قال ابن حبيب: وإن دعاه في الثالث من لم يكن دعاه، أو دعاه مرة فذلك واسع سائغ، وقد أولم ابن سيرين ثمانية أيام، فمن وسَّع الله عليه فليولم من يوم ابتنائه إلى مثله.
[فصل 3 - فيمن نكح بغير بينة]
ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج بغير بينة على غير استسرار فالنكاح جائز، ويُشهدان فيما يَستقبلان.
وإن أقر الزوج والولي بالعقد ثم قالا أو أحدهما: لم نُشْهِد، أَشْهَدا الآن، وليس لأحدهما فسخه -يريد في هذا كله- قبل البناء.
قال ابن المواز: قال مالك: ولو دخل الزوج قبل أن يُشْهِدَ فرِّق بينهما بطلقةٍ بائنة، وخطبها إن أحب بعد استبرائها بثلاث حيض.
قال ابن حبيب: ولا يحدَّان إن كان أمرهما فَاشِيًا كانا عالمين أو جاهلين وإن لم يكن فاشيًا حُدَّا، كانا عالمين أو جاهلين.
قال: والشاهد الواحد لهما بالنكاح، أو معرفة ابتنائهما باسم النكاح وذكرِه وإشهاره فهو كالأمر الفاشي من نكاحهما، قاله ابن الماجشون وأصبغ.
وقال ابن القاسم: إذا لم يعذرا بالجهالة حُدَّا وإن كان أمرهما فاشيًا ولم أجد من يقول ذلك.
قال عبد الوهاب: يصح عندنا عقد النكاح من غير إشهاد خلافًا لأبي حنيفة والشافعي.
دليلنا: لأنه عقد من العقود فأشبه سائرها، ولأنه معنى يقصد به التوثُّق، فلم يكن شرطًا في العقد كالرهن والكفالة، فإذا ثبت أنه ليس بشرط في الصحة فإنه شرط في الكمال والفضيلة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا نكاح إلا بوليٍّ وشاهدي عدل».
ومن المدونة: وذكر ابن وهب أن حمزة بن عبد الله خطب [على ابنه] إلى سالم بن عبد الله ابنته فزوجه إياها وليس معهما غيرهما.
وقد ذكر مثل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لرجل: ألا أنكحك أميمة بنت ربيعة بن الحارث، فقال: بلى يا رسول الله، فقال: «قد أنكحتكها»، ولم يُشْهِد.
ابن المواز: وقد فعل ذلك ابن عمر حين زوج ابنته سودة من عروة، أخبرنا به غير واحد.
[فصل 4 - فيمن نكح بغير صداق]
ومن المدونة: قال مالك: ولا يزوج الرجل عبده أمته إلا ببينة وصداق.
قال ابن القاسم: فإن زوجه بغير بينة أَشْهَدا فيما يَستقبلان وجاز النكاح، وهذا إذا لم يكن دخل بها.
وإن زوجه إياها على أن لا صداق عليه فسخ النكاح قبل البناء، وثبت بعده وكان لها صداق مثلها.
قال في الثاني: وقيل: يفسخ بعد البناء.
قال عبد الوهاب: والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: 24]، وقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: 24]، وقال عليه الصلاة والسلام للذي خطب المرأة: «هل معك ما تستحلها به؟».
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو زوجه ولم يذكر الصداق ولا شرط إسقاطه فهذا التفويض، والنكاح جائز، ويُفرض للأمة صداق مثلها، لأن مالكًا قال ذلك في النساء، والنساء يجتمع فيه الحرائر والإماء.
فصل [5 - فيمن نكح سرًا]
قال ابن القاسم: ومن عقد نكاحه ببينة، واستكتم البينة ذلك عند العقد فالنكاح فاسد.
قال عبد الوهاب: خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، دليلنا قوله عليه الصلاة والسلام: «هذا النكاح لا السفاح»، ونهيه عن نكاح السر، ولأن التواصي بالكتمان من صفة الزنا، وذريعة إلى إضاعة الأنساب.
ومن الواضحة: وقول عمر في نكاح السر: لو تقدَّمتُ فيه لَرَجَمْت، تشديدًا في الزجر عنه.
وفي كتاب ابن المواز: إن عمر قال ذلك في نكاح عُقِدَ بشهادة امرأتين ودخل بها.
قال ابن حبيب: ويفسخ نكاح السر وإن دخل إلا أن يتطاول بعد الدخول فلا يفسخ، هذا قول مالك وأصحابه.
قال: وكل نكاح استكتمه الشهود وإن كثروا، أو عُقِدَ على وجه الاستسرار أو سئل الشهود أن يكتموا ذلك من امرأة له أخرى، أو يكتموا ذلك في منزل التي نكح، ويظهروه في غيره، أو يظهروه في المنزل ويكتموه في غيره، أو يكتموه ثلاثة أيام ونحوها، فذلك كله من نكاح السر يفسخ أبدًا ما لم يطل ذلك، وكذلك أخبرني من سمعه من مالك.
ومن العتبية: قال أصبغ: وسألت أشهب عمن عَقد فلما فرغ استكتم البينة؟ قال: إن لم تكن تلك نيته ولا عليه نكح في ضميره فلا بأس به.
قلت: فإن نكح على ذلك في ضميره؟
قال: فليفارق.
قال أصبغ: لا أرى أن يفسخ النكاح إن لم يكن إلا ضميره في نفسه، لأنه لا بأس أن يتزوج ونيته أن يفارق، ولكن إن كان مع ضميره مواطأة بينه وبين المرأة أو الأولياء وأخذاه مأخذ الاستسرار فهو فاسد وليفارِق.
ومن المدونة: وقال ابن شهاب فيمن نكح سرًا وأشهد رجلين: أنه يفرق بينهما وإن دخلا، ولها مهرها بالمسيس، وتعتد، ثم إن شاءت نكحته بعد العدة وإن فرق بينهما قبل البناء فلا صداق لها ويعاقب الزوجان والشاهدان بما كتما من ذلك.
وفي كتاب ابن المواز: روى ابن وهب عن مالك فيمن نكح بشاهدين واستكتمهما ذلك أنه يفرق بينهما بطلقة، ويكون لها صداقها إن دخل بها، ولا يعاقب الشاهدان إن جهلا ذلك، وإن أتيا ذلك بمعرفة أنه لا يصلح عوقبا.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن زوج ابنته الثيب فأنكرت ذلك، فشهد عليها الأب ورجل أجنبيٌّ أنها قد فوَّضت ذلك إلى أبيها فزوجها من هذا الرجل لم يجز إنكاحه، لأنه إنما شهد على فعل نفسه وهو خصم.
وقد قال مالك في رجل وجد مع امرأة في بيت، فشهد أبوها وأخوها أن الأب زوجها إياه، فلا يقبل ذلك، ولا يجوز نكاحه ويعاقبان.
-قال في كتاب الحدود: وإن ثبت الوطء حُدَّا-.
وإذا نكح مسلم ذمية بشهادة ذميين لم يجز نكاحه، فإن كان لم يدخل أشهد الآن مسلمين ولزمه النكاح.
قال يحي بن سعيد: تجوز شهادة الأبداد في النكاح والعتاق.
[الباب السابع عشر]
فيمن نكح على أنه بالخيار أو إلى أجل أو بصداق مجهول، أو بعضه مؤجل
[فصل 1 - فيمن نكح على أنه بالخيار]
قال ابن القاسم: ومن نكح على أن الخيار له أو للولي أو للزوجة أو لجميعهم يومًا أو يومين لم يجز، ويفسخ قبل البناء، إذ لو ماتا قبل الخيار لم يتوارثا وإن بنى بها ثبت النكاح وكان لها المسمى.
وكذلك الجواب فيمن تزوج امرأة على أنه إن لم يأت بالصداق إلى أجل كذا فلا نكاح بينهما، وقد كان مالك يقول: إن النكاح يفسخ بعد البناء، لأن فساده في عقده، ثم رجع فقال: يثبت بعده.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: يفسخ قبل البناء ويثبت بعده ولها صداق المثل.
قال ابن المواز: وإن شرط إن لم يأت به إلى أجل كذا فأمرها بيدها، فروى ابن القاسم عن مالك: أنه يفسخ ما لم يدخل، وروى عنه أشهب: أنه جائز.
وكذلك قال ابن القاسم وأشهب وأصبغ دخل أو لم يدخل، لأنه شرط لازم.
[فصل 2 - فيمن نكح بصداق مجهول]
ومن المدونة: قال: ومن نكح امرأة على أحد عبديه أيهما شاءت المرأة جاز ذلك، وإن كان أيهما شاء الزوج لم يجز، وكذلك البيع.
قال سحنون: هما سواء إذا قال: أيهما شئت أنت، أو شئت أنا، فالنكاح جائز في الوجهين، وكذلك في البيع.
قال ربيعة ومالك: الصداق ما وقع به النكاح.
فصل [3 - فيمن نكح إلى أجل]
قال مالك: ولا يجوز النكاح إلى أجل قَرُب أو بَعُد وإن سمى صداقًا ورضي بذلك الولي فالنكاح باطل ويفسخ، دخل بها أو لم يدخل، وهذه المتعة، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام تحريمها.
قال ابن القاسم: ومن قال لامرأة: إذا مضى شهر فأنا أتزوجك، فرضيت ورضي الولي، فهذا النكاح باطل لا يقام عليه، ومن نكح وفي نفسه أن يفارق فليس من ذلك.
[فصل 4 - فيمن نكح بصداق بعضه مؤجل]
قال مالك: ومن تزوج امرأة بصداقٍ بعضه معجَّل وباقيه مؤجَّل إلى سنة فلا يعجبني هذا النكاح، وليس هذا من نكاح من أدركت.
قال ابن القاسم: فإن نزل ذلك جاز النكاح، وكان للزوج إذا أتى بالمعجَّل أن يدخل بها، وليس لها منعه، ويتأخر بقية الصداق إلى أجله، وإن كان إلى أجل بعيدٍ جاز ما لم يتفاحش بعد ذلك، وإن تزوجها بصداقٍ نصفه نقد ونصفه على ظهره، فإن كان الذي على ظهره يحلُّ عندهم بالبناء جاز، وإن كان لا يحل إلا إلى موت أو فراق لم يجز النكاح، وفسخ قبل البناء وثبت بعده، وكان لها صداق المثل إلا أن يكون صداق مثلها أقلَّ مما عجِّل فلا يُنقص من المعجَّل، ولمالك قول أن لها المعجَّل وقيمة المؤجَّل، ولا يعجبني.
قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران فيمن تزوج بصداقٍ على ظهره إنه إنما عمل ذلك على العادة عندهم، فإن كانت العادة فيه الحلول أخذ حالاً، وإن كانت العادة فيه إلى أجلٍ معلوم فهو إلى ذلك الأجل، وإن كان عرفهم أن يكون إلى موت أو فراق فالنكَاح مفسوخ قبل البناء، لأنهم وإن سمَّوه على ظهره فليس ذلك بأكثر من أن يسموه دينًا عليه، وإنما يُحمل الأمر فيه على عادة بلدهم، والذي يحلُّ عند مالكٍ بالدخول فإنما تكلَّم على أن الدخول معلوم عندهم، ولو تأخر عن العادة التي يعرفونها لكان يلزمه أداء الصداق عند مالك، إلا على قول
سحنون الذي يقول: إنهم إذا جعلوا المهر إلى أجل فحلَّ الأجل قبل الدخول فلا يؤخذ ذلك حتى يدخل.
قيل له: فما ترى في قول سحنون أن الصداق بعد الدخول بالقرب لا يؤخذ؟
قال: كنا قد تكلمنا في هذا ثم وقع عندي أن ذلك لو كان كما قال سحنون لكان يقال: إن الصداق يكون إلى أجل مجهول إذا رددنا الأمر فيه إلى اجتهاد الحاكم، فلا يجوز النكاح على هذا.
