كتاب اللقطة
والضوال والإباق.
كتاب اللقطة
[الباب الأول] جامع القول في اللقطة
[(1) فصل في: الأصل في اللقطة وحكم التصرف فيها] قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) للسائل عن اللقطة: ((اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا وشأنك بها)) قال ابن وهب في العتبية: لغنا أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال في اللقطة: يعرفها سنة، فإن جاء لها طالب أخذها وإلا أنفقها، ثم إن جاء ربها أداها إليه، فإن لم يكن عنده شيء أتبعه بها ديناً، وكان أسوة الغرماء.
الجزء: 18 - الصفحة: 191
قال: وإن مات ولا شيء له فهو في سعة إن شاء الله؛ لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) أذن له في أكلها، وأما الدينار والدريهمات فليعرفها أياماً، فإن لم يجد لها صاحباً، وكان محتاجاً أنفق ذلك على نفسه، وإن كان غنياً تصدق بها عن صاحبها.
وقال ابن القاسم: لا ينبغي أن ينفقها قليلة كانت أو كثيرة.
[(2) فصل من التقاط الدنانير وما في حكمها]
ومن كتاب اللقطة قال مالك: ومن التقط دنانير أو دراهم أو حلياً مصوغاً أو عروضاً أو شيئاً من متاع أهل الإسلام، فليعرفها سنة، فإن جاء صاحبها أخذها، وإلا لم آمره بأكلها قلت أو كثرت، درهماً فصاعداً، إلا أن يحب بعد السنة أن يتصدق بها ويخير صاحبها إن جاء: أن يكون له ثوابها أو يغرمها له فعل.
قال ابن القاسم: وأكره أن يتصدق بها قبل السنة، إلا أن يكون الشيء التافه اليسير.
وروى ابن حبيب: أن ابن عمر سأل رجل وجد حلياً من الذهب، فقال عرفه، فقال: قد فعلت، قال: عرفه، قال قد عرفته فلم أجد من يعرفه، أفأدفعه إلى الأمير؟ قال: إذن يأخذه.
قال: أفأتصدق به؟ قال: تغرم إن جاء صاحبه.
قال: فما أصنع به؟ قال: لو شئت لم تأخذه.
قال نافع: كان ابن عمر يمر باللقطة فلا يأخذها.
الجزء: 18 - الصفحة: 192
قال مالك في العتبية: لا يحب أن يأخذها من وجدها، إلا أن يكون لها قدر.
وقال في موضع: أو تكون لذي رحمه.
م: كما قال لآبق إن كان لصديق أو لأخ أخذه، وإلا لم يأخذه، وهو من تركه في سعة.
م: قيل: ولا حرج عليه إذا أخذها أن يدفعها إلى مأمون يعرفها، ولا يضمن بخلاف الوديعة التي لم يرض بها إلا أمانته، فلا يدفعها إلى غيره إلا من عذر.
وجعلت السنة حداً في التعريف الحديث؛ ولإمكان أن يكون سافر ربها ثم قدم؛ لأن ذلك غالب العادة في الأسفار.
[(3) فصل: فيما يلتقطه العبد]
من كتاب اللقطة قال مالك: وإذا التقط العبد لقطة فاستهلكها قبل السنة، كان ذلك في رقبته، وإن استهلكها بعد السنة، كانت في ذمته.
م: ولم يكن لمولاه أن يسقطها عنه؛ لأن صاحبها لم يسلط يده عليها، ولولا الشبهة لكانت في رقبته.
الجزء: 18 - الصفحة: 193
قال ابن القاسم: وأما جعلها بعد السنة في ذمته؛ لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال للسائل عن اللقطة: ((اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها)).
[(4) فصل: في أماكن تعريف اللقطة]
وتعرف اللقطة حيث وجدها، وعلى أبواب المساجد، وقاله عمر ابن الخطاب.
قال ابن القاسم: وتعرف حيث يعلم [أن] صاحبها هناك أو خبره، ولا تحتاج في ذلك إلى أمر الإمام.
[م]: وإنما قال ذلك؛ لأن الإنسان مندوب إلى [فعل] الخير والعون عليه وهذا منه، إذ قد تحصل بيد من لا يؤتمن فتتلف على صاحبها فيأثم خذها، فإذا أحرزها هذا على ربها، فقد أجر في الرجلين.
قال أشهب في العتبية: وسئل مالك: أتعرف اللقطة في المسجد، ولو مشى هذا الذي وجده إلى الخلق يعرفهم ويخبرهم ولا يرفع صوته، لم أر به بأساً.
الجزء: 18 - الصفحة: 194
أبو محمد: وذكر بعض أصحابنا: أنه روى ابن نافع عن مالك قال: ينبغي للذي يعرف اللقطة أن لا يريها لأحد، ولا يسميها بعينها، وليقل: من يعرف دنانير أو دراهم أو جزوراً أو شاة أو حلياً أو عروضاً؛ لكي يعمي بذلك؛ لئلا يأتي مستحل فيصفها بصفة المعرف فيأخذها وليست له.
وليعرفها بين اليومين والثلاثة وكلما تفرغ، ولا يجب عليه أن يدع ضيعته ويعرفها، ونحوه لأشهب في كتبه.
[(5) فصل: في اللقطة تكون من مال الجاهلية]
قال في كتاب اللقطة: وما وجد على وجه الأرض مما يعلم أنه من مال الجاهلية، ففيه الخُمس كالركاز، وكذلك ما [وجد بساحل البحر من تصاوير الذهب والفضة ففيه الخمس، وأما التراب] يوجد بساحل البحر، فيغسل فيوجد فيه ذهب أو فضة، ففيه الزكاة كالمعدن.
م: وكذلك لأشهب: ما كان من متاع الجاهلية فلا زكاة فيه، وإنما فيه الخمس، ولم يفسر هل ذلك عين أو عرض؟ فإن أراد العين، فهو مثل ما في المدونة، وإن أراد العروض، فذلك يجري على اختلاف قول مالك.
وفي كتاب محمد: في مراكب الروم توجد لا رجال فيها، فإن كان فيها ذهب أو فضة فيه لمن وجده، وعليه فيه الخمس كالركاز، وإن كان فيها عروض فأمرها إلى الإمام، وكذلك إذا أخذوهم وما معهم، فهم إلى الإمام يرى فيهم رأيه، ولا شيء لمن وجدهم، وكذلك في المدونة في مراكب الروم إذا انكسرت فيؤخذ ما فيها: أن الإمام يرى فيه رأيه، ولا شيء لمن وجده.
الجزء: 18 - الصفحة: 195
[(6) فصل: متى تسلم اللقطة إلى معرفها]
ومن التقط لقطة، فأتى رجل فوصف عفاصها ووكاءها وعدتها، ولزمه أن يدفعها له ويجبره السلطان على ذلك، وفي أمر الرسول (صلى الله عليه وسلم) الملتقط بمعرفة العفاص والوكاء دليل على أن ربها إذا وصف له ذلك قضي له بها، وإلا فلماذا أمره بذلك؟
قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تدفع لأحد، إلا أن يقيم بينة أنها له.
ودليلنا قوله عليه الصلاة والسلام: ((اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها، فادفعها إليه))، وهذا نص.
ولأن قوله: ((اعرف عفاصها ووكاءها)) لا فائدة فيه، إلا أن من عرف ذلك منها دفعت إليه؛ ولأن الضرورة تدعو إلى ذلك، وإلا لم يصل أحد إلى ما يضيع له إذ لا يمكنه الإشهاد على ضياعه.
قال أشهب في كتابه: ولو أخطأ في صفتها لم يعطها وإن وصفها مرة أخرى فأصابها لم يأخذها إلا باليمين أنه له، فإن نكل لم يأخذها وإن عاد إلى أن يحلف.
الجزء: 18 - الصفحة: 196
وقال غيره من البغداديين: ذكر العلامة كالبينة، والملتقط لا يدعيها لنفسه.
م: هذا إشارة منه إلى أن لا يمين عليه، وما ذكره أشهب وما في كتاب ابن حبيب أبين؛ لأن اليمين في ذلك استظهار-[إن] كان لا منازع له فيها، إذ يجوز ألا تكون له- كما استظهر باليمين للميت وللغائب فيما يثبت عليهما من الدين؛ لإمكان أن يكون قضوا ذلك ولا منازع أن ذلك قد قضي، وإذ قد ينكل، فيكون للفقدى أو لمن يمكن أن يأتي بصفتها ويحلف.
قل أشهب: ولو عرف الوكاء وحده وجهل ما بعد ذلك، أو عرف العفاص والعدد ولم يعرف الوكاء، فذلك يجزيه إذا حلف.
م: لأنه قد ينسى أحد الوصفين، وفي ذلك اختلاف.
قال أشهب: لو عرف العفاص والوكاء وأخطأ في ضرب الدنانير أو الدراهم، لم أر أن يعطى منها شيئاً.
م: قال بعض الفقهاء: وهو الأصوب من الأقاويل؛ لأنه إذا ادعى المعرفة ثم خالف الصفة فهو بخلاف الذي جهل أحد الوصفين وعرف الآخر.
قال أصبغ في العتبية: وكذلك إن قال دنانير فأصيبت دراهم.
الجزء: 18 - الصفحة: 197
قال محمد بن عبد الحكم: لو أصاب تسعة أعشار الصفة وأخطأ العشر، لم يعط شيئا، إلا في معنى واحد: أن يصف عددا فيصاب أقل منه، فإن أشهب يعطيه إياها، قال: أخاف أن يكون أغفل فيها.
يريد: العفاص: ما فيه اللقطة من خرقة أو غيرها، والوكاء: الرباط، وقيل بضد ذلك.
قال أصبغ: ولو عرف العفاص وحده وادعى الجهالة فيما سوى ذلك، فليستبرأ ذلك، فإن لم يأت أحد أعطيها هذا؛ كما في شرط الخليطين: بعض أصناف تجزى وإن انجزم بعضها.
قال أبو محمد: ورأيت لعض أصحابنا البغداديين من رواية عون: أنه لا يأخذها إلا أن يعرف العفاص والوكاء.
قال أصبغ: لو عرف واحد العفاص والوكاء، ووصف آخر عدة الدنانير ووزنه كانت لمن عرف العفاص والوكاء، وكذلك لو لم يعرف إلا العفاص
الجزء: 18 - الصفحة: 198
وحده كان أحق بها بعد استيناء.
وروى ابن حبيب في الذي عرف العفاص والوكاء عن أصبغ مثله، وزاد: ولكني أستحسن أن تقسم بينهما؛ كما لو اجتمعا على معرفة العفاص والوكاء ويتحلفان، فإن نكل أحدهما دفعت إلى الحالف.
[(7) فصل: إذا دفع اللقطة لمن عرفها ثم جاء معر آخر، وكيف إن وجدت اللقطة في قرية ليس بها إلا أهل ذمة، وحكم الإيجاز باللقطة]
ومن كتاب اللقطة: ومن التقط لقطة، فأتى رجل فعرف عفاصها ووكاءها وعددها، لزمه أن يدفعا إليه، ويجبره السلطان على ذلك، فإن جاء آخر بوصف مثل ما وصف للأول، أو أقام بينة أن تلك اللقطة كانت له، فلا شيء له على الملتقط؛ لأنه دفعها بأمر يجوز له.
وقال أشهب في كتابه: لا يضمن الدافع، إلا أنه إن كان الثاني إنما وصفها فلا شيء له، وإن كان أقام بينة فهي له، ويأخذها من الأول؛ كما لو ادعاها ملتقطها ثم جاء من أقام البينة فهو أحق بها، ولا يستحقها بالصفة.
قال: ولو أخذها الأول من ملتقطها ببينة بأمر السلطان أو بغير أمره، ثم جاء ثان وأقام بينة أنها له، فهي لأولهما ملكاً بالتاريخ، فإن لم يكن لذلك تاريخ، فهي لأعدلهما بينة، فإن تكافأتا، كانت لمن [في يديه] وهو الأول بعد يمينه أنها [له] ما يعلم لصاحبه فيها حقاً، فإن نكل حلف صاحبه وأخذها، فإن نكل فهي للأول بلا يمين.
م: ويحتمل عند أصل ابن القاسم أن تقسم بينهما عند تكافؤ البينة
الجزء: 18 - الصفحة: 199
وإن حازها الأول؛ لأنه مال قد عرف أصله؛ لقوله: فيمن ورث رجلاً بولاء يدعيه وأقام على ذلك ببينة، وأقام آخر ببينة أنه مولاه، وتكافأتا، فالمال يقسم بينهما؛ لأنه مال قد عرف أصله.
وقال غيره: هو لمن هو بيده، وهذا نحو قول أشهب هاهنا، وكذلك الحكم لو أخذها الأول بالصفة، فأتى آخر [بوصف بعد] دفعها أو تحقق أنه لم يسمع صفة الأول لها، لا نبغي أن تكون للأول على قول أشهب، وتقسم بينهما على قول ابن القاسم كقيام البينة في ذلك، وأما إن دفعت إلى الأول ثم آتى آخر يعد حين وصفها، فلا خلاف أنه للأول؛ لأن الثاني يحتمل أن يكون سمع صفتها من الأول، والله أعلم ولو أخذها الأول بالصفة، ثم آتى آخر فأقام البينة أنه له، وأقام الأول البينة أنه له، وتكافأتا في العدالة، لوجب أن تبقى للأول؛ لأنه زاد الصفة التي أخذها بها.
قال بعض فقهائنا القرويين: ولابن الماجشون: إذا أتى رجل فوصفها أو أقام البينة أنه له، فقال ملتقطها: دفعتها لمن وصفها ولا أعرفه ولم أشهد عليه، ضمن لتفريطه إذا دفع بغير إشهاد، ولو أثبت الدفع لبرئ وكانت الخصومة بين الأول والثاني، ولو [دفعها] بالصفة ولم يحلفه، ضمن إذا فلس القابض أو أعدم.
وروي عن ابن القاسم: أن اللقطة توجد في قرية ليس فيها إلا أهل الذمة.
قال: تدفع إلى أحبارهم.
ومن كتاب اللقطة قال: ولا يتجر باللقطة السنة ولا بعد السنة كالوديعة.
الجزء: 18 - الصفحة: 200
[(8) فصل: التقاط الطعام وشبهه]
قال مالك: ومن التقط ما لا يبقى من الطعام فأعجب إلي أن يتصدق به كثر أو قل، ولم يؤقت مالك في التعريف وقتًا.
قال ابن القاسم: فإن أكله أو تصدق به، لم يضمنه لربه كالشاة يجدها في الفلاة، إلا أن يجده في غير فلاة.
وقاله أشهب في كتبه.
قال: فأما في غير الفيافي، فإنه يبيعه ويعرف به، فإن جاء ربه دفع إليه الثمن، وليس له غير ذلك.
قال ابن حبيب: وقال مطرف: ومن التقط ما لا يبقى من الطعام في الحضر وحيث الناس، فالصدقة أحب إلي من أكله، فإن تصدق به، لم يضمنه لربه إن جاء؛ لأنه مما يؤول بالإمساك إلى الفساد، ولو كان أكله لضمنه لصاحبه [وإن] كان تافهاً؛ لانتفاعه به، ولو كان في السفر وحيث لا ناس فأكله؛ فلا يضمنه لربه إذا كان مما لا يبقى ولا يحمل حملاً يرجى بقاؤه وتزوده إلى اليوم ونحوه، ويصير كالشاة في الفلاة، وأكله حينئذٍ أفضل من طرحه، فإن كان مما يبقى ويتزود فإنه يضمنه، أكله أو تصدق به.
وقاله أصبغ.
م: وهذا استحسان، وهو كالشاة يجدها في الفلاة.
الجزء: 18 - الصفحة: 201
[(9) فصل: إذا بيعت اللقطة بعد عام ثم جاء صاحبها]
ومن اللقطة: وإن بيعت اللقطة بعد السنة، فليس لربها إن جاء أن يفسخ البيع، وإن بيعت دون أمر الإمام فلربها أخذ الثمن ممن قبضه، وكذلك قال ابن القاسم في غير المدونة في الدواب إذا بيعت.
وقال أشهب في كتبه: وإن بيعت لغير أمر السلطان بعد السنة فلربها نقض البيع، وإن لم يقدر عليها فلا شيء له غير الثمن إن باعها خوفاً من الضيعة، وأما إن باع الثياب وما لا مؤونة في بقائه ولا ضرورة به إلى ذلك، فربه أحق به إن وجده بيد المبتاع، وإن لم يجده فله إن شاء الثمن من البائع أو القيمة يوم بيع، وكل ما بيع [من هذا كله] بأمر السلطان مضى البيع، وليس لربه إلا الثمن.
م: جعل أشهب بيعه للثياب بعد السنة دون أمر الإمام تعدياً، وجعله ينقض البيع في الدواب إن كانت قائمة، والحديث يدل على خلافه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((وإلا فشأنك بها))، فقول ابن القاسم لهذا أبين.
[(10) فصل: إذا تصدق باللقطة بعد عام ثم جاء صاحبها]
ومن المدونة: وإذا تصدق باللقطة بعد السنة، ثم جاء ربها، فإن كانت قائمةً بيد المساكين فله أخذها، وإن أكلوها فليس له تضمينهم؛ لأنه [قد قيل في] اللقطة يعرفها سنة ثم شأنه بها، بخلاف الموهوب يأكل الهبة
الجزء: 18 - الصفحة: 202
ثم [تستحق، هذا] لربها [أن يضمنه إياها].
م: إن تصدق بها بعد [أن التزم] قيمتها لربها، فربها مخير بين أن يلزمه ما التزم، أو يأخذها من أيدي المساكين، فإن تصدق بها تعدياً أو عن ربها، فليس لربها إلا أخذها، وإن فاتت في الوجهين لزم ملتقطها قيمتها.
قال أشهب: إن تصدق بها عن ربها فوجدها ناقصةً، فله أخذها، ولا شيء له على الملتقط، أو يتركها ويأخذ من الملتقط قيمتها يوم تصدق بها ويرجع الملتقط فيأخذها بنقصها من المساكين، ولا شيء له عليهم، فإن تصدق بها عن نفسه فلربها أخذها منهم، أو قيمتها من الملتقط، ثم لا يرجع الملتقط على المساكين بشيء، ولو أكلها المساكين فلربها تضمينهم مثلاً أو قيمة، إلا أن يبيعوها فليس له إلا الثمن أو القيمة من المتصدق بها عن نفسه أو عن ربها.
قال ابن القاسم: وإن وجدت بيد من ابتاعها من المساكين، فله أخذها ثم يرجع المبتاع على الملتقط، وقال غيره: يرجع عليه بالأقل من الثمن الذي دفع إلى المساكين أو قيمتها يوم تصدق بها الملتقط.
م: جعل ابن القاسم أن لربها نقض بيع المساكين، وليس له نقض بيع الملتقط، والفرق أن الملتقط باعها خوفاً من ضياعها، وأوقف له ثمنها، فلم ينقض بيعه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((فشأن بها))، والمساكين إنما
الجزء: 18 - الصفحة: 203
باعوها على أنها ملك لهم، فلمستحقها نقض بيعهم؛ كنقضه بيع المشتري في الاستحقاق.
م: فإذا أخذها من المبتاع رجع المبتاع بالثمن على المساكين إن كان قائماً بأيديهم؛ كما كان لربها أن يأخذ عينها منهم، وإن أكلوه فالأولى أن يرجع على الملتقط الذي سلط أيديهم عليها؛ كما لو أكلوها، وينبغي أن يرجع عليه بالأقل من ثمنها أو قيمتها يوم الصدقة بها، ويرجع بتمام ثمنها على المساكين؛ لأنهم البائعون منه، وبالله التوفيق.
[(11) فصل: في ضياع اللقطة من الملتقط ومتى يضمنها]
ومن اللقطة: وإن ضاعت اللقطة من الملتقط، لم يضمن.
قال أشهب وابن نافع: وعليه اليمين.
قال ابن القاسم: وإن قال له ربها: أخذتها لتذهب بها، وقال هو: بل لأعرفها، صدق الملتقط.
قال أشهب: بغير يمين.
قال ابن القاسم: ومن التقط لقطة فبعد أن حازها وبان بها، ردها لموضعها أو لغيره ضمنها، فأما إن ردها في موضعها مكانه من ساعته، كمن مر في أثر رجل فوجد شيئاً فأخذه، وصاح به أهذا لك؟ فيقول له لا، فتركه، فلا شيء عليه، وقاله مالك في واجد الكساء بأثر رفقة فأخذه وصاح بهم: أهذا لكم؟ فقالوا: لا، فرده.
قال: قد أحسن في رده، ولا يضمن.
الجزء: 18 - الصفحة: 204
قال أشهب في غير المدونة: ولا يضمن رده بقرب ذلك أو ببعد، ولا إشهاد عليه في رده، وأكثر ما عليه أن يحلف: لقد رددتها في موضعها، فإن ردها في غير موضعها ضمن، وقول أشهب في هذه المسائل ليس من المختلطة.
م: ووجه التفرقة بين القرب والبعد؛ فلأنه في البعد قد يمكن أن يكون ربها رجع في طلبها فلم يجدها، فيكون قد أتلفها عليه بأخذه لها، وفي القرب لم يتلف عليه شيئاً، فوجب ألا يضمن، ووجه قول أشهب؛ فلأنه كالمودع فكما يصدق في تلفها، فكذلك يصدق في ردها؛ وكرده لما يتسلف من الوديعة.
قال ابن القاسم في غير المختلطة: وإذا دفع الملتقط اللقطة إلى غيره ليعرف بها فضاعت، فلا شيء على الملتقط، وقاله ابن نافع عن مالكٍ قال ابن كنانة: وكذلك لو دفعها إليه ليعمل بها ما شاء، فلا شيء عليه.
الجزء: 18 - الصفحة: 205