادة، فإن طلقها قبل البناء وقبل موت الأب فلها نصف المهر من ثلثه، ولا شيء للزوج في النصف الباقي، لأنها عطية لزمته في نكاحه، فما لم يجب عليه فهو عطية لم تقبض، وما وجب عليه فهو كالمقبوض.
قال ابن الماجشون: وقال ابن دينار وغيره من أصحابنا: إن طلقها قبل البناء فلا شيء لها من تركة الأب، لأنه أعطاها على أنه إن هي دخلت تمت لها وإن طلقت أخذت بمعنى الوصية للوارث.

وخالف ذلك عبد الملك وأخذ بقول مالك.
قال ابن المواز: وهو الصواب.
وقد سئل أشهب فيمن أقر في مرضه أنه قبض صداق ابنته، ولم يدخل بها زوجها، ثم مات الأب؟ فقال: إن ترك مالاً أخذ من ماله.
قال ابن المواز: فقد ترك قوله الأول لهذا، لأنه لو كانت الأولى عطيةً لابنته كانت هذه مثلها، لأنه إنما يخرج ذلك من ماله لابنته، فهو بمنزلة ما لو قال: ادفعوا ذلك لها عن زوجها.
قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: إذا زوج ابنه الصغير ولا مال للابن وشرط في عقد نكاحه أن يعطيه داراً أو مالاً نحا بعض شيوخنا من أهل بلدنا أن الصداق يكون على الابن لا على الأب، لأنه صار موسراً بما أعطاه الأب.
قال: وفي المسألة نظر، لأنه لم يتقدم يسره بهذا المال قبل عقد النكاح، وإنما صار موسراً بعد عقد النكاح.
قال الشيخ: والصواب ما قال الشيخ، لأنه معلوم أنه لم يتم العقد إلا بيسره، فهو كالموسر قبل العقد، وإنما العلة أن يكون له مالٌ، وبالعقد يؤخذ منه الصداق، وذلك موجودٌ في هذا، وأما الفقير فالأب كالمشتري له، فالثمن عليه، إذ لا حجة بأن يقول: يدفع ذلك من ماله، وهو لا مال له.
والله أعلم.

ابن حبيب: ومن زوج ابنه الصغير أو الكبير أو أجنبياً وضمن صداقه ثم قال الأب: إنما أردت الحمالة، أو قاله ورثته بعد موته، وقالت الزوجة أو الابن أو الأجنبي: بل أراد الحمل، فإن لم تذكر البينة تفسير ذلك فهو على الحمل حتى ينص على الحمالة نصاً، قال ابن الماجشون.
قال الشيخ: لأن العرف في ضمان الصدقات أنه على الحمل حتى يشترط غيره.
ابن المواز: قال ابن القاسم: وإذا تزوج الصغير واشترط عليه شروط بتمليكٍ وعتقٍ وطلاقٍ فأجاز وليه ذلك، أو زوجه وليه على ذلك فلا يلزمه منها شيء إلا أن يلزمها نفسه بعد البلوغ، وإذا بلغ قبل البناء وعلم بالشروط ودخل عليها لزمته، وإن بنى ولم يعلم بها لم يلزمه منها شيء.
قال: وإذا لم يرض قبل البناء بالشروط قيل له: إما أن ترضى، أو تطلق وتغرم نصف الصداق.
قال أصبغ: وإذا اختار الفسخ فلا شيء عليه ولا على أبيه إذا لم يدخل، ولو كان يوم زوجه لا مال له.
ابن المواز: وهذا أحب إلينا، إلا أن تسقط المرأة الشروط فيلزمه النكاح كرسول الرجل يزوجه بشرط، فإن بنى بعد العلم لزمه، وإن لم يبن ولم يرض فإما رضيت بغير شرطٍ وإلا فسخ ولا شيء عليه.

جارٍ التحميل