الجامع لمسائل المدونةصفحات 241-280

كتاب القسم الأول

صفحات 241-280

[الباب الأول]

جامع القضاء في القسم بالسهم أو التراضي ومن باع مورثه من دار أو اشترى ممرا في دار

[فصل 1 - دليل مشروعية القسم] قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ وقال: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ وقال: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾.

وقسم النبي صلى الله عليه وسلم بالسهم إذ أعتق ثلث الرقيق الستة الذين أعتقهم رجل عند موته ثم مات ولا مال له سواهم.
وقال عليه السلام: "لا تعضية في القسم"، والتعضية: التفرقة.
وفي الحديث لأبي عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تعضية في الميراث إلا فيما يحمل القسم" يعني أن المشترك إن كان شيئا أن قسم كان فيه ضرر فلا يقسم، وهو التعضية يعني التفريق كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ﴾ يعني: أنهم آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه يعرفوه.
والذي يحمل القسم يدخل في الحديث الآخر: "لا ضرر ولا ضرار"، قال القارعي: معناه لا يضر الإنسان بجاره ولا يضره، والضرر هو أن يفعل الإنسان شيئا يضر فيه... ويغيره، فكل ما فعل ما يستضر به جاره منع من ذلك.

[فصل 2 - متى يجب القسمة] قال ابن القاسم: وإذا ادعى أحد الأشراك إلى قسم ما يقسم من ربع أو حيوان أو رقيق أو عروض أو غيرها، وشركتهم بمورث أو شراء أو غيره جبر عليه من أباه.
وإن لم يقسم فإن دعا إلى البيع جبر عليه من أباه، ثم للآيي أن يبيع مع شريكه فإن شاء أخذ الجميع بما يعطي به أو يدع.
[فصل 3 - في قسمة ما لو لم يعرف نصيبه] قال وإن ورث رجلان دارين فباع كل واحد نصيبه في إحداهما بنصيب الآخر في الأخرى، فإن عرف كل واحد نصيبه ما هو ونصيب صاحبه جاز وإن لم

يسمياه.
وكذلك إن رضيا بأن يأخذ أحدهما بمورثه نصف أحد الدارين وثلث الأخرى ويسلم بقية بقيتهما لصاحبه، فإن جهل أحدهما مبلغ حقه منهما لم يجز.
كما لا يجوز صلح الزوجة على مورث لها في دار لا تعلم مبلغه، وقاله مالك.
[فصل 4 - في قسمة ما لا تعرف قيمته] قال مالك: ومن باع مورثه من هذه الدار ولم يسم عند عقد البيع ما هو من ثلث أو ربع، فإن عرفا مبلغه جاز ذلك، وإن جهله أحدهما أو كلاهما لم يجز، وإن تصدق بذلك أو وهبه جاز وإن لم يسمه.
[فصل 5 - حكم الجمع في القسمة بين عدة رجال في الدار] ولو أن دارا بين ثلاثة رجال رضوا بأن يأخذ أحدهم بيتا من الدار على أن يكون للآخرين بقية الدار، جاز ذلك عند مالك.

قلت: أليس قد قال مالك لا يجمع بين رجلين في القسم؟ قال: إنما قال ذلك مالك في القرعة بالسهم.
م: قيل: إنما لم يجمع بين سهم رجلين في القسم؛ لأن القسم بالسهم غرر وإنما جوز ضرورة؛ إذا كل واحد يحتاج إلى تمييز حقه، ولا ضرورة في جمع رجلين فأكثر نصيبهم فمنع منه، ولاتساع الغرر أيضا وخروج الرخصة عن موضعها.
[فصل 6 - حكم القرعة في القسمة] قال ابن بكير في كتابه: قال مالك: لا تجوز القرعة بين من له الحق وبين من لا حق له، وإنما تكون بين المتساويين في السبب الذي يقرع من أجله؛ كإقراع النبي صلى الله عليه وسلم بين نسائه في الغزو، ولأنهن متساويات في أن ليس عليه أن يخرج بواحدة منهن.
وكذلك إقراع القاسم بين المقتسمين لتساويهما فيما يقسم.

وكذلك إقراع النبي صلى الله عليه وسلم بين الأعبد؛ لأنهم متساوون فيما عقده المعتق، والقرعة بين الأعبد أيضا إنما هي بين الميت المعتق وبين الورثة كالشريكين.
[فصل 7 - جواز قسمة الدار على أن لأحدهما العلو وللآخر السفل] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا اقتسم رجلان دارا بينهما على أن لأحدهما الغرف وللآخر السفل جاز ذلك.
[فصل 8 - فيما جاء في تقسيم الممر ومما شابهه] قال: ومن اشترى من رجل ممره من داره من غير أن يشتري من رقبة البنيان شيئا جاز ذلك.

قال أشهب في كتابه إن كان ذلك الممر يخرج به المشتري إلى انتفاع ينتفع به جاز البيع وإلا لم يجز؛ لأنه باعه مالا ينتفع به وأخذ ماله بالباطل.
قال ابن القاسم: وإذا اقتسم رجلان دارا بينهما فأخذ هذا طائفة وهذا طائفة على أن الطريق لأحدهما وللآخر فيه الممر جاز ذلك.
قال سحنون في المجموعة: إنما هذا بالتراضي بغير سهم، وإنما يضرب بالسهم بعد رفع الطريق ويبدأ القاسم برفع الطريق، ويجريها من باب الدار إلى أقصى بيوت الدار، ويطرح ذلك فلا يحسبه على أحد من الشركاء، ثم تقسم الدار بالقيمة، يقوم البيت الجديد ببنيانه على قدر سعته ومساحته ويجعل عدله بيتين أو ثلاثة بالقيمة، فإذا اعتدلا في القيمة استهما عليهما فيأخذ هذا من الدار قليلا جيدا قيمته مثل ما أخذ صاحبه من الكثير الردئ.
وكذلك تقسم الأشياء كلها إذا كانت صنفا واحدا مثل الغنم والرقيق وغير ذلك فيصير لأحدهما خمس شياه قيمتها عشرة دراهم، وللآخر شاة قيمتها

عشرة دراهم، فهكذا تكون القسمة وبهذا أمر سحنون قسامه حين ولي القضاء فكانوا يقسمون على ما وصفنا.
قال ابن عبدوس: فاعمل عليه فهو أصل المدنيين، مالك وأصحابه.
[فصل 9 - حكم من عدل عن القسمة قبل تقسيمها] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا قسم رجلان دارا بينهما فرضيا بأن يأخذ كل واحد منهما طائفة منها، ثم رجع أحدهما قبل أن تنصب الحدود لزمهما ذلك ولا رجوع لهما فيه عند مالك؛ لأن هذا بيع من البيوع.
وكل ما قسم من ربع وغيره فعلى قيمة عدل، ثم يضرب بالسهم، فمن خرج له سهمه لزمه ولا رجوع له عنه.

[الباب الثاني]

في قسمة الدور والأراضي والقرى والأجنة والعيون ومن ادعى دارا بيد غائب

[فصل 1 - في قسمة الدور] قال مالك رحمه الله: وإذا كانت دور بين قوم فأردوا قسمتها فطلب بعضهم أن يجعل نصيبه في دار واحدة، وأراد الباقون قسمة كل دار على حدة، فإن كانت الدور في النفاق والرغبة في مواضعها وتشاح الناس فيها سواء، وكان بعضها قريبا من بعض، رأيت أن يجمع نصيب كل واحد فيجعل في دار واحدة في موضع واحد، ولا تفرق أنصباؤها في كل دار.
وإن كانت مواضعها مختلفة مما يتشاح الناس فيها لعمران أو غيره قسمت كل دار على حدتها إلا أن يتفق منها دارا أو ثلاثة في الصفة والنفاق في مواضعها، فتجمع المتفقة في القسم، ويقسم باقيها كل دار على حدة.
قال ابن القاسم: وأخبرني بعض أهل العلم وأراه من قول مالك أن الرجل إذا مات

وترك دورًا وكان ورثته يسكنون في دار من دوره، ودوره كلها سواء في مواضعها، وتشاح الناس فتشاح فيها الورثة في الدار التي يسكنونها، أن تلك الدار تقسم بينهم، فيأخذ كل واحد نصيبه فيها إذا كانت الدور التي ترك الميت في غير موضع هذه الدار التي يسكنونها، ثم تجمع في القسم بقية الدور، فيجعل نصيب كل واحد في موضع واحد إذا كانت متفقة متقاربة، وهو رأي.
وذكر ابن حبيب: أن الرجل الشريف إذا هلك وترك دارا كان يسكنها ولها حرمة لسكناه، وترك دورا غيرها، فإن كانت بالقرب منها، فتشاح الورثة في تلك الدار، فأراد كل واحد أخذ حظه منها، أن تلك الدار تقسم بينهم وحدها إن حملت القسم، ويعمل في غيرها ما ينبغي في القسم.

وقال ابن أبي زمنين: ظاهر المدونة أن الدار التي كانوا سيسكنونها ليس معها غيرها في شفع واحد ولو كان معها غيرها لجمعت في القسم ولا كلام للورثة، بخلاف مال قال ابن حبيب.
[فصل 2 - في قسمة ما تباعد من الدور] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا تباعد ما بين الدارين، تكون دار في موضع من المدينة والأخرى في ناحية أخرى، إلا أن موضعهما سواء في الرغبة والتشاح، فإنه يجمع نصيب كل واحد منهم في موضع واحد من إحدى الدارين، ولا يلتفت إلى افتراقهما في المصر إذا كانت بحال ما وصفنا.
قال مالك: وإذا كان بين الدارين مسيرة اليوم واليومين لم تجمع في القسم وإن استوت مواضعها في النفاق والرغبة.
قال أشهب في المجموعة: إذا كانت داران في نمط واحد جمعتا في القسم، وإن كان بعضها أعمر من بعض كالأرضين في نمط واحد وبعضها أكرم فتجمع عند أشهب.
وقال سحنون: ليست الدور كالأرضين وقد تكون الدور في نمط واحد.

وتفاوتها مختلف، ومن داري إلى الجامع نمط واحد وهو متباين الاختلاف، وأما الأرضون في نمط واحد فلتجمع وإن تباينت في الكرم، كقول مالك في قسم الحائط وفيه ألوان الثمر.
وابن القاسم: لا يجمع الأرضين كالدور حتى تتفاوت في الأماكن والنفاق.
[فصل 3 - في كيفية قسمة الفدادين] ومن المدونة قال ابن القاسم: والأقرحة وهي: الفدادين، إذا كانت بين قوم فطلب بعضهم أن يجمع له في القسم نصيبه منها في موضع واحد، فإن كان بعضها قريبًا من بعض وكانت في الكرم سواء، جمعت في القسم وجعل نصيب كل واحد في موضع واحد.
ولم يجد لنا مالك في قرب الأرض بعضها من بعض حدًا، وأرى الميل وشبهه قريبًا في الحوائط والأراضين.
وإن كانت الأقرحة مختلفة وهي متقاربة، أو كانت في الكرم سواء وبينها تباعد

كاليوم واليومين قسم كل قريح على حدة.
قال ابن عبدوس: وذهب أشهب في هذا أن ينظر إلى الأرض فإن كانت متقاربة أو كان بعضها أكرم من بعض فإنها تجمع في القسم، فإن طلب بعضهم جمع نصيبه في موضع واحد وطلب غيره أن تقسم له في كل أرض فإنه يجعل نصيب الذين أرادوا التفرقة بينهما واحدًا، ولكل من أراد الجمع بينهم في سهم، ثم يضرب بينهم بالسهام على أن الأرض بمجموعة، فإن خرج سهم الذين أرادوا التفرقة جمع إليه حقوقهم وصار كأنه حق رجل واحد، ثم تقسم كل أرض مما صار لهم بينهم على حدثها وحيث ما خرج سهم الذين أرادوا الجمع جمع لكل واحد حقه حيث ما خرج.
قال: وإن كانت الأرض متباعدة مما لا تجمع في القسم، جعل نصيب الذين أرادوا الجمع نصيبًا واحدًا ولكل من أراد التفرقة بينهم سهم سهم، ثم يضرب

بالسهام بينهم في كل أرض على حدتها، فإن خرج سهم الذين أرادوا الجمع جمع لهم حقوقهم كأنه حق رجل واحد في تلك الأرض على حدتها، وأعطى الذين أرادوا التفرقة كل واحد نصيبه منها؛ حيث صار له، ثم يعمل ففي كل أرض كذلك، ثم يرجع إلى الذين أرادوا الجمع فيجمع لكل واحد منهم مما صار له من أنصبائهم من تلك الأراضي المتفرقة، ويعدل بينهم بالقيمة، فهذا تفسير قول أشهب.
وقد خالف في هذا أصحابه، كما قال: إن الشركاء إذا تراضوا قسموا الشيء المتخلف بالسهم، مثل أن يجعلوا عبدًا قيمته مائة وفرسًا بمائة ودارًا بمائة، ثم يضربون بالسهام فأجازه، وهذا غرر دخلو فيه بالتراضي.

وأصل القسم بالسهم غرر، وإنما جوز للضرورة في تمييز الحق.
وقد أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العتق ليقاسم الميت الورثة فيؤخذ له الثلث ويعطي للورثة الثلثين.
فكلما كان صنفًا واحدًا جبر على القسم فيه بالسهم من أباه لمن أراده بالحكم وكل ما اختلف حتى لا جيبروا على قسمته بالسهم، فإذا تراضوا صار بيعًا وعاد ذلك إلى الغرر؛ كما لو ابتاعا عبدًا وفرسًا قيمتهما سواء فاقتسماهما بالسهم فذلك غرر، لا يجيزه هو ولا غيره، وهذا معنى كلام ابن عبدوس فيها.
[فصل 4 - في قسمة القرى] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا كان بين قوم قرى ورثوها أو اشتروها، فإن كانت متقاربة وهي في الرغبة والنفاق سواء جمعت كلها في القسم وأعطي

كل واحد حصته في موضع واحد.
وإن كان بين القرى تباعد مسيرة اليوم واليومين، قسمت كل قرية على حدة وإن كانت متساوية في الكرم والنفاق.
[فصل 5 - في قسمة قرية ذات دور وأرض وشجر] وإذا كانت بين قوم قرية ذات دور وأرض بيضاء وشجر، فليقسموا دورها كما وصفنا في قسم الدور، ويقسموا أرضها كما وصفنا في قسم الأرض.
وأنا الأشجا فإن كانت مختلفة مثل تفاح ورمان وخوخ وغيره من أنواع الفاكهة وكلها في جنان واحد مختلطة فإنها تقسم كلها مجتمعا بالقيمة؛ كقول مالك في النخل يكون في حائط فمنه البرني والصيحاني والجعرور وأنواع الثمر أنه يقسم على القيمة ويجمع لكل واحد منهم حظه في موضع واحد من الحائظ، ولا يلتفت إلى ما يصير في حظ أحدهم من ألوان الثمر.

قال ابن عبدوس: والعمل في هذا أن يبدأ القاسم فيقوم النخل كله بقيمة عدل من أهل المعرفة بقيمة ذلك الموضع ويسأل أهل المعرفة بذلك النخل عن ما عرف من حمل كل نخلة ثم تجمع القيم ويقسمها السهام ويعرف ما ينوب كل سهم، ثم يضرب بالسهم على أي الطريقين يبدأ، فإذا عرف ذلك كتب اسم كل واحد من الأشراك في رقعة وخلطها في داخل كمه ثم يخرج أول سهم ثم الثاني ثم الثالث حتى يفرغ منهم، ثم يبدأ بالأول فيعطيه من تلك الناحية التي وقع عليها السهم فيعطيه شجرة شجرة حتى يكمل له قيمة ما صار له، فإن وقع بقية حق في بعض شجره كان شريكًا فيها بقدر ما بقى له مع الذي يليه ثم يصنع في الثاني والثالث كذلك.
وكذلك يصنع في الأرض إلا أن يكون بعض الأرض أو بعض الشجر أكرم بالأمر المتباين جدًا فلا يجمع في القسم، ويقسم كل صنف على حدة.
وقال سحنون: لا تثسم الجنان المختلف الثمار هكذا إلا على التراضي.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كان التفاح جنان على حدة والرمان جنان على حدة وكل نوع جنان على حدة، وكل واحد يحتمل القسم فليقسم بينهم كل

جنان بالقيمة.
[فصل 6 - في قسمة أرض ذات أشجا مفترقة] وإن ورث قوم أرضًا فيها شجر مفترقة، هاهنا شجرة وهاهنا شجرة، وأرادوا قسمتها فليقسموا الأرض والشجر جميعًا؛ إذ لو قسموا الأرض على حدة والشجر على حدة صار لكل واحد شجرة في أرض صاحبه.
[فصل 7 - في قسمة الأراضي والعيون] وإذا ورث قوم أراضي وعيونًا كثيرة فأراد أحدهم قسم كل أرض وعين وأراد غيره اجتماع حصته من ذلك، فإن استوت العيون في سقيها الأرض واستوت الأرض في الكرم، وكانت الأرض قريبة لبعضها من بعض لا يكون فيها تباعد شديد قسمت الأرض لكل واحد حصته في موضع واحد، وإن

اختلفت العيون في سقيها الأرض وغورها واختلفت الأرض في كرمها وقسمت كل أرض وعيونها على حدة.
قال مالك في الموطأ والمجموعة: لا يقسم ما يقى بالنضح والسواقي مع ما يسقى بالعيون، ولا يقسم البعل مع السقي وإن تقاربت الحوائط، ويقسم كل واحد من هذا على حدة إلا أن يتراضوا أن يجمعوه في القسم فذلك لهم.
قال سحنون: وذلك بغير قرعة ولا يصلح بالقرعة؛ لأن ذلك مختلف، ويصير كمن جمع فرسًا وحمارًا في القسم بالسهم، وقال ابن الماجشون.
وأشهب يجيز هذا كله إذا تراضيا.
[فصل 8 - في قسمة القرية على أجزاء مختلفة وقسم مجاري الماء] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ورثوا قرية على أجزاء مختلفة ولها ماء ومجرى ماء، ورثوا ماءها وأرضها وشربها وشجرها، قسمت الأرض بينهم عند مالك على قدر مواريثهم منها.
ولا يقسم مجرى الماء ويكون لهم من الماء على قدر مواريثهم منه.

وكل قوم كانوا شركاء في قلد منه، فباع أحدهم نصيبه من ذلك فشركاؤه دنية أحق بالشفعة من سائر شركائه في الماء.
قلت: والدنية أهل وراثة يتوارثون دون شركائهم؟ قال: نعم.
قال مالك: وإن قسموا الأرض دون الماء ثم باع أحدهم حظه من الماء فلا شفعة فيه، وهذا في كتاب الشفعة مذكور.
فصل [9 - في التداعي في القسمة] قيل: فمن ادعى في دار بيد غائت أنه وارثها مع الغائب، أو أنها لأبيه ورثها عنه ولا حق للغائب فيها وأتى ببينة.
قال: لا يقضى له، وقد سمعت من يذكر عن مالك أنه لا يقضى على الغائب في الدور.
قال عبد الملك: إنما يقول: لا يحكم على غائب أهل العراق، فأما علماء أهل المدينة فيرون القضاء على الغائب في الرباع وغيرها.
قال ابن القاسم: وهو رأي إلا في البعيد الغيبة مثل الأندلس وطنجة وما بعد، فليقض عليه السلطان، وإن كانت الغيبة مثل ما يسافر إليه الناس ويقدمون مما ليس بالمنقطع، فليكتب إليه فيوكل أو يقدم.

ولا يقيم القاضي لغائب أو طفل وكيلا يقوم بحجتهما، وفي باب القسم على الغائب شيء من هذا.
[قال] أصبغ: أرى للسلطان أن يوكل للغائب من يقوم بحجته إن لم يكن له وكيل يدفع عنه ويقضي للطالب عليه.

[الباب الثالث]

في قسمة الثمار والبقل والزرع والبلح الكبير والصغير

[فصل 1 - في قسمة الزروع والثمار] قال مالك: وإذا ورث قوم شجرًا أو نخلًا وفيها ثمر فلا يقسموا الثمار مع الأصل.
قال ابن القاسم: وإن كان الثمر طلعًا أو بلحًا إلا أن يجدوه مكانه.
أسقط سحنون الطلع وقال: إذا كان فيها طلع لم يجز قسمتها بحال؛ لأنهما وإن لم يستثنيًا شيئًا فهو طعام بطعام مؤخر.
قال مالك: وكذلك الزرع لا يقسم مع الأرض، ولكن تقسم الأرض والأصول وتترك الثمرة والزرع حتى يبدوا صلاحه ويحل بيعه فيقسموا ذلك حينئذ كيلا أو يبيعوه ويقسموا ثمنه على فرائض الله تعالى.
ولا يقسم الزرع فدادين ولا مذارعة ولا قتا ولكن كيلًا.
قلت: ولم كره مالك أن يقتسما الأرض والزرع جميعًا وقد جوز بيع الزرع قبل طيبه مع الأرض.

قال: إنما أجاز مالك بيع الزرع والأرض جميعًا بالذهب والفضة، كان الزرع أقل من ثلث ثيمة الأرض أو أكثر، ولم يجز بيع ذلك بطعام، وهذان إذا اقتسما صار كل واحد منهما اشترى نصف ما في يديه من الزرع والأرض بنصف ما صار لصاحبه من الزرع والأرض قصار بيع أرض وزرع بأرض وزرع وهذا لا يجوز، وكذلك البلح والنخل عند مالك.
قال مالك: وأما ثمر النخل والعنب فإنه إذا طاب وحل بيعه واحتاج أهله إلى مقسمته فإن كانت حاجتهم إليه واحدة مثل أن يريدوا كلهم أكله أو بيعه رطبًا فلا يقسم بالخرص.
قال ابن القاسم: لأنه إذا كانت حاجتهم إليه واحدة كان بمنزلة الطعام الموضوع بينهم فلا يقسموه إلا كيلا.
قال مالك: وإن اختلفت حاجتهم إليه فأراد بعضهم أن يبيع وآخر يرد أن يتمر وآخر يريد أن يأكل رطبًا فإنه يقسم بينهم بالخرص إذا وجدوا عالمًا بالخرص.
قال ابن القاسم: وجعل مالك الخرص في ثمرة النخل والعنب إذا طابا واختلفت حاجتهم إليه بمنزلة الكيل وفي غيرهما من الزرع وسائر الثمار.

وإذا اقتسما الثمرة كما وصنفا بعد قسمة الأصول كان على كل واحد منهم سقي نخله، وإن كان ثمرها لغيره؛ لأن على صاحب الأصل سقيه إذا باع ثمرته.
قال سحنون: السقي هاهنا على رب الثمرة؛ لأن القسم تمييز حق لا كالبيع، وكان ما كان له هو ميراثه.
م: وإنما كان السقي في بيع الثمرة على البائع؛ لأنه باعها على حياتها من الماء؛ ولأنه يسقي نخلة فتشرب ثمرة هذا، والقسم عنده كالبيع لأنه باع نصف ثمرته بنصف ثمرة صاحبه، والصواب أنه تمييز حق كما قال سحنون، وأما من باع أصل حائطه دون الثمر فالسقي على البائع؛ لأن المبتاع لا يسلم إليه الأثل حتى يجد البائع ثمرته، وقاله مالك.
وقال المخزومي: السقي على مشتري الأصل لأنه يسقي نخله فتشرب ثمرة هذا.
قال ابن القاسم: وإذا لم تطب ثمر النخل والعنب فلا يقسم بالخرص ولكن يجدوه إن أرادوا ثم يقسموه كيلا.

[فصل 2 - في قسمة الأشجار بالخرص] قال مالك: وإذا ورث قوم شجرًا غير النخل فلا يقسموا ما في رؤوسها إذا طاب بالخرص.
قال: والفواكه من الرمان والخوخ والفرسك وما أشبهه فلا يقسم بالخرص وإن احتاج إليه أهله؛ لأن هذا مما ليس فيه الخرص من عمل الناس وإنما الخرص في النخل والعنب، فلا يقسم بالخرص غيرهما.
قال ابن القاسم: وقد ذكر بعض أصحابنا أن مالكًا أرخص في قسم الفواكه بالخرص، فسألته عنه، فقال: لا أرى ذلك، ثم سألته عنه غير مرة، فأبى أن يرخص فيه.
ومن العتبية والمجموعة: قال أشهب عن مالك: لا بأس بقسم جميع الثمار بالخرص من نخل وعنب وتين وغير ذلك إن وجدوا من يحسن ذلك، وطاب وحل بيعه واختلفت حاجتهم إليه.
قال ابن حبيب: يقسم مدخر الثمار كلها بالخرص إذا بدى صلاحها، مثل الثمر والعنب والتين والجوز واللوز والجلوز والفستق وشبهه إذا اختلفت الحاجة

إليه، وإن لم تختلف أو يبس في شجره لم يقسم إلا كيلا بعد جمعه، قاله مالك وأصحابه إلا ابن القاسم فإنه لم يجز الخرص إلا في النخل والعنب.
قال ابن عبدوس وابن حبيب: وإنما كره مالك قسم ما لا يدخر من الفواكه بالخرص في شجره؛ لأنهما لا يتقابضا في الوقت ويتأخر جمعه، فيجمع هذا اليوم وهذا غدًا فيصير بيع ثمرة بثمرة غير مناجزة، فأما إن كانا يجدانه جميعًا قبل أن يبرحها فلا بأس أن يقتسماه في شجره بالتحري في تعديله، أو بالتفضيل لجواز التفاضل فيه.
[فصل 3 - في قسمة البقول] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا ورث قوم بقلًا قائمًا لم يعجبني أن يقتسموه بالخرص، وليبيعوه ويقتسموا ثمنه؛ لأن مالكًا كره قسم ما فيه التفاضل من الثمار بالخرص، فكذلك البقل.
قال ابن عبدوس: إنما لم يجز قسمة البقل قبل أن يجز بالخرص؛ لأنه لا يقبض

كل واحد منهما ما صار له فصار طعامًا بطعام ليس يد بيد، فأما إن كان جزأه قبل أن يفترقا فلا بأس أن يقتسماه بالتحري أو بالتفضيل قبل جزه أو بعده.
وقاله سحنون كقوله في قسمة الزرع الأخضر على التحري وفي بيع فدان كراث بفداني كراث.
قال ابن حبيب: إلا البصل والثوم فإنه يدخر وييبس فلا يجوز فيه التفاضل، ولا يقسم تحريًا وهو أخضر أو يابس، ويقسم يابسًا عددًا أو كيلًا.
م: وقسمته عددًا يدخله التفاضل؛ لأنه يختلف ولا يكاد يتساوى، والصواب أن يقسم بالوزن.
قال ابن حبيب: وإن اختلفت حاجتهم إليه وهو أخضر قائم قد بلغ مبلغ الانتفاع به فإنه يجوز قسمته بالخرص وهو قائم كمدخر الثمار.
[فصل 4 - حكم بيع البقول والثمار متفاضلًا أو مختلفة] ومن المدونة قال ابن القاسم: وبيع فدان كراث بفداني كراث أو سريس

خس أو سلق لا خير فيه عند مالك، إلا أن يجد الجميع قبل التفرق.
وقد قال مالك: فيمن اشترى ثمرة قد طابت بثمرة مخالفة لها يابسة، أو هي في شجرها مزهية أن ذلك لا يحل، إلا أن يجدا ما في الشجر من ذلك قبل أن يفترقا.
قال ابن القاسم: وإن جد أخدهما وتفرقا قبل أن يجد الآخر ما في النخل لم يجز ذلك عند مالك، وكذلك لو اشترى ما في رؤوس النخل بحنظة فدفعها وتفرقا قبل أن يجدا ما في النخل لم يجز ذلك عند مالك.
[فصل 5 - في قسمة الزرع الأخضر قبل بدو صلاحه] قال: ولا بأس بقسمة الزرع قبل بدو صلاحه بالتحري على أن يجذاه مكانهما، إن كان يستطاع أن يعدل بينهما في قسمه تحريًا.
وقد قال مالك في القصب والتين إذا قسم على التحري: أنه جائز، فكذلك هذا.
قال ابن القاسم: وإن حصد أحدهما حصته وترك الآخر حتى يحبب الزرع، انتقض القسم؛ لأنه يبيع من البيوع، كما لا يصلح لأحدهما بيع حصته من الزرع قبل يبسه على أن يتركه مشتريه حتى يصير حبًا، وليرد الذي حصد قيمة ما حصد.

قال أشهب: يوم جده لا على الرجاء والخوف.
قال هو وابن القاسم: فتكون تلك القيمة مع الزرع القائم بينهما.
قال ابن القاسم: وكذلك إن تركاه جميعًا حتى صار حبًا، فإن القسم ينتقض، ويقسمان ذلك كيلا.
[فصل 6 - في قسمة البلح الكبير في رؤوس النخل] قال: وإذا ورث قوم بلحًا كبيرًا أو اشتروه، فأرادوا قسمته في رؤوس النخل، فإن اختلفت حاجتهم إليه، فأراد أحدهم أكله بلحًا، وأراد الآخر بيعه بلحًا فلا بأس أن يقتسموه بالخرص؛ لأن مالكًا جعله كالبسر والرطب في تحريم التفاضل فيه، فكذلك ينبغي أن يكون البلح مثلهما في القسمة.
قال ابن عبدوس ولم ير سحنون هذا اختلاف حاجة إذا كان أمرهم يرجع إلى الجد؛ لأن الذي يأكل يجد، والذي يبيع إنما يبيع على الجد ولا يتركه؛ لأنه تركه يبطل القسمة.

قيل لابن القاسم: أما يخشى في هذا البلح حين اقتسامه بالخرص لاختلاف حاجتهم أن يكون ذلك بيع طعام بطعام ليس يد بيد.
قال: إذا عرف كل واحد منهم ما صار له من البلح فهو قبض فيه وإن لم يجده، والخرص فيه بمنزلة الكيل؛ وإن جد الذي حاجته إلى الأكل أو إلى البيع بعد يوم أو يومين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك جاز ذلك ما لم يتركه حتى يزهى؛ لأن مالكًا قال: إذا اقتسموا الرطب بالخرص لاختلاف حاجتهم كان لكل واحد منهم أن يجد كل يوم من الرطب بمقدار حاجته من ذلك، فكذلك البلح الكبار في رأيي.
قال ابن القاسم: وإن ترك أحدهم حصته من البلح حتى أزهى أو تركوا ذلك

جميعًا حتى أزهرت النخل انتقض القسم؛ لأنه لا يصلح أن يباع البلح وإن كان كبيرًا على أن يترك حتى يزهى.
قال مالك: وإن قسموه بالخرص بعد زهوه وحاجتهم إلى مختلفة فتركوه حتى أثمر لم ينتقض القسم.
قال ابن القاسم: وكذلك من اشترى رطبًا في رؤوس النخل ثم تركه حتى أثم لم ينتقض البيع بينهما عند مالك، وما كان مثل ثمر إفريقية فإنهم يجدونه بسرا إذا بدا قبل أن يرطب ثم يترك حتى يثممر على ظهور البيوت.
وفي الأنادر لا بأس أن يقتسماه بعد أن يجدانه كيلا وإن كان يختلف نقصانه إذا يبس فلا يضر ذلك؛ لأن الرطوبة تجري في جميعه.
[فصل 7 - في قسمة البلح الصغير] ولا بأس بقسم البلح الصغير بالتحري على أن يجداه مكانهما إذا اجتهدا حتى يخرجا من وجه الخطر.

قال مالك: وإنما البلح الصغير علف.
قال ابن القاسم: وهو بقل من البقول، ويجوز أن يقسماه وإن لم تختلف حاجتهم إليه بخلاف الرطب، وإنما هو بمنزلة البقل والعلف.
قال مالك/ وإن كان اقتسماه وفضل أحدهما على صاحبه بأمر يعرف فضله، جاز ذلك.
قال ابن القاسم: ويجوز في البلح الصغير بلح نخلة ببلح نخلتين على أن يجداه مكانهما، وإن اقتسما هذا البلح فلم يجد حتى صار بلحًا كبيرًا، فإن كانا اقتسماه على تفاضل انتقض القسم، وإن اقتسماه على تساوٍ وكان إذا كبر يتفاضل في الكيل انتقض القسم أيضًا وإلا لم ينتقض.
وقال أشهب: ينتقض القسم على كل حال.
قال بعض فقهاء القرويين: ولو اقتسما هذا البلح الصغير ثم أكل أحدهما جميع حظه وبقى نصيب الآخر حتى صار بلحًا كبيرًا فلا ينتقض القسم؛ لأن البلح الصغير بالبلح الكبير متفاضلًا جائز، فلا تفسد القسمة، إقتسما أولًا، على

تفاضل أو على غير تفاضل، بخلاف إذا تركا ذلك جميعًا حتى صار بلحًا كبيرًا؛ إذا قد آل أمرهما إلى الاقتسام في بلح كبير متفاضلًا وذلك لا يجوز.
م: وقد نقل أبو محمد مسألة إذا أكل أحدهما جميع حظه وبقي الآخر حتى صار بلحًا كبيرًا، -من المجموعة- عن ابن القاسم، وقال فيها: إن كان اقتسماه على غير تفاضل وكان إذا كبر لا يتفاضل فذلك جائز، وهذا نقل فيه نفطر، فانفطر الأصل.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو تركا ذلك حتى أزهى انتقض القسم، ولو جد أحدهما وترك الآخر نصيبه حتى أزهى انتقض القسم؛ إذ لا يجوز بيع ذلك على أن يترك إلى طيبه، وليرد الذي أكل وجد قيمة ما جد فيقسما ذلك ما أزهى.

ولو أكل أحدهما جميع ما صار له في القسم وأكل الآخر نصف حظه وبقي نصفه حتى أزهى بطل القسم فيما أزهى، ورد الذي أكل جميع حظه، نصف قيمة ما صار له.
قال أشهب: يوم جده لا على الرجاء والخوف.
قال: فيقتسمان ذلك مع أزهى، يريد بخلاف من اشترى بلحًا على أن يتركه حتى يطيب فيجده بعد ازهائه، فهذا بيع فاسد وعليه قيمة ذلك على الرجاء والخوف؛ لأنه الترك اشترى، واللذان اقتسما إنما اقتسما على الجد.

[الباب الرابع]

ما جاء في بيع حائط بمثله

[فصل 1 - في بيع حائط بمثله] قال مالك: ومن باع حائط نخل بمثله، فإن لم يكن فيهما ثمر فلا بأس به، وإن كان فيهما طلع قد أبر أو بلح أو بسر أو رطب أو ثمر، فلا خير في أن يشترط كل واحد ثمرة صاحبه مع أصلها.
قال ابن القاسم: وإن تبايعا الأصلين دون تمرتيهما يريد/: أو سكتا في العقد عن اشتراط الثمرة، جاز ذلك فيهما، وإن كانت ثمرتهما لم تؤبر لم يجز التبادل فيهما بحال؛ لأن الثمرة إن استثناها بائعها لم يجز؛ لأنها بالسنة للمبتاع، فاستثناء البائع لها كشرائها قبل بدو صلاحها، وإن لم يستثنيا وبقيت تبعا دخله التفاضل في تبايع الطعامين، وإن كان في أحدهما ثمرة ولا ثمرة في الآخر فلا

بأس به، وإن كانت ثمرة أحدهما قد أبرت وثمرة الآخر لم تؤبر جاز أن يبيع أحدهما لصاحبه إن بقيت المأبورة خاصة لربها، وإن اشترطها الذي لم تؤبر ثمرته لم يجز.
وأصل ما كره مالك من هذا أن النخل إذا كان فيها طلع أو بلح أو رطب أو ثمر لم يصلح أن تباع تلك النخل بما في رؤوسها بشيء من الطعام، إلا أن يجدا ما في رؤوس النخل ويتقابضا ذلك قبل أن يفترقا، فيجوز إذا كان الطعام مخالفًا لثمرة الخل ويجوز بيعها مع ثمرتها بعرض أو عين.

[الباب الخامس]

ما جاء في قسمة اللبن في الضروع والصوف على ظهور الغنم

[فصل 1 - عدم جواز قسمة اللبن في الضروع] قال ابن القاسم: ولا يجوز قسمة اللبن في الضروع؛ لأن هذا مخاطرة، وأما إن فضل أحدهما الآخر بأمر بين على المعروف وكانا إن هلك ما بيد هذا من الغنم رجع فيما بيد صاحبه، فذلك جائز؛ لأن أحدهما ترك للآخر فضلًا بغير معنى القسم.
وقال أشهب في كتبه: لا يجوز ذلك وإن فضل أحدهما صاحبه فهو أحرم له؛ لأنه لبن بلبن متفاضل، هو لو كان محلوبًا ما جاز ذلك فيه، فكيف يجوز ذلك في الضروع اجتمعت فيه كراهيتان.
قال ابن عبدوس: وأخذ سحنون بقول أشهب أن ذلك لا يجوز، إلا أنه أنكر حجته فيها.
قال سحنون: إنما لم يجز؛ لأنه طعام بطعام غير يد بيد، ولو حلباه قبل التفرق لجاز إذا فضل أحدهما الآخر بأمر بين وكان اللبن صنفًا واحدًا، لا أن يكون لبن ضأن ولبن معز.

قال سحنون: وقد قال أشهب في كتبه في صبرة بين رجلين: أنه لا بأس أن يأخذ أحدهما ما لا يشك أنه أكثر من حقه أو أقل، ويسلم لصاحبه باقيها؛ لأنه من المعروف.
قال ابن عبدوس: فهذا من قول أشهب يرد احتجاجه في منع التفاضل في اللبن.
[فصل 2 - جواز قسمة الصوف على ظهور الغنم] ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا بأس بقسمة الصوف على ظهور الغنم إن جزأه الآن أو إلى أيام قريبة يجوز بيعه إليها، ولا يجوز فيما بعد.

[الباب السادس]

ما يجمع في القسم وما لا يجمع

[فصل 1 - الأصل في القسمة] ولما أرخص في تمييز الحقين بالسهم على غرره لم يجز خروج الرخصة عن موضعها فيصير إلى الغرر المنهي عنه، وكالبيع بالقرعة، فما كان من الأشياء المتقاربة المشتبهة فهي تجمه في القسم، فإن تباعدت الأصناف لم تجمع في القسم لما ذكرنا.
[فصل 2 - ما يجمع في القسمة من الثياب] قال ابن القاسم: فإذا كان المتاع خزًا وحريرًا وقطنًا وكتانًا وصوفًا فإن ذلك كله يجمع في القسم؛ لأن هذه ثياب كلها، ويجمع ذلك مع القراء، وهذا إذا لم يكن في كل صنف من ذلك ما يجمله القسم في انفراده، وأما إن كان في كل صنف من ذلك ما يحمل القسم في انفراده قسم كل صنف على حدة.
وقيل لابن القاسم في موضع آخر: أرأيت من ترك ثياب خز وحرير وقطن وكتان وجباب وأكسية، أيقسم كل نوع على حدة أم يجعل ذلك كله في القسم كنوع

واحد؟ قال: أرى أن يجمع البز كله في القسمة فيجعل نوعًا واحدًا، فيقسم على القيمة مثل الرقيق؛ لأن الرقيق عند مالك نوع واحد وفيهم الصغير والكبير والهرمة والجارية الفارهة، وثمنهم متفاوت بمنزلة البز أو أشد، فالبز عندي بهذه المنزلة.
[فصل 3 - ما يجمع في القسم من الماشية] وكذلك تقسم الإبل وفيها أصناف مختلفة، والبقر وفيها أصناف مختلفة في الصغر والكبر الجودة والرداءة، ويختلف أثمانها لذلك، فتجمع كلها في القسمة على القيمة.
[فصل 4 - ما يجمع في القسمة من الأقمصة والسراويل وغيرها من الأردية] ولو ترك قمصًا وجبابًا وأردية وسراويلات، جمع ذلك كله في القسم على القيمة، ولا تجمع مع الأمتعة والثياب بسطا أو (وسائد).

جارٍ التحميل