قال ابن المواز عن أصبغ: ومن تزوج بمئة نقدًا وبمئة إلى موت أو فراق، فتركت المرأة المئة الغرر، أو رضي الزوج أن يعجِّلها وذلك قبل البناء ثبت النكاح، وكذلك لو نكحت ببعير شارد، أو عبد آبق، أو جنين في بطن أمه، ومع ذلك ربع دينار فصاعدًا، فإن رضيت بربع الدينار وإسقاط ما معه من الغرر جاز، ولو رضي الزوج بتعجيل قيمة العبد الآبق على غير إباق نقدًا تمَّ النكاح، وإذا لم يكن مع الآبق أو الجنين شيء فلابد من فسخه وإن رضيا بصداق صحيح إلا أن يدخل، وإن كان مع ذلك ربع دينار فلم يفسخ حتى رجع الآبق والشارد وخرج الجنين حيًا، فإن لم ترض بربع الدينار وحده فسخ النكاح، إلا أن يرضى الزوج أن يدع لها ذلك فيجوز.
قال أصبغ: وإن في هذا لمغمزًا ولكنه قول أصحابنا، والقياس فيه الفسخ إلا أن يبني.
قال الشيخ: وهو ظاهر المدونة أنه يفسخ.
[الباب الثامن عشر]
في شروط النكاح وجده وهزله
[فصل 1 - في شروط النكاح]
وقد أبطل الرسول عليه الصلاة والسلام كلَّ شرطٍ ليس في كتاب الله عز وجل، وروى ابن وهب أن رجلاً تزوج امرأة على عهد عمر بن الخطاب وشرط لها ألا يخرجها من أرضها، فوضع عنه عمر هذا الشرط وقال: المرأة مع زوجها.
قال مالك: وليس لما يفسد به النكاح من الشروط حد.
قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأة على شروط تلزمه فصالحها، أو طلقها طلقة فانقضت عدتها، ثم تزوجها بعد ذلك بنكاحٍ جديد لزمته تلك الشروط ما بقي من طلاق ذلك الملك شيء، ولو شرط في نكاحه الثاني أنه إنما ينكح على أن لا يلزمه من تلك الشروط شيء لم ينفعه شرطه، وهي لازمة له في بقية طلاق ذلك الملك.
قال مالك: ومن تزوج امرأة على أن لا يتزوج عليها ولا يتسَّرى جاز النكاح وبطل الشرط.
قال مالك: ومن تزوج امرأة على شروط، وحطَّت عنه من مهر مثلها لتلك الشروط، فإن كان كل ما حطَّت من ذلك في عقد النكاح لم ترجع به على الزوج وبطل الشرط إلا أن يكون فيه عتقٌ أو طلاق، وإن حطَّت ذلك عنه بعد عقد النكاح على أن شرطت عليه تلك الشروط لزمه ذلك، فإن أتى شيئًا مما شرطت عليه رجعت عليه بما وضعت عنه من المال فأخذته منه، مثل ما تشترط ألا يخرجني من مِصْري، ولا يتسرَّى علي، ولا يتزوج علي.
وقال علي بن زياد في النكاح الثاني: إن حطَّته في العقد من صداق مثلها لما شرطت عليه لزمه ما حطَّته إن فعل من ذلك شيئًا، وإن كانت الحطيطة مما ناف على صداق المثل لم يلزمه شيء، ورواه ابن نافع عن مالك.
ابن المواز: ورواه أيضًا أشهب عن مالك وأخذ به ابن عبد الحكم، وأخذ أصبغ وجميع أصحاب ابن القاسم برواية ابن القاسم وبه أقول.
ابن المواز: قال أشهب: وسئل مالك عمن خطب امرأة فواطأها على ستين دينارًا، فلما أراد أن يتزوجها بذلك قال له أبوها: هل لك أن أصغ عنك عشرين دينارًا وأزوجكها بأربعين على أن لا تخرجها من المدينة؟
قال مالك: ذلك له وعليه العشرون التي وضعت له لمكان الشرط.
قيل له: إنه لم يقع النكاح بستين وإنما كانت مذاكرة، أفتكون صداقًا؟
قال: نعم، وإنما الذي لا يكون لها عليه أن تقول: أتزوجك بمئتي دينار، ثم أضع عنك مئة على أن لا تفعل، فهذا الذي ليس بصداق، وله أن يفعل، يخرجها ويتزوج.
قيل له: فإن طلقها قبل أن يمسها؟
قال: قال مالك: إذًا لا تأخذ إلا نصف الأربعين، وليس لها في هذا حجة، لأنه قد تركها على شرطها ووفَّي به لها ولم ينقضه حتى فارقها.
ابن المواز: وإنما قال ذلك مالك لأنه قد كان رضي بالستين لو لم تطرح عنه منها شيئًا للشرط، وهو مذهب أشهب وابن القاسم وابن وهب وعبد الملك، وهو الصواب إن شاء الله.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أعطته مالاً على أن لا يتزوج عليها، فإن فعل فهي طالق ثلاثًا، فإن فعل وقع الطلاق وبانت منه، ولم ترجع عليه بشيء لأنها اشترت طلاقها بما وضعت عنه.
فصل [2 - في جد النكاح وهزله]
قال ابن القاسم: وإذا قال الخاطب للأب في البكر، أو الولي المفوَّض إليه: زوجني فلانة بمئة دينار، فقال: قد فعلت، ثم قال الخاطب: لا أرضى، لم
ينفعه ذلك، ولزمه النكاح، بخلاف البيع، لأن ابن المسيب قال: ثلاثٌ ليس فيهن لعبٌ، هَزْلُهنَّ جِدُّ: النكاح، والطلاق، والعتاق.
وقال أبو بكر بن اللبَّاد: وروى ابن وهب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثلاثٌ جِدُّهُنَّ وهَزْلهُنَّ جِدُّ: النكاح، والطلاق، والعتاق».
وقال علي بن زياد في المستخرجة: لا يجوز نكاح هزلٍ ولا لعبٍ، ويفسخ قبل البناء ويثبت بعده.
وبالأول أقول وأُلزمه النكاح.
[الباب التاسع عشر]
في نكاح الخصي والمجبوب والعبد ومن فيه بقية رق
[فصل 1 - في نكاح الخصي والمجبوب]
قال الله عز وجل: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3]، قال مالك: ويجوز نكاح الخصيِّ وطلاقه، ويجوز نكاح المجبوب، لأنه يحتاج إلى أشياء من أمر النساء.
[فصل 2 - في نكاح العبد]
قال مالك: أحسن ما سمعت أن للعبد أن يتزوج أربعًا إن شاء حرائر أو إماء، لقول الله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] الآية.
قال مالك: وحدُّ العبد في الفِرْيَة أربعون جلدة، وطلاقه طلقتان.
قال أبو محمد: وجعل الله حدَّ العبد نصف حدِّ الحر، لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25]، والطلاق من معنى الحدود ويجرُّ
إلى ما يوجبها.
قال مالك: وأجله في العِنَّة والاعتراض والإيلاء نصف أجل الحر.
-قال الشيخ: لأنه مما يجرُّ إلى الطلاق-
قال مالك: وكذلك سائر حدوده، وكفارته في الظهار والإيلاء وفي كل الكفارات كالحر.
-قال الشيخ: لعموم الآية-
قال مالك: إلا أنه لا يجزيه العتق في الكفارات، إذ الولاء لغيره.
قال مالك: والصوم له في كفارة اليمين أحب إلي، فإن أطعم أو كسا بإذن سيده رجوت أن يجزيه.
واستثقل مالك أن يتزوج العبد ابنة مولاه.
قال الشيخ: وإنما استثقله مالك خوفًا أن يَهلك مولاه فترثه ابنته وتملك العبد وينفسخ النكاح.
وأجاز ابن القاسم للعبد والمكاتب أن يتزوج ابنة مولاه.
قال الشيخ: لأنه حين النكاح ليس بعبدٍ لها، فنكاحه جائزٌ، ولا يراعى موت سيده، لأن من أصلنا ألَّا يُتْرك أمرٌ واجبٌ لأمر قد يكون أو لا يكون.
[فصل 3 - في الصداق في نكاح العيد]
قال ابن القاسم: ومن زوج عبده فالمهر على العبد إلا أن يشترطه السيد على نفسه.
قال الشيخ: لأن سبيل العوض أن يكون على المُعَوِّض إلا أن يكون شرط فَيُعمل عليه.
قال ربيعة: وإن خطب عليه السيد وسمى [صداقًا] فالصداق على السيد وإن أذن له فنكح فذلك على العبد، فللحرة ما سمى، وكذلك للأمة إلا أن يجاوز ثلث قيمتها.
قال الشيخ: ووجه هذا: أنه إذا خطب عليه وسمى فهو كالوكيل على الشراء فالثمن عليه وإن قال: أشترى لفلان، إلا أن يقول: فلانٌ يَنقُدُك دُوني، وإن أذن له فنكح فالعبد هو المشتري وعليه الثمن.
وقوله في الأمة: إلا أن يجاوز ثلث قيمتها، فكأنه رأى أن ذلك أعلى صداق الأمة، لأن النكاح إنما عمدة الغرض فيه الوطء، فشبَّه الوطء بالجائفة التي فيها ثلث الدية، وفي الأمة ثلث القيمة.
قال الشيخ: وقول ربيعة كله خلاف لقول مالك.
ومن المدونة: وإذا تزوج عبد أو مكاتب بغير إذن سيده ونقد المهر وبنى، فللسيد فسخه، ويترك للزوجة ربع دينار، وترد ما بقي، فإن أُعمدت أُتبعت به.
فإن عتق العبد أو أدى المكاتب اتبعته الزوجة بما أدت إن غرَّها، وإن بيَّن لها أو أخبرها أنه عبد فلا شيء لها، وإن أبطله السيد عنه أو السلطان قبل العتق لم يلزمه شيء إن عتق، وكذلك ما تداينه العبد بغير إذن سيده.
وإن لم يعلم السيد بنكاح عبده أو مكاتبه إلا بعد العتق فلا كلام له، والنكاح ثابتٌ، وكذلك ما أعتقه أو وهبه أو تصدق به.
وكل ما لزم ذمة العبد -يريد من صداق نكاح بإذن السيد أو تجارة أذن له فيها- فلا يأخذه الغرماء من خراجه وعمل يده.
قال ابن القاسم: ولا مما فضل من ذلك بيده.
قال مالك: وإنما يأخذون ذلك مما أفاده العبد بهبة أو صدقة أو وصية فإن عتق العبد يومًا ما أُتبع بذلك، وكل دين لحق المأذون له في التجارة كان دينه فيما
في يديه وفي كسبه في التجارة دون خراجه وعمل يده، ويَضرب فيه السيد بدينه مع الغرماء.
يريد: ما داينه به لا ما استنجده به.
[الباب العشرون]
في ملك أحد الزوجين صاحبه وهما عبدان أو حران
وأجمعوا أنه لا يجوز نكاح بين امرأة وعبدها أو بين حرٌ وأمته، فوجب بذلك إذا ملك أحد الزوجين صاحبه بعد النكاح أن يفسخ النكاح، ولا يجتمع ملك ونكاح.
قال الشيخ: وإنما لم يجتمع ملك ونكاح لأن الحقوق فيه تتعارض، فيؤدي ذلك إلى بطلانها، وذلك أن الحرة إذا تزوجت عبدها فمعلوم أن نفقة الزوجة على زوجها ونفقة العبد على سيده، فإذا طلبت الزوجة في هذا نفقتها من زوجها الذي هو عبدها طلبها هو بنفقته، فأدى ذلك إلى إبطال النفقة عن كل واحد منهما، وذلك خلاف السنة، وذلك إذا تزوج.
ولأن الرجل إذا تزوج أمته فالزوجة لها عليه حق في الوطء، وليس ذلك للأمة، فإذا طلبته بالوطء بالزوجية طلبها برفعه عنه بالملك، وليم يصح لها مرافعته في الإيلاء منها، فخالف في ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وبالله التوفيق.
قال مالك: وإذا اشترى المكاتب والمأذون له زوجته انفسخ النكاح فسخًا بغير طلاق.
قال الشيخ: لأنه أمرٌ مجتمعٌ على فسخه، فهو كمتزوج الخامسة أو أخته من الرضاعة.
قال مالك: ويطؤها بملك اليمين.
قال مالك: وإذا اشترت المرأة زوجها بعد البناء فسخ النكاح.
قال ابن القاسم: وتتبعه بمهرها، لأن مالكًا قال فيمن داين عبدًا ثم اشتراه: أنه يتبعه بدينه، قال: وإن اشترته قبل البناء فلا مهر لها.
قال سحنون: ألا ترى أنها وسيده اغتزيا فسخ نكاحه، فلا يجوز شراؤها له، وتبقى له زوجة، إذ الطلاق بيده، فلا تخرج من عصمته بالضرر.
وفي النكاح الثاني شيء من هذا.
قال مالك: ولا يتزوج الرجل مكاتبته ولا أمته، ولا المرأة مكاتبها وهو عبده مادام في حال الأداء، لا بأس أن يرى شعرها إن كان وَغْدَاً دنيئًا لا خَطْبَ له، وإن كان له خطبٌ ومنظرٌ فلا يرى شعرها، وكذلك عبدها.
قال مالك: وإن كان عبدًا لها فيه شركٌ فلا يرى شعرها وَغْدَاً كان أو غير وَغْد.
قال ابن القاسم: والوَغْد الذي لا منظر له ولا خطب.
قال: ولا يتزوج الرجل أمة ولده وإن كان الأب عبدًا وكأنها أمته، إذ لو زني بها لم يحد، وجائزٌ أن يتزوج أمة والده أو أمة أُمِّه أو أخيه، إذ لو زني بها حُد.
قال: وإذا اشترى الولد زوجته من أبيه لم تكن بما ولدت منه قبل الشراء ولا يحمل إن كان بها يوم الشراء أم ولد، لأن ذلك الحمل قد عتق على جده، ولو كانت أمة أجنبيٌ فاشتراها وهي حاملٌ كانت به أم ولدٍ، لأنه عليه عَتَق.
وقال غيره: لا يجوز للابن شراؤها، لأن ما في بطنها قد عتق على جده.
وهذه في كتاب أمهات الأولاد مُستوعَبة.
قال ابن القاسم: وإذا كان للعبد المأذون له في التجارة أو المحجور عليه أمةٌ فأراد سيده أن يزوجها منه، فوجه الشأن في ذلك -وهو أحب إلي- أن ينتزعها منه ثم يزوجها له بصداق، فإن زوجها إياه قبل أن ينتزعها فالنكاح جائز، وكان ذلك انتزاعا، وكذلك إن أراد السيد أن يطأها فأحب إلى أن ينتزعها منه ثم يطؤها، فإن وطئها قبل أن ينتزعها منه كان ذلك انتزاعًا.
[الباب الحادي والعشرون]
في نكاح الحر الأمة ونكاحه إياها على الحرة أو الحرة عليها وكيف إن كان عبدًا، وفي تسري العبد والمكاتب ونكاحه
[فصل 1 - في نكاح الحر الأمة]
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 25] فعلَّقه بشرطين، عدم الطَّول، وخشية العنت.
قال ابن حبيب: وهي محكمةٌ فلا تحل له الأمة إلا بعد عدم الطول، وخوف العنت، وهو الزنا، وهو قول علي وابن عباس وابن مسعود وأصحاب مالك، ورواه ابن وهب عن مالك.
قال غليه: وقد اختُلف في نسخها.
وكان من قول مالك فيمن تزوج أمةٌ على حرةٍ وهو يجد طولاً أن يفرق بينهما وإن خشي العنت، قال: ويضرب، ثم رجع فأجازه وجعل الخيار للحرة، وقال: لولا ما قاله مَنْ قبلي من العلماء رضي الله عنهم -يريد ابن المسيب
وغيره - لأجزته، لأنه حلالٌ في كتاب الله جل وعز.
قال الشيخ: يريد قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32].
قال ابن القاسم: فللحر أن يتزوج من الإماء ما بينه وبين أربع، وذلك إذا لم يجد طولاً لحرةٍ وخشي العنت، وذلك للعبد وإن لم يخش العنت.
قال عبد الوهاب: لنقصه بالرق كَهِي، ولأنه لا عار عليه في استرقاق ولده، لأن ذلك ليس بأكثر من استرقاق نفسه، وليس للحر استرقاق ولده مع الاستغناء عنه.
قال: وللعبد عندنا أن يتزوج أربع حرائر أو إماء خلافًا لأبي حنيفة [والشافعي] لقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] الآية فعم.
[فصل 2 - في نكاح الحر الأمة على الحرة أو الحرة عليها]
ومن المدونة: قال مالك: ولا ينكح الحر أمةَّ على حرة فإن فعل جاز النكاح وخيرت الحرة في أن تقيم معه أو تختار نفسها.
ابن وهب: وكره ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما أن ينكح على الحرة أمة، وأن يجمع بينهما، وقاله جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وقال: وله أن ينكح الحرة على الأمة.
قال ابن المسيب: إذا تزوج الحرة على الأمة ولم تعلم الحرة فهي بالخيار في أن تفارقه أو تقيم معه ويكون لها الثلثان من نفسه وماله، وقاله ابن شهاب.
قال ابن القاسم: فإذا تزوج الحرة على الأمة، ولم تعلم فاختارت فراقه فلا نقضي إلا بواحدةٍ وتكون بائنة، بخلاف خيار المعتقة.
-قال ابن المواز: فإن فسخت بالثلاث لزمت وقد أساءت، وقال أصبغ-.
قال مالك: وإن رضيت بالمقام مع زوجها ساوى بينهما في القسم.
ورأى ابن المسيب أن للحرة الثلثين.
قال عبد الوهاب: وقال عبد الملك: الحرة مخيرة في أن تجيز نكاح الأمة أو تفسخه، فوجه قول مالك: أنها إزالة الضرر عن نفسها بما لا تضر به غيرها، فإما أقامت أو فارقت فلا سبيل لها على نكاح الأمة.
ووجه قول عبد الملك: أن الضرر الذي دخل عليها كون الأمة ضرةً لها فلها أن تزيله، وأما الخيار في فسخ نكاح نفسها، فليس ذلك إزالة ضررٍ بل زيادةٌ فيه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن تزوج على الحرة أمةً فرضيت ثم تزوج عليها أخرى فأنكرت كان لها الخيار أيضًا.
قال مالك: ولا بأس بنكاح حرةٍ على أمة، وللحرة الخيار إن لم تكن علمت أن تحته أمة.
قال ابن القاسم: فإن كان تحته أمتان فعلمت بواحدةٍ فلها الخيار بعد علمها بالأخرى، فإن رضيت فلها ثلث القسم.
قال مالك: وإنما جعلنا للحرة الخيار في ذلك لما قالت العلماء، ولولا ما قالوه لرأيته حلالاً، لأنه في كتاب الله حلال.
قال سحنون: هو قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32].
وقال ابن القاسم: إنما جعلنا الخيار للحرة إذا تزوج عليها أمة، أو تزوجها هي على الأمة والحرة لم تعلم، لأن الحر ليس من نكاحه الأمة إلا أن يخشى العنت، فإذا خشي العنت وتزوج أمةً كانت الحرة بالخيار.
وقال عبد الوهاب: إنما كان للحرة الخيار للنقص الداخل عليها بأن تكون ضرتها أمة.
قال: وإذا تزوج الحرة على الأمة ولم تكن علمت فقيل: لها الخيار بين أن تقيم أو تفارق.
وقيل: لا خيار لها.
فوجه أن لها الخيار فلرفع الضرر عنها بأن تكون ضرتها أمة.
ووجه أن لا خيار لها فلأنها فرضت في استعلام ذلك.
قال الشيخ: فصار في نكاحه الأمة على الحرة ثلاثة أقوال:
قول: أن الحرة مخيرة في أن تقيم أو تفارق، والثاني: أن تقيم مع الأمة أو تطلقها عليه، والثالث: أنه يفسخ على كل حال.
وصار في نكاحه الحرة على الأمة قولان:
أحدهما: إن لم تعلم الحرة خيرت الحرة بين أن تقيم أو تفارق.
والثاني: لا خيار للحرة.
وذكر في الواضحة أحاديث عن عمر وغيره من الصحابة إذا تزوج الحرة على الأمة فرق بينه وبين الأمة، واختار ذلك عبد الملك بن حبيب واستحسنه.
قال: إلا ألا يكتفي بالحرة ولا يجد ما ينكح به حرةً أخرى فلا تحرم عليه الأمة التي عنده.
فصل [3 - في شروط نكاح الحر الأمة]
ومن المدونة: قال ابن وهب: قال مالك: ويجوز للحر أن ينكح أربع مملوكات إذا كان على ما ذكره الله تعالى في كتابه في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25].
قال: والطَّول عندنا المال، فمن لم يستطع طولاً وخشي العنت فقد أرخص الله له في نكاح أمةٍ مؤمنةٍ.
وروى ابن وهب وابن القاسم وعلي بن زياد عن مالكٍ أنه قال: لا ينبغي للحر أن يتزوج أمةً وهو يجد طولاً لحرة، ولا في عدم الطول إلا أن يخشى العنت كما قال الله تعالى.
وقال غيره: لا ينكح أمةً على حرةٍ إلا أن تشاء الحرة، وهو لا ينكحها على حرة، ولا على أمة، وليس عنده شيء، ولا على حالٍ إلا أن يكون ممن لا يجد طولاً وخشي العنت.
قال مالك: وليس الحرة تحته بطولٍ يمنعه نكاح أمةٍ إذا خشي العنت، لأنه لا يتصرف فيها تصرف المال فينكح بها.
قبل لابن القاسم: فإن لم يخش على نفسه العنت وتزوج أمة؟
قال: كان مالك يقول: ليس له أن يتزوجها إذا لم يخش العنت، وإن كان تحته حرةً فلا يتزوج أمة، فإن تزوجها على حرةٍ فرق بينه وبين الأمة، ثم رجع فقال: إن تزوجها خيرت الحرة.
قال عبد الوهاب: فوجه القول الأول بأنه يفرق بينه وبين الأمة، لأن الحرة تحته من الطول، لأن الطول كونه قادرًا على صداق الحرة، فكون الحرة تحته أولى بأن تكون طولاً.
ووجه قوله أنه يصح وتخير الحرة: أن الطول القدرة على صداق حرة، لا على حرةٍ متقدمةٍ كما قال مالك، لأنه لا يتصرف فيها تصرف المال فينكح بها.
فصل [4 - في نكاح العبد حرة على أمة، أو أمة على حرة]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا نكح عبدٌ حرةً على أمةٍ، أو أمةً على حرةٍ فلا خيار للحرة، لأن الأمة من نسائه.
قال مالك: ويقسم العبد بين الحرة والأمة بالسواء.
فصل [5 - في تسرِّي العبد والمكاتب]
وللمكاتب والعبد التسري في أموالهما بغير إذن السيد.
ابن وهب: وقاله غير واحدٍ من العلماء والتابعين.
قال الشيخ: يريد إذا كان العبد مأذونًا له في التجارة، وأما المحجور فلا إلا بإذنه.
قال مالك في المختصر الكبير: إن كان بيد العبد مالٌ للسيد فليس له أن يتسرَّى فيه وإن أذن له إلا أن يهب له المال فله حينئذٍ أن يتسرَّى وإن لم يذكر له التسري فيه.
فصل [6 - في نكاح المكاتب والمكاتبة بغير إذن السيد]
قال ابن القاسم: ولا يتزوج مكاتبٌ ولا مكاتبةٌ بغير إذن السيد لرجاء فضلٍ أو غيره، لأن ذلك يعيبها إذا عجزا، فإن فعلا فللسيد فسخه.
ولا يجوز لمن عليه رقٌ لغيره أن ينكح إلا بإذن من له الرق فيه، قال الله تعالى ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ [النساء: 25].
[الباب الثاني والعشرون]
في الأمة والحرة والعبد يغرون من أنفسهم أو يغر منهم أجنبي
[فصل 1 - في الأمة تَغُرَّ من نفسها وحكم ولدها]
وقد قضى عمر وعثمان في ولد الأمة الغارَّة لسيدها بمثلهم.
قال مالك: وذلك يرجع إلى القيمة.
قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةً أخبرته أنها حرةٌ ثم علم قبل البناء أنها أمةٌ أذن لها السيد أن تستخلف رجلاً على إنكاحها، فللزوج الفراق، ولا صداق لها، وإن كان قد بنى بها فلها المسمى إلا أن يزيد على صداق المثل فلترد ما زاد.
قال ابن القاسم: وإن شاء ثبت على نكاحها وكان لها المسمى.
قال الشيخ: وبيانه أن لها الأقل من المسمى أو صداق المثل.
قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز: فإن نقص المسمى عن صداق المثل فعلى الزوج تمامه.
وقال أشهب: لا شيء عليه فيما نقص عن ذلك، ولا حجة للسيد كما لو زنى بها طائعةً.
قال الشيخ: يريد: فلا يكون عليه شيء، فكذلك ما زاد على المسمى لا شيء للسيد فيه.
قال الشيخ: وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة.
ومن العتبية: قال أصبغ: قال ابن القاسم: وإذا قال الزوج: ظننتها حرة، فهو على قوله، قال أصبغ: والسيد مدَّعٍ فعليه البينة، وليس على الزوج بينةٌ أنه نكح على أنها حرة.
قال في كتاب محمد: وإذا زوج الحر امرأةً ولم يشترط أنها حرة فله الخيار إذا ظهر أنها أمة.
قال أصبغ في العتبية: ولو أقر الزج الآن أنه نكحها عالمًا أنها أمة، وقد فشا أنها غرته من الحرية، والسماع على ذلك أو الشك فلا يصدق الأب على ما يدفع عن نفسه من غرم قيمة ولده ويريده إرقاقهم.
ومن المدونة: قال مالك: وللسيد على الأب قيمة الولد يوم الحكم، ولا شيء على الأب فيمن مات منهم قبل ذلك، ومن قَتَل ولدها فأخذ الأب منه دية حر، ثم استحقَّت الأم فعليه الأقل من قيمته يوم القتل عبدًا أو ما أخذ في ديته.
ابن المواز: وقال أشهب: لا شيء للمستحق من قيمة الولد، كما لو اقتص الأب من قاتله، أو هرب قاتله، وكما لو مات الولد وترك مالاً كثيرًا لكان ذلك لأبيه خاصة.
قال أصبغ: إذا قتل الولد فأخذ الأب ديتهم فاستهلكها ثم أعدم في قيام السيد فلا يرجع السيد على غارم الدية بشيء، لأنه ودى ذلك بحكمٍ لزمه.
ومن المدونة: وإن استُحِقَّت وفي بطنها جنينٌ فعلى الأب قيمته يوم الوضع وهو حر، ولو ضرب رجلٌ بطنها قبل الاستحقاق أو بعده فألقت جنينًا ميتًا فللأب عليه غرة عبد أو وليدة، لأنه حر، ثم للمستحق على الأب الأقل من ذلك أو من عُشُر قيمة أمه يوم ضُربت، ولا يكون على الأب أكثر مما أخذ، ولا على الضارب أكثر من الغرة.
ابن المواز: وقال أشهب: لا شيء للمستحق كما قال في القتل.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: قال مالك: وولدها لاحق النسب، له حكم الحر في النفس والجِراح، وفيه الغرة قبل الاستحقاق وبعده.
وإن استحقت الأمة بعد موت زوجها ولم يدَع مالاً، أو كان زوجها حيًا وهو عديمٌ وله منها ولد موسر، فللمستحق على الولد قيمته، وإن كان عديمًا فذلك عليه إن أيسر، وقيل: لا شيء على الولد من قيمة نفسه.
قال ابن القاسم: والقول فيها وفي ولدها كالقول في المستحقة بيد مشترِ سواء، وذلك في كتاب الاستحقاق مستوعب.
ولو استحق الأمة عم الولد أخذ قيمتهم، إذ لا يعتق عليه بنوا أخيه ولو كان جدهم لم يأخذ قيمتهم، لأنهم يعتقون عليه، ولا شيء له من ولائهم، لأنهم أحرارٌ، وإنما أُخذت القيمة منهم بالسنة.
قال ابن المواز في كتاب الغصب: ويكون ولاؤهم لأبيهم.
قال الشيخ: ولو كان إنما زوَّجه أبوه أمته وهو عالمٌ فهاهنا يكون ولاء ولده لجدهم، لأنهم عليه عتقوا، لأنه لو كان الزوج أجنبيًا لكانوا لسيد الأمة أرقاء، فإذا كان ولده عتقوا على الجد لأنهم ولد ولده، وفي الغارة هم أحرارٌ، وفي الولد وفي الأجنبي لم يعتقوا على أحدٍ، وإنما أخذت القيمة فيهم بالسنة، فالموضع الذي يكونون فيه أحرارًا يكون ولاؤهم في مسألة الولد للوالد، والموضع الذي يكونون فيه أرقاء يكون في مسألة الولد ولاؤهم لجدهم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو غرَّت أمة الأب ولده فتزوجها فولدت منه ثم استحقها الأب فلا شيء له من قيمة ولدها، إذ لو ملكهم عتقوا عليه وكذلك إن غرت أمة الولد والده فتزوجها فولدت منه.
قال سحنون في المجموعة: إذا غرت أمة الابن والده فتزوجها على أنها حرة فإن الأب يغرم قيمتها لولده، وتكون أم ولد للأب، وليس للابن أخذها، ولا شيء على الأب من قيمة الولد، والتزويج فيها ليس بتزويج.
وأما الابن الذي غرته أمة الأب فهو مثل الأجنبي يكون لها صداق مثلها، ويأخذها الأب ولا قيمة عليه في الولد.
فصل [2 - في ولد الغارَّة إن كانت أم ولد]
ومن المدونة: قال مالك: ولو كانت الغارَّة أم ولد فلمستحقها قيمة الولد على أبيهم على رجاء العتق لهم بموت سيد أمهم وخوف أن يموتوا على الرق قبله، وليس قيمتهم على أنهم عبيدٌ، لأنهم يعتقون إلى موت سيد أمهم، ولو مات سيد أمهم قبل القضاء لم يكن لورثته من قيمة الولد شيء، لأنهم بموت السيد عتقوا.
قال مالك: وإن وجد السيد ولدها مقتولاً فديته لأبيه دية حر، ويكون لسيد الأمة على أبيه الأقل مما أخذ أو من قيمتهم يوم القتل على الرجاء والخوف.
قال الشيخ: هكذا نقلها أبو محمد: قيمتهم على الرجاء والخوف، وهو الصواب، لأن الأب يقول: لو لم يقتلوا ما كان يلزمني إلا قيمتهم على الرجاء والخوف، فإذا كان ذلك أقل مما أخذت من الدية لم يلزمني غيره.
قال الشيخ: وقال بعض أصحابنا: بل يغرم الأقل مما أخذ أو قيمة الولد عبدا، لأن ولد أم الولد إذا قتل إنما تجب على القاتل قيمته عبدًا.
قال الشيخ: وتشبيهه قتله بما يلزم أباه فيه غلط، لأن ولد الغارة قد جعل قيمتهم على الأب على الرجاء والخوف تخفيفًا عنه، بخلاف ما يلزم القاتل فيهم.
[فصل 3 - في ولد الغارة إن كانت مدبرة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن غرت مدبَّرةٌ ففي ولدها القيمة على الرجاء [والخوف] أن يعتقوا أو يرقوا، بخلاف ولد أم الولد.
قال الشيخ: يريد قيمتهم على أنهم يعتقون بموت السيد إذا حملهم الثلث ولا دين على السيد، أو على أن يعتق ما حمل الثلث منهم، أو يرقوا إن كان على السيد دين، أو يموتوا قبل ذلك، فالخوف في رقهم أشد منه في ولد أم الولد، لأن العتق إنما يلحقهم في حال ويمتنع في أحوال، فلذلك قال: بخلاف ولد أم الولد.
وقال ابن المواز: بل يغرم الأب قيمتهم رقيقًا، لأنهم يرقون أحيانًا ولا ينفذ لهم العتق إلا بعد الموت من الثلث، والعتق فيهم اليوم أو كد من التدبير، كما لو اشترى رجلٌ مدبَّرًا فأعتقه وهو لا يعلم، ثم علم أنه مدبرٌ، ما كان من البائع أن يرد شيئًا من ثمنه على المشتري وإن كان قد غرَّه.
فصل [4 - في ولد الغارة إن كانت مكاتبة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن كانت مكاتبةٌ غرت من نفسها فولدت فلتؤخذ من الأب قيمتهم.
-قال ابن المواز: عبيدًا-.
قال ابن القاسم: فتوضع تلك القيمة على يدي رجل [عدل] فإن عجزت أخذ السيد القيمة، وإن ودت رجعت القيمة إلى الأب.
قال ابن المواز: واختلف فيه أصحابنا، وأحب إلي أن تعجل فيه القيمة للسيد فيحسبها في الكتابة إن كانت أقل منها أو مثلها، وإن كانت أكثر لم يلزم الأب إلا الأقل من بقية الكتابة، أو من قيمة الولد.
قال: وزعم ابن القاسم أن القيمة توقف، والذي يدخل عليه في ذلك أن يقال: أليس كل ما ولدته المكاتبة مدة الكتابة داخل في كتابتها؟ فكتابتها أحق بقيمة ولدها، كما لو قتل، وكما لو أعتقه السيد وهو ممن يسعى برضى الأم لسقط عنها ما يقع عليه من الكتابة، وولد هذه المستحقة دخله عتق لابد منه، وقد كان في كتابة أمه لولا هذه الحرية، فقيمته عوض منه.
قال ابن المواز: وأما المعتقة إلى أجل فولدها بمنزلتها، وعلى الأب قيمتهم على أنهم أحرار إلى ذلك الأجل.
قال ابن المواز: وإنما لزم الأب في ولد المستحقة قيمتهم يوم الحكم، لأنه ليس بغاصب، وقد قال عمر وعثمان: إنه يحكم لمستحق أُمِّهم بأمثالهم، فجعلت القيمة موضع ذلك، قال مالك: القيمة أعدل.
فصل [5 - في المغرور إن كان عبدا]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن غرت الأمة عبدًا أنها حرةٌ فتزوجها فولدت منه، فولدها يرق برقها، إذ لابد من رقِّه مع أحد الأبوين، فجعلتهم تبعًا للأم، لأن العبد لا يغرم قيمتهم.
قال في كتاب ابن المواز: ويرجع العبد على من غرَّه بالمهر، ثم لا يرجع من غره عليها، وإن لم يغره منها أحدٌ رجع عليها بالفضل على صداق مثلها، لحجته أنه رغب في حرية ولده، وهذا إن اشترط أنها حرةٌ، أو ظهر وجهٌ عُلِم به أنه عمل على أنها حرة، وإلا فلا يرجع بشيءٍ من الصداق، بخلاف الحر لا يشترط حريتها ثم يظهر أنها أمة.
فصل [6 - في الغار إن كان أجنبيا]
ومن قال لرجل: فلانة حرة، ثم زوجها إياه غيره فولدت أولادا، ثم إنها استحقت أنها أمةٌ فلا يكون المخبر هاهنا غارًا، ولا يرجع الزوج عليه بشيء، علم المخبر أنها أمةٌ أم لا، وكذلك إن ولي المخبر العقد ولم يعلم أنها أمة، وأما إن ولي المخبر العقد وهو يعلم أنها أمة فهاهنا يكون غارًا، ويرجع الزوج عليه بما ودى من الصداق.
ابن المواز: كان المخبر وليًا لها أم لا، فإنه يغرم إذا علم ثم عقد، ولا يترك لها ربع دينارٍ، وكأنه باعه البُضْع فاستُحِق.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يرجع عليه بما يغرم من قيمة الولد، إذ لم يغرم من ولده.
قال: ولو أنه إذ غره عالمًا وولي العقد أعلمه أنه غير وليٍّ لها لم يرجع عليه الزوج بشيء.
قال الشيخ: لأنه دخل على أمرٍ للولي فيه الخيار عنده وإن لم يعلم أنها أمة.
[فصل 7 - في العبد يغر من نفسه]
قال مالك: ولو غر عبدٌ حرةٌ فتزوجته على أنه حر، وأجاز السيد نكاحه، فلها أن تختار فراقه ما لم تدعه يطؤها بعد علمها به أنه عبد.
قال ابن القاسم: وإذا كرهته فرق السلطان بينهما إلا أن يتطوع الزوج بالفراق دونه.
قال ابن شهاب: ويُجلد العبد نكالاً بما كذبها وخَلَبَها.