[فصل 2 - هل للعامل أخذ قراض من رجل آخر؟ وهل له خلطة بالمال
الأول؟]
ومن المدونة, قال مالك: ولو أخذ من رجل قراضاً, فله أن يأخذ قراضاً من رجل آخر, إن لم يكن الأول كثيراً يشغله الثاني عنه: فلا يأخذ حينئذٍ من غيره شيئاً.
قال ابن القاسم: فإن [أخذهما] وهو [يحتمل] العمل بهما فله أن يخلطهما, ولا يضمن, ولا يجوز أن يكون ذلك بشرط من الأول أو الثاني.
[فصل 3 - العامل يأخذ قراضاً من رجلين ثم يختلطان عليه]
[المسألة الأولى: العامل يربح في أحد القراضين ولم يتعيَّن]
ومن العتبية وكتاب ابن المواز: ولو ربح خمسين ديناراً, ثم لم يدر في أي المالين ربحهما, نسي ذلك, قال: فلا شيء له في الخمسين ويكون بين صاحبي المالين.
المسألة الثانية [العامل يأخذ قراضين على النصف وعلى الثلث ويشتري
سلعتين صفقتين بثمنين مختلفين ثم أشكلت الرفيعة من أي المالين]
وقال سحنون: وإن أخذ من رجل قراضاً على النصف, ومن آخر على الثلث, فاشترى سلعتين صفقتين بثمنين مختلفين بكل مال على حده, ثم أشكل عليه السلعة الرفيعة من أي المالين هي؟ وادعى كل واحد من صاحبي المالين أن الرفيعة من
ماله: فلا ضمان على العامل, وهو كمن أودعه رجل مئة وآخر خمسين, فنسي الذي له المئة, وادَّعاها الرجلان: فليتحالفا ويقتسما المئة, وتبقى الخمسون بيد المستودع ليس لها مُودع.
ومن رأي: أن يضمنه مئة لكل واحد منهما بغير يمين فكذلك, يجري في مسألة القراض بالمالين.
[المسألة الثالثة: العامل يشتري بالمالين جاريتين ثم يختلطان عليه]
وروى أبو زيد عن ابن القاسم ولو أخذ من رجل مئة قراضاً ومن آخر مئة, فاشترى بمئة كل واحد جارية, ثم اختلطا عليه, فلم يعرف هذه من هذه: فعلى العامل ضمان قيمتهما, إلا أن يرضيا أن يكون شريكين فهما, فإن خسرا لم يكن على العامل شيء, وإن ربحا كان على شرطه في الربح, وقال أيضاً: إن كان رأس مال إحداهما عشرة والأخرى عشرين, فكانت قيمة أدنى السلعتين عشرين: فلا ضمان عليه, وأرى: أن تباعا ويقتسما الثمن على قدر رؤوس الأموال, وللعامل من ربح كل مال شركه.
وقال ابن المواز: إن كانت قيمتهما معتدلة فلا حجة لصاحب الأكثر على الأقل, وإن اختلفت, رأيت على العامل غرم فضل قيمة المرتفعة؛ لأن كل واحد يدعيها, والعامل لا يدفع أحداً عن دعواه.
م: ويدخله اختلافهم في من أودع مئةً فادَّعاها رجلان, ولم يدر لمن هي منهما, فقيل: يضمن لكل واحد مئة, وقيل لا يضمن لنسيانه ويقتسمان المئة بينهما نصفين فكذلك هذه.
قال بعض فقهاء القرويين: ذكر أن كل واحد يأخذ رأس ماله, يقتسمان الربح على قدر رؤوس الأموال, والذي توجبه مسائل التداعي أنه إذا دفع إليه أحدهما عشرة والآخر عشرين فاشترى جاريتين: قيمة واحدة أربعون, وقيمة الأخرى عشرون, وأمكن أن تكون التي بأربعين هي المشتراه بعشرة أو المشتراة بعشرين, فبيعت الواحدة بأربعين فادَّعياها, فصاحب العشرة يقول: هي لي, فربحها فيها ثلاثين خمسة عشر لي وخمسة عشر للعامل, وصاحب العشرين يقول هي لي وربحها فيها عشرين: عشرة لي وللعامل عشرة, فيقال له قد سلمت خمسة من الربح, لصاحب العشرة؛ لأنك لا تدعي من الربح إلا عشرة, وهو يدعي خمسة عشر فسلم إليه خمسة وبقيت عشرة من الربح يدعيها كل واحد منهما, فتقسم بينهما نصفين فيصير على هذا التأويل ثلثا نصف الربح لصاحب العشرة, وثلثه لصاحب
العشرين, وذلك عكس ما ذكر في الجواب, ويجب أن تقسم الخمسة عشرة نصف الربح -على قول مالك- إلى خمسة أسهم: ثلاثة لصاحب العشرة, واثنان لصاحب العشرين, فيقع لصاحب العشرين منها تسعة وللآخر ستة.
م وأما على مذهب ابن القاسم فكما ذكر؛ لأن أحدهما يدعي خمسة عشر من الربح والآخر عشرة, فقد سلم إليه خمسة, وتداعيا في العشرة فيجب قسمتها بينهما, وأما على مذهب مالك في المسالة التي: لواحد/ دينار وللآخر مئة دينار, فضاع من الجملة دينار: أن الربح يقسم بينهما على رؤوس الأموال كما قسمت الخسارة؛ لأنه لما أمكن أن يكون الربح في التي اشتريت بعشرة أو في التي اشتريت بعشرين, وجب جمع المالين وقسمه الربح عليهما, كما قلنا في مسائل عول الفرائض, وفي مسائل الرد على من يقول به, وفي مسائل الشركة في الربح والخسارة.
وهذا بين.
فصل [4 - المقارض يشارك بمال القراض بغير إذن رب المال]
ومن المدونة, قال مالك: ولا يجوز للعامل أن يشارك بمال القراض أحداً, وإن عملا جميعاً, فإن فعل: ضمن, ولا يجوز أن يشارك عاملاً لرب المال, كما لا يستودع المودَع الوديعة عند من لربها عنده وديعة, ولا عند غيره, فهذا إن شارك؛ فكأنه أودع عند غيره.
قال ابن المواز قال مالك: ولو تجهز العامل لسفر فقال له رب المال: أخرج مالاً آخر مثل الأول نشترك معك به.
قال مالك: ما أرى من أمر بيَّن كأنه خففه.
قال ابن القاسم: إن صح من غير موعد أو رأى فذلك جائز.
وقال أصبغ في العتبية: لا خير فيه.
وقال سحنون: هو الربا بعينه.
[فصل 5 - المقارض يبضع أو يستودع غيره من مال القراض]
ومن المدونة, قال: ولا يبضع العامل من المال بضاعة, فإن فعل: ضمن ولو أذن له رب المال في ذلك: جاز ما لم يأخذه على ذلك, ولا يبضع مع عبد لرب المال اشترط معونته, ولا يوجه أيضاً مع عبد نفسه بعض المال إلى بلد, يتجر فيه أو يشتري له به هناك بعض السلع, فإن فعل ضمن.
ولو أذن له رب المال أن يبيع بالنقد والنسيئة, فلا يودع أحداً إلا لعذر كالمودع, وإن كان لغير عذر ضمن, ويعذر بالسفر أو بمنزل خرب أو ليس بحرز أو ليس عنده من يثق به فلا يضمن في هذا.
فصل [6 - المقارض يشارك بمال القراض بإذن رب المال]
ولا يشارك بالمال أو يقارض به إلا بإذن رب المال, فإن قارض بغير إذن رب المال: ضمن.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ولو شارك رجلاً فيما لا يغيب عليه ويقتسمانه: فذلك جائز.
[فصل 7 - المقارض يقارض غيره]
ومن المدونة: ولو أخذ قراضاً على النصف, فتعدى فدفعه إلى غيره قراضاً على الثلثين: ضمن عند مالك, فإن عمل به الثاني فربح: كان لرب المال نصف الربح وللعامل الثاني نصفه, ثم يرجع الثاني ببقية شرطه وهو السدس على العامل الأول.
وكذلك في المساقاة إذا أخذها على النصف, فدفعها على الثلثين للعامل الثاني: أن رب الحائط يأخذ النصف, ويرجع المساقي الثاني على الأول بالسدس.
قال بعض فقهاء القرويين: وظاهر القول أنه يرجع بسدس الثمرة, والصواب: أنه يرجع بربع قيمة عمله؛ لأنه باع عمله بثمرة استحق ربعها, كما لو باع سلعة بمكيل أو موزون, فاستحق ربع ذلك بعد فوات السلعة: أنه يرجع بربع قيمتها لا بمثل ما استحق إلا على تأويل محمد على ما في كتاب الشفعة في استحقاق
المكيل بعد أخذ الشفيع الشقص منه: أنه رده بمثل المكيل, وليس هذا المشهور من المذهب.
وإذا أخذ المقارض المال على النصف, فدفعه إلى آخر على الثلث, فالسدس لرب المال ولا شيء للمقارض الأول؛ لأن القراض جعل فلا يصح إلا بالعمل.
ولو كانت بثمانين دينار فخسر الأول أربعين, ثم دفع إلى الثاني على النصف فصارت مئة, ولم يكن الثاني علم بذلك فرب المال أحق بالثمانين رأس ماله ونصف ما بقي وهو عشرة, ويأخذ الثاني عشرة, ويرجع على الأول بعشرين ديناراً, وهو تمام نصف ربحه على الأربعين.
وقال أشهب: لا يحسب رب المال على الثاني إلا أربعين رأس ماله فيأخذها, ثم يأخذ نصف الربح وهو ثلاثون, فإن كان الأول أتلف الأربعين تعدياً: رجع عليه رب المال بتمام عشرة ومئة إلى ما أخذه, وإن هلكت بأمر من الله: رجع عليه بتمام تسعين,/ وذلك عشرين دينارا, عشرة بقية رأس ماله, وعشرة
حصته من الربح, ولا يأخذ ذلك من الثاني فيظلمه عمله, وأرْجَعْناه على الأول؛ لأنه ضامن بتعتديه.
قال ابن القاسم: وإن أمر العامل من يقتضي بغير إذن رب المال: ضمن ما تلف بيد الوكيل مما قبض.
وإذا باع العامل سلعة من القراض, فوخر رب العامل المبتاع بالثمن: جاز ذلك في حظ رب المال خاصة, فإن توى حظ رب العال وقد قبض العامل حصته: لم يرجع عليه رب المال بشيء, وكذلك ما وهب يجوز في حظه.
م: قيل: وإنما جاز ذلك على العامل؛ لأن المال إذا نض لم يكن للعامل العمل به إذا منعه رب المال, فهو يقول هب هذا الذي أخرته قد قبضته أليس لي قبضة من رأس مالي, فاحسب ذلك على مالي, وكذلك هبته على هذا المعنى.
[الباب السابع]
في من تجوز مقارضته أو يدفع قراضاً أو لا ومن لا تجوز
[فصل 1 - للمأذون له دفع القراض وأخذه]
قال مالك: وللمأذون أن يأخذ مالاً قراضاً ولا يضمنه إن تلف.
قال ابن القاسم: وله أن يدفع قراضاً؛ لأنه يبيع بالدين ويشتري به.
وقال أشهب وسحنون: لا يأخذ المأذون قراضاً ولا يدفعه بخلاف المكاتب.
م: فوجه قول أشهب وسحنون: كأنهما رأيا أن القراض من باب الإجارة, وهو الظاهر, فيجب على هذا أن لا يأخذ قراضاً كما له أن يواجر نفسه, لأنه إنما أذن له في التجارة.
ووجه قول مالك: أن القراض وإن كان إجارة فكان العادة فيه مما يعلمه التجارة, فكان كالتجارة, فساغ للمأذون أخذه؛ لأنه مأذون له في التجارة, وأما دفعه القراض فهو من باب التجارة, وكما يواجر التجار من يعمل لهم, وكما يقارض الشريك المقارض؛ لأن في ذلك نمو المال كالتجارة.
قيل: وإذا أخذ المأذون قراضاً فربح فيه, فما أخذ من الربح فهو مثل خراجه, لا يقضي منه دينه, ولا يتبعه إن عتق؛ لأنه إنما باع منافع نفسه بذلك, فأشبه لو استعمل نفسه في الإجارات.
[فصل 2 - الرجل يقارض عبده أو أجيره والعبد والمكاتب يقارضان بأموالهما]
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يقارض الرجل عبده, أو أجيره إلى الخدمة, إن كان مثل العبد.
وقال سحنون: ليس الأجير مثل العبد, ويدخله في الأجير فسخ الدين بالدين.
م: معنى قول ابن القاسم إذا كان الأجير مثل العبد, يريد: إذ ملك جميع خدمته كالعبد, ويكون ما استأجره فيه يشبه عمل القراض, مقل أن يستأجر ليتجر له في السوق, ويخدم في التجارة, فمثل هذا إذا قارضه لم ينقله من عمل إلى خلافه, ولو كان إنما استأجره لعمل بعينه, مثل البناء والقصارة, فنقله إلى التجارة لدخله فسخ الدين, في الدين كما قال سحنون.
والله أعلم.
وقال ابن أبي زمنين: إنما فرق بين الأجير والعبد؛ لأن الأجير إذا شغله في القراض خفف عنه بعض ما استأجره له, فيعد ذلك التخفيف كزيادة مشترطة.
ومن المدونة, قال ابن القاسم: وللمكاتب أن يبضع أو يدفع قراضاً أو يأخذه على ابتغاء الفضل.
[فصل 3 - مقارضة من لا يعرف الحلال من الحرام, ومقارضة الكافر]
قال مالك: ولا أحب مقارضة من يستحل الحرام, أو من لا يعرف الحلال من الحرام وإن كان مسلماً, وكره مالك وابن أبي حازم أن يأخذ مسلم قرضاً من ذمي قال ابن القاسم: وأظنهما إنما كرهاه لئلا يذل المسلم نفسه.
قال ابن المواز: ويفسخ ما لم يعمل فإذا عمل ترك حتى ينض المال فيفسخ, وأفسخ الإجارة متى ما علمتُ بها, وله بحساب ما عمل.
وإذا قارض مسلم نصرانياً فربح فسخته, ورددت إلى المسلم رأس ماله.
ومن المستخرجة لسحنون وسئل عن نصراني دفع إلى نصراني قراضاً, فاشترى النصراني بذلك خمراً, فأسلم رب المال والخمر قائمة بيد المقارض وفيها, ربح أو لا ربح فيها, فقال رب المال: إنما قارضتك بمال فادفع إليَّ مالي, وكيف إن قال رب المال: ادفع إليَّ الخمر أكسرها؟ قال سحنون: ينظر إلى قدر فضل النصراني,/ فيعطاه منها ويراق ما صار للمسلم.
قال بعض فقهاء القرويين: انظروا إذا أعطى المسلم قراضاً لنصراني, فاشترى بهما خمراً أو خنازير هل يضمن؟ إنما دخل على أحكام المسلمين فلا يتجر إلا فيما يجوز لهم ملكه, فمتى خالف ذلك تعدى على إحدى الروايتين في منع المسلم زوجته النصرانية شرب الخمر وإتيان الكنيسة إلا في الفرض؛ لأنها على ذلك دخلت.
ومن المدونة: لا يمنعها لأن ذلك من دينهم, فيكون قد أباح لهم التجر فيما يئدَيَّنَّ به.
م: والأشبه أن يضمن؛ لأنه متعد, إذ ليس له أن يتلف على هذا ماله بشرائه ما لا يحل له, وليس في إباحته لزوجته شرب الخمر والذهاب إلى الكنيسة تلف مال, فافترقا.
[فصل 4 - مساقاة الذمي]:
ومن المدونة، قال ابن القاسم: ولا بأس أن يدفع كرمه مساقاة إلى ذمي، إن كان الذمي لا يعصر حصته خمراً.
قال ابن القاسم: ولا أرى للمسلم أن يأخذ من الذمي مساقاة, بمنزلة ما كره مالك من القرض, ولو أخذه لم أره حراماً.
[فصل 5 - عمل الوصي بمال اليتيم مضاربة]
ومن كتاب الرهن: ولا يعجبني أن يعمل الوصي بمال اليتيم مضاربة, وليقارض له به غيره إن شاء, فإن أخذه قراضاً لنفسه على جزء معلوم, فقد قيل: إن لم يكن فيه محاباة, فإنه يمضي إذا جعل لنفسه من الربح ما يشبه قراض مثله.
م: يريد: وإلا رد إلى قراض مثله.
[الباب الثامن]
في القراض الفاسد وما يرد فيه العامل إلى الأجرة أو قرض المثل
[فصل 1 - المستحق بالقراض الفاسد]
قال ابن حبيب: والقراض الفاسد كان مالك يرد العامل في بعضه إلى قراض المثل, وفي بعضه إلى أجرة المثل.
وأصل ذلك: أن كل زيادة أو منفعة يشترطها أحدهما, هي للمال وداخلة فيه, ليست خالصة لمشترطها, فهذا يرد إلى قراض مثله, وكل زيادة أو منفعة يشترطها أحدهما لنفسه خارجة من المال وخالصة لمشترطها, فهو يرد إلى أجرة مثله, وذلك إذا كثرت الزيادة, ويفسخ متى ما عثر عليه قبل العمل وبعده, كان مما يرد إلى قراض مثله أو أجرة مثله, وكذلك المساقاة فيما يرد إلى أجرة مثله خاصة, وأما ما يرد إلى مساقاة مثله: فيفسخ قبل العمل, و: يمضي على سقيه إن عمل.
م: وقاله جماعة من فقهائنا, وكذلك قالوا فيما يرد فيه إلى قراض مثله: يمضي على عمله إن عمل, ولا فرق بينه وبين المساقاة.
وهو القياس؛ ولأنه إذا كان المال في سلع لم يصل إلى قبض جزئه من الربح إلا ببيع ذلك ونضوض ثمنه, فلا يجوز أن يفسخ قبل ذلك.
قال ابن حبيب: فأما ما خف من الزيادة.
فيكره بدياً, فإن نزل مضى على شرطهما.
م: ظاهر كلامه فيما خف من الزيادة سواء اشترطها أحدهما لنفسه خاصة أو للمال, وذلك غير معتدل عند مالك؛ لأنه لا يجيز أن يشترط أحدهما زيادة درهم واحد على جزئه ويكون في ذلك أجيراً, فهذا خلاف ما قاله ابن حبيب.
والله أعلم.
قال ابن حبيب: كان عبد العزيز بن أبي سلمة يرد العامل في كل قراض فاسد إلى أجرة مثله.
وقال أشهب وابن الماجشون: يرد في كل قراض فاسد إلى قراض مثله.
قال عبد الوهاب: والنظر يقتضي أن يرد إلى أجرة المثل أو قراض المثل جملة من غير تفصيل, والتفصيل الذي ذكره ابن القاسم استحسان وليس بقياس.
قال: والتفصيل بين أجرة وقراض المثل: أن أجرة المثل تتعلق بذمة رب المال, سواء كان في المال ربح أم لا, وقراض المثل يتعلق بربح إن كان في المال, فينظر كم ينبغي أن يكون حظ هذا العامل منه إذا نزع هذا الشرط دفع إليه من الربح, فإن لم يكن في المال ربح أو كان وضيعة: فلا شيء له, هكذا كان تفسير أصحابنا.
م:/ وقال ابن حبيب: فيما يرد فيه إلى أجره المثل إذا توى المال أو لم يكن فيه ربح: سقطت أجرة العامل عن رب المال؛ لأنه إنما عامله على أن تكون أجرته في الربح, فإذا لم يكن ربح فلا أجرة له.
م: وهذا خلاف ما قاله عبد الوهاب, وما قاله عبد الوهاب هو الأصل والله أعلم.
[مسألة: إذا أفلس المقارض في قراض فاسد فإن العامل الذي وجبت له
أجرة المثل يكون أسوة الغرماء]
م: واختلف فقهاء القرويين إذا وقع الفلس هل يكون أحق بإجارته من الغرماء؟
قال بعضهم: لا يكون أحق بإجارته على ظاهر المدونة, وكتاب ابن المواز, وإليه نحى أبو محمد وعبد الوهاب.
وقال بعضهم: هو أحق به إذا كان المال في يديه حتى يستوفي إجارة مثله؛ لأنه نمى المال بأجرة فاسدة, فأشبه ما لو استأجره على خياطة ثوب إجارة فاسدة: أنه أحق به حتى يستوفي إجارته, إذ لا فرق بين الإجارة الصحيحة والفاسدة في هذا المعنى, إذا عددنا جعلها في الثوب بإذن ربه تفويتاً وأن الإجارة قد تعلقت بذمته.
م: فظاهر قوله أنه يكون أحق بأجرة مثله في الربح, فإن لم يكن ربح كان بها أسوة الغرماء, وقد قاس عمله بخياط الثوب, وهو يقول في الثوب إذا خاطه ثم هلك ببينة أنه لا أجر له إذا لم يسلم الإجارة إلى رب الثوب, فهو كما لم يكن في المال ربح إلا أن يقول: إن له أجرة في الثوب, على ما ذهب إليه ابن المواز فيصح قوله.
م: فصار في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
[1] قول أنه له أجرة.
كان في المال ربح أو لم يكن وهو به أسوة الغرماء.
[2] وقول أنه أحق بالربح من الغرماء.
[3] وقول إذا لم يكن ربح فلا أجرة له, وقد تقدم بعض هذا.
[فصل 2 - الشروط في القراض]
قال ابن المواز: قال مالك وأصحابه: لا يجوز مع القراض شرط سلف ولا بيع ولا كراء ولا إجارة ولا شرط قضاء حاجة, ولا كتاب صحيفة, ولا يشترط أحدهما لنفسه شيئاً خالصاً, ولا أن يولي العامل شيئاً, ولا يكافيء في ذلك.
فإن نزل هذا فالعامل أجير إلا أن يسقط الشرط قبل العمل.
قال الأبهري: إنما لم يجز أن يقارن القراض شيء من هذه العقود؛ لأنه أصل جُوِّز على انفراده للحاجة إليه, وإن كان فيه غرر, كالصرف الذي لا يجوز أن يقارنه عقد بيع ولا إجارة, ولأنه أصل خصص من جملة البيوع بأشياء لم يخص بها غيره, وكذلك عقد المساقاة.
[فصل 3 - مسائل في القراض الذي لا يصح]
[المسألة الأولى: رب المال يدفع مئتين قراضاً على أن يعمل بكل مئة
على حدة وربح منه لأحدكما والأخرى بينكم]
ومن المدونة, قال مالك: وإن دفعت إلى رجل مئتين قراضاً, على أن يعمل بكل مئة على حدة, وربح مئة لأحدكما وربح الأخرى بينكما, أو ربح مئة بعينها لك وربح الأخرى للعامل لم يجز للغرر, ويكون العامل أجيراً في المئتين.
م: يريد ويجوز على الخلط؛ لأنه يرجع إلى جزء مسمى.
[المسألة الثانية: رب المال يدفع مئتين قراضاً على أن مئة على النصف
والأخرى على الثلث]
قال مالك في المدونة: وكذلك على أن مئة على النصف ومئة على الثلث, ويعمل بكل مئة على حدة.
وكذلك في مساقاة الحائطين حتى يكونا على جزء واحد فيجوز.
ابن المواز: ويشترط في القراض الخلط.
ك: إذا اشترط أن يخلطهما: جاز, كانا على جزء واحد أو جزئين مختلفين؛ لأنه يرجع إلى جزء مسمى, مثال ذلك: لو دفع إليه مئتين, مئة على الثلث للعامل, ومئة على النصف على أن يخلطهما, فحاسبه أن ينظر أقل عدد نصف وثلث صحيح, وذلك ستة, فقد علمت أن للعامل من ربح أحد المالين نصفه ومن الآخر ثلثه, فخذ نصف السنة وثلثها وذلك خمسة, ولرب المال نصف ربح المئة الواحدة وثلثا ربح الأخرى,
فخذ نصف الستة وثلثيها وذلك سبعة, فجميع ذلك مع الخمسة التي صحت للعامل فيكون اثنى عشر, فيقسمان الربح على اثني عشر جزءاً, للعامل خمسة أجزاء وذلك ربع الربح وسدسه, ولرب المال سبعة أجزاء وذلك ثلث الربح وربعه, وقد غلط في حسابها ابن مزين, وجعلهما يقتسمان الربح على سبعة, وهو غلط فاعرفه.
م: وينبغي أن يكون للعامل إذا لم يشترط الخلط في هذه المسألة قراض مثله, ومساقاة مثله في المساقاة على ما أصل ابن حبيب؛ لأنه إنما أفسد ذلك منع الخلط, وتلك زيادة لم يستبد بها أحدهما.
قال ابن المواز: وإن شرط ربح عشرة للعامل وما بقي بينهما فجائز على الخلط لا على غيره.
م: وهو نحو ما بيَّنا.
[فصل 4 - المقارض يشترط لنفسه من الربح شيئاً خالصاً له دون العامل]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: ومن أخذ قراضاً على أن لرب المال درهماً من الربح ثم ما بقي بينهما: فسد القراض, والربح كله لرب المال والوضيعة عليه, وللعامل أجر مثله وإن ضاع المال, ولا يكون العامل أحق بربح المال من غرماء صاحبه إن فلس, حتى يستوفي أجر عمله, وهو بأجر أسوة الغرماء في المال وفي غيره.
ابن المواز: كل ما يكون فيه أجيراً في القراض فهو أسوة للغرماء في الموت والفلس.
وقال بعض فقهائنا القرويين: وما يرد فيه إلى قراض مثله فهو أولى بما في يديه في الموت والفلس, وكذلك في المساقاة فيما يرد فيه إلى المساقاة مثله؛ لأنه حقه في عين المال, ولو تلف لم يكن له شيء, وأما ما يكون فيه أجيراً في المساقاة فهو أحق بثمن الحائط في الفلس لا في الموت؛ لأن بسقيه حييت, وهذا في التفليس مذكور.
[فصل 5 - المقارض يشترط لنفسه سلفاً]
ومن المدونة, قال مالك: وإن أخذ قراضاً على أن يسلفه رب المال سلفاً: كان أجيراً, والربح كله لرب المال؛ لأن السلف زيادة ازدادها العامل.
[فصل 6 - المقارض يشترط أن يخرج العامل مثل المال من عنده وله
ثلاثة أرباع الربح]
قال: وإن شرط على العامل إخراج مثل المال من عنده, يعمل به مع ماله, وله ثلاثة أرباع الربح: لم يجز؛ لأنه نفع اشترطه لكثرة المال, وكذلك إن اشترطت عليه أن يخرج من عنده أقل من مالك أو أكثر على ما ذكرنا.
قال ابن المواز: وقال أصبغ: ولا يعجبنا ذلك بديا إلا أن يقل مال العامل جداً مما لا يغتري به فضلة ولا كثرة الربح مثل الخمسة دنانير والعشرة, وإن وقع في الكثير أيضاً: أمضيته على قراضها.
وقال ابن حبيب: إذا اشترط على العامل أن يخلط ماله بمال القراض.
فإن مطرفاً وابن الماجشون وأصبغ استخفوا ذلك وقاله أشهب, وهذا ما لم يقصد فيه استغزار الربح؛ لقلة مال القراض في كثرة مال الآخر فيكون كزيادة مشترطة داخلة في المال, فإذا كان كذلك قسم على قدر المالين فكانت حصة العامل له, وحصة مال القراض بينهما على قراض مثله, وقد تقدم بعض هذا.
[فصل 7 - المقارض يشترط أن يعمل معه رب المال]
ومن المدونة, قال مالك: ومن أخذ مالا قراض على أن يعمل معه رب المال في المال: لم يجز, فإن نزل: كان العامل أجيراً.
قال الأبهري: إنما قال ذلك؛ لأن رب المال كأنه لم يأتمنه على المال حين لم يفرده به؛ ولأن زيادة ازدادها العامل وهو عمل رب المال.
قال مالك: وإن عمل رب المال بغير شرط: كرهته إلا العمل اليسير.
ابن حبيب: وكذلك أن أسلف أحدهما صاحبه, أو وهبه أو قعد العامل في حانوت بالمال, أو عمل بعبده أو بدابته, أو كان صانعاً بيده, أو صنع أحدهما بصاحبه شيئاً من الرفق, مما لا يجوز له ابتداء الشرط به, فإن ذلك كله لا يفسد
القراض, ولا يغير الربح, غير أن الصانع إن عمل شيئاً بيده بغير شرط فله أجر عمله.
[فصل 8 - المقارض يشترط على رب المال دابة أو عبداً يعينه]
ومن المدونة, قال مالك: ويجوز أن يشترط على رب المال أن يعينه بعبده أو بدابته في المال خاصة لا في غيره.
م: لأن المنفعة لهما جميعاً, فليست بزيادة انفرد بها أحدهما, ولم يجزه عبد العزيز في الغلام.
م: وهذا القياس.
قال ابن المواز" اختلف قول مالك في اشتراط عون غلام رب المال, وأجازه الليث, ولم يجزه عبد العزيز, ولا بأس به عندي.
قال: ولا بأس أن يجعل رب المال غلامه يعمل مع العامل, على أن للغلام جزءً من الربح يكون له لا للسيد.
وقاله ابن وهب والليث.
وروى عيسى عن ابن القاسم: إذا دفع إلى رجل وإلى عبده مالا قراضاً ليكون عيناً عليه وليحفظ عليه/ أو ليعلمه فلا خير فيه, وإن كانا أمينين تاجرين فلا بأس به.
م: صواب, وليس بخلاف الأول.
[فصل 9 - المقارض يشترط على العامل عمل يده لصناعة ونحوها]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: ولا يجوز اشتراط عمل يد العامل لخفاف أو صناعة, فإن نزل: كان أجيراً, والربح والوضيعة لرب المال وعليه.
قال يحيى: ويكون أحق بما عمل من الغرماء حتى يأخذ إجارته.
قال أبو محمد: يريد يحيى يأخذ إجارته فيما عمل.
لا في القراض.
م: وقد تقدم أن من أخذ قراضاً على أن يشتري عبد فلان, ثم يشتري بعد ما يبيعه ما شاء: أنه أجير في شرائه وبيعه وفيما بعد ذلك, له قراض مثله, كمن ساقى نخلة سنين وفيها ثمرة قد طابت, أن له أجرة سقيه ونفقته في هذه الثمرة التي طابت, وهي لربها, وهو فيما عمل بعد ذلك على مساقاة مثله.
فصل [10 - في المقارض يبيع شيئاً من القراض]
قال مالك: ولا يبيع رب المال عبداً من مال القراض بغير أذن العامل, وللعامل رده أو إجازته.
[فصل 11 - في المقارض ينقد ما يشتري العامل ويقبض ثمن ما باع أو يجعل معه آخر يفعل ذلك]
قال: ولا يجوز أن يقارض رجلاً على أن يشتري هو وتنقد أنت وتقبض ثمن ما باع, أو تجعل معه غيرك لمثل ذلك أميناً عليه, وإنما القراض أن تسلم إليه المال.
قال ابن حبيب: فإن نزل ذلك كان أجيراً.
قال الأبهري: إنما قال ذلك: لأن أصل القراض الأمانة, كالوديعة, فمتى شرط عليه ذلك أو شرط عليه الضمان فقد خالف الأصل الذي جعل عليه القراض, ففسد.
[فصل 12 - المقارض يجعل ابنه مع العامل ليبصره بالتجارة,
والقراض على الضمان]
ومن المدونة, قال مالك: ولا خير في أن يجعل رب المال ابنه مع العامل ليبصره التجارة؛ لأنه نفع ازداده رب المال في تبصرة ولده التجارة, وكذلك إن جعل معه أجنبياً أراد نفع الأجنبي بذلك كصديق ملاطف أفسد به القراض.
قال ابن حبيب: ويرد العامل في ذلك إلى أجرة مثله, قال مالك: وما لم يشترط فيه زيادة لأحدهم من القراض الفاسد, ففيه إن نزل قراض مثله كالقراض
على ضمان, فإنه يرد فيه إلى قراض مثله وما لا ضمان عليه؛ لأن هذه المنفعة التي ازدادها في الضمان إنما هي في المال ليست خارجة منه.
ابن المواز: قال مالك: إن أخذ مالاً قراضاً على الضمان فله الأقل من قراض مثله أو مما سمى له من الربح.
قال عبد الوهاب: وهذا يوجب أن تكون رواية ثالثة في القراض الفاسد.
قول يرد إلى قراض المثل, وقول إلى أجرة المثل, وقول إلى الأقل من المسمى أو من قراض المثل.
[فصل 13 - القراض إلى أجل]
ومن المدونة: قال مالك: وكذلك إن أخذ قراضاً إلى أجل فإن يرد إلى قراض مثله.
الأبهري: إنما قال ذلك, لأن حكم القراض أن يكون إلى غير أجل؛ لأنه ليس بعقد لازم كلزوم عقد الإجارة من قبل أن كل واحد منهما لو شاء تركه جاز له ذلك إذا كان المال ناضباً, فإذا شرط الأجل فكأنه قد منع نفسه من تركه ذلك غير جائز فوجب رده إلى قراض مثله؛ لما ذكرنا من وجوب رد كل أصل فاسد إلى صحيح ذلك الأصل, كالنكاح الفاسد يرد إلى صحيحه, وكذلك البيع الفاسد والإجارة تردان إلى صحيح ذلك في أحكام كثيرة.
[فصل 14 - المقارض يشترط إلى بلد معين يشتري منه العامل]
ومن المدونة, قال مالك: ومن أخذ قراضاً على أن يخرج به إلى بلد ليشتري به متاعاً فلا خير فيه.
قال مالك: يعطيه المال ويقوده كما يقاد البعير.
قال ابن القاسم: وإنما كره مالك من ذلك أنه يحجر عليه أن لا يشتري إلى أن يبلغ ذلك الموضع.
وروى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية في من قارض رجلاً على أن يخرج إلى البحيرة أو الفيوم أو المكان البعيد مثل برقة أو أفريقية وشبه ذلك ليشتري طعاماً أو غيره: أنه لا بأس بذلك كله والله أعلم.
[الباب التاسع]
ما يحل ويحرم في خلط القراضين
[فصل 1 - دفع المالين قراضاً]
قال ابن القاسم: وإن قارضت رجلاً على النصف فلم يعمل به حتى زدته مالاً آخر على النصف على أن يخلطهما فذلك جائز.
قال مالك في من دفع إلى رجلين مالين أحدهما على النصف والآخر على الثلث على أن لا يخلطهما لم/ يجز.
قال سحنون: ويجوز على أن يخلطهما؛ لأنه يرجع إلى جزء معلوم.
وقد تقدم شرح ذلك وحسابه في الباب الذي قبل هذا.
م: وروى أبو زيد عن ابن القاسم: لا يجوز على غير الخلط, وإن كانا على نصف ونصف, وكذلك قال ابن حبيب في ذلك كله: وإن نزل على أن لا يخلط وعمل رد العامل إلى أجرة مثله.
م: والقياس على ما أصَّل أن يرده إلى قراض مثله؛ لأنه ليس في منع الخلط زيادة استبد بها أحدهما.
وقال ابن المواز: إذا كان على جزء واحد جاز وإن شرط أن يعمل بكل مال على حدة.
م: وهو ظاهر المدونة في قوله إن نض الأول ولم يكن فيه زيادة ولا نقص جاز إذا كان مثل جزءه: فقوله إذا كان مثل جزءه دليل أنه على غير الخلط, وأما على الخلط فيجوز وإن اختلف.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أخذ الأول على النصف فابتاع به سلعة ثم أخذ الثاني على مثل جزء الأول أو أقل أو أكثر على أن يخلطه بالأول لم يعجبني إذ قد يخسر في الثاني فيلزمه أن يجبره بما ربح في الأول, وإن كانت قيمة مبلغ الأول كرأس المال فإن الأسواق قد تحول, فأما على أن لا يخلط فجائز, فإن خسر في الأول وربح في الثاني فليس عليه أن يجبر هذا بهذا.
قال ابن المواز: وروى أشهب أنه إذا شغل الأول وهو على النصف ثم أعطاه آخر على الثلث أنه كرهه.
ومن المدونة قال: وإن تجر في الأول فباع ونض في يديه ثم أخذ الثاني فإن كان باع برأس المال الأول سواء جاز أخذه للثاني على مثل جزء الأول لا أقل ولا أكثر.
م: يريد على أن لا يخلطهما ولو كان على الخلط جاز على كل حال.
قال في كتاب ابن المواز إذا باع سلع الأول برأس المال سواء جاز أخذه للثاني على قراض مختلف أو متفق إن كان على الخلط وإلا لم يجز يريد إلا على قراض متفق.
قال فيه وفي المدونة: وإن نض الأول وفيه ربح أو وضيعة لم يجز أخذه للثاني على مثل جزء الأول أو أقل أو أكثر على الخلط ولا على غير الخلط, وقال غيره في المدونة: إن ربح في الأول جاز أخذه للثاني على مثل القراض الأول في الربح على أن لا يخلطه.
م: فوجه قال ابن القاسم وغيره أنه لا يجوز أخذه للثاني إذا كان في المال وضيعة فلأن العامل قد ملك رد المال فكأن رب المال شرط عليه بقاءه على أن أعطاه مالاً ثانياً ليجبر به ما خسر في الأول فهو كزيادة اشترطها, وكذلك عند ابن القاسم إذا كان في المال الأول ربح؛ لأن العامل ملك استعجال ربحه فكأن رب المال اشترط عليه بقاؤه على إن أعطاه مالاً ثانياً فكل واحد منهما اشترط على صاحبه زيادة, ولم ير غيره في هذا كبير تهمة إذا كان لا يخلطه بالثاني فأجازه, ونحو هذا رأيته لبعض العلماء.
قال سحنون في العتبية: إذا نض الأول وفيه ربح فقاسمه الربح, ثم زاده مالاً آخر فربح في المالين يريد وقد خلطهما قسم هذا الربح على المالين فما ناب الأول فهو على قراضهما, وما ناب الثاني فهو لرب المال وللعامل فيه أجر مثله, ولو خسر الآن
فضضت الخسارة على المالين فما ناب الأول منهما جبره من الربح الأول وخسارة الثاني على رب المال والعامل فيه أجير.
قال ابن حبيب: إذا نض الأول وفيه ربح أو خسارة ثم أخذ من ربه قراضاً ثانياً على النصف أو الثلث على أن يخلطهما وعمل على هذا فربح فالربح يقسم على عدد المالين حين خلطهما, فيكون حصة المال الأول بينهما على شرطهما, وحصة الثاني على قراض مثلهما بلا شرط, ويجبر ما نقص من عدد المال بربحه, فإن فضل منه شيء قسماه على شرطهما فيه.
م: والصواب ما قال سحنون أنه يكون أجيراً؛ لأن أخذه الثاني بعد الربح أو الخسارة في الأول كزيادة مشترطة.
م: وقد قال ابن حبيب في شرطه إلا أن يخلط المالين قبل العمل فيكون أجيراً وفي هذه له قراض مثله, ولو عكس ذلك كان أولى على ما أصل والله أعلم.
ولم/ يفسد القراض الأول على قولهما وكأنهم رأوا أن القراض الأول باق على شرطه حتى يقبض ألا تراه يجبر بما ربح فيه آخراً ما خسر في الأول.
م: والقياس أن يكون أجيراً في المالين؛ لأنه كزيادة مشترطة على وَجَّهنا به قول ابن القاسم والله أعلم.
[الباب العاشر]
فيما يحل ويحرم مما يشترط على العامل وتعديه في ذلك
[فصل 1 - التعدي في القراض]
قال أبو محمد: والمقارض إنما أذن له في حركة المال إلى ما ينميه, فإذا حركة إلى غير ما له أخذه ضمن هلاكه ونقصه, وإن حركة بالتعدي إلى ما أنماه دخل ربه في نمائه, ولم يكن العامل أولى به بتعديه, وفارق تعدي الغاصب والمودع إذ لم يؤذن لهما في حركة المال فتعدي العامل يشبه تعدي الوكيل والمبضع معه.
[فصل 2 - القراض على ألا يبيع إلا بالنسيئة]
قال ابن القاسم: وإن دفعت إلى رجل قراضاً على ألا يبيع إلا بالنسيئة فباع بالنقد لم يجز هذا القراض.
ابن المواز: فإن نزل كان أجيراً.
وقال سحنون وقال غيره: إذا باع بالنقد تعدى كمن قارض رجلاً على أن لا يشتري إلا صنف كذا غير موجود كان قراضاً لا يجوز, فإن اشترى غير ما أمر به فقد تعدى, فإن ربح فله فيما ربح قراض مثله, وإن خسر ضمن, ولا أجر له في الوضيعة ولا أعطيه إن ربح إجارته إذ لعلها تغترق الربح وتزيد فيصل بتعديه إلى ما يريد.
قال ابن وهب: وقد قال ربيعة في المتعدي في القراض إن وضع ضمن الوضيعة ويكون له في الربح قدر شرطه فكذلك التعدي في القراض الفاسد.
م: قيل لم يُجب ابن القاسم عن ماذا يكون أن نزل, ومن مذهبه في التحجير في القراض أن يرد إلى إجارة المثل فلما أمره أن لا يبيع ما اشترى إلا بالنسيئة فقد أذن له في الشراء فهو غير متعد فيه فله إجارته فيه ويفسخ القراض, وإن باع ما اشترى بالنسيئة لم يضمن وله إجارته في الشراء والبيع إذا لم يتعد, وإن باع ذلك بالنقد تعدى ويفسخ إن كان قائماً, فإن فات وقد كان باع بالقيمة فأكثر فلا ضمان عليه كمن أمر أن يبيع بالنسيئة فباع بالنقد فعليه الأكثر مما باع به أو القيمة, ولم يكن للمقارض إجارة فيما باعها به؛ لأنه يغرمه القيمة يوم تعدى فلا شيء عليه من إجارة البيع وعليه إجارة الشراء.
فصل [3 - القراض على ألا يحركه إلا في البَزَّ]
قال مالك: ولا ينبغي أن يقارض رجلاً على أن لا يشتري إلا البز إلا أن يكون موجوداً في الشتاء والصيف فيجوز ثم لا يعدوه إلى غيره.
قال ابن القاسم: ولا يبيع ما اشترى من البز بعرض سواه فيصير مبتاعاً لغير البز وإن قلت له بعد أخذه للمال وقبل أن يشغله بشيء لا تتجر إلا في البز فذلك لك إن كان البَّزُ موجوداً كما ذكرنا.
فصل [4 - المقارض يشترط ألا يشتري العامل سلعة كذا]
وقال ابن القاسم: وإن نهيته عن شراء سلعة في عقد القراض الصحيح أو بعد العقد وقبل أن يعمل به ثم اشتراها فهو متعد ويضمن, ولك تركها على القراض أو تضمنه المال, ولو كان قد باعها كان الربح بينكما على شرطكما والوضعية عليه خاصة, لأنه قد فر بالمال من القراض حين تعدى ليكون له ربحه.
وكذلك إن تسلف من المال ما ابتاع به سلعة لنفسه ضمن ما خسر وما ربح كان بينكما.
وإن نهيته أن لا يشتري حيواناً فاشتراه فكانت قيمة الحيوان أقل من رأس المال أو تجربها بعد أن تعدى فخسر فجاء ومعه سلع لا وفاء فيها وعين لا وفاء فيها برأس المال فأردت تضمينه وقام غرماؤه فقالوا أنت أسوتنا إن ضمنته.
فإن كان معه عين فأنت أحق به, وإن كان معه سلع فأنت مخير بين أن تشركه فيها, أو تسلمها وتضمنه رأس المال فإن أسلمتها كنت أسوة الغرماء.
م: لأنه إذا باع ما تعدى في شرائه قبل قيام الغرماء فرب المال أولى بثمنه كان فيه ربح أو ضيعة؛ لأن أثمان ذلك عاد إلى القراض وبرئ من ضمان ما رد كرده السلف من/ الوديعة.
فصل [5 - المقارض يشترط على العامل ألا يسافر بالمال]
قال ابن القاسم: وإن نهيته عن الخروج بالمال من مصر فخرج به إلى أفريقية عيناً ورجع به عيناً قبل أن يتجر به, ثم تجر به بمصر فخسر أو ضاع منه بمصر لم يضمن؛ لأنه رده إلى مصر قبل أن يحركه, كمن أخذ وديعة بمصر فليس له أن يخرجها من مصر, فإن فعل ضمنها إن تلفت وإن ردها إلى مصر لم يضمن, وكذلك إن انفق وديعة عند أو بعضها ثم رد ذلك مكانه فضاعت لم يضمن, وإذا لم يشغل العامل المال حتى نهاه ربه أن يتجر به فتعدى فاشترى به سلعة لم يكن فاراً وضمن المال, والربح له كمن تعدى على وديعة عنده فاشترى بها سلعة فهو ضامن للوديعة والربح له بخلاف الذي نهاه رب المال عن شراء سلعة فابتاعها؛ لأن هذا مأذون له في حركة المال فليس له أن يستبد بربحه بتعديه, والآخر لم يؤذن له في حركة المال فهو كمن تعدى على وديعة عنده كما ذكرنا.
قال ابن حبيب: وهذا من الضمان ما لم يقر أنه اشترى السلعة على اسم القراض فإن أقر بهذا فالربح على القراض ولم يخرجه ذلك من الضمان.
فصل [6 - فسخ القراض]
ومن المدونة قال مالك: ولرب المال رد المال ما لم يعمل به العامل أو يظعن به لسفر, وإن ابتاع به سلعاً وتجهز يريد بعض البلدان فنهاه ربه أن يسافر به فليس له أن يمنعه بعد شرائه؛ لأنه يبطل عليه عمله كما لو اشترى سلعة فأراد رب المال أن يبيع مكانه فليس له ذلك, ولكن ينظر السلطان فيؤخر منها ما يرجى له سوق لئلا يذهب عمل العامل باطلاً.
قال ابن القاسم: وكذلك لو تجهز واشترى متاعاً يريد به بعض البلدان فهلك رب المال فللعامل النفوذ به, وليس للورثة منعه وهم في هذا كوليهم.
وفي كتاب ابن المواز: إذا قام غرماء رب المال بعد أن خرج بالمال وأمكن بيع السلع بيع وأخذ ذلك الغرماء, وكذلك إن كان عيناً فهم أخذه, وأما غرماء العامل فلا شيء لهم إلا بعد وصول المال إلى ربه.
قال بعض فقهاء القرويين: والأشبه أيضاً أن لا يكون لغرماء رب المال ذلك كما لم يكن له هو أن يأخذ المال في غير البلد, وكذلك لو لم يشتري بالمال شيئاً بعد خروجه فلا يكن له ولا لغرمائه أخذ شيء من ذلك المال منه.
[فصل 7 - العامل يسافر بالقراض إلى البلدان]
قال ابن القاسم: وللعامل أن يتجر بالمال في الحضر والسفر وحيث شاء إلا أن يقول له رب المال حين دفعه إليه بالفسطاط لا تخرج من أرض مصر أو الفسطاط فلا ينبغي له أن يخرج.
قال السبعة من الفقهاء التابعين وهم سعيد بن المسيب, وعروة بن الزبير, والقاسم بن محمد, وخارجه بن زيد بن ثابت, وعبيد الله بن عبد الله بن عتبه بن مسعود, وسليمان بن يسار, وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مع مشيخه سواهم من نظائرهم أهل فقه وفضل: يجوز لرب المال أن يشترط على العامل أن لا ينزل بطن واد, ولا يسري بليل, ولا يبتاع به سلعة كذا, ولا يحمله في بحر فإن فعل شيئاً من ذلك ضمن المال.
فصل [8 - رب المال يشترط على العامل الجلوس في سوق بعينه]
قال ابن القاسم عن مالك: ولا يجوز لرب المال أن يشترط على العامل أن يجلس بالمال هاهنا في حانوت من البزازين أو السقاطين يعمل فيه ولا يعمل في غيره, أو على أن يجلس في القيسارية, أو على أن لا يشتري إلا من فلان, أو على أن لا يتجر إلا في سلعة كذا وليس وجودها بمأمون, أو على أن يزرع فلا ينبغي ذلك كله, فإن نزل ذلك كله كان العامل أجيراً, وما كان من زرع أو فضل أو خسارة فلرب المال وعليه, ولو علم رب المال أنه يجلس في حانوت أنه جائز ما لم يشترطه عليه, ولو زرع العامل من غير شرط في أرض اشتراها من مال القراض أو اكتراها به جاز ذلك إن كان بموضع آمن وعدل ولا يضمن, وأما إن خاطر به في موضع ظلم وغرر يرى أنه خطر فإنه ضامن, ولو أخذ العامل نخلاً مساقاة فأنفق عليها من مال القراض كان كالزرع ولم يكن متعدياً.
وفي العتبية عن ابن القاسم من/ أخذ مالاً قراضاً فاشترى به ظهراً فاكراه فنمى المال أو نقص قال: أراه متعدياً وأراه ضامناً.
قال بعض القرويين: انظر ما الفرق بين هذا وبين أن يشتري بقراً ويزرع؟ وهل ذلك اختلاف قول؟ وكيف إن اشترى حيواناً يطلب نسلها أو رباعاً يكريها؟ وهل يقال أن مثل هذا لا يمكن في الغالب أن يعطي الناس أموالهم على أن تجعله في حيوان أو رباع للكراء إذ رب المال لا يعجز عن هذا وإذا الغالب أن الناس إنما يقصدون بدفع المال التجر؟ فانظر في ذلك والله أعلم.
[الباب الحادي عشر]
في ما باعه العامل بدين أو اشتراه به على القراض أو ابتاعه بدين ثم أخذ ثمنه من رجل قراضاً
[فصل 1 - في ما باعه العامل بدين على القراض]
قال مالك: ولا يجوز للعامل أن يبيعه بالنسيئة إلا بإذن رب المال فإن باع بغير إذنه ضمن, وهذا ما لم يشترطه في أصل العقد.
قال بعض الفقهاء القرويين: إذ باع سلع القراض المأذون في شرائها بثمن إلى أجل فإنه يباع بالدين على مذهب ابن القاسم, ويضمن ما وقع في ذلك من الخسارة.
وذكر في كتاب محمد لو أسلف في طعام فإنه يغرم رأس المال ويستأني بالطعام حتى يقبض فإنه كان فيه ربح أقتسماه ثم قال: ولو أسلم أيضاً في غير الطعام ما جاز له ولم يحل أيضاً وبيعت السلعة بعد أن تقبض بنقد, فإن كان فيها فضل كان بينهما, وإن كان نقصاناً غرمه العامل.
قال في المدونة: وإن شرط أن يبيع بالدين لم يجز أيضاً.
م: لأنه يعطي لرب المال ربح ما ضمانه في ذمته.
قال ابن المواز: ويكون أجيراً ويترك رب القراض يقبض الدين بنفسه فإن لم يكن للعامل على الدين بينة ضمن.