[50 - فصل: في النفي عن القبيلة]
ومن المدونة ومن قال لعربي: لست من بني فلان؛ للقبيلة التي هو منها؛ حد، ولو كان مولى لم يحد بعد أن يحلف أنه لم يرج نفيا؛ لأن من عرض بقطع نسب رجل كمن عرض بالحد.
وكذلك إن قال لعربي: يا نبطي؛ فعليه الحد.
وإن قال ذلك لرجل من الموالي؛ حلف أنه لم يرد نفيا، ونكل، فإن لم يحلف؛ لم يحد؛ ونكل.
وإن قال لرجل من الموالي: لست من موالي بني فلان، وهو منهم؛ ضرب الحد؛ لأنه قطع نسبه.
وكذلك إن قال له: لست من الموالي، وله أب معتق، أو قال له: لست من موالي بني فلان، وفلان قد أعتق أباه أو جده؛ فإنه يحد، وقال أشهب: لا يحد.
ابن القاسم: وإن قال لرجل: لست مولى فلان، وفلان قد أعتقه.
نفسه؛ لم يحد؛ لأنه لم ينفه من نسب.
[51 - فصل: في نفي من أمه أم ولد، والنفي من الأم، ونفي العبيد]
ومن قال لرجل: لست ابن فلان، وأمه أم ولد؛ ضُرب الحد.
ومن قال لرجل: لست ابن فلانة لأمة؛ لم يحد؛ قاله مالك وأصحابه.
ومن قال لعبده وأبواه حران مسلمان: لست لأبيك؛ ضرب سيده الحد.
وكذلك إن قال له: يا بن الزانية، أو يا بن الزاني، ولو قال له: يا بن الزانيين؛ فإنما عليه حد واحد؛ كالحر في ذلك كله.
وإن كان أبوا العبد قد ماتا ولا وارث لهما، أو لهما وارث؛ فإن للعبد أن يحد سيده في ذلك.
وإن قال لعبده: لست لأبيك، وأبوه مسلم، وأمه كافرة أو أمة؛ فقد وقف فيها مالك.
قال ابن القاسم: وأنا أرى أن يحد؛ لأنه حمل أباه على غير أمه، فصار قاذفا لأبيه.
م: يريد بقوله لأنه حمل أباه على غير أمه، يعني: أن أباه زنى بغير التي يزعم هذا أنها أمه، فهو ولد زنى لا يلحق بأبيه فقد رمى أباه بالزنى، والله أعلم.
[52 - فصل: في كون عفو المنفي المسلم عن نافيه متعلق بأبوية، ومن قال: لست لأبيك]
م: قال بعض أصحابنا: وإذا نفى مسلما من أبيه فوجب حده، فأراد المنفي أن يعفو عن الذي نفاه، فإن كان أبواه عبدين، أو نصرانيين؛ كان ذلك له، ولم يكن لأبويه في ذلك متكلم، وإن كان أبواه حرين مسلمين؛ كان لأبويه أن يقوما بذلك على من نفى ولدهما ويحد لهما؛ لأنه قطع نسبه من أبيه، وزنى أمه.
وكذلك إن كان أبوه حراً مسلماً، وأمه نصرانية، أو أمة؛ كان لأبيه أن يقوم
بحده على من نفى ولده منه؛ لأنه حمل أباه على غير أمه، فصار قاذفا لأبيه.
ولو كان أبوه عبداً، وأمه حرة مسلمة؛ كان لها أن تقوم بحدها على من قال لولدها: لست لأبيك، وإن كان ولدها قد عفى عنه؛ لأنه رماها بالزنى.
م: وهذا كله على قول ابن القاسم فيمن قال لعبده: لست لأبيك وأبواه حران مسلمان.
وذكر ابن المواز عن أشهب أنه قال: لا حد عليه؛ لأن الابن عبد، ولا حد في نفيه، ولم يقذف الأب الحر، ولم ينفه من نسبه، وكذلك رواه ابن حبيب عن ابن الماجشون: لا حد عليه؛ إذ لا حد في نفي نسب العبد من أبيه؛ لأنه لا حرمة لأمه.
[53 - فصل: فيمن قال لرجل: يا بن السوداء، أو الأمة، أو البربرية، أو اليهودية]
قال: وقال مطرف: من قال لرجل: يا بن السوداء، وأمه بيضاء، حد؛ لأنه حمل أباه على غير أمه، وجعله ابن زانية.
ولو قال له: يا بن زينب السوداء، وأمه زينب، وهي بيضاء؛ لم يحد.
وقال ابن الماجشون: ذلك سواء؛ ولا حد عليه في الوجهين.
وقول مطرف أحب إلي.
قال: وكذلك اختلفا إذا قال له: يا بن الأمة، أو يا بن البربرية، وأمه عربية.
وقال ابن الماجشون: لا يحد؛ لأنه ليس في الأم نفي، وكأنه قال لأمه: أنت أَمَة، فلا شيء عليه.
وقال مطرف: يحد، إلا أن يسميها باسمها.
وكذلك في المختصر، وكتاب ابن المواز: أنه يحد؛ لأنه نفى أمه من أبيها.
محمد: ولو قال له: لست ابن فلانة؛ لم يحد، وإن قال له: يا بن النصرانية، أو اليهودية، وهي مسلمة؛ لم يحد.
ومن المدونة: ومن قال: إن فلاناً الميت ليس لأبيه؛ فلأبي الميت القيام بالحد لما نفي من نسب ولده.
[54 - فصل: فيمن نسب رجلا إلى غير قومه]
ومن قال لعربي: لست من العرب، أو قال له: يا حبشي، أو يا فارسي، أو يا رومي؛ فعليه الحد.
وإن قال لفارسي: يا رومي، أو يا حبشي، أو لبربري: يا فارسي، أو
يا حبشي، أو نحو هذا لم يحد.
وقد اختلف عن مالك في الذي يقول لبربري، أو لرومي: يا حبشي؛ أن عليه الحد، ولا حد عليه.
وأنا أرى ألا حد عليه إلا أن يقول: يا بن الأسود، فإن لم يكن في آبائه أسود فعليه الحد، وأما إن نسبه إلى حبشي فيقول له: يا بن الحبشي، وهو بربري، فالحبشي، والرومي، في هذا سواء إذا كان بربرياً.
م: وساء قال له يا حبشي، أو يا بن الحبشي، أو يا رومي، أو يا بن الرومي؛ فإنه لا يحد، وكذلك عنه في كتاب محمد.
قال فيه: ويحلف أنه ما أراد نفيه، وينكل؛ فإن نكل؛ لم يحد، وينكل، وقال أشهب: يحد.
ومن المدونة: وإن قال لفارسي، أو لبربري: يا عربي؛ فلا حد عليه.
وإن قال لعربي: يا فارسي، أو لمصري: يا يماني، أو ليماني: يا مصري، أو لقيسي: يا كلبي، أو لرجل من كلب: يا تميمي؛ فعليه الحد؛ لأن
العرب تنسب إلى آبائها، وهذا نفي لها من آبائها.
وإما إن قال لقرشي: يا عربي؛ فلا حد عليه؛ لأن كل قبيلة من العرب يجمعها هذا الاسم.
محمد: وكذلك إن قال لقرشي: يا مُضري؛ لم يحد بذلك؛ لأن قريشا من مُضر.
الباب [السابع عشر]
فيمن قذف ولده، أو ولد ولده، أو قال لزوجته، أو لأمته في ولدها منه: لم تلديه
[55 - فصل: فيمن قذف ولده أو ولد ولده]
قال ابن القاسم: ومن قذف ولده، أو ولد ابنه، أو ولد ابنته؛ فقد استثقل مالك أن يحد لولده، وقال: ليس ذلك من البر.
قال ابن القاسم: وأرى إن قام على حده أن يحد له، ويجوز في ذلك عفوه عند الإمام.
وكذلك ولد الولد، ولا يقاد من أب، أو جد، في نفس، أو في جارحة، وتغلظ عليهم الدية، إلا في العمد البين، مثل: أن يضجعه فيذبحه، أو يشق جوفه.
ومن قال له أبوه: يا بن الزانية، فله القيام بحد أمه إن كانت ميتة، وإن كانت حية؛ فلا قيام له بذلك إلا أن توكله.
ومن قال لبنيه: ليسوا بولدي، فقام عليه اخوتهم لأمهم من رجل غيره، فطلبوا حد أمهم وقد ماتت؛ فإن حلف أنه لم يرد قذفا، وأنه أراد في قلة طاعتهم له؛ لم يحد، وإن نكل؛ حد، ولو كانت الأم حية كان القيام لها دون بنيها.
[56 - فصل: من قال لزوجته، أو أمته في ولدها منه: لم تلديه، ومن رأت رجلا فقالت: هو ابنها]
ومن قال لامرأته في ولدها: أنك لم تلديه، وقالت: بلى قد ولدته؛ فإن كان مقرا به قبل ذلك فهو ولده ولا يلاعن فيه وليس بقاذف، وإن كان لم يقر به قط ولم يعلم بالحبل؛ فالولد ولده، إلا أن ينفيه بلعان؛ لأن من أقر بالوطء فالولد ولده، فإن نفاه التعن وإن نكل عن اللعان، لزمه الولد، ولم يحد، وكان كمن قال لرجل: لست لأمك؛ بأنه لا يحد
ومن أقر بوطء أمته، ثم أتت بولد، فقال لها: لم تلديه، ولم يدع استبراء، وقالت الأمة: بلى، قد ولدته منك؛ فهي مصدقة، والولد به لاحق.
وإذا نظرت امرأة إلى رجل فقالت: ابني، ومثله يولد لمثلها، وصدقها، لم يثبت نسبه منها؛ إذ ليس هاهنا أب يلحق به.
[57 - فصل: لا يقيم القاضي حد القذف بسماعه وحده أو بسماعه مع آخر ويرفع الأمر إلى قاضي آخر]
وقد تقدم في كتاب الأقضية أن من قذف رجلا بين يدي القاضي وليس معه غيره؛ فلا يقيم عليه الحد، وإن شهد معه رجل غيره؛ فلا يحد هو أيضا وليرفع ذلك إلى من هو فوقه فيقيم عليه الحد، وكذلك إن رأى رجلا اغتصب رجلا مالا، ولم يره غيره؛ فليرفع ذلك إلى من فوقه؛ ويكون هو شاهدا.
الباب [الثامن عشر]
فيمن نفى رجلا من أبيه إلى غير جنسه، أو صفته، أو عمله
[58 - فصل: فيمن نسب رجلا من أبيه إلى غير صفته، أو نفى عنه صفته]
قال ابن القاسم: ومن قال لرجل: يا بن الأقطع، أو المقعد، أو الأعمى، أو الأحمر، أو الأزرق، أو الأصهب، أو الآدم، أو الأسود؛ فإن لم يكن أحدا من آبائه كذلك؛ جلد الحد.
محمد: كان عربياً أو مولى.
قال مالك: وأما إن قال ذلك في نفسه: يا أعور، يا أقطع؛ فلا حد عليه، كان عربيا، أو مولى، حتى يقول: يا بن كذا، بخلاف القائل لعربي: يا حبشي، يا عبد، يا أعجمي، أو سماه بشيء من الأجناس؛ فهذا إن كان عربيا حد له.
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: من قال لعربي: يا يهودي؛ لم يحد، ولو قال له: يا بن اليهودي؛ حد.
قال محمد: ولو سمى أباه باسمه لم يحد، وإن وصفه بصفة غير صفته، مثل أن يقول له: يا بن فلان الأقطع، أو الأسود، قال عبد الملك: وهو شاتم ويؤدب.
[59 - فصل: فيمن نسب أباً إلى غير عمله]
قال في المدونة: وإن قال له: يا بن الحجام، أو يا بن الخياط؛ فإن كان من العرب ضُرب الحد، إلا أن يكون من آبائه أحد عمل ذلك العمل، فإن كان من الموالي رأيت أن يحلف بالله ما أراد أن يقطع نسبه؛ فلا يحد، وعليه التعزيز؛ لأن ذلك عمل الموالي.
وروى ابن وهب عن مالك في موطأه: أن عليه الحد، كان من الموالي أو من العرب، إلا أن يكون في آبائه أحد من هو كذلك.
وقال أشهب: هما سواء لا حد عليه، ويحلف ما أراد نفيا، وكأنه قال: أبوك الذي ولدك حجام، أو حائك، أو دباغ؛ فلا حد عليه، وإن كان
عربيا.
وروى ابن وهب "أن عمر بن عبد العزيز رفُع إليه في رجل قال لآخر: يا بن الحجام، وأبوه جزار، فلم ير عليه حداً، ولا رآه نفياً لنسبه".
وقال ربيعة، ويحى بن سعيد: "عليه الحد"، وقاله ابن وهب، وابن كنانة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وسئل مالك عن من قال لرجل: يا بن المطوق- يعني الراية التي تجعل في الأعناق- وهو مولى؟، فقال: لا يحد، وكأني رأيته أن لو كان عربياً لجعل عليه الحد.
[60 - فصل: فيمن نفى رجلا من أبيه إلى غير جنسه]
ومن قال لرجل أبيض: يا حبشي؛ فإن كان من العرب حد، وإن كان من غير العرب، فدعاه بغير اسم جنسه من البيض كلهم؛ فلا حد عليه، وإن قال له: يا بربري، وهو حبشي؛ لم يحد.
ومن قال لرجل: يا أعور، يا مقعد، وهو صحيح، على وجه المشاتمة؛ فإنما عليه الأدب؛ لأن من آذى مسلما أدب.
وإن قال لعربي: يا مولى، يا عبد؛ فعليه الحد.
وإن قال لمولى: يا عبد؛ لم يحد.
ومن قال لرجل: يا بُني، يا أبي؛ فلا شيء عليه.
وإن قال له: يا يهودي، أو يا نصراني، أو يا مجوسي، ونحوه؛ نكل.
ولم يحد مالك في النكال حدا، وذلك على قدر أذى القائل، وحال المقول له.
وإن قال له: يا بن اليهودي، أو يا بن المجوسي، أو يا بن عابد وثن؛ حد، إلا أن يكون أحدا من آبائه كذلك؛ فينكل.
ابن المواز: وقال أشهب: لا يحد إذا حلف أنه لم يرد نفيا.
قالا: ولو قال له نفسه: يا يهودي، يا عابد وثن، لم يحد، وإن كان عربيا، وينكل.
وروى الليث في هذا للنبي صلى الله عليه وسلم: فيمن قاله لأنصاري: (أنه يجلد عشرين سوطاً).
وقد تقدم أن من قال: جامعت فلانة بين أفخاذها، أو في أعكانها؛ أنه يحد؛ لأنه تعريض.
ولو قال: جامعتها في دبرها؛ فإنه يحد لها، وإن ثبت على إقراره؛ حد للزنى.
الباب [التاسع عشر]
فيمن قذف مرتداً، أو ملاعنة، أو ولدها
[60 - فصل: فيمن قذف مرتدا]
قال ابن القاسم: ومن قذف رجلا، ثم ارتد المقذوف، أو قذفه وهو مرتد؛ لم يحد قاذفه، ولو رجع إلى الإسلام؛ لم يحد له، كمن قذف رجلا بالزنى فلم يحد له حتى زنى المقذوف؛ فلا يحد قاذفه.
ومن قذف رجلا ثم ارتد القاذف أو قذفه وهو مرتد؛ فإنه يحد، أقام على ردته، أو راجع الإسلام.
[61 - فصل: فيمن قذف ملاعنة أو ولدها]
ومن قذف ملاعنة التعنت بولد أو بغير ولد؛ حُد.
ومن قال لولد الملاعنة: لست لأبيك، فإن كان في مشاتمة، حد، وإن كان على وجه الخبر لم يحد.
وفي كتاب الرجم مسألة من وطئ جارية بيده رهناً، أو عارية، أو وديعة، أو بإجارة؛ فعليه الحد.
تم كتاب القذف بحمد الله وعونه، وصلى الله على محمد رسوله وعبده.
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم