وقال ابن أبي زمنين: قوله إن أسلم أبوه: لفظ مستغنى عنه وبسقوطه تصح المسألة.
وقال ابن كنانة في العتبية: في رجل أعتق ابن أمته عن رجل عربي: أنه ينتسب إلى أبيه وعشيرته، ولا يرثه الذي أعتقه.
وقاله سحنون.
قال أبو بكر بن اللباد: وقاله مالك.
في ولاء من أعتق الذمي، وولاء أم ولده، ومدبره، ومكاتبه، وإسلام العبد،
أو السيد في ذلك.
قال الرسول -عليه السلام-: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم».
قال ابن القاسم: وإذا أعتق النصراني عبداً له نصرانياً، فأسلم العبد المعتق وللسيد ورثه أحرار مسلمون رجال يرثون مثل أب، أو أخ، أو عم، أو ابن عم أو ابن ابن؛ فولاء العبد وميراثه لورثة سيده المسلمين دون السيد، وإن كان حياً؛ لأن الولاء للسيد إذا كان العبد نصرانياً، فإذا أسلم لم يرثه سيده؛ لاختلاف الدينين، والسيد في هذا الحال بمنزلة الميت؛ لا يحجب ورثته عن أن يرثوا ماله، ولا يرث هو، وكل من لا يرث فلا
يحجب عند مالك.
قال ابن القاسم: فإن أسلم السيد رجع إليه ولاء مولاه.
قال سحنون: ومعنى رجوع الولاء في هذا الباب؛ إنما هو الميراث، وأما الولاء فهو قائم لا ينتقل عنه.
م: صواب؛ لأن الولاء كالنسب، فكما لا تزول عنه الأبوة إن أسلم وله، فكذلك لا يزول عنه الولاء إن أسلم مولاه.
قال ابن القاسم: ألا ترى ألو مات لهذا النصراني ولد مسلم، وللنصراني عصبة مسلمون، أن عصبة النصراني المسلمون يرثون الولد، وكذلك ولاء مواليه.
قال: ولو أن نصرانياً من العرب من بني تغلب أعتق عبيداً له نصارى، ثم أسلموا وهلكوا عن مال؛ فميراثهم لعصبة سيدهم إن كانوا مسلمين يعرفوا وما جنى هؤلاء العبيد بعد إسلامهم؛ فعقلهم على بني تغلب.
ابن المواز وقال أشهب: ولو كان السيد النصراني ذمياً أعتق نصرانياً، فأسلم العتيق ثم جنى وسيده نصراني؛ فلا يلزم ذلك عصبة سيده، وإن كانوا مسلمين، ولا قرابته، ولا على سيده ولو أسلم، وذلك على بيت المال؛ إذ لو أسلم سيده ثم جنى جناية خطأ تبلغ ثلث
الدية فأكثر؛ لم يكن على عصبته وقومه شيء، وذلك على بيت المال، وذلك بخلاف العربي.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا أعتق النصراني عبداً له نصرانياً إلى أجل، أو دبره، أو كاتبه، ثم أسلم العبد قبل الأجل؛ فإنه يؤاجر المؤجر والمدبر، وتباع كتابة المكاتب، فإذا حل الأجل وأدى المكاتب كتابته كان حراً، وولاؤه للمسلمين إلا أن يسلم سيده، فيرجع إليه ولاؤه؛ لأنه عقد له العتق، والعبد على دينه، فلا أنظر إلى تمام حرمته، وأما المدبر فإن مات سيده على النصرانية؛ أعتق في ثلثه، وكان ولاؤه للمسلمين، إلا أن يكون لهذا النصراني ورثة مسلمون فيكون لهم ولاؤه.
قال: وإن حمل الثلث نصف هذا المدبر؛ أعتق منه محمل الثلث، ورق ما بقي؛ فإن كان ورثته نصارى: بيع عليهم ما رق منه، [وولاء ما أعتق منه للمسلمين، وإن كانوا مسلمين؛ كان ما رق منه] للمسلمين؛ لأن ورثته لا يرثونه، وكذلك إن لم يكن له ورثة؛ فإن ما رق منه للمسلمين.
م: والفرق بين ما تركه النصراني من الموالي للمسلمين، وبين ما تركه من مال أو عبد؛ إن ولده المسلمين يرثون الموالي ولا يرثون ما تركه من المال، هو: [أن ما ترك من الموالي هو] كولد حدث له فاسلم؛ لأن الولاء كالنسب، فإخوته المسلمون يرثونه، فكذلك يرثون الموالي؛ لأنه كنسب كان منعقداً لهم قبل موت أبيهم، فهو بخلاف ما تركه؛ لأن ما تركه مال، يورث عنه، فلا يرثه إلا من كان على دينه، لقول النبي -عليه السلام-: «لا يرث
المسلم الكافر»، وأما الموالي فليس بمال لهم، وإنما هم كولد له أسلم فيرثه أخوه المسلم، وإنما كان بيت مال المسلمين أولى بما تركه النصراني من ولد المسلمين؛ لأن السنة منعت أن يرثه عصبته المسلمون، فصار كمن لا وارث له، وكل من لا وارث له من جميع الأمم؛ فماله لبيت مال المسلمين، كما أن عليهم عقل ما جنى، وبالله التوفيق.
ومن المدونة قال: وإذا أولد النصراني أمته ثم أسلمت فعتقت عليه؛ فولاؤها للمسلمين، ثم إن أسلم سيدها بعد ذلك؛ رجع إليه ولاؤها؛ لأنه أولدها، وهي على دينه، كمكاتب الذمي يسلم ويؤدي كتابته، أن ولاء للمسلمين ويؤدي كتابته، أن ولاءه للمسلمين إلا أن يسلم سيده، فيرجع إليه ولاؤه.
فصل
لما كان النصراني ممنوعاً من ملك المسلم في القضاء، لم يجب أن يملك ولاءه إن أعتقه بعد إسلامه؛ فلو أن نصرانياً من العرب، أو من أهل الذمة أعتق عبيداً له قد أسلموا، أو ابتاع مسلماً فأعتقه بتلاً، أو إلى أجل، أو كاتبه، فولاء العبيد إذا أعتقوا لجميع المسلمين دون السيد، ولو أسلم السيد بعد ذلك لم يرجع إليه ولاؤهم؛ لأنه يوم أعتقهم، أو عقد لهم
العتق، لم يكن لهم من ولائهم شيء، ولأنهم يومئذ ممن لا يجوز له ملكهم، وأما إذا أعتقهم وهم على دينه؛ فولاؤهم منعقد له؛ لأنهم ممن يجوز له ملكهم، فإن اسلموا بعد ذلك لم يرثهم؛ لاختلاف الدينين، فإذا أسلم ورثتهم.
[قال أبو إسحاق: وقد قيل: يرجع إليه إذا أسلم، ذكره في كتاب محمد؛ لأن الولاء عنده ثبت بصحة المالك، ولا يرثه لاختلاف الدينين، فإذا أسلم النصراني ورثة المعتق].
قيل: فإن أسلمت أمته فأولدها بعد إسلامها؟
قال: يعتق عليه، ويكون ولاؤها لجميع المسلمين، فإن أسلم سيدها، لم يرجع إليه ولاؤها؛ لأنه أولدها وهي مسلمة لا يجوز له ملكها.
م: يريد: لو أسلم السيد قبل أن تعتق عليه لبقيت في ملكه أم ولد، وتعتق من رأس ماله بعد موته، يكون ولاؤها لجميع المسلمين، كما لو دبر عبده، أو كاتبه بعد أن أسلم؛ فلم يؤاجر المدب، ولا بيعت كتابة المكاتب، حتى أسلم السيد؛ فإنهما يبقيان على حالهما بيده، فإذا أعاقا كان ولاؤهما للمسلمين؛ لأنه عقد لها ذلك وهم مسلمون.
وقال الشافعي وأهل العراق: وإذا أسلم عبد نصراني فبدر فأعتقه قبل أن يباع عليه، فإن ولاءه له، مثلما لو أعتقه وهو على دينه؛ قالوا: لأنه أعتق قبل زوال ملكه، ويعتقه كان حراً، وقد قال النبي -عليه السلام-: «إنما الولاء لمن أعتق».
والحجة لمالك: أنه لما كان النصراني ممنوعاً من استدامة ملك عبده إذا أسلم، وأنه يباع عليه، وإذا بدر فأعتقه، فقد منعنا من بيعه، وأراد أن يتمسك بشيء من رقة وهو الولاء، فوجب أن يمنعه منه، كما منع من استدامة ملكه.
فصل
ولما كان المسلم غير ممنوع من ملك الكتابي، وجب أن يملك ولاءه إن أعتقه، ولكن لا يرثه لاختلاف الدينين، فإن أسلم العبد ورثه بالولاء.
قال ابن القاسم: فإذا أعتق المسلم نصرانياً فله ولاؤه، ولا يعقل عنه ما جنى فهؤلاء قومه؛ لأنهم لا يرثون؛ لاختلاف الدينين، ولكن يعقل عنه المسلمون، ويرثونه، إذا لم يكن له قرابة يرثونه من أهل دينه.
قال مالك: ولا جزية عليه، ولو قتله أحد؛ كان عقله للمسلمين.
قال في كتاب محمد: إذا أعتق المسلم نصرانياً فله ولاؤه، ولا يرثه؛ لاختلاف الدينين، وقد مات مولى لعمر بن عبد العزيز نصرانياً فجعل ماله في بيت المال، وأمضاه فيئاً للمسلمين ولم يوقفه.
قال ابن سحنون: وقد روي عن عمر بن عبد العزيز وربيعة ولليث: أنهم كانوا يقولون: يرثه معتقه كما يرثه بالرق.
قال ابن المواز: واختلف قول مالك إن ترك ورثة نصارى:
فروى عنه أشهب: أنه لا يرثه أحد من ورثته، وميراثه للمسلمين، يريد: إلى ان يسلم ويسلموا، قال: وإنما جعلت ميراثه للمسلمين؛ لأن عمر بن عبد العزيز فعله؛ لأنه مولى لمسلم.
وروي عنه أيضاً: أنه يرثه ولده الذي عله دينه.
قال أشهب: وهو رأيي، فإن لم يكن له إلا أخوة أو غيرهم لم يرثوه، ولو ورثهم لورثته أهل دينه، وإنما ورثت ولده؛ لأنهم موالي من أعتق أباهم؛ لأن أباهم يجر ولاؤهم إلى معتقه.
وروي عن ابن القاسم أنه قال: أما ولده ووالده فيرثونه ولا يرثه غيرهم.
وروي عنه أيضاً: أنه يرثه إخوته.
قال ابن القاسم: وأنا أرى أن يرثه كل من يرث الرجل من قرابته، فإن لم يكن له وارث فبيت المال، وجرائره على بيت المال، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.
وقال المخزومي في العتبية: لا يرثه مولاه أبداً، وإنما يرثه والده، فإن لم يكونوا فبنو عمه؛ فإن لم يكن له أحد من الناس، فمن أخذ ميراثه من النصارى، وقال: هكذا مواريثنا لم يعرض له فيهم، لأنهم لا يكلفون في أصل دينهم البينة، ولو كلفوها لم يأتوا إلا بمثلهم، فإن لم يطلب ميراثه أحد، وقعناه في بيت المال معزولاً، ولا يكون فيئاً حتى يرثه الله أو يأتي له طالب.
م: فصار الاختلاف إن لم يترك ورثة ثلاثة أقوال:
قول: إن ماله للمسلمين.
وثاني: لمولاه.
والثالث: لمن طلبه من أهل دينه.
وإن ترك ورثة فخمسة أقوال.
قول: إنه للمسلمين دون ورثته.
والثاني: إنه لولده الذي على دينه.
والثالث: إنه لوالده وولده.
والرابع: إنه لولده ووالده أو إخوته.
والخامس: إنه يرثه كل من يرث من القرابة، وهو مذهب المدونة.
قال ابن المواز: وأما من مات من أهل الذمة الأحرار، ولا وارث له من أهل دينه فقال مالك: ميراثه لأهل دينه؛ لأن عليهم كلهم الجزية، ولا تكون في بيت المال.
وقال ابن القاسم: بل في بيت مال المسلمين؛ إذا لم يكن له عصبة يرثونه.
قال ابن المواز: وأما إن كان هذا النصراني أعتقه مسلم فمات ولم يترك من يرثه بالرحم؛ فلم يختلف أن ميراثه لبيت المال.
م: وقد تقدم لابن سحنون أن عمر بن عبد العزيز وغيره يقولون: يرثه معتقه، كما يرثه بالرق، وقول المغيرة المتقدم.
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا كاتب المسلم عبده النصراني، وكاتب المكاتب عبداً له نصرانياً، ثم أسلم الأسفل، ثم لم يبع كتابته، وجهل ذلك حتى أديا جميعاً قعتقا؛ فولاء المكاتب الأعلى لسيده، ولا يرثه؛ لاختلاف الدينين، ويرثه المسلمون، ولو أسلم كان ميراثه لسيده، يريد: إن لم يكن له من يرثه بنسب.
قال ابن القاسم: وولاء المكاتب الأسفل للسيد الأعلى ما دام سيده نصرانياً، ولو ولد للمكاتب الأعلى ولد بعد العتق فبلغ وأسلم ثم مات؛ لورثه مولى أبيه، وأما لو أعتق عبيداً مسلمين ثم ماتوا عن مال؛ فميراثهم لبيت مال المسلمين؛ لأن ولاءهم لمن يثبت لهذا النصراني حين أعتقهم فيجره إلى سيده، ولو كان العبيد إنما أسلموا بعد أن أعتقوا؛ لورثهم سيد مولاهم، أو ولد مسلمون إن كانوا لهذا المكاتب النصراني، وكل من لا يرجع إلى النصراني ولاؤه إذا أسلم هو، فليس لسيده من ذلك الولاء شيء، وكل ولاء إذا أسلم النصراني يرجع إليه؛ فذلك الولاء ما دام نصرانياً لسيده الذي أعتقه.
في ولاء من أعتقه عبد أو أم ولد، أو مكاتب،
وولاء ولد الأمة، والمكاتبة، والمكاتب، وجر الولاء فيه.
قال الله سبحانه: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾.
قال مالك: ولا يجوز عتق عبد بغير إذن سيده، فإن أعتق أو دبر أو كاتب أو تصدق بغير إذن سيده؛ فللسيد رد ذلك، فإن رده؛ بطل، ولم يلزم ذلك العبد إن أعتق، وإن لم يعلم بذلك السيد.
ابن المواز: أو علم فلم يرد، ولم يرض، حتى أعتق العبد؛ مضى ذلك، وكان الولاء للعبد.
قال ابن القاسم: لأن العبد حين أعتقه سيده تبعه ماله، فجاز عتقه لعبده، وكان ولاؤه له إلا أن يكون السيد استثنى مال عبده حين أعتقه، فيرد فعل العبد، ويكون أعتق متقدماً رقاً للسيد.
[م: وإنما قال محمد: إذا علم السيد بعتقه فلم يرد ولم يرض حتى أعتق العبد، مضى ذلك، وكان الولاء للعبد؛ لأن العبد عندنا يملك، وأفعاله في ماله على الجواز حتى يرد، ألا ترى أنه إذا لم يعلم بعتقه حتى أعتقه: إن عتقه ماض لا يرد، فإذا كانت أفعاله في ماله على الجواز؛ فلا يبطلها إلى رده إفصاحاً، وليس علمه وسكوته في ذلك إذناً ولا رداً، إلا أن العبد لم يستأذن في ذلك، فتطلب إجازته أو رده، وإنما فعل فعلاً جائزاً، فهو على ذلك حتى يرد والله أعلم].
وما أعتق العبد بإذن السيد فهو جائز، والولاء للسيد إذ كأنه هو المعتق، ولا يرجع إلى العبد إن عتق.
قال: وعتق أم الولد لعبدها، مثل ما وصفنا في عتق العبد لعبده.
قال مالك: وكذلك المكاتب لا يجوز عتقه، ولا تدبيره، ولا صدقته، بغير إذن سيده، وللسيد رد ذلك، فإن رده بطل، ولم يلزم المكاتب شيء منه إن أعتق، وإن لم يعلم بذلك السيد حتى أعتق المكاتب، مضى ذلك، وكان الولاء للمكاتب، وأما إن أعتق بإذن سيده فالولاء للسيد؛ إلا أن يعتق المكاتب فيرجع إليه الولاء، إذ ليس للسيد انتزاع ماله، بخلاف العبد وأم الولد؛ إذ له انتزاع مالها.
قال ابن المواز: فأصل مالك وابن القاسم في هذا: أن كل من للرجل أن ينتزع ماله من أرقائه فولاء ما أعتق بإذنه له، وأما من ليس له انتزاع ماله؛ فولاء ما أعتق بإذن السيد راجع إليه إن أعتق.
قال: وقد اختلف: فيما أعتق المدبر وأم الولد، في مرض السيد بإذنه:
فقال أصبغ: الولاء لهما، وإن صح السيد؛ لأنه يوم أعتق لم يكن للسيد انتزاع ماله، وإنما ينظر إلى ساعة وقع العتق، وليس كذلك المكاتب إذا عجز بعد أن أعتق عبده؛ فالولاء في هذا للسيد، ولا يرجع إلى المكاتب إن أعتق.
وقال عبد الله بن عبد الحكم: اختلف في ولاء ما أعتق المدبر وأم الولد في مرض السيد بإذنه، وأحب إلي: أن يكون للسيد وإن مات من مرضه لا يرجع إليهما وإن أعتقا؛ لأنه كان له أخذ مالها بسبب صحته إن صح، وكذلك المعتق بعضه.
ابن المواز وقاله أشهب: في المعتق بعضه يعتق بإذن السيد، قيل له: ولا تراه مثل المكاتب؛ لأنه ممن لا ينتزع ماله، فقال: لا، للمكاتب سُنةٌ، وللعبد سُنةٌ، وهذا عبد.
قال ابن المواز: ولم تكن له حجة أكثر من هذا.
وقد قال ابن القاسم إن ولاء ما أعتق المعتق بعضه للعبد، وهو الصواب، ولم يعجبنا قول أشهب، ولا أصبغ ولا غيره في ذلك كله، وهو خلاف قول مالك وابن القاسم: لأن من لا ينتزع ماله فولاء ما أعتق بإذن السيد راجع إليه إن عتق، وما روي عن ابن القاسم غير هذا فغلط عليه، وإنما هو عن أشهب.
قال ابن المواز: والمدبر وأم الولد لا تنتزع أموالهما في مرض السيد، فإن انتزعه ثم مات؛ فذلك ردٌ، وإن عاش بقي له، وكذلك عتقهما بإذنه في المرض موقوف، فإن مات علمنا أنه
يوم أعتقهما ممن لم يكن له انتزاع مالهما، فالولاء لهما، وإن صح علمنا أنه ممن له أن ينتزع مالهما، فصار له الولاء، ثم لا يرجع إليهما وإن أعتقا، وكذلك المكاتب الذي لم يختلف فيه يعتق بإذن السيد ثم يعجز ثم يعتق بكتابة أخرى أو غيرها؛ فلا يرجع إليه الولاء.
وقال ابن القاسم في عبد بين رجلين أعتق عبداً له بإذن أحدهما ولم يعلم الآخر حتى أعتقاه: إن ولاء ذلك العبد له دون سيديه ما بقي عندهما الذي أعتقاه، أو أحد من عصبته الأحرار؛ لأنه لم يكن أحدهما أخذ شيء من ماله دون صاحبه، وكذلك عنه في العتبية.
قال: وإن أعتق المعتق بعضه عبداً بإذن من له بقيته؛ فولاء ما أعتق بين الذي كان أعتق نصفه وبين مالك بقيته إن كان له نصفه، فالولاء بينهما نصفين، فإذا أعتق العبد الذي له نصفه حر، يوماً ما؛ رجع إليه ولاء ما كان أعتق، وإن كان أعتق بغير إذن من له نصفه؛ كان له رد عتقه.
وروى عنه يحيى بن يحيى: أن ولاء ما أعتق هذا العبد المعتق نصفه بإذن الذي له فيه الرق خالصاً وهو أحق بميراث مواليه من الشريك الذي كان أعتق نصفه كما أنه أحق
بميراثه لنفسه.
م: وهذا مثل قول أشهب الذي ذكره محمد وأنكر أن يكون ابن القاسم قاله.
ابن المواز قال [مالك: وإن أعتق] المدبر، أو الموصى بعتقه، عبداً له بعد موت سيده، وقبل أن يقوّم في ثلثه، فليوقف عتقه، فإن خرج المدبر، أو الموصى بعتقه، من الثلث؛ نفذ عليه ما كان أعتق، أو حنث بعتقه، وإن لم يخرج من ثلث سيده إلا بعضه؛ لم يعتق من العبد الذي أعتقا قليل ولا كثير، ولو أعتق بعد ذلك بقية المدبر، أو الموصى بعتقه، وذلك العبد في يده لم يعتق منه عليه شيء، وقاله أشهب وابن القاسم.
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا أعتق المكاتب عبده على مال، فإن كان المال للعبد لم يجز؛ لأنه قادر على انتزاعه، وإن لم يكن له؛ جاز على وجه النظر؛ لأن له أن يكاتب عبده على وجه النظر، وإن كره سيده، فإن أدى كتابته؛ كان له ولاء مكاتبه، وإن عجز كان ولاء مكاتبه لسيده.
قال: ومن قال لمكاتب أو عبد مأذونٍ له في التجارة: أعتق عبدك هذا عني على ألف درهم ففعل؛ جاز ذلك؛ لأنه بيع، وبيعهما جائز.
قال ابن المواز: فإن خفف عنه من القيمة؛ غَرِم المشتري ما خفف عنه، فإن كان عديماً بيع من العبد بقدر ذلك إلا أن يشاء السيد أن يتبع المبتاع بذلك، فذلك له، ويتم عتق العبد.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال للمكاتب: أعتق عبدك هذا على ألف درهم، ولم يقل عني؛ فالعتق جائزٌ؛ إذا كانت الألف ثمناً للعبد أو أكثر من ثمنه، والولاء للمكاتب إن أعتق، وإن عجز؛ فالولاء للسيد ولا شيء للذي أعطى الألف من الولاء ويلزمه الألف درهم، كمن قال لرجلك أعتق عبدك على ألف درهم، ولم يقل: عني، [فأعتقه، فلزمته الألف، والولاء للذي أعتق.
قال ابن المواز: ولو أن المكاتب هاهنا حابى المشتري في الثمن حين قال له: أعتقه، ولم يقل: عني، لم يكن للسيد إلا أن يجيز ذلك أو يرد بيعه وينقض عتقه].
م: وإنما فرق بين ذلك؛ لأنه إذا قال له: أعتقه عني، فكأنه اشتراه وأعتقه، فواجب عليه غرم المحاباة، فإن لم يكن له مال رد من عتق العبد بقدر ذلك؛ لأنه دين قبل العتق، وإذا لم يقل عني؛ فهو إنما دفع إليه المال ليعتقه عن نفس المكاتب، فهو كعتق المكاتب عن نفسه، فإذا كان فيه محاباة، فأما أجاز ذلك السيد، أورد عتقه وهذا بين.
وحكي لنا عن بعض شيوخنا: فيمن أعطى لرجل مالاً على أن يعتق عبده فقال الدافع: شرطت عليك على أن يكون الولاء لي، وقال رب العبد: بل على أن الولاء لي؛
فالقول قول سيد العبد، ولا يمين عليه؛ لأن ولاءه له في ظاهر الأمر؛ لأنه هو المعتق، ولو أوجبنا عليه اليمين فنكل؛ لم ينتقل الولاء عنه.
م: ولأنه لو أقر له بذلك لكان الولاء للمعتق، وهي كمسألة عائشة -رضي الله عنها- في شراء بريرة وعتقها واشتراط الولاء للبائع، ولو كان اختلافهما على أن قال الدافع: دفعت إليك المال على أن تعتقه عني، وقال سيد العبد: لم تشترط علي شيء، أو قال: بل على أن أعتقه عن نفسي فالقول أيضاً قول السيد؛ لأن كل من قال: كان الأكر كذا، وقال صاحبه: لم يكن، فالقول قول من قال: [لم يكن، وعلى] صاحبه البيان.
م: ويلزم السيد هاهنا اليمين؛ لأنه لو أقر بدعوى الدافع؛ لكان الولاء للدافع، فلذلك ألزمناه اليمين، فإن نكل حلف الدافع، وكان له الولاء والله أعلم، وليس هذا من نقل الولاء؛ لأنه لو ثبت الشرط لصح الولاء للدافع، ولو ثبت في الأولى لكان الولاء للسيد، فافترقا.
فصل
قال ابن القاسم: ومن أعتق أمه حاملاً من زوج حر أو عبد، فولاء ما في بطنها للسيد.
قال عطاء بن أبي رباح: وميراثه لابن الحر.
قال ابن المواز: وإذا أعتق السيد أمته الحامل من العبد، فوضعت بعد العتق، ثم حملت بآخر وولدته بعد العتق؛ فميراث الولدين جميعاً لمعتق الأم، فإن لم يموتا حتى عتق الأب، فإنه يجر ولاء الذي حملت به بعد عتقها لمواليه، ويبقى ولاء الذي عتقت وهي حامل به لمعتق الأم والأب، ويرثهما جميعاً بالنسب، وإن مات قبلهما ثم ماتا بعده؛ ورث الأول مولى الأم، وورث الثاني مولى الأب.
ومن المدونة قال يحيى بن سعيد: في عبد تزوج أمة بغير إذن سيده فأولدها، فأعتق الولد قبل أبويه ثم أعتقا؛ فإنهما يرثانه ما بقيا.
قال مالك: فإن مات فولاء الولد لمن أعتقه، ولا يجر الوالد ولاء ولده إلى سيده، وإنما يجر إليه ولاء ولده من زوجة حرة، وأما من الأمة فولاؤهم لمعتقهم؛ لقول النبي -عليه السلام-: «إنما الولاء لمن أعتق».
قال مالك: وما ولد للمدبرة والمكاتبة من زوج حر، أو مكاتب لغير سيدها، فإن ولدها منه بمنزلتها في الرق والعتق وولاؤهم لسيدها دون سيد الأب.
قال ابن القاسم: وكذلك لو وضعته المكاتبة بعد الأداء إذا مسه الرق في بطنها، ألا ترى أن مالكاً قال فيمن أعتق أمته الحامل من زوج عبد؛ فولدت بعد العتق، وولده عبد، ثم أعتق: أن ولدها حر، وولاؤه لسيد الأمة، ولا يجر الأب ولاءه.
قال: وإذا مات مكاتب وترك ولداً من زوجة حرة، وولداً حدثوا في الكتابة من أمته، وترك وفاء بالكتابة أو لم يترك شيئاً، فأدى عنه ولده الذين حدثوا في الكتابة، فلا يجر إلى سيده ولا ولده الأحرار في الوجهين؛ لأنه مات قبل تمام حرمته، ولا يجر الولد الذي حدثوا في الكتابة إلى السيد ولا إخوتهم.
قال مالك: ولو كاتب المكاتب عبداً له، ثم هلك المكاتب الأول وترك ولداً حدثوا في الكتابة، أو كاتب عليهم وولداً أحراراً فسعى ولده الذين في الكتابة حتى أدوها، كان ولاء المكاتب الأسفل إذا أدى الولد المكاتب الأول الذين في الكتابة دون ولده الأحرار كفاضل ماله.
وقال ابن الماجشون: ولاء الأسفل للسيد الأعلى دون ولد المكاتب الذين أدوا بقية الكتابة بعد موت أبيهم؛ لأن أباهم مات قبل تمام حرمته.
قال ابن القاسم: ولو أدى المكاتب الأسفل قبل الأعلى، ثم أدى المكاتب الأعلى؛ لرجع إليه ولاء المكاتب الأسفل عند مالك.
في ولاء من أسلم من عبيد الحربيين، وأبنائهم،
أو نقص العهد من معتق، أو معتق ثم غنمناه،
وولاء من أسلم من ذمي، أو حربي، أو غيرهم.
قال مالك: وإذا أسلم عبد الحربي ثم خرج إلينا أو أسلم بعد خروجه إلينا، فهو حر، وولاؤه للمسلمين، ثم إن أسلم سيده بعده وقدم، لم يرده في الرق، ولم يرجع إليه ولاؤه؛ لأنه قد ثبت للمسلمين، فأما إن أعتقه في بلد الحرب، ثم أسلم العبد وخرج إلينا، ثم خرج سيده بعده فأسلم؛ فإنه يرجع إليه ولاؤه إن ثبت [عتقه إياه ببينة] مسلمين من أسرى أو تجار أو أهل حصن مسلمين؛ لأن الولاء بمنزلة النسب.
ولو قدم إلينا حربي فأسلم، ثم قدم أبوه بعده، وشهدت أنه أبوه بينة مسلمون ألحقته بنسبة، فكذلك الولاء.
ابن المواز وقال أشهب: ليس عتقه بعتق، ولا ولاء له فيه بعتقه إياه بدار الحرب، والسيد ليس بمسلم، وإنما أعتق هذا العبد خروجه إلينا، ولو مات عندما ما بعثنا بما ترك إلى مولاه الذي أعتقه.
قال ابن المواز: صواب؛ لأن عتق النصراني باطل إلا أن يسلم أحدهما، فلما خرج إلينا أعتق بخروجه وحده.
م: وإنما يصح كلام أشهب: إذا أسلم العبد بعد خروجه، وعليه يدل كلام ابن المواز.
وأما إن أسلم العبد قبل خروجه، فينبغي ألا يختلفا في ذلك؛ لأن أشهب يجعله حراً بإسلامه؛ وإن لم يخرج إلينا، ولم يعتقه سيده، فكيف إذا أعتقه مولاه؛ فهو أحرى أن يكون حراً باتفاق، ويكون لمولاه ولاؤه؛ لأنه أعتقه وهو على دينه، فإذا قدم مولاه فأسلم؛ فإنه يرجع إليه ولاؤه إن ثبت عتقه إياه ببينة مسلمين؛ في قول ابن القاسم وأشهب والله أعلم.
قال ابن المواز وهو في المدونة: واختلف أيضاً ابن القاسم وأشهب في من أسلم من عبيد الحربيين بأيديهم:
فقال ابن القاسم: لا حرية له بذلك إلا أن يخرج قبل سيده، فيكون حراً بخروجه، ثم إن جاء سيده وأسلم؛ فلا ملك له عليه ولا ولاء، ولو جاء سيده قبله كافراً أو مسلماً، كان له رق، وكذلك لو قدم معه، ويأمر ببيعه من مسلم إن لم يسلم، وذلك أنه إذا خرج قبل سيده فقد غنم نفسه، كما لو غنم غيره.
قال: ولو أسلم سيده قبل خروج العبد الذي أسلم؛ لبقي ملكه عليه، وإن خرج العبد قبله، وجعله أشهب حراً بإسلامه وإن لم يخرج إلينا.
قال ابن القاسم: ولو كان ذلك ما كان ولاء بلال لأبي بكر، وقد أعتقه إسلامه.
قال ابن المواز فاضطرب أشهب إلى أن قال: لم يكن ولاؤه لأبي بكر، وقد قال مالك: بلغني أن بلالاً طلب الخروج إلى الشام في الجهاد فمنعه أبو بكر؛ فقال له بلال: إن كنت أعتقتني [لنفسك فاحبسني، وإن كنت أعتقتني] لله فخل سبيلي، فقال له: خليتك.
م: فهذا يؤيد ما قال ابن القاسم.
ابن المواز قال أشهب: ولو أسلم سيده بعده بساعة ما كان له ولاؤه حتى يسلم معه أو قبله.
قال ابن المواز وقول ابن القاسم أحسن أن بخروج العبد إلينا يكون حراً خرج وهو مسلم أو كافر ثم أسلم، ثم جاء سيده مسلماً أنه لا ولاء له عليه، ولو ثبت كافراً حتى جاء سيده فولاؤه له.
قال ابن المواز: وأجمع ابن القاسم وأشهب أنا إذا دخلنا دار الحرب وقد أسلم العبد وحده، أنه بذلك حر.
قال ابن القاسم: وذلك استحسان، ورأيت ذلك كخروجهم إلينا.
فصل
وفي المدونة قال ابن القاسم: وإن قدمت إلينا حربية بأمان فأسلمت؛ فولاؤها للمسلمين، فإن سبي أبوها بعد ذلك فعتق وأسلم وثبت أنه أبوها ببينة مسلمين جر ولاؤها لمعتقه، إذ لم يملك ولاءها أحد برق تقدم فيها أو في أبيها.
م: وهذا جار على أصله في الحربي: يعتق عبده ببلد الحرب ثم يسلم العبد ويخرج
[إلينا ثم يخرج سيده بعد ويسلم بعده ويسلم، فإنه يرجع إليه ولاؤه؛ لأنه أعتقه وهو على دينه قبلت له ولاءه، والولاء كالنسب.
قال سحنون: في الحربية لا يجر الأب ولاءها إلى معتقه؛ لأنه قد ثبت للمسلمين.
م: وقد قال ابن القاسم في الذمي يولد له ولد فيسلم قيل أبيه، ثم يلحق الأب بدار الحرب ناقضاً للعهد فيسبى ويباع ويعتقه المبتاع ويسلم، فلا يجبر ولاء ولده إلى معتقه؛ لأن ولائهم قد ثبت للمسلمين، فهذا يشبه قول سحنون في الحربية التي قدمت بأمان.
م: ويحتمل أن يكون الفرق عند ابن القاسم بين هذه الحربية، وبين ولد الذمي الذي نقض العهد: أن ملك أبي الحربية ملك مجتمع عليه، فغذا أعتق قوي في جر الولاء، وملك الذمي الذي نقض العهد ملك مختلف فيه؛ لأن أشهب يقول: هو حر لا يجوز استرقاقه، وأن ولاءه قائم للمسلمين، فلما كان ملكه ملك مختلف فيه ضعف عن جر الولاء والله أعلم.
وإن كان فالمسألة في كتاب ابن المواز خلاف ما في المدونة والذي في كتاب ابن المواز جارية على أصل واحد، وهي الحق إن شاء الله، وأنا أذكرها بعد ذلك مسألة المدونة.
قال ابن القاسم في المدونة: وإذا أعتق الذمي عبيداً له نصارى ثم أسلموا، ثم لحق السيد بدار الحرب ناقضاً للعهد، فسبي ثم أسلم، رجع إليه ولاؤهم، ولا يرثه لما فيه من الرق، ويكون ميراثهم للمسلمين، إلا أن يعتق قبل موتهم فيرثهم، ولا يرثهم سيده الذي اشتراه ما دام هو في الرق، ولا يشبه هذا المكاتب الأسفل يؤدي قبل الأعلى، ثم يموت عن مال؛ هذا يرثه السيد الأعلى؛ لأنه أعتقه مكاتب هو في ملكه، وهذا أعتق ما ولى وهو حر قبل أن يملكه هذا السيد، فإن أعتق العبد كان ولاؤهم له، ولا يجره إلى معتقه الآن، وإنما يجر إليه ولاء ما يعتق أو يولد له من ذي قبل، فأما ما تقدم له من عتق أو ولد؛ فأسلموا قبل أبيهم، فلا يجر ولاءهم إلى معتقه؛ لأن ولاءهم قد ثبت للمسلمين.
م: فهذا ما في المدونة.
والذي في كتاب ابن المواز قال: وإذا أعتق النصراني عبيداً له نصارى، ثم هرب السيد إلى دار الحرب ناقضاً للعهد، ثم سبي فأتبع وأعتق، فإن عتقه يجر ولاء ما كان أعتق من قبل لحوقه بدار الحرب، وهذا خلاف ما في المدونة، وهو كجوابه في مسألة الحربية وهو الصواب؛ لأنهما سواء لم يملك ولاءهما أحد ثمنه عتق.
قال: فإن هرب ثانية إلى دار الحرب وحارب وسبي وبيع وأعتقه مشتريه، فإنه يكون
ولاء نفسه لهذا الذي أعتقه آخراً، ولا يجر إليه ولاء ما كان أعتق قبل لحوقه الثاني بدار الحرب، ولا ولاء ولده؛ لأن ولاءهم قد كان ثبت للأول الذي كان أعتقه أولاً ومن عليه بالعتق، ولكن ما أعتق من ذي قبل أو ولد له؛ فولاؤهم لسيده الآخر.
وقال ابن القاسم فيه وفي المدونة: في المسلم يعتق عبده النصراني فيهرب هذا النصراني إلى بلد الحرب ناقضاً للعهد لغير عذر، فإن سبي فهو فيء؛ فإن اشتراه أحد فأعتقه فولاؤه له، وما كان تقدم له من ولد من امرأة حرة، أو أعتق من عبد قبل نقضه، فقد ثبت ولاؤهم للمعتق الأول، والولاء نسب ثابت، ولم ينقضوا العهد، قينقض ولاؤهم وحريتهم، كما انتقضت حرية من كان أعتقهم، ورجع إلى الرق، فإذا أعتق كان ولاؤه وولاء ما يولد له أو يعتق الآن لمولاه هذا الثاني، ولا يجر إليه ما كان من ذلك قبل الرق الثاني، وإنما يجر هذا العبد يتزوج حرة فيولدها، والأملاك تتداوله حتى يعتق فيجر ولاء كل ولد له منها إلى معتقه.
ابن المواز وقال أشهب في النصراني الذي أعتقه مسلم فنقض العهد وحارب: لو كنت أقول: إن حريته الأولى تنتقض لكنت أقول: هذا، فوصف مثل قول ابن القاسم بعينه، ولكنني أقول: يرد إلى حريته الأولى شاء أو أبى، وولاؤه الأول على حاله.
قال ابن المواز: وقول ابن القاسم أحب إلينا.
وقيل لابن القاسم: لم قلت ذلك؟ وقد قلت في التي قَدِمَت بأمان فأسلمت
فصار ولاؤها للمسلمين، ثم يسبى أبوها وأعتق؛ أنه يجر ولاءها؟ قال: لأن هذه لم يملك ولاءها أحد بمنة عتق، ولو سبيت هي أولاً فعتقت لبقي ولاؤها وولاء من أعتقت لمعتقها، ولا ينتقل إلى من أعتق أباها.
رجع محمد وقال: في النصراني المعتق قول أشهب أحب إلينا؛ لأن الولاء قد ثبت للمسلم الذي أعتقه، وهو نسب ثابت لا ينتقل أبداً، فوجب ألا تنتقل حريته، وليس مثل النصراني يعتق عبداً له نصرانياً فيهرب العبد إلى دار الحرب ناقضاً للعهد ثم يسبى؛ فإنه يكون رقيقاً لمن اشتراه، فإن أعتقه؛ كان له ولاؤه، ولو أسلم سيده النصراني، والعبد في دار الحرب ثم غنمه المسلمون؛ لرد إلى حريته، وولاؤه لسيده الذي أسلم.
وقال إسماعيل القاضي في المبسوط: لا يشبه أن يكون الولاء إلا للأول على معاني قول مالك؛ لأن الولاء نسب قد كان ثبت للأول، وإذا سبي هذا المولى واسترق، انقطع الولاء ما دام في حال رقه، فإذا أعتق رجع الولاء إلى من قد ثبتن كما أن الابن المملوك لا يوارث أباه الحر، فإذا أعتق وجبت الموارثة بينهم بالنسب.
م: وهذا الذي شبه به إسماعيل لا يشبهه؛ لأن هذا الابن إذا عتق ورثه أبوه بالنسب، والولاء قائم لمعتقه، والعبد المعتق أولاً عتقه قد انتقض وعاد عبداً قد اعتقه الآن غيره عتقاً لم ينتقض، فهو أولى من العتق الأول المنتقض، والصواب عندي ما قاله أشهب: إن الولاء قد ثبت للأول كالنسب، ولا ينقض عتقه، ولا يسترق، ويبقى على حريته الأولى، وولاؤه الأول إذ ليس له معتق غيره.
وقال ابن القاسم في المدونة وفي كتاب ابن المواز: ولو أعتق النصراني عبداً له نصرانياً ثم نقض السيد العهد وحارب، فأسر وأسلم مولاه فاشترى سيده وأعتقه، ثم أسلم بعد
أن أعتقه مولاه فولاء كل واحد منهما لصاحبه.
قال ابن المواز: وميراث الميت منهما أولاً للباقي، وميراث الثاني للمسلمين.
قال: وقال أشهب: ويرجع الأول حراً ويرد إلى ذمته، وله ولاء مواليه، ولو قلت: إنه يسترق، لقلت: لا يرجع إليه ولاء هذا الذي اشتراه ولا ولاء أحد ممن كان أعتق أولاً، كما لم يرجع إلى حرية نفسه، وكان ولاؤه لهذا الذي أعتقه، إلا أن الذي كان عبداً له ولا ولاء له هو عليه، ويكون ولاء هذا وكل ولاء تقدم للمسلمين.
قال ابن المواز: أما من لم يقل أنه يُرد إلى حريته، فإنه يجر إلى معتقه الآن ولاء ما تقدم له من عتق أو ولد من حرة إن لم يمس رقبته ولاء قط بمنة عتق، وأما لو مسه أولاً رق فأعتق منه، فهذا لا يجر ما تقدم له من ولاء عتق أو ولد إلى معتقه أحداً.
فصل
ومن المدونة قال مالك: وكل من أسلم من أهل الذمة فإن ولاءهم للمسلمين، وعقلهم وجرائرهم وجرائر مواليهم على بيت المال، ويرثهم المسلمون إن لم يكن لهم ورثة مسلمون يعرفوا، وكذلك من أسلم من أهل الأعاجم والبربر والسودان والقبط، ولا رحم لهم يتوارثون به كتوارث أهل الإسلام ولا موالي؛ فعقلهم على المسلمين وميراثهم لهم، وقال زيد بن ثابت وابن مسعود.
وقد كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب: أن ناسا يموتون ولا يتركون رحماً لهم ولا ولاء، فكتب عمر: أن ألحق أهل الرحم برحمهم، فإن لم يكن رحم فولاء، فإن لم يكونا فأهل الإسلام يرثونهم ويعقلون عنهم، وقاله عمر بن عبد العزيز فيمن أسلم من أهل الملل.
قال مالك: وليس إسلام الرجل على يد الرجل بالذي يجر إليه ولاءه.
قال يحيى بن سعيد: وولاؤه للمسلمين عامة، كما كانت حرية للمسلمين.
م: وقال إسحاق بن راهويه: يكون مولى للذي أسلم على يديه فيرثه ويعقل عنه، واحتج بما روى عن تميم الداري أنه قال يا رسول الله: الرجل يسلم على يدي؟ فقال: «أنت أولى الناس يمحياه ومماته»، وقال أبو حنيفة: له أن يوالي من شاء.
م: والصواب قول مالك لقول النبي -عليه السلام-: «إنما الولاء لمن أعتق»، وليس إسلامه على يدي أحد عتقاً له].
في ولاء العبد يشتريه من شهد له أنه حر،
أو أم ولد أو من يعتق عليه أو يوصى له به
قال ابن القاسم: ومن شهد على رجل أنه أعتق عبده فردت شهادته ثم ابتاعه منه، يريد: أو من غيره؛ فليعلق عليه بالقضاء.
قال سحنون وقال أشهب: لا يعتق على الشاهد إلا أن يقيم بعد شرائه على قوله ذلك، فأعتقه عليه وأجعل ولاءه لهذا الذي قضيت عليه بعتقه.
وقال أشهب في كتاب ابن المواز: إن قال شهدت بباطل؛ لم أعتقه عليه بعد أن يحلف، فإن أبى اليمين أعتق عليه، وكذلك إذا قال: شهد بالحق ولكنها ردت؛ فإنه يعتق عليه، ويكون ولاؤه لمن شهد عليه بعتقه، ثم إن مات العبد المعتق عن مال؛ فليأخذ منه هذا المشتري الثمن الذي أدى فيه، ولا يكون للمشهود عليه القضاء له بولاية أن يمنعه، ومن بقي للمشهود عليه إن كان حياً.
م: يريد: إن ادعاه وصدق الشاهد، وإلا كان موقوفاً.
قال أشهب: وإن كان المشهود عليه ميتاً، فجميع ما ترك المولى لعصبة المشهود عليه بعتقه، ولا يأخذ المشتري من هذا المال الثمن الذي أدى؛ لأن ذلك الثمن في ذمة الميت، والورثة يقولون: نحن لم نظلمك ولا أخذنا ثمن هذا الحر، وإنما نرثه بالولاء، واطلب أنت تركة الميت إن كان له مال، أو صار إلينا منه شيء.
م: فدل بذلك ألو ترك المشهود عليه مقدار الثمن أو أكثر، لم يكن للورثة أخذ ما ترك العبد حتى يدفعوا إلى المشتري ثمنه، أو مقدار ما ترك البائع إن ترك أقل من الثمن،
فإذا دفعوا ذلك أخذوا ما ترك العبد، وهذا إذا كان الورثة رجال يرثون الولاء، وإن لم يكن له ورثة إلا نساء أو من لا يرث الولاء؛ فلا شيء للشاهد من تركة الميت؛ لأن الورثة لا يرثون ما تركه المعتق، والمشهود عليه مات منكر للعتق، [ويكون ما ترك العبد المعتق للمسلمين]، وكذلك إن ترك الورثة ممن يرثون الولاء، وترك العبد المعتق من يرثه ويجوز ماله للنسب، فليس للشاهد من تركه العبد، ولا من تركة المشهود عليه شيء وبالله التوفيق.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك الحكم فيمن أقر بعد أن اشترى عبداً أن البائع كان أعتقه؛ فإنه يعتق عليه وولاؤه للبائع.
م: والحكم فيما ترك المعتق قبل موت المشهود عليه أو بعده مثلما ذكرنا فيمن ردت شهادته بعتقه ثم اشتراه.
قال ابن القاسم: وكذلك لو شهد بعد أن اشترى عبداً أنه حر الأصل، أو شهد على أبيه بعد موته أنه أعتق عبداً له في وصيته ثم ورثه عنه بأسره وكان الثلث يحمله، أو قال: كنت بعت عبدي هذا من فلان فأعتقه، وفلان يجحد، فإن العبد في ذلك كله حر بالقضاء، وولاؤه لمن زعم هذا أنه أعتقه.
ابن المواز قال أشهب في الذي قال بعت عبدي من فلان فأعتقه وفلان يجحد قال: إن كان المشتري مليئاً بالثمن؛ لم أر للبائع استرقاقه، ويحكم عليه بعتقه، فإن كان معدماً ولا فضل في قيمته، فلا بأس أن يسترقه واستحسنه أصبغ.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اشترى أمة ثم أقر أنها أم ولد لبائعها، كذلك يلزمه ولا سبيل له عليها، فإن أقر بذلك البائع؛ ردت إليه، ورد الثمن، وإن أنكر لم أعجل عتقها حتى يموت البائع، إذ لعله يقر بذلك، فتعود إليه أم ولد، فإن مات ولم يقر بذلك: كانت حرة من رأس المال، وولاؤها لمن يرث الولاء عن البائع، فإن ماتت عن مال قبل موت البائع؛ أخذ هذا منه قدر الثمن، وما بقي فللبائع إن أقر، وإن أنكر كان موقوفاً، وإن مات قبلها فكل ما تركت لمن يرث الولاء عن البائع، كما ذكرنا في مسألة العبد قبل هذا.
[م: وحكى بعض فقهائنا عن بعض شيوخنا أنه قال: إن نفقة هذه الأمة في الحال الإيقاف.
يريد: إن لم يقدر على نفقة نفسها على البائع الذي أوقفت له، فإن أبى عتقت عليه.
قال بعض فقهائنا: كما قلنا في إيقاف أم ولد الذمي تسلم: إن نفقتها عليه، فإن لم يقو على ذلك عتقت عليه.
م: والذي يظهر لي: أن نفقة هذه الأمة على المشتري؛ لأنه بتمام شرائها ودخولها في ضمانه، وجبت عليه نفقتها، فيريد بإقراره: أن يسقط نفقتها، واسترجاع ثمنها، فلم يقبل ذلك منه في الوجهين؛ لأنه يعد نادم في شرائها، فأقر بذلك ليرد بيعها؛ ولأن إقراره أوجب إيقافها، فتجب نفقتها عليه؛ ولأنه ظالم في شراء ما لا يحل له، والظالم أحق أن يحمل عليه، ولا تعلق على البائع يمين بشهادة المشتري؛ للتهمة التي تلحقه، ولا نجد أحد يلزم إخراج ولد الذمي كانت على سيدها وليست بمتعدية في إسلامها، ولا أزال ذلك ملك سيدها عنها، وإنما أوقفت عليه فهي على النفقة المتقدمة، فإن اختار ذلك أنفق، وإن كرهته أعتقها، وبالله التوفيق].
فصل
قال ابن القاسم: ومن اشترى أباه فأعتق عليه؛ كان ولاؤه له عند مالك، وكذلك لو اشترت امرأة أباها؛ لأعتق عليها وكان ولاؤها.
وبعد هذا باب فيه ذكر مواريثهم.
قال مالك: ومن أوصى له بمن يعتق عليه إذا ملكه والثلث يحمله أعتق عليه قبله أم لا، وله ولاؤه.
قال غيره: ويبدي على الوصايا.
قال أشهب: وهو مضار في ترك قبول الوصية إذا كان الثلث يحمله.
قال مالك: وإن لم يسع الثلث إلا بعضه، فإن قبله قوم عليه بقيته، وغرم عتق جميعه وكان الولاء له، وإن لم يقبله، فروى علي عن مالك: أن الوصية تسقط، وكذلك إن أوصى له ببعضه والثلث يحمله، فإن قبله؛ قوّم عليه باقيه، وأعتق عليه جميعه، وبدي على الوصايا، وكان له ولاؤه.
ابن المواز وروي عن مالك: أن ذلك الشقص يعتق عليه وإن لم يقبله، وولاءه لسيده، ثم رجع فقال: بل للموصى له، وكذلك في الهبة، والصدقة، والوصية به أو ببعضه، وقاله أصبغ في الوصية.
وأما في الصدقة فقال: لا يعتق إلا أن يقبله كله أو بعضه.
قال ابن المواز: بل الصدقة والوصية واحد، والصدقة ببعضه آكد؛ إنه إن قبله أعتق عليه كله، وإن لم يقبله؛ فهو حر كله على سيده.
ابن حبيب وقال ابن الماجشون: الوصية والهبة سواء، قبلها أو ردها لا تقويم عليه لباقيه؛ لأن ذلك الشقص يعتق بكل حال، وولاءه للمعطي؛ لأنه عنه أعتق.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أوصى لمولى عليه بمن يعتق عليه، ولم يحمله الثلث، فقبله وليه؛ لم يعتق منه إلا ما حمل الثلث، ولا يقوم عليه باقيه، وليس للوصي ألا يقبله، ويكون للمولى عليه، ولا ما أعتق منه؛ لأنه عليه أعتق.
م: وكثير من معاني هذا الباب في آخر العتق الثاني، وبالله التوفيق.
في ولاء العبد يعتقه قرشي وقيسي أو مسلم وذمي
وولاء اللقيط والعبد [يعتق من... وجر الولاء، وموالي المرأة.
قال ابن القاسم: وإذا أعتق قرشي وقيسي عبداً بينهما معاً؛ فجريرته على قريش وقيس، ويكتب شهادته مولى فلان القرشي، وفلان القيسي.
ابن المواز: ولو كان بين رجل وامرأة فيكتب: مولى فلان وفلانة، ولو أعتقه رجل، وأعتق أباه آخر؛ فليكتب: فلان بن فلان مولى فلان، فيذكر مولى نفسه، فيجمع ذلك النسب والولاء.
ومن المدونة: وإذا كان... عبد مسلم بين ذمي وبين مسلم قرشي، فأعتقاه معاً؛ فولاء حصة الذمي للمسلمين، ولو كان العبد نصرانياً فأعتقاه ثم جنى جناية -م: يريد تبلغ ثلث دينه، أو ثلث دية المجني عليه-، كان نصفها على أهل خراج مولاه الذمي الذين يؤدون معه الجزية، ونصفها على بيت المال لا على المسلم؛ لأن هذا المسلم لا يرثه لأنه نصراني، ولو أسلم العبد بعد العتق ثم جنى، كان نصف عقل جنايته على قريض قوم مولاه؛ لأن القرشي حين أسلم العبد صار وارثاً لما أعتق منه، ويكون عقل نصف الآخر من جنايته على المسلمين؛ لأن الذمي انقطعت وراثته من حصته التي أعتقها الإسلام، فصار جريرة ذلك النصف في بيت مال المسلمين، كما لهم ميراثه ونصفها على قوم القرشي.
م: قال بعض فقهائنا: وعلى هذا العبد الذي أعتقه المسلم والنصراني ما دام نصرانياً نصف الجزية على النصف الذي يخص النصراني في مذهب ابن القاسم.
فصل
قال الله سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.
قال مالك -رحمه الله-: فاللقيط لهذا حر، وولاؤه لجميع المسلمين، وليس له أو يوالي من شاء، والمسلمون يعقلون عنه ما جنى ويرثونه.
قال الشيخ: وإلى هذا ذهب عمر بن عبد العزيز، وأهل المدينة، وجل فقهاء الأمصار.
وذهب إسحاق بن راهويه: إلى أن ولاءه لملتقطه.
واحتج من ذهب إلى هذا:
بخبر واثلة بن الأسقع أن النبي -عليه السلام- قال: «تجر المرأة لقيطها وعتيقها والولد الذي لاعنت عليه».
ويخبر سنين أن سعيد بن المسيب وجد لقيطاً على عهد عمر فقال عمر: هو حر، ولك ولاؤه، وعليك رضاعه.
وذهب أبو حنيفة: أنه يوالي من شاء، فيرثه، ويعقل عنه، وروي ذلك عن علي أبي طالب.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.
واللقيط لا يُعلم له أب ولا رحم فهو مولى للمسلمين، واللقيط لا يخلو أن يكون حراً أو عبداً لغير الملتقط، وليس التقاطه يوجب ملكه، فبأي وجه يجب ولاء ملتقطه وهو لم يثبت له ملكه ولا عتقه، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنما الولاء لمن أعتق»، وهي حجتنا على أبي حنيفة؛ لأن من والاه اللقيط ليس هو بمعتق له، وأما خبر سُنينٍ فسنين مجهول لا يعرف غير هذا الحديث.
وروي عن عمر من طريق صحيح أنه قال: اللقيط حر، وولاؤه للمسلمين، وعقله عليناً.
وكذلك خبر واثلة لم يثبت... المعرفة بالحديث، ولو ثبت لكان ما أسعده الكتاب والقياس أولى أن يتبع.
ويحمل أن خبر واثلة... بقوله: «إنما الولاء لمن أعتق»، وبالله التوفيق.
وحكي عن بعض شيوخنا في اللقيط: لا يكتب شهادته أنه مولى المسلمين، إذ ليس بمولى لهم، وقد يأتي أحد فيثبت أنه ابنه، وإنما يكتب فلان فقط.
ومن المدونة قال مالك: والنفقة على اللقيط احتساباً، فإن لم يجد الإمام من يحتسب له أنفق عليه من بيت المال.
قال في تاب محمد: وإن التقطه أحد لزمته] نفقته حتى يبلغ ويستغني، وليس له أن يطرحه.
قال في المدونة: ومن أنفق عليه لم يرجع عليه [شيء؛ لأن النفقة عليه، على وجه الحسبة، إلا أن يكون له مال وهب له فليرجع عليه] بما أنفق في ماله، يعني: إذا كان المال
الذي وهب له في يديه يوم النفقة عليه، وقد علم به المنفق، وأنفق على أن يرجع عليه فيه، وفي كتاب أمهات الأولاد إيعاب هذا.
فصل
قال مالك: تفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ هي الرقبة تعتق من الزكاة، فولاؤها لجميع المسلمين.
قال في كتاب محمد: وأما من أعتق عن كفارة لزمته فولاؤها له؛ [لأنه عن نفسه أعتقه].
م: قيل الفرق بين من أعتق عبداً عن زكاته: أنه ولاءه للمسلمين، وبين من أعتقه عن ظاهره، أو يمينه، أن ولاءه له إن أعتقه عن ظهاره أو يمينه، هو أدخل ذلك على نفسه، فهو كاستحداثه عتق العبد، والزكاة؛ الله تعالى أوجبها للفقراء والمساكين، فكان ما يعتق لها المسلمين دونه والله أعلم.
وأعلم: أن العبد إذا أعتق من الزكاة أو سائبة؛ فيكتب شهادته فلان مولى المسلمين [ابن فلان]، ولا يكتب [شهادته] فلان ابن فلان مولى المسلمين؛ لأنه يصير قد أدخل أباه في ولاء المسلمين، وليس بمولى لهم وهذا بين، [والكفارة لزمته فولاؤها له].
قال في المدونة: ولو تزوج عبدٌ حرةٌ، فولدت منه أولاداً، فأعتق العبد من الزكاة؛ لجر ولاء ولده الأحرار للمسلمين؛ لأنه مواليه هم يرثونه ويعقلون عنه.
قال مالك -رحمه الله-: وكذلك من أسلم، فكان ولاؤه من المسلمين، فتزوج امرأة من العرب، أو من الموالي معتقه؛ فولدت أولاداً؛ فولاء الولد للمسلمين، والولاء هاهنا تبع للأب، فإن مات الأب ثم مات ولده بعده، كان ميراثه للمسلمين.
قال مالك: وكل حرة من العرب أو معتقة تزوجها حر عليه ولاء؛ فإنه يجر ولاء ولده منها إلى مواليه، ويرث ولده من كان يرث الأب، إن كان الأب قد مات.
قال في كتاب محمد: إذا مات أبوه ورثته أمه وإخوته لأمه؛ ترث الأم السدس، وإخوته الثلث، وما بقي لبيت المال، إن كانت أمه عربية، أو لمولاها إن كانت معتقة.
قال في المدونة: وإذا تزوجت الحرة عبداً، فولدت منه أولاداً؛ كان ولاء ولده لمولى الأم، إن كانت معتقة، وإن كانت عربية فلبيت مال المسلمين، ما دام الأب عبداً، فإن عتق الأب جر ولاءهم لمعتقه، وهذا كولد الملاعنة ينتسب إلى مولى أمه، فهم يرثونه، ويعقلون عنه، ثم إن اعترف به أبوه حد، ولحق به، وصار ولاؤه إلى مولى أبيه، وميراثه لهم، وعقله عليهم.
قال سحنون: وقاله جماعة من الصحابة والتابعين.
وقال ابن المواز: ولو أن ولد هذا العبد من الحرة كبر، فاشتراه أباه فعتق عليه؛ فإنه يكون ولاء هذا الأب لابنه، يجره إلى موالي أمه، كما لو اشتراه غير الابن فأعتقه؛ لجر ولاء ولده إلى مواليه، فولاء الأب هاهنا وولاء ولده لموالي أمه الذين أعتقوها.
[قيل لمالك في العتبية: لو ناساً شكوا في ذلك وقالوا: نراه كالسائبة؛ فأنكر ذلك.
قال سحنون في كتاب ابنه: وهذا قول جميع أصحابنا إلا ابن دينار فإنه قال: فهو كالسائبة وولاؤه للمسلمين.
قال بعض فقهائنا عن بعض شيوخنا: ويكتب هذا الولد شهادته فلان ابن فلان عند فلان الذي جرت أمه ولاءه لفلان.
وقال غير من شيوخنا القرويين: إذا كتب: إن أباه عبداً، وكتب: الذي جرت أمه ولاءه، فأحد الوجهين؛ يعني: ويجزئه، قال: وعندي لو قال: مولى فلان دون أن يذكر جر الولاء؛ لما كان عليه شيء، وإن أعتق الأب لجر ولاءه لقوم آخرين، رجع بعد ذلك فذكر أنه مولاهم، ولا يضره ذلك؛ لأن التواريخ تنبئ عن أنه كان مولى قوم فانتسب إليهم ثم انتقل إلى آخرين فانتسب إليهم].
ومن المدونة قال مالك: ولو كان لولد العبد من الحرة وهو جد أو جد جد قد أعتق قبل الأب، لجر ولاءهم إلى معتقه، يريد: ما لم يعتق الأب.
قال ابن القاسم في العتبية: فإن مات الجد بعد أن جر إلى مواليه وباء ابن ابنه العبد، ثم ولد لابنه ولد آخر بعد موت الجد، فإن ولاءه لموالي أمه ما دام الأب عبداً، وولاء الولد الأول لموالي الجد، ما لم يعتق الأب أيضاً، فإذا أعتق الأب؛ جر ولاء الجميع إلى مواليه.
قال في كتاب محمد: ولو مات الجد وزوجة ولده الحرة حامل؛ لجر ولاء حملها إلى مواليه، ما لم يعتق الأب.
قال ابن سحنون: قال ابن الماجشون: وإذا كان الأب والجد عبدين، وأبو الجد حرٌ؛ جر ولاء ولد ولده إلى مواليه، ما لم يعتق الجد، فيصير ولاؤهم لمواليه، ما لم يعتق الأب، فيرجع ولاؤهم إلى موالي الأب.
قال: ولا يجر أحد من الأقارب الولاء إلا الأب وآباؤه من الذكور، وما ذكرنا من جر الولاء فقد قاله عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود، وغيرهم.
وقال مالك: هو الأمر المجتمع عليه عندنا.
م: وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وروي عن قبيصة بن ذؤيب وعبد الملك بن مروان: أن الولاء لا ينتقل إلى موالي الأب؛ لأنه قد ثبت لموالي الأم.
م: وقول مالك أولى؛ لما ثبت في الرواية عن الصحابة والتابعين.
م: ولأن الولاء إنما كان لموالي الأم؛ لعلة كون الأب عبداً؛ لأن العبد لا يرث الحر، فإذا ارتفعت العلة رجع إليه الولاء.
م: ومعنى رجوع الولاء عندي في هذا إنما هو الميراث، فأما الولاء فهو للأب منعقد، ولكن لا يرثه، ولا يعقل عنه، هو ولا مواليه لما فيه من الرق.
كما قال سحنون في النصراني يعتق نصرانياً فيسلم العبد المعتق؛ فيكون ولاؤه لورثة سيده من المسلمين، فإن أسلم السيد رجع إليه ولاء مولاه.
قال سحنون: ومعنى رجوع الولاء: إنما هو الميراث، وأما الولاء فهو قائم لا ينتقل عنه، فهذا مثله، والله أعلم.
فصل
قال مالك: وللمرأة الحرة ولاء من أعتقت، وعقل ما جر مواليها من جريرة على قومها، وميراثهم إن ماتت هي لأولادها الذكور دون الإناث، فإن لم يكن لها ولد؛ فذلك لذكور ولد ولدها الذكور دون الإناث.
قال ابن القاسم: وينتمي مولاها إلى قومها، كما كانت هي تنتمي، فإذا انقرض ولدها وولد ولدها؛ رجع ميراث مواليها فعصبتها، الذين هم أقعد بها، يوم يموت الموالي، دون عصبة الولد.