الجامع لمسائل المدونةصفحات 263-302

الباب الأول] في ضمان المتعدي، والفرق بينه وبين

الغاصب، لأوفي أنواع المتلفات

[(1) فصل: في ضمان المتعدي والأصل فيه:] الأصل في ضمان المتعدي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: "طعام كطعام، وصحفة كصحفةٍ".

م: ولأنه أتلف ملك غيره من غير استحقاق عليه فلزمه بدل ما أتلف؛ لأن الأبدال في المتلفات كالقصاص في النفوس، وقد قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ معناه: أن القاتل والجارح إذا علم أنه يقتص منه انزجر وارتدع أن يفعل ذلك، فكان في ذلك حياة النفوس ولم يجترئ أحد على أحدٍ؛ فكذلك الجناية على المال لو لم يجب فيها البدل لاجترأ الناس بعضهم على بعضٍ.
[(2)] فصل [في أنواع المتلفات] والمتلفات نوعان: فما يكال أو يوزن فعلى متلفه مثله، وما لا يكال ولا يوزن فعلى متلفه قيمته.
قال بعض أصحابنا من البغداديين: وإنما كان المثل فيما يوزن أو يكال؛ لأن القيمة إنما رجع إليها عند تعذر المثل من طريق الخلقة فاجتهد في تعديلها في المتلف بقيمته، والمثل من طريق الخلقة لا اجتهاد فيه، فكان الرجوع فيه إلى القيمة كالاجتهاد مع وجود النص؛ لأنه لا فائدة فيه، وأما ما لا يكال ولا يوزن فإنما لزم بإتلافه قيمته - لقوله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شركاً له في عبدٍ، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة العدل فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد"، والعتق إتلاف مالٍ فقد أوجب فيه القيمة،

فكان ذلك أصلاً في بابه.
[(3) [فصل [في الفرق بين الغاصب والمتعدي في الضمان] والقضاء أن المتعدي يفارق الغاصب في جنايته؛ لأن المتعدي إنما جنى على بعض السلعة والغاصب كان غاصباً لجميعها فضمنها يومئذٍ بالغصب.
وقال سحنون: الفرق بين المتعدي والغاصب والسارق اختلاف الأصليين؛ وذلك أن الغاصب له ربح المال، وليس كذلك المقارض والمبضع معه المال يتعدى.
م والفرق الأول أصوب.
قال ابن المواز: والصانع والمستعير كالمتعدي يفترق فيهما الفساد اليسير من الكثير، قيل له: فما الفرق والصانع ضامن كالغاصب؟ قال: لأن الصانع والمستعير لو أقاما بينة على فساد ذلك من غير سببهما كان ضمان ذلك من ربه، ولم يلزمهما شيء، والغاصب والسارق لا ينفعهما ذلك، وكذلك لا يفترق قليل فسادهما من كثيره؛ لأنهما بالغصب ضمنا، ورب ذلك مخير في أخذ قيمته يوم الغصب أو يأخذ ثوبه ولا شيء له في النقصان.
م: وهذا أيضاً فرق يحتاج إلى فرق، والفرق الأول أبينهما.

م: ولأن الغاصب متعد على جميع الرقبة تعدياً صريحاً لا إذن فيه، والمتعدي إما أن يكون تعدى على بعض الرقبة أو خالف تعديه إذناً؛ كالمقارض والمبضع معه والصانع والمستعير يتعدى فوجب أن يكون حكمه خلاف التعدي الصريح.

الباب الثاني: في التعدي

[(1)] فصل [في التعدي على الأمتعة وإفسادها فساداً يسيراً أو كثيراً] ومن المدونة قال ابن القاسم: فيمن تعدى على صحفة أو عصى لرجل فكسرها أو خرق له ثوباً، فإن أفسد ذلك فساداً كثيراً خير ربه في أخذ قيمة جميعه أو أخذه بعينه وأخذ ما نقص من المتعدي، وإذا كان الفساد يسيراً فلا خيار لربه، وإنما له ما نقصه بعد رفو الثوب، وقد كان مالك يقول: يغرم المتعدي ما نقصه، ولا يفصل بين قليلٍ ولا كثيرٍ، ثم قال هكذا.
م: لأنه في الكثير كأنه إنما تعدى على جميع الرقبة؛ لأن الأقل في أكثر الأصول تابع للأكثر، فصار حكمه فيه حكم الغاصب الذي تعدى على جميع الرقبة.
م: قال بعض أصحابنا: وإذا فسد الثوب فساداً كثيراً، فاختار ربه أخذه وما نقصه فإنما ينبغي أن يقوم بعد أن يرفأ أو يخاط إن كان مما تصلح فيه الخياطة، وتشعب له القصعة ونحو ذلك، كما قال في الفساد اليسير أنه يأخذ الثوب وما نقصه بعد الرفو، ولا فرق بين اليسير والكثير، خلاف الجناية على الحيوان، هذا ليس على الجاني أن يغرم ما نقص بعد أن تداوى له الدابة.
قال: والفرق بينهما أن ما ينفق على الدابة في المداواة غير معلوم، ولا يعلم هل ترجع إلى ما كانت عليه أم لا؟ والرفو والخياطة فمعلوم ما ينفق عليهما ويرجعان كما كانا والله أعلم.

م: وهذا الذي ذكر في الفساد الكثير في الثوب أنه يأخذه وما نقصه بعد الرفو خلاف ظاهر قولهم؛ ووجه فساده أنه قد يغرم في رفو الثوب أكثر من قيمته صحيحاً، وذلك لا يلزمه، أولا ترى أن أشهب وغيره يقول: ليس له أن يغرمه ما نقصه إذا كان له أن يغرمه قيمته صحيحاً، وهو القياس، فكيف لمن يريد أن يغرمه ما نقصه بعد الرفو، وربما يبلغ ذلك أضعاف قيمته.
م قيل: فلو هلك بقية الأجزاء في الفساد الكثير، هل يكون ضامناً بجملة المجني عليه؟ فالأشبه أن يضمن ذلك؛ لأنه قد أفسد الرقبة فصار ضامناً لها حتى يرفع ربها عنه الضمان باختياره، كما قالوا في الأمة بين الشريكين يطؤها أحدهما فتموت: إنه ضامن لها، وهذا أبين لإمكان أن تكون حاملاً من الوطء؛ ولأنه إذا وطئها تعلقت بضمانه حتى تظهر براءة رحمها.
م: ولو قال قائل في اليسير إنما عليه ما نقصه فقط لم أعبه؛ لأنه إذا أعطاه ما نقصه القطع دخل الرفو في قيمة هذا النقص؛ كما قالوا: فيمن وجد آبقاً- وذلك شأنه- أن له جعل مثله، ولا نفقة له؛ لأن النفقة دخلت في تقويم جعله.
قال ابن المواز: في المتعدي يفسد الثوب فساداً يسيراً، لا يلزمه إلا ما نقصه بعد رفو ولم يختلف في هذا قول مالك، ولا ابن القاسم، ولا أشهب كانت جنايته عمداً أو خطأً.
قال ابن القاسم: وأما في الفساد الكثير فربه مخير في أخذ قيمة جميعه يوم الجناية، أو بأخذه وما نقصه وإلى هذا رجع مالك.

وقال أشهب: في الفساد الكثير إنما له أن يضمنه قيمة جميعه، أو يأخذه ناقصاً ولا شيء له فيما نقصه، وقاله ابن القاسم مرة ثم رجع عنه.
قال أشهب: وهو كذابح الشاة ليس له أن يأخذها لحماً وما نقصها.
قال ابن المواز: وهذا أحب إلي؛ لأنه لما لزمته فيه القيمة، لم يكن لربها أن يدعها ويأخذ غيرها إلا باجتماعهما أو يأخذ سلعة ناقصةً؛ كذابح الشاة وكاسر العصا تعدياً، فليس لربها أخذها وما نقصها قاله مالك وأصحابه وبقول أشهب أخذ سحنون في المجموعة.
قال: وقد قالا: في الشريكين في الأمة يطؤها فلا تحمل فإن شاء صاحبه ألزمه قيمتها يوم الوطء أو تمسك بنصيبه، ولا رجوع له بما نقصها لتركه القيمة التي وجبت له.
[(2) فصل في التعدي على الدواب والعبيد] ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك من تعدى على دابة رجلٍ فقطع لها عضواً أو فعل بها ما أفسدها فساداً قليلاً أو كثيراً، فهي كالثوب فيما وصفنا، وكذلك سائر الحيوان، وأما من تعدى على عبد رجلٍ ففقأ عينه أو قطع له جارحه أو جارحتين فما كان من ذلك فساداً فاحشاً لم تبق فيه كبير منفعةٍ فإنه يضمن قيمته، ويعتق عليه، وكذلك الأمة.
وقال في كتاب الديات: ومن فقأ عيني عبدٍ رجلٍ أو قطع يديه

جميعاً، فقد أبطله، ويضمنه الجارح، ويعتق عليه، وإن لم يبطله مثل أن يفقأ له عيناً واحدة أو يجذع أذنه وشبهه، فإنما عليه ما نقصه ولا يعتق عليه.
ابن المواز: وقال أشهب: إذا فقأ عينه أو قطع يده، فإنما عليه ما نقصه، وإن فقأ عينيه أو قطع يديه أو رجليه ضمن قيمة العبد كله، وعتق على الجاني.
وقاله ابن كنانة عن مالك، وابن أبي الزناد عن أبيه.
وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: يغرم الجاني قيمته، ولا يعتق عليه؛ لأنه إنما مثل بعبد غيره، وليس لسيده أن يختار إمساكه وأخذ ما نقصه.
ابن المواز: قال أشهب: وأما الدواب والبهائم فإن قطع اليد الواحدة يبطل منافعها أو جلها وتجب عليه فيه قيمة الدابة، وأما في فقء عينها أو قطع أذنها أو ذنبها أو كسرها كسراً تنجبر فيه، فإنما عليه ما نقصها.
وقاله عمر بن عبد العزيز ومالك وأبو الزناد.
ابن حبيب: وقال مطرف وابن الماجشون: إن قطع ذنبه وهو فرس أو حمار أو بغل فاره ضمن قيمة جميعه؛ لأنه أبطل الغرض فيه من ركوب من

يركب مثله من ذوي الهيئات، بخلاف العين والأذن، وقاله أصبغ.
قالوا: ولو تعدى على شاةٍ بأمرٍ قل لبنها به، فإن كان عظم ما تراد له اللبن ضمن قيمتها إن شاء ربها، وإن لم تكن غزيرة اللبن، فإنه يضمن ما نقصها، وأما الناقة والبقرة فإنما فيهما ما نقصهما، وإن كانتا غزيرتي اللبن؛ لأن فيهما منافع غير ذلك باقيةً.
قالا: وإن قطع يد عبد رجلٍ، فإن كان صانعاً وعظم شأنه الصنعة فقد ضمنه، وإن لم يكن صانعاً، فإنما عليه ما نقصه وإن كان تاجراً نبيلاً.
وأما في فقء العين ففيه ما نقصه كان صانعاً، أو غيره.
قال أبو محمد: وقيل: في مفقوء العين، أو مقطوع اليد تفقأ عينه، أو تقطع يده الباقية فإن على الجاني قيمة جميعه.
ومن المجموعة قال أشهب: قال لي ابن كنانة عن مالك: فيمن قطع يد عبد غيره أو فقأ عينه عمداً، فإن ربه مخير بين أخذه وما نقصه أو يضمنه قيمة جميعه، فإن ضمنه قيمة جميعه عتق على الجاني.
قال أشهب: إن كان قطع يده الواحدة أذهب أكثر منافعه فليس لسيده إلا قيمته- يريد: ويعتق على الجاني- قال: وإن لم يذهب أكثر منافعه فربه مخير كما قال مالك: وهو استحسان وليس بقياس.
م: وحكي عن بعض فقهائنا: في العبد يجني عليه جناية

مفسدة مثل أن تفقأ عيناه أو تقطع يداه جميعاً، إنما يعني قول ابن القاسم: أن يغرمه القيمة ويعتق عليه، إنما هذا إذا طلب ذلك سيده، وