ومن المدونة: وإن باع العامل سلعة من القراض فاحتال بالثمن على مليء أو معدم إلى أجل ضمن كبيعه بالدين بغير إذن رب المال.
قال ابن المواز: ما باعه بالدين ضمن قيمته يوم باعه إذا تلف, وأما إن باعه بالنقد فاحتال بالثمن فتلف فإنه يضمن الثمن بعينه.
[فصل 2 - في ما اشتراه العامل بدين على القراض]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أخذ العامل ألف درهم قراضاً فابتاع بها سلعة فلم ينقد حتى ابتاع سلعة أخرى على القراض فلا خير في ذلك, وقد قال مالك في العامل يشتري سلعة بأكثر من رأس مال القراض ليضمن ما زاد ديناً, ويكون في القراض أنه لا خير فيه, فمسألتك تشبه هذا.
قال ابن القاسم: وليس من سنة القراض أن يشتري على القراض بدين يضمنه العامل ويكون الربح لرب القراض ولا يجوز ذلك.
قال ابن المواز: ويكون ربح السلعة الثانية وضيعتها على العامل ولد؛ لأنه ضمن ثمنها, وكما لو نقد في الأول وابتاع الثانية ثم طلب ثمنها من رب المال على
القراض لم يجز؛ لأن ذمة العامل عامرة بثمنها حين شرائه, وكذلك لو اشتراها حتى يبيع ويوفيه.
قال ابن المواز: شراؤه بالدين على القراض أو يتسلف عليه لا يجوز أذن رب المال أو لم يأذن, وكيف يأخذ ربح ما يضمنه العامل في ذمته.
قال ابن القاسم: ولو اشترى سلعة بمال القراض وهو في بيته فتسلف ما نقد فيها من رب المال أو غيره فنقد ثم باعها قم اشترى بمال القراض أخرى وباعها فهذا كله في القراض ما ربح في السلعتين أو في إحداهما أو وضع؛ لأنه كان يمكنه نقده أولاً.
قال في العتبية: ويجبر بما ربح من هذه ما خسر في الأخرى.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا أخذ العامل مئة قراضاً فاشترى بمئتين سلعة نقداً كان شريكاً فيها لرب المال يكون نصفها على القراض ونصفها للعامل, وإن كانت المئة الثانية مؤجلة قُوَّمت المئة المؤجلة بالنقد فإن سوت خمسين
كان شريكاً بالثلث, هكذا أصلحها سحنون وكان في الأم تقوم السلعة وهي رواية عبد الملك, وروى عنه تقوم المئة, وقال ابن القاسم وأشهب وغيره/.
قال سحنون: تقويم السلعة خطأ.
فصل [3 - في الرجل يشتري السلعة فيقصر ماله عنها فيأخذ عليها قراضاً يدفعه في ثمنها]
قال مالك: ومن اشترى سلعة فعجز عن بعض ثمنها فأتى إلى رجل فأخذ منه قراضاً وهو يريد أن يدفعه في بقية ثمنها ويكون قراضاً لم أحب ذلك, وأخاف أن يكون قد استغلى ولو صح ذلك لجاز.
قال في كتاب محمد: وإن لم يكن لغلاء أجزته إذا وقع, وأكره العمل به ابتداء.
قال ابن المواز: إذا لم يكن يجبر لرب المال بما كان اشترى من ذلك, ولم يكن لغلاء, وصح أمره فهو جائز.
وقاله أصبغ.
وفي العتبية قال ابن القاسم: لا يعجبني وإن صح.
وقاله سحنون.
م: ويحتمل أن ترد الأقوال كلها إلى قول واحد وهو أنه يكره العمل به ابتداء فإن نزل وصح جاز كما قال مالك.
قال ابن حبيب: إن الكشف أنه كان استغلالها ولم تكن تساوي ذلك يومئذ فلينظر قيمتها يومئذ فيرجع عليه بالزيادة ولا ينظر ما بيعت به من ربح.
ومن المدونة: قال مالك: ولو ابتاع سلعة ثم سأل رجلاً أن يدفع إليه مالاً ينقده فيها ويكون قراضاً بينهما فلا خير فيه, فإن نزل لزمه رد المال إلى ربه, وما كان فيها من ربح أو وضيعة فله وعليه, وهو كمن أسلفه رجل ثمن سلعة على أن له نصف ربحها.
قال سحنون هذه خير من التي فوقها.
قال أبو محمد هذا سمى له أنه ابتاع سلعة, والأول لم يذكر له ذلك, وأخذ منه المال قراضاً فنقده فيها.
قال ابن المواز: ولو كان هذا قبل أن يستوجبها وقبل أن يجب عليها عليه ضمانها لجاز ذلك إذا لم يسم له السلعة ولا بائعها.
وروى عن عثمان أن رجلاً قال له: وجدت سلعة مرجوة فأعطني قراضاً ابتاعها ففعل.
قال ابن المواز: وذلك أنه لم يسم له السلعة ولا بائعها.
قال ابن حبيب: ويكره أن يؤخذ المال قراضاً على أن يشتري به من رفقة نزلت بهم معها تجارة ابتداء, فإن وقع مضى على شرط الربح إن شاء الله, وبالله التوفيق.
[الباب الثاني عشر]
جامع مسائل مختلفة من القراض والوكلات
[فصل 1 - في الرد بالعيب للمقارض, وشراؤه محاباة]
قال مالك: وإذا باع العامل سلعة فطعن بعيب فحط من الثمن أكثر من قيمة العيب أو أقل, أو اشترى سلعة من [والده أو ولده] فما كان من هذا نظرا بغير محاباة جاز.
وإذا اشترى العامل بجميع المال عبداً ثم رده بعيب فرضيه رب المال فليس ذلك لرب المال؛ لأن العامل إن أخذه كذلك جبر ما خسر فيه بربحه؛ إلا أن يقول له رب المال إن أبيت فاترك القراض واخرج؛ لأنك إنما تريد رده وتأخذ الثمن فكان القراض عيناً بعد, فإما أن ترضى بذلك وإلا فاترك القراض وأنا أقبله.
قال: ولو رضي العامل بالعيب على وجه النظر جاز وإن حابى فهو متعد.
وقال مالك في العامل يبيع ويحابي: أن ذلك غير جائز إلا أن يكون له فيه نصيب فيجوز منه قدر نصيبه.
قال في باب بعد هذا: وإذا قتل عبدُ لرجل عبداً من القراض فاختار العامل أو رب المال القصاص, واختار الآخر العفو على أخذ الجاني, فالقول قول العافي على
أخذ العبد الجاني وأجعله على القراض كما كان المقتول, وكذلك إن قتله سيده فقيمة العبد على القراض.
فصل [2 - العامل ينقذ ثمن السلة بغير بينة فإذا أراد قبضها جحد رب
السلعة هل يصمن؟]
وإذا دفع العامل ثمن سلعة بغير بينة فجحده البائع, وحبس السلعة فالعامل ضامن.
وكذلك الوكيل على شراء سلعة بعينها أو بغير عينها فيدفع ثمنها فيجحده البائع فهو ضامن, ولرب المال أن يغرمها.
قال ابن القاسم: وإن علم رب المال بقبض البائع الثمن بإقراره عنده أو بغير قراره ثم جحده فلرب المال أن يغرم البائع الثمن ويطيب له؛ لأنه هو الذي أتلف عليه ماله حين لم يشهد إلا أن يدفع ذلك الوكيل بحضرة رب المال فلا يكون عليه ضمان.
م: قيل ويمكن أن يغرمه قيمة السلعة المشتراه لتعديه في دفع/ الثمن قبل قبضها؛ لأنه وإن لم يكن عليه الإشهاد في عقد البيع إذ لو أنكر البائع البيع ما لزم الوكيل شيء فلا يجوز له دفع الثمن إلا بعد قبض السلعة أو مع ذلك معاً, فتركه ذلك تفريط في السلعة وتلف لها فوجب عليه ضمانها.
وقد قالوا في من أمر ببيع سلعة فسلمها ولم يقبض الثمن أنه يضمن الثمن لهذا المعنى, أو لأنها دفعت على ثمن ملك الموكل أخذه فتركه فوجب عليه ضمانه.
م: وظاهر المدونة وكتاب محمد: أنه لا يكون أحق بالربح في إجارته القراض, وعلى هذا حمله أبو محمد, وهو أبين.
والله أعلم.
[الباب الثاني]
في المقارضة على الأجزاء والتداعي فيها
[فصل (1) المقارضة على الأجزاء]
[المسألة الأولى: الرجل يعطي الرجل مالاً يعمل
فيه قراضاً والربح للعامل]
قال ابن القاسم: وتجوز المقاوضة عند مالك على النصف أو الخمس أو أكثر من ذلك أو أقل.
قلت: فإن أعطيته مالاً قراضاً على أن الربح للعامل قال: ذلك جائز.
وقد قال مالك في من أعطى لرجل مالاً يعمل به على أن الربح للعامل, ولا ضمان عليه: أنه لا بأس به, وكذلك إن أعطاه نخلاً مساقاة على أن جميع الثمرة للعامل فلا بأس به.
ابن المواز: إن قال رب المال للعامل حين دفع المال إليه: خذه قراضاً والربح لك: جاز, وكان الربح للعامل, ولا يضمن المال إن خسر أو تلف, والقول فيه قول العامل, وإن لم يقل له خذه قراضاً وإنما قال: خذه واعمل والربح لك: جاز أيضاً؛ لأن الربح للعامل وهو ضامن لما خسر, يريد: إلا أن يشترط أن لا ضمان عليه فلا يضمن.
[المسألة الثانية: المقارض يدفع إلى العامل مالاً
ولم يسم ماله من الربح]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: ومن دفع إلى رجل مالاً قراضاً ولم يسم ماله من الربح, وتصادقا على ذلك: فله قراض المثل إن عمل.
وكذلك إن قال له: لك شِرْك في المال ولم يسمه وتصادقا على ذلك: كان على قراض مثله إن عمل.
وقال غيره: إذا قال لك شِرْك في المال ولم يسمه وتصادقا: فذلك النصف.
[المسألة الثالثة: المقارض يدفع مالاً للعامل على النصف ثم يجعلاه على الثلثين]
قال ابن القاسم: وإن أعطيته قراضاً على النصف, ثم تراضيتما -بعد أن عمل- على أن يجعلاه على الثلثين لك أو له: جاز
قال ابن حبيب: إن كان المال حين تراضيتما عيناً لا زيادة فيه ولا نقص, وقد حركه أو لم يحركه: فلا بأس به, وإن كن فيه زيادة أو نقص, أو كان في سلع: لم يجيز.
م: وقول ابن القاسم أولى؛ لأن المال إن كان عيناً فكأنهما الآن ابتدآ بالعقد؛ لأن القراض لا يلزم بالعقد, ولمن شاء حله ما لم يُشغل المال في سلع, أو يظعن به في سفر, وإن كان المال في سلع هبة, تطوَّع أحدهما بها لصاحبه, وهبة المجهول جائزة.
ووجه قول ابن حبيب: أنه إن كان المال عيناً وفيه ربح أو وضيعة فقد ملكا قَسْمَه, فكان أحدهما زاد الآخر لبقاء الأمر بينهما, وكذلك إن كان المال في سلع, إذ قد يدعو أحدهما إلى بيعها والمفاضلة فيها, فكأنه زاده في جزءه, ليماديه على القراض, والله أعلم.
م: قال بعض القرويين: إن كان بعد أن عمل, وكان لرب المال الثلثان فجعل لنفسه الثلث, فتلك هبة مقبوضة, مات رب المال أو أفلس, وإن كان للعامل الثلثان, فجعل لرب المال الثلثين, فهي هبة منه, فإن مات العامل أو أفلس قبل قبض/ رب المال ما وهبه: سقطت الهبة.
قال: ولا يجوز هدية رب المال للمقارض ولا للمقارض له.
قال: وقد أجاز محمد ترك العامل النفقة بعد اشتغال المال, وذلك هبة من العامل؛ لأن النفقة واجبة له بالسفر, ولم يجز تركه لذلك قبل اشتغال المال.
م: يريد لأنه يصير كأنه اشترط ترك النفقة في العقد فلم يجز ذلك.
[المسألة الرابعة: مقارضة رجلين لأحدهما ثلث الربح وللآخر سدسه]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قارضت رجلين على أن لك نصف الربح, ولأحدهما الثلث, للآخر السدس لم يجزكما كما لو اشترك العاملان على مثل هذا لم يجز؛ لأن أحدهما يأخذ بعض ربح صاحبه بغير شيء.
م: ويجب على هذا -إن كان رب المال اشترط ذلك عليهما-: أن يفسد القراض ويكون العاملان فيه أجيرين.
قال ابن المواز: قال أصبغ: فإن نزل ذلك: فسخ القراض بينهما, ما لم يعملا, فإن فات بالعمل: كان نصف الربح لرب المال والنصف بين العاملين على [ما] شرطا, ويرجع صاحب السدس على صاحب الثلث بإجارته في فضل جزئه.
وقاله ابن حبيب.
قال ابن حبيب: إلا أن يكون ذلك أكثر مما فضله به من الربح.
قال ابن المواز: ولو شرطا العمل على قدر أجزائهما من الربح لكان مكروهاً, إلا أن ذلك إن نزل: مضى.
قيل: فإن خسرا, أيكون لهما أجر مثلهما على رب المال؟ قال: لا شيء على رب المال, وإنما الكلام فيما بين العاملين.
م: لعله أراد أن رب المال اشترط لنفسه نصف الربح, وتشاركا هما على أن لهما النصف على الثلث والثلثين, والعمل بينهما نصفان, فيكون إنما دخل الفساد في اشتراطهما لأنفسهما, فلذلك جعل أن لا أجر لهما إن خسرا, وأن الربح بينهما على شرطهما, ويرجع من له فضل على صاحبه كشركاء المال يشترطان ذلك, فانظر.
[المسألة الخامسة: المتقارضان يشترطان ثلث الربح للمساكين]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: وإذا اشترط المتقارضان عند معاملتهما ثلث الربح للمسكين: جاز ذلك, ولا أحب لهما أن يرجعا فيه, ولا يقضي بذلك عليهما.
فصل [2 - المتقارضان يختلفان في أجزاء الربح]
قال ابن القاسم: ومن أخذ قراضاً على [الثلث] والثلثين ولم يبين لمن الثلثان: فالقول قول العامل أن الثلثين له والثلث لرب المال, كما لو ادعيا ثلثي ذلك: لكان القول قول العامل أن الثلثين له, فكذلك هذا.
قال ابن المواز إذا أقرا أنهما لم يبينا الثلثان: جعلته لمن يشبه أن يكون ذلك له, فإن كان يشبههما جميعاً: جعلته للعامل ويحلف إن ادعي ذلك.
م: وإنما يكون القول قول العامل إذا اختلفا بعد العمل, فقال العامل كان نيتي أن الثلثين لي, فالقول قوله ويحلف أنه كذلك نوى, فإن نكل حلف رب المال على ما نوى بمنزلة ما إذا تداعيا ذلك لفظاً.
م: وقال بعض فقهائنا القرويين: إذا ادعى كل واحد أنه فهم عن صاحبه أنه صيَّر له الثلثين, فذلك كتصريح الدعوى, والقول قول العامل إذا أشبه.
وأما إن قال كل واحد منهم: لم أفهم عن صاحبي شيئاً إلا أنَّي ظننت أنَّي المّعْني بالثلثين: فكان يجب أن يكون الربح بينهما نصفين؛ لأن كل واحد قد سلم الثلث لصاحبه, واستوت دعوهما في الثلث الباقي, فيقسم بينهما نصفين.
م: ويلزم على هذا أن لو بيَّنا الدعوى لفظاً أن يقسم بينهما أيضاً نصفين؛ لأن كل واحد قد سلم لصاحبه الثلث, واستوت دعواهما في الثلث الباقي, ولكن لما كان العامل حائزاً, وجب أن يكون القول قوله في تساوي الدعوى, كتساوي البينتين أن القول قول الحائز, ولا فرق أيضاً بين قوله فهمت, ولا بين قوله: ظننت؛ لأنه لا يظن أنه المَعنَّي بالثلثين إلا بما فهم من قول صاحبه, والله أعلم.
ومن المدونة, وقال مالك: وإذا اختلف المتقارضان في أجزاء الربح قبل العمل, فقال رب المال دفعته على أن الثلث للعامل, وقال العامل: بل على الثلثين لي: رد المال إلا أن يرضى العامل بقول رب المال/, وإن اختلفا بعد العمل: فالقول قول العامل كالصانع إذا جاء بما يشبه, وإلا رد قراض مثله.
قال ابن القاسم: وكذلك المساقاة.
وقال ابن حبيب عن مالك: القول قول العامل مع يمينه إن ادعى ما يشبه, وإن ادعى كا يستنكر: صدق رب المال ويحلف, فإن ادعى مستنكراً فللعامل قراض مثله.
وقاله أشهب.
قال: وقال الليث: إن لم يكن لهما بينة حملا على قراض المسلمين, وهو النصف.
ومن المدونة, قال مالك: وإن ادعى أحدهما ما لا يجوز, مثل أن يدعي: أن له من الربح مئة درهم ونصف ما بقي أو ثلثه, وادعى الآخر: أن له النصف أو الثلث من الجميع: صدق مدعي الحلال منهما إذا أتى بما يشبه.
م: ولو كان رأس المال ألفاً, فادعى العامل: أنه شرط ربح مئة له ونصف ربح ما بقي, وقال رب المال: بل النصف لك فقط: فالقول قول العامل إذا أتى بما يشبه؛ لأنه ادعى أن له عشر الربح ونصف تسعة أعشار ما بقي, وهو أن له أحد عشر جزءاً من الربح, ولرب المال تسعة أجزاء, فيكون لرب المال أربعة أعشار الربح ونصف عشره, وللعامل خمسة ونصف عشره, فيكون كمن ادعى الثلثين ورب المال الثلث.
ولو ادعى أنه له ربح مئة معينة ونصف ما بقي: لكان القول قول رب المال؛ لأنه مدعي الصحة والعامل مدعي الفساد, فهو كما لو ادعى ما لا يشبه؛ لأنه ادعى ربح مئة لا يخلطها مع بقية المال, وذلك فاسد, وبعد هذا باب فيه إيعاب هذا المعنى.
[الباب الثالث]
باب في نفقة العامل وكسوته
[فصل 1 - نفقة عامل القراض في السفر]
والقضاء: أن للعامل النفقة في مال القراض إذا شخص للسفر به لا قبل ذلك.
قال ربيعة: ولولا نفقته إذا شخص ما حل ذلك.
قال ابن المواز: ولا يأكل العامل من المال, وإن وقف على الخروج وقُرِّبت إليه دابته حتى يخرج, فحينئذٍ يأكل منه, قرب السفر أو بعد إن كان المال يحمل ذلك.
قال القاضي عبد الوهاب: وهي مسألة إجماع في سائر الأعصار إلى زمن الشافعي, فذكر بعض أصحابنا: أنه اختلف فيها قوله, فذهب في آخر أقواله وهو المشهور عنه: أن لا نفقة له في السفر, كما ليس له ذلك في الحضر.
قالوا: ولأن سفره بالمال ضرب من التصوف فيه, كتصرف الحاضر, فلا يستحق بذلك زيادة.
قالوا: ولأنا وجدنا كل من رضي من عمله بأجر, فلا يستحق نفقة, إلا أن يشترطها من الأجير والوكيل والصانع, فكذلك العامل.
قال عبد الوهاب: ودليلنا ما ذكرناه من الإجماع في سائر الأعصار, ولم يختلف فيه أحد من أهل العلم إلى زمن المخالف, وقد صار ذلك عرفاً بين الناس, والعرف كالشرط.
وقد اتفقنا: أن للعامل أن يستأجر من يكفيه مؤنة الحمولة والخدمة, فكذلك يجوز له أن ينفق منه على نفسه؛ لأن سفره لأجل تنمية المال, والفرق بينه وبين الحاضر أن: الحاضر لو لم يكن بيده قراض لم يكن له بد أن ينفق على نفسه وعياله, والمسافر قد التزم نفقة الخروج زيادة على ما نختاج إليه في حضره.
م: وإن شئت قلت: العرف ألا ينفق منه الحاضر وينفق منه المسافر, وهذه سنة القراض, وإنما أقر وأرخص فيه على ما كان في الجاهلية فمن اشترط خلاف ما كان عليه, فقد أحال القراض عن رخصته, وأخرجه عن بابه فيكون فيه أجيراً.
وبالله التوفيق.
[فصل 2 - نفقة عامل القراض في الحضر]
ومن المدونة, قال مالك: وإذا كان العامل مقيماً في أهله فلا نفقة له من المال ولا كسوة.
قال الليث: إلا أن يشغله البيع فيتغذى بالأفلس.
ابن المواز: وأباه مالك وقال: من استغل في الحضر في تجارة القراض فلا يأكل منه.
[فصل 3 - متى يبدأ المقرض في الإنفاق على نفسه من مال القراض إذا أراد السفر؟]
ومن المدونة, قال مالك: ولا ينفق/ منه في تجهيزة سفره حتى يظعن, فإذا شخص من بلده كانت نفقته في سفره من المال في طعامه, وفي ما يصلحه بالمعروف في غير سرف ذاهباً وراجعاً إن كان المال يحمل ذلك, ولا يحاسب في ربحه ولكن يلغي, وسواء في ذلك قرب السفر أو بعد, وإن لم يشتر شيئاً, وله أن يرد ما بقي بعد النفقة إلى صاحبه, فإذا وصل إلى مصره لك يأكل منه.
قال ابن المواز: ينفق في مسيره ورجوعه, رجع إلى بلده أو بلد رب المال.
[فصل 4 - كسوة عامل القراض]
ومن المدونة, قال مالك: وله أن يكتسي منه في بعيد السفر إن كان المال يحمل ذلك, ولا يكتسي في قريبه إلا أن يكون مقيماً بموضع إقامته يحتاج إلى الكسوة.
قال ابن حبيب: من قول مالك: أنه ينفق في قريب السفر وبعيده, في ركوبه وطعامه, ولا يكتسي إلا في بعيده.
قال عبد الوهاب: لأن الذي يستحق من ذلك قدر ما تدعوه الحاجة والسفر القريب لا يحتاج إلى كسوة, فلم يجز أن يأخذ ما لا يحتاج إليه, فإذا طال احتاج إليها فأبيح له أخذها, وأما الطعام فهو محتاج إليه في قريب السفر وبعيده, ولو قلنا: أنه لا يستحق نفقة ولا كسوة, لأحاطت نفقته وكسوته في سفره بربحه المشترط فيذهب عناؤه باطلاً.
قال ابن حبيب: وذلك كله في كثرة المال, فإن كان المال, قليلاً فلا نفقة له ولا كسوة ولا ركوب.
قال ابن المواز: وليس في كثرة المال حد, غير أن الخمسين والأربعين عندي كثير.
[فصل 5 - هل لمن بعث لشراء بضاعة أو بيعها نفقة وكسوة؟]
قال ابن المواز: والبضاعة مثل القراض, ينفق منها كما ينفق من القراض إن كانت كثيرة, وأما القليلة فلا.
وكذلك هو في الكسوة مثل القراض, قيل: فإذا بعث معه بضاعة ليشتري له بها سلعة, أينفق منها قبل أن يشتري منها؟.
قال: نعم.
وكذلك لو بعث معه سلعة ليبيعها له فلينفق إن باع, وإن كان ذلك على وجه المعروف.
م: قد جرى العرف في النفقة والكسوة في القراض, وظاهر أمرهم في البضاعة أنه إن كان الخروج لها ومن أجلها فيجب أن يكون له نفقته وأجرته.
وإن كان إنما خرج لتجارة نفسه فبعث معه بضاعة أو مالاً لشراء سلعة, فالعرف عندنا أنه لا شيء له فيجب أن يحمل عليه.
[فصل 6 - العامل يقيم بغير بلده ويأخذ قراضاً هل له نفقة؟]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: ومن قدم الفسطاط, فأخذ مالاً قراضاً على أن يقيم يتجر بالفسطاط وليست ببلده, فإنه ينفق منه في مقامه؛ لأن المال حبسه بها إلا أن يوطنها أو ينتقل لسكانها.
وإن لم يكن له به أهل فلا نفقة له.
قال: ولو خرج بالمال إلى بلد فنكح بها, فإنه إذا دخل وأوطنها, فمن يومئذٍ تكون نفقته على نفسه.
ولو أخذ مالاً قراضاً بالفسطاط وله بها أهل, فخرج به إلى بلد له بها أهل: فلا نفقة له في ذهابه ولا في رجوعه؛ لأنه ذهب إلى أهله ورجع إلى أهله.
ولو أخذه في بلد ليس فيه أهله, ثم خرج إلى بلد فيه أهله, فتجر هنالك, فلا نفقة له في ذهابه إلى أهله ولا في إقامته عندهم, وله النفقة في رجوعه.
وروى البرقي عن أشهب في من أخذ قراضاً بالفسطاط, وله بها أهل وأهل بالإسكندرية, فخرج إلى الإسكندرية: أن له النفقة في ذهابه ورجوعه, ولا نفقة له في إقامته في أهله, وقال به البرقي.
قال سحنون: وليس للمقارض أن يسافر بالمال القليل سفراً بعيداً, إلا أن يأذن له رب المال.
[فصل 7 - في التاجر الحاج يأخذ مالاً قراضاً]
ومن المدونة, قيل لمالك: فإن عندنا تجاراً يأخذون المال قراضاً, يشترون به متاعاً يشهدون به الموسم, ولولا ذلك ما خرجوا.
هل لهم في المال نفقة؟, فقال: لا نفقة لهم ولا لحاج ولا لغاز في مال القراض في ذهاب ولا في رجوع.
قال ابن المواز: قال أصبغ: ولا في إقامته في الحج, إلا أن يقيم بعد انقضاء الحج للمال خاصة, فيكون له النفقة من يومئذ.
[فصل 8 - في المقارض يأخذ قراضين, أو يأخذ مع القراض مال نفسه]
ومن المدونة, قال مالك: ومن تجهز لسفر بمال قراضاً من رجل, واكترى وتزود, ثم أخذ قراضاً ثانياً من غيره, فليحسب نفقته وركوبه على المالين بالحصص.
وكذلك إن أخذ مالاً/ قراضاً فسافر به, وبمال نفسه فالنفقة على المالين.
قال مالك: وإن خرج في حاجة لنفسه, فأعطاه رجل قراضاً؛ فله أن يَفضَّ النفقة على مبلغ قيمة نفقته في سفره ومبلغ القراض, فيأخذ من القراض حصته ويكون باقي النفقة عليه.
قال في كتاب ابن المواز والعتبية: ينظر قدر نفقته, فإن كانت مئة والقراض سبع مئة, فعلى المال سبعة أثمان النفقة.
قال ابن المواز: وهذا استحسان عن مالك, ونحن نقف عنه.
وأخبرنا ابن عبد الحكم بخلافه: أنه لا نفقة له, وذلك أحب إلينا كمن تجهز إلى أهله.
فصل [9 - في المقارض يستأجر الأجراء والبيوت وغيرها]
ومن المدونة, قال مالك: وللعامل أن يواجر أجراء للأعمال التي لا بد له من ذلك فيها, ويكتري البيوت والدواب لما يحمل أو يخزن, وله أن يواجر من مال القراض من يخدمه في سفره إن كان المال كثيراً, وكان مثله لا يخدم نفسه.
وليس للعامل أن يهب من مال القراض شيئاً, ولا يولي ولا يعطي عطية, ولا يكافي -يكارم منه- فيه أحداً, فإما أن يأتي بطعام إلى قوم ويأتون بمثله فأرجوا أن يكون ذلك واسعاً له, إذا لم يتعمد أن يتفضل عليهم, فإن تعمد ذلك بغير إذن صاحبه فليتحلل صاحبه, فإن حلله فلا بأس له, وإن أبى فليكافئه بمثله إن كان شيئاً له مكافأة.
[فصل 10 -] في نفقة العامل من ماله وزيادته من عنده في كراء أو صبغ أو قصاره
قال ابن القاسم: وإذا أنفق العامل في السفر من مال نفسه: رجع به في مال القراض فإن هلك المال: لم يلزم رب المال شيء, وكذلك إن اشترى بجميع مال القراض سلعاً, أو اكترى له دواب من ماله, فإن أدى ذلك رب المال وإلا كان للعامل أن يأخذ من ثمن المبتاع كراءه مبدأ, ولا حصة له من الربح, ولو اغترق الكراء ثمن المبتاع: أخذه كله ولو زاد الكراء على ثمنه لم يكن له على رب المال شيء في الزيادة, ولا يكون بالكراء شريكاً في السلع, يريد: فإن أدى الكراء رب المال لم يكن على الشركة ويرجع فيأخذه من مال القراض مبدأ.
قال ابن القاسم: وأما إن صبغ الثياب أو قصرها بمال من عنده فذلك كزيادة في ثمن السلع على السلف لرب المال, فإما دفع إليه رب المال ما ودّي
وكانت على قراضه, وإلا كان العامل شريكاً بما ودَّي؛ لأن هذا عين قائمة بخلاف الكراء.
قال ابن المواز: إن زاد من ماله في ثمن السلعة على أن ذلك لنفسه, فهو بذلك شريك, ولا خيار فيه لرب المال, وكذلك إن زاد في الصبغ والقِصارة, وإن زاد ذلك سلفاً لرب المال فرب المال مخير كما هاهنا.
ومن المدونة وقال ابن القاسم: إن دفع إليه رب المال قيمة الصبغ لم يكن الصبغ على القراض, يريد: ولكن يكون شريكاً, ولا يزم العامل أن يعمل له فيه, فأما أن يقاسمه, أو يأتي بمن يعمل معه فيه.
قال غيره: لأن هذا كقراض ثان على أن يخلط بالأول بعد أن عمل بخلاف زيادة العامل على رأس المال في ثمن السلعة عند الشراء على السلف؛ لأن هذا كقراض ثان قبل اشتغال المال الأول, وذلك أنه إنما صبغ الثياب بعد الشراء, فإن أعطاه رب المال قيمة الصبغ لم يكن على القراض, وله أن لا يعطيه ذلك وأن يُضمَّنه قيمة الثياب, زاد في رواية سليمان بن سالم: فإن كان في القيمة فضل كان للعامل حصته منه, وإن أبى رب المال أن يُضمَّنه كان العامل شريكاً في الثياب بقيمة الصبغ من قيمة الثياب.
م: قال بعض فقهاء القرويين: وهذا على قول من ذهب إلى أن الغاصب إذا صبغ ثوباً غصبه: أن رب المال إن لم يشأ أن يضمن الغاصب قيمة ثوبه, ورغب في عين ثوبه ولم يشأ أن يدفع قيمة الصبغ: أنه يكون شريكاً للغاصب, وليس هذا المعهود من القول, وإنما يقول ابن القاسم: أنه بالخيار إن شاء أغرمه قيمة ثوبه أو أخذه/ ودفع إليه قيمة الصبغ فقط, وأشهب يرى: أن يأخذ ثوبه ولا شيء للغاصب في صبغة كتبيض الدار, وخياطة الثوب.
[الباب الرابع]
باب في زكاة مال القراض
قال مالك: ولا يزكي العامل رأس مال القراض ولا ربحه, وإن أقام بيده أحوالاً حتى ينض المال ويحضر ربه فيقتسمان؛ لأنه لا يدري أرب المال حي أم ميت؟ أن عليه دين؟ فإن كان العامل يدير زكَّيَا لكل سنة بقدر ما كان المال فيها من عين أو قيمة عرض, فإن كان في أول سنة قيمة المبتاع مئة, والسنة الثانية مئتين, والسنة الثالثة ثلاث مئة, زكى كل سنة قيمة ما كان يساوي المبتاع فيها إلا ما نقصت الزكاة كل عام.
قال ابن القاسم: وإن أخذ العام تسعة عشر ديناراً, فعمل بها يوماً وقد كان تم لهذه التسعة عشر ديناراً حولاً عند رب المال, ثم افترقا وقد ربحا ديناراً فلا زكاة عليهما؛ لأن رب المال لم يكن له في رأس ماله وربحه ما فيه الزكاة.
قال أشهب عن مالك: عليهما الزكاة, وقاله ابن الماجشون.
ومن المدونة, قال مالك: ولو أخذ قراضاً بعد ستة أشهر من يوم زكاه, فعمل به أربعة أشهر ثم تفاصلا زكى رب المال لتمام حوله, ولا يزكي العامل حصة ربحه
حتى يتم حول من يوم اقتسماه, وفي ربحه عشرون ديناراً, إن كان له مال قبل ربحه, إذا أضافه إلى ربحه بلغ ما يجب فيه الزكاة, فليزكيه لتمام حول من يوم اقتسماه؛ لأن الفائدة الأولى تضم إلى حول الثانية, وقد تقدم إيعاب هذا في الزكاة.
[الباب الخامس]
في تلف المال بيد العامل وتجره فيما بقي
[فصل 1 - تلف بعض مال القراض بيد العامل ثم يعمل فيما بقي فيربح]
والقضاء في القراض ألا يقسم فيه ربح إلا بعد كمال رأس المال, وأن المقارض مؤتمن لا يضمن ما هلك بيده إلا أن يتعدى فيه.
قال مالك: وإذا ضاع بعض المال بيد العامل قبل العمل أو بعده, أو خسره, أو أخذه اللصوص, أو العاشر ظلماً: لم يضمنه العامل إلا أنه إن عمل ببقية المال جبر بما فيه ربح أصل المال, فما بقي بعد تمام رأس المال الأول كان بينهما على ما شرطا, ولو كان العامل قد قال لرب المال: لا أعمل حتى تجعل ما بقي رأس المال, ففعلا وأسقطا الخسارة, فهو أبداً على القراض الأول, وإن حاسبه وأحضره, ما لم يقبضه منه ثم يرده إليه.
قال أصبغ: على باب الصحة والبراءة.
وقال ابن حبيب: إذا لقي العامل رب المال وأخبره بما نقص رأس المال, فقال له: اعمل بالذي بقي, فقد أسقطت عنك ما ذهب, فهو قراض مؤتنف إذا بيَّنه هكذا, أحضر المال أو لم يحضره, قبضه أو لم يقبضه ربه, وكذلك لو ربحا فاقتسما الربح, ثم قال اعمل بما بقي في يديك, كان قراضاً مؤتنفاً إن لم يقبض منه المال.
قاله ربيعة ومالك والليث ومطرف وابن الماجشون, ومن لقيته من أصحاب مالك إلا ابن القاسم فإنه قال: هما على القراض الأول.
قال أبو محمد بن أبي زيد: الذي ذكره ابن حبيب عن ابن القاسم هو قول ربيعة ومالك والليث, ذكره ابن المواز, وقال أخبرني أصحاب مالك عنه أنه قال: لا يجوز أن يتفاصلا حتى يحضر جميع المال ثم يقبض رأس ماله ثم يقتسمانه الربح.
[فصل 2 - العامل يستهلك بعض المال القراض ثم يتاجر فيما بقي فيربح]
ومن المدونة, قال مالك: وليس ما استهلك العامل من المال مثل ما ذهب أو خسر؛ لأنه ما استهلك قد ضمنه, ولا حصة لذلك من الربح؛ لأنه تمام رأس المال, وإن تسلف العامل نصف المال أو كله فالنصف الباقي رأس المال وربحه على ما
وإن تسلف العامل نصف المال أو كله فالنصف الباقي رأس المال وربحه على ما شرطا, وعلى العامل غرم النصف فقط ولا ربح لذلك النصف.
وإن أخذ مئة قراضاً فربح فيها مئة, ثم أكل منه مئة, لم تجر في المئة الثانية/ فربح مالاً فمئة في ضمانه, وما بقي في يده مع ما ربح بعد ذلك فهو بينهما على ما شرطا, ولو ضاع ذلك فلم يبق إلا المئة التي في ذمته: ضمنها لرب المال, ولا تعد ربحاً إلا بعد كمال رأس المال.
قال بعض فقهاء القرويين: هذا صواب كله ما لم يفلس العامل فإن فلس وقد كان أخذ مئة فأكل منها خمسين قبل أن يتجر, ثم تجر في الخمسين الباقية فصارت مئة ثم فلس, فيجب على مذهب ابن القاسم أن يكون أحق بالمئة من الغرماء ويبقي عنده خمسون فيحاص بها الغرماء؛ لأن الربح أولى أن يجبر به رأس المال من أن يكون للعامل, كما لو ضاع من المال خمسون فتجر في الخمسين الباقية فصارت مئة أن رب المال أولى بها, أو لا ترى أن ابن القاسم قال في الذي دفع إليه ثمانين فضاع منها أربعون فدفعها إلى غيره فتجر فيها فصارت مئة أن رب المال يأخذ ثمانين, ويكون أولى بها من العامل الثاني ثم يأخذ نصف الربح عشرة, والعامل الثاني هاهنا أكرى من الغرماء؛ لأنه هو الذي نمَّى المال فلم يجعله أحق بجزئه من الربح لما كان رب المال له خبر ما كان في ماله من الخسارة.
م: وقال غيره: بل يأخذ من المئة التي بيده خمسين رأس ماله وخمسة وعشرين حصته من الربح, ويُحاص في الخمسة والعشرين بقية الربح بالخمسين التي عليه وذلك بخلاف ضياع الخمسين, لأن رب المال لا مرجع له على الذي ضاعت له الخمسين, وله على الذي أكلها الرجوع بها فافترقا, وكذلك العامل في الأربعين له الرجوع على العامل الأول فلذلك كان رب المال أولى بجبر رأس المال منه.
م: والقول الأول أصوب لأن رب المال أولى بجبر رأس المال, وأما الذي دفع إليه مئة فتجر فيها فصارت مئتين, ثم أكل مئة ثم تجر في المئة الباقية فصارت مئتين فعلى كما ذكرنا عن ابن القاسم: يجب أن يأخذ المئة فيكون أحق بها؛ لأنها رأس ماله, ويأخذ خمسين من المئة الباقية حصته من الربح, ويضرب بخمسين حصته من الربح من
المئة التي أكل؛ لأنها صارت ربحاً فيضرب بها في الخمسين الباقية من الربح مع غرماء العامل.
وعلى التأويل الثاني: يجب أن يكون ما أكل نصفه من رأس المال ونصفه من الربح, فيكون الباقي من رأس خمسين فيأخذها, ويأخذ نصف ما بقي, وهو خمسة وسبعون حصته من الربح, ويضرب في الخمسة والسبعين الباقية ببقية رأس المال الذي أكل العامل وبنصف الخمسين الباقية مما أكل؛ لأنها حصته من الربح المأكول, فيضرب في هذه الخمسة والسبعين الباقية بهذه الخمسة والسبعين المستحقة قبل العامل مما أكل.
فاعلم ذلك.
[فصل 3 - مال القراض يُجنى عليه جناية تنقصه]
ومن المدونة: وإن اشترى بالقراض وهو مئة دينار عبداً يساوي مئتين, فجنى عليه رب المال جناية نقصته مئة وخمسين, ثم باعه العامل بخمسين, فعمل فيها فربح مالاً أو وضع لم يكن ذلك من رب المال قبضاً لرأس ماله وربحه حتى يحاسبه ويفاصله ويحسبه عليه, فإذا لم يفعل فذلك دين على رب المال مضاف إلى هذا المال.
ابن المواز قال ابن القاسم: ولو أخذ مئة قراضاً, فأخذ له اللصوص خمسين, فآداه ما بقي فأتم له المئة لتكون هي رأس المال, فإن رأس المال في هذه خمسون ومئة حتى يقبض ما بقي على المفاصلة, وكذلك لو رضي أن يبقي ما بقي رأس المال: لم ينفع ذلك.
م: وعل قول ابن حبيب ينفعه ذلك, ويكون ما بقي رأس المال على ما تراضيا عليه.
قال ابن المواز: فإن فضل بعد الخمسين ومئة شيء اقتسماه على شرطهما.
م: كأنه رأى لمَّا لم يحرك المال حتى أخذ منه اللصوص الخمسين: أن زيادة رب المال الخمسين لا يكون كقراض/ ثان فإنها مضافة إلى المئة, وكأنه اليوم دفع إليه بخمسين مئة, فوجب ما ربح عليهما يجب قسمته.
وقال بعض فقهاء القرويين: إنما يصح ها الجواب إذا صار رأس المال مئتين؛ لأنه إذا اتجر بالخمسين: وجب فض الربح عليها, فما قابل الخمسين الباقية بيده جبر به
الخمسين الذاهبة, وما قابل الخمسين الذاهبة, وما قابل الخمسين الأخيرة قسماه, فإن ربح عشرين جبر بعشرة منها الخمسين فصارت ستين, وقسما عشرة حصة الخمسين الأخيرة, وكذلك لو ربح ثلاثين أو أربعين, وإن ربح مئة كانت خمسين جبراً للخمسين الذاهبة, ويقسمان الخمسين على شرطهما, فما ربح بعد ذلك قسماه بغير فضوض, ويصح جواب الكتاب.
م: وهو القياس, قال: وأما لو أخذ اللصوص جملة رأس المال, فأعطاه رب المال مالاً آخر فلا جبر في ذلك, وهذا الثاني هو رأس المال, وإنما يصح الجبر إذا بقي من الأول شيء.
[فصل 4 - العامل في القراض يشتري سلعة ثم يضيع المال]
ومن المدونة: وإذا اشترى العامل سلعة ثم ضاع المال: خُيَّر رب المال في دفع ثمنها على القراض, فإن أبى: لزم العامل الثمن, وكانت له خاصة, فإن لم يكن له مال: بيعت عليه, فما ربح فله ما وضع فعليه, وإن نقد فيها رب المال كان ما نقد الآن رأس المال دون الذاهب, وإن ضاعت السلعة والمال قبل النقد: فلا شيء على رب المال ويغرم العامل جميع الثمن.
م: وإنما قال: وإن نقد فيها رب المال كان ما نقد الآن رأس ماله دون الذاهب, ولم يضفه إلى رأس المال الأول؛ لأنه لما ضاع رأس المال كله فقد انقطعت المعاملة بينهما, فإن دفع إليه الآن رب المال شيئاً فهو كابتداء قرض, ولو أنه إنما ضاع بعض المال, فأتم له رب المال بقية ثمن السلعة, فهاهنا يكون رأس المال جميع ما دفعه إليه أولاً وآخراً, ولا يسقط عنه ما ذهب؛ لأن المعاملة بينهما بعد قائمة لم يتفاصلا فيها, فهو بخلاف ذهاب جميع المال.
والله أعلم.
[الباب السادس]
باب ما يجوز للعامل أو لرب المال فعله في مال القراض أو لا يجوز
[فصل 1 - هل للمقارض أن يخلط ماله بمال القراض؟]
قال مالك: وإذا خاف العامل أنه إن قدَّم ماله على مال القراض أو وخَّره وقع الرخص في ماله, فالصواب أن يخلطهما, ويكون ما اشترى بهما من السلع على القراض وعلى ما نقد فيها, فحصة القراض رأس مال القراض, وحصة العامل على ما نقد فيها, ولا يضمن العامل, إن خلطهما بغير شرط.
م: ولا ينبغي على شرط الخلط ولا على أن شاء خلطه.
قال أصبغ: وليس بحرام ولكنه من الذرائع, فإن فعله لم أفسخه وكان أشهب يخفف أن يشترط ذلك على المقارض أن يضم ماله إلى مال القراض, ويعمل على أن له نصف ربحهما والنصف لرب المال.
قال أصبغ: ولا يعجبنا هذا, إلا أن يقل مال العامل, مثل الخمسة دنانير والعشرة مما لا يغتزي به كثرة البيع والشراء, فإن نزل أمضيته على قراضهما.
وفي كتاب ابن حبيب: ما لم يقصد فيه استغراق الربح لقلة مال القراض, فيكون كزيادة مشترطة داخلة في القراض, فيكون على قراض مثله على غير شرط بعد أن يقسم الربح على المالين.
قال بعض فقهاء القرويين: وما قاله أصبغ من أن مال العامل إذا كان يسيراً لا يقصد به كثرة المال حسن؛ لأن الكراهية إنما تقع في الخلط أنه يغتري في تكثير البيع والشراء إذا كثر المال فقد يكون له في ذلك انتفاع.
وأما قول أشهب: أن نصف ربحهما لرب المال ونصفه للعامل, وذلك يرجع إلى حد معلوم, فكيف يصح هذا إذا خلط العامل المال بمثله؟ فيصير قد عمل لرب المال باطلاً, لما أخذ رب المال نصف الربح نصف رأس المال, وهو لا يجيز أن يخرج أحدهما مئة والآخر مئة, على أن يعمل أحدهما, ويكون عنده للعامل إجارة مثله في مئة/ صاحبه, في المعروف من قوله.
[فصل 2 - هل للعامل أخذ قراض من رجل آخر؟ وهل له خلطه بالمال الأول؟]
ومن المدونة, قال مالك: ولو أخذ من رجل قراضاً, فله أن يأخذ قراضاً من رجل آخر, إن لم يكن الأول كثيراً يشغله الثاني عنه: فلا يأخذ حينئذٍ من غيره شيئاً.
قال ابن القاسم: فإن [أخذهما] وهو [يحتمل] العمل بهما فله أن يخلطهما, ولا يضمن, ولا يجوز أن يكون ذلك بشرط من الأول أو الثاني.
[فصل 3 - العامل يأخذ قراضاً من رجلين ثم يختلطان عليه]
[المسألة الأولى: العامل يربح في أحد القراضين ولم يتعيَّن]
ومن العتبية وكتاب ابن المواز: ولو ربح خمسين ديناراً, ثم لم يدر في أي المالين ربحهما نسي ذلك, قال: فلا شيء له في الخمسين ويكون بين صاحبي المالين.
المسألة الثانية [العامل يأخذ قراضين على النصف وعلى الثلث ويشتري سلعتين صفقتين بثمنين مختلفين ثم أشكلت الرفيعة من أي المالين]
وقال سحنون: وإن أخد من رجل قراضاً على النصف, وعلى آخر على الثلث, فاشترى سلعتين صفقتين بثمنين مختلفين بكل مال على حده, ثم أشكل عليه السلعة الرفيعة من أي المالين هي؟ وادعى كل واحد من صاحبي المالين أن الرفيعة من ماله: فلا ضمان على العامل, وهو كمن أودعه رجل مئة وآخر خمسين, فنسي الذي له المئة, وادَّعاها الرجلان: فليتحالفا ويقتسما المئة, وتبقى الخمسون بيد المستودع ليس لها مُودع.
ومن رأى: أن يضمنه مئة لكل واحد منهما بغير يمين فكذلك, يجري في مسألة القراض بالمالين.
[المسألة الثالثة: العامل يشتري بالمالين جاريتين ثم يختلطان عليه]
وروى أبو زيد عن ابن القاسم ولو أخذ من رجل مئة قراضاً ومن آخر مئة, فاشترى بمئة كل واحد جارية, ثم اختلطا عليه, فلم يعرف هذه من هذه: فعلى العامل ضمان قيمتهما, إلا أن يرضيا أن يكون شريكين فيهما, فإن خسرا لم يكن على
العامل شيء, وإن ربحا كان على شرطه في الربح.
وقال أيضاً: إن كان رأس مال إحداهما عشرة والأخرى عشرين, فكانت قيمة أدنى السلعتين عشرين: فلا ضمان عليه, وأرى: أن تباعا ويقتسما الثمن على قدر رؤوس الأموال, وللعامل من ربح كل مال شرطه.
وقال ابن المواز: إن كانت قيمتهما معتدلة فلا حجة لصاحب الأكثر على الأقل, وإن اختلفت, رأيت على العامل غرم فضل قيمة المرتفعة؛ لأن كل واحد يدعيها, والعامل لا يدفع أحداً عن دعواه.
م: ويدخله اختلافهم في من أودع مئةً فادَّعاها رجلان, ولم يدر لمن هي منهما, فقيل: يضمن لكل واحد مئة, وقيل لا يضمن لنسيانه ويقتسمان المئة بينهما نصفين فكذلك هذه.
قال بعض فقهاء القرويين: ذكر أن كل واحد يأخذ رأس ماله, ويقتسمان الربح على قدر رؤوس الأموال, والذي توجبه مسائل التداعي أنه إذا دفع إليه أحدهما عشرة والآخر عشرين فاشترى جاريتين: قيمة واحدة أربعون, وقيمة الأخرى عشرون, وأمكن أن تكون التي بأربعين هي المشتراه بعشرة أو المشتراه بعشرين, فبيعت الواحدة بأربعين فادَّعياها, فصاحب العشرة يقول: هي لي فربحها فيها ثلاثين خمسة عشر لي وخمسة عشر للعامل, وصاحب العشرين يقول هي لي وربحها فيها عشرين: عشرة لي وللعامل عشرة, فيقال له قد سلمت خمسة من الربح, لصاحب العشرة؛ لأنك لا تدعي من الربح إلا عشرة, وهو يدعي خمسة عشر فسلم إليه خمسة وبقيت عشرة من الربح يدعيها كل واحد منهما, فتقسم بينهما نصفين فيصير على هذا التأويل ثلثا نصف الربح لصاحب العشرة, وثلثه لصاحب العشرين, وذلك عكس ما ذكر في الجواب, ويجب أن تقسم الخمسة عشر نصف الربح -على قول مالك- إلى خمسة أسهم: ثلاثة لصاحب العشرة, واثنان لصاحب العشرين, فيقع لصاحب العشرة منها تسعة وللآخر ستة.
م وأما على مذهب ابن القاسم فكما ذكر؛ لأن أحدهما يدعي خمسة عشر من الربح والآخر عشرة, فقد سلم إليه خمسة, وتداعيا في العشرة فيجب قسمتها بينهما, وأما على مذهب مالك في المسألة التي: لواحد/ دينار وللآخر مئة دينار, فضاع من الجملة دينار: أن الربح يقسم بينهما على رؤوس الأموال كما قسمت الخسارة؛ لأنه لما أمكن أن يكون الربح في التي اشتريت بعشرة أو في التي اشتريت بعشرين, وجب جمع المالين وقسمة الربح عليهما, كما قلنا في مسائل عول الفرائض, وفي مسائل الرد على من يقول به, وفي مسائل الشركة في الربح والخسارة.
وهذا بين.
فصل [4 - المقارض يشارك بمال القراض بغير إذن رب المال]
ومن المدونة، قال مالك: ولا يجوز للعامل أن يشارك بمال القراض أحداً، وإن عملا جميعاً، فإن فعل: ضمن، ولا يجوز أن يشارك عاملاً لرب المال، كما لا يستودع المودَع الوديعة عند من لربها عنده وديعة، ولا عنده غيره، فهذا إن شارك؛ فكأنه أودع عند غيره.
قال ابن المواز قال مالك: ولو تجهز العامل لسفر فقال له رب المال: أخرج مالاً آخر مثل الأول نشترك معه به.
قال مالك: ما أرى من أمر بيّن كأنه خففه.
قال ابن القاسم: إن صح من غير موعد أو رأى فذلك جائز.
وقال أصبغ في العتبية: لا خير فيه.
وقال سحنون: هو الربا بعينه.
[فصل 5 - المقارض يبضع أو يستودع غيره من مال القراض]
ومن المدونة، قال: ولا يبضع العامل من المال بضاعة، فإن فعل: ضمن، ولو أذن له رب المال في ذلك: جاز ما لم يأخذه على ذلك، ولا يبضع مع عبد لرب المال اشترط معونته، ولا يوجه أيضاً مع عبد نفسه بعض المال إلى بلد يتجر فيه أو يشتري له به هناك بعض السلع، فإن فعل ضمن.
ولو أذن له رب المال أن يبيع بالنقد والنسيئة، فلا يودع أحداً شيئاً إلا لعذر كالمودع، وإن كان لغير عذر ضمن، ويعذر بالسفر أو يمنزل خرب أو ليس بحرز أو ليس عنده من يثق به فلا يضمن في هذا.
فصل [6 - المقارض يشارك بمال القراض بإذن رب المال]
ولا يشارك بالمال أو يقارض به إلا بإذن رب المال، فإن قارض بغير إذن رب المال: ضمن.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ولو شارك رجلاً فيما لا يغيب عليه ويقتسماله: فذلك جائز.
[فصل 7 - المقارض يقارض غيره]
ومن المدونة: ولو أخذ قراضاً على النصف، فتعدى فدفعه إلى قراضاً على الثلثين: ضمن عند مالك، فإن عمل به الثاني فربح: كان لرب المال نصف الربح وللعامل الثاني نصفه، ثم يرجع الثاني ببقية شرطه وهو السدس على العامل الأول.
وكذلك في المساقاة إذا أخذها على النصف، فدفعها على الثلثين للعامل الثاني: أن رب الحائط يأخذ النصف، ويرجع المساقي الثاني على الأول بالسدس.
قال بعض فقهاء القرويين: وظاهر القول أنه يرجع بسدس الثمرة، والصواب: أنه يرجع بربع قيمة عمله؛ لأنه باع عمله بثمرة استحق ربعها، كما لو باع سلعة بمكيل أو موزون، فاستحق ربع ذلك بعد فوات السلعة: أنه يرجع بربع قيمتها لا بمثل ما استحق إلا على تأويل محمد على ما في كتاب الشفعة في استحقاق المكيل بعد أخذ الشفيع الشقص منه: أنه رده بمثل المكيل، وليس هذا المشهور من المذهب.
وإذا أخذ المقارض المال على النصف، فدفعه إلى آخر على الثلث، فالسدس لرب المال ولا شيء للمقارض الأول؛ لأن القراض جعل فلا يصح إلا بالعمل.
ولو كانت بثمانين دينار فخسر الأول أربعين، ثم دفع أربعين إلى الثاني على النصف فصارت منه، ولم يكن الثاني علم بذلك فرب المال أحق بالثمانين رأس ماله ونصف ما بقى وهو عشره، وياخذ الثاني عشرة، ويرجع على الأول بعشرين ديناراً، وهو تمام نصف ربحه على الأربعين.
وقال أشهب: لا يحسب رب المال على الثاني إلا أربعين رأس ماله فيأخذها، ثم يأخذ نصف الربح وهو ثلاثون، فإن كان الأول أتلف الأربعين تعدياً: رجع عليه المال بتمام عشرة ومئة إلى ما أخذه، وإن هلكت بأمر من الله: رجع عليه بتمام تسعين، / وذلك عشرون ديناراً، عشرة بقية رأس ماله، وعشرة
حصته من الربح، ولا يأخذ ذلك من الثاني فيظلمه عمله، وأرجعناه على الأول؛ لأنه ضامن بتعديه.
قال ابن القاسم: وإن أمر العامل من يقتضي ديونه إذن رب المال: ضمن ما تلف بيد الوكيل مما قبض.
وإذا باع العامل سلعة من القراض، فوخر رب المال المبتاع بالثمن: جاز ذلك في حظ رب المال خاصة، فإن توى حظ رب المال وقد قبض العامل حصته: لم يرجع عليه رب المال بشيء، وكذلك ما وخب يجوز في حظه.
م: قيل: وإنما جاز ذلك على العامل؛ لأن المال إذا نض لم يكن للعامل العمل به إذا منعه رب المال، فهو يقول هب هذا الذي أخرته قد قبضته أليس لي قبضه من رأس مالي، فاحسب ذلك على مالي، وكذلك هبته على هذا المعنى.
[الباب السابع]
في من تجوز مقارضته أو يدفع قراضاً أو لا ومن لا تجوز
[فصل 1 - للمأذون له دفع القراض وأخذه]
قال مالك: وللمأذون أن يأخذ مالاً قراضاً ولا يضمنه إن تلف.
قال ابن القاسم: وله أن يدفع قراضاً؛ لأنه يبيع بالدين ويشتري به.
وقال أشهب وسحنون: لا يأخذ المأذون قراضاً ولا يدفعه بخلاف المكاتب.
م: فوجه قول أشهب وسحنون: كأنهما رأيا أن القراض من باب الإجازة، وهو الظاهر، فيجب على هذا أن لا يأخذ قراضاً كما ليس له أن يواجر نفسه؛ لأنه إنما أذن له في التجارة.
ووجه قول مالك: أن القراض وإن كان إجازة فكان العادة فيه مما يعلمه التجار، فكان كالتجارة، فساغ للمأذون أخذه؛ لأنه مأذون له في التجارة، وأما دفعه القراض فهو من باب التجارة، وكما يواجر التجار من يعمل لهم، وكما يقارض الشريك المقارض؛ لأن في ذلك نمو المال كالتجارة.
قيل: وإذا أخذ المأذون قراضاً فربح فيه، فما أخذ من الربح فهو مثل خراجه، لا يقضي منه دينه، ولا يتبعه إن عتق؛ لأنه إنما باع منافع نفسه بذلك، فأشبه لو استعمل نفسه في الإجازات.
[فصل 2 - الرجل يقارض عبده أو أجيره والعبد والمكاتب يقارضان بأموالهما]
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يقارض الرجل عبده، أو أجيره إلى الخدمة، إن كان مثل العبد.
وقال سحنون: ليس الأجير مثل العبد، ويدخله في الأجير فسخ الدين بالدين.
م: معنى قول ابن القاسم إذا كان الأجير مثل العبد، يريد: إذ ملك جميع خدمته كالعبد، ويكون ما استأجره فيه يشبه عمل القراض، مثل أن يستأجره ليتجر له في السوق، ويخدم في التجارة، فمثل هذا إذا قارضه لم ينقله من عمل إلى خلافه، ولو كان إنما استأجره لعمل بعينه، مثل البناء والقصارة، فنقله إلى التجارة لدخله
ولو كان إنما استأجره لعمل بعينه، مثل البناء والقصارة، فنقله إلى التجارة لدخله فسخ الدين، في الدين كما قال سحنون.
والله أعلم.
وقال ابن أبي زمنين: إنما فرق بين الأجير والعبد؛ لأن الأجير إذا شغله في القراض خفف عنه بعض ما استأجره له، فيعد ذلك التخفيف كزيادة مشترطة.
ومن المدونة، قال ابن القاسم: وللمكاتب أن يبضع أو يدفع قراضاً أو يأخذه على ابتغاء الفضل.
[فصل 3 - مقارضة من لا يعرف الحلال من الحرام، ومقارضة الكافر]
قال مالك: ولا أحب مفارضة من يستحل الحرام، أو من لا يعرف الحلال من الحرام وإن كان مسلماً، وكره مالك وابن أبي حازم أن يأخذ مسلم قرضاً من ذمي قال ابن القاسم: وأظنهما إنما كرهاه لئلا يذل المسلم نفسه.
قال ابن المواز: ويفسخ ما لم يعمل فإذا ترك حتى ينض المال فيفسخ، وأفسخ الإجازة متى ما علمتُ بها، وله بحساب ما عمل.
وإذا قارض مسلم نصرانياً فربح فسخته، ورددت إلى المسلم رأس ماله.
ومن المستخرجة لسحنون وسئل عن نصراني دفع إلى نصراني قراضاً، فاشترى النصراني بذلك خمراً، فأسلم رب المال والخمر قائمة بيد المقارض وفيها، ربح أو لا ربح فيها، فقال رب المال: إنما قارضتك بمال فادفع إليّ مالي، وكيف إن قال رب المال: ادفع إليّ الخمر أكسرها؟ قال سحنون: ينظر إلى قدر فضل النصراني، / فيعطاه منها ويراق ما صار للمسلم.
قال بعض فقهاء القرويين: انظر إذا أعطى المسلم قراضاً لنصراني، فاشترى بهما خمراً أو خنازير هل يضمن؟ إنما دخل على أحكام المسلمين فلا يتجرأ إلا فيما يجوز
كتاب آداب القضاة بسم الله الرحمن الرحيم جامع القول في آداب القضاة وسيرها والأقضية ووجوهها [فصل 1 - الحكم بالعدل عند تولي القضاء] قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا﴾، وقال: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
فصل [2 - أنواع القضاة]
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، وأما اللذان في النار فرجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى في الناس على جهل فهو في النار»، وروي عنه عليه السلام أنه قال: «الحكام ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، حاكم جهل فخسر فأهلك أموال الناس وأهلك نفسه ففي النار، وحاكم علم فهدل - يريد جار - فأهلك أموال الناس وأهلك نفسه ففي النار، وحاكم علم فأحرز أموال الناس وأحرز نفسه ففي الجنة».
فصل [3 - في الإجابة إلى القضاء وطلبه]
وروى عنه عليه السلام أنه قال: «من جُعل قاضياً بين الناس فقد ذُبح بغير سكين»، وقال عليه السلام: «من طلب القضاء واستعان عليه وُكل إليه من لم يطلبه ولم يستعن عليه أنزل الله إليه ملكاً يسدده».
وقال عمر بن الخطاب عليه السلام: (لا يقوى على هذا الأمر أحد أخذه طائعاً) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسأل الإمارة فإنك إن تولها عن غير مسألة تعن عليها، وإن تولها عن مسألة توكل إليها».
فصل [4 - في صفات القاضي]
وقال عمر بن الخطال رضي الله عنه: (لا يصلح أن يلي هذا الأمر إلا الشّديد في غير عنف، اللين من غير ضعف، الجواد في غير سرف، البخيل في غير وَكَف),
ومنه قول الشاعر:
الحافظوا عورة العَشيرة لا يألهم من ورائنا وَكَف.
وكتب عمر بن عبد العزيز: لا يصلح في الحكم إلا الرجل الجامع الفهم، العالم بأمر الله، القوي على أمر الناس، المستخف بسخطهم وملامتهم، ومن راقب الله تعالى وكانت عقوبة الله أخوف في نفسه من أمر الناس وهبه الله السَّلامة.
وقال لا يُسْتقضى من ليس بفقيه حتى يكون فقهياً عالماً بآثار من مضى، مستشيراً لذوي الرأي، حليماً، نزهاً، ورعاً.
قال أشهب: ويكون مستخفاً بالأئمة.
م: يريد غير هيوب لهم في الحق، ويروي بالملائمة في الملام.
فصل [5 - تولى الرجل الفقير أو المدين أو ولد الزنا أو المعتق القضاء]
قال سحنون في كتاب ابنه: وإذا كان الرجل فقيراً وهو أعلم بمن بالبلد وأرضاهم استحق القضاء ولكن لا ينبغي أن يجلس حتى يَسْتغنى، ويُقْضى عنه دينه.
قال: ولا بأس أن يستقضى ولد الزنا ولا يحكم في الزنا، كما أن القاضي لا يحكم لابنه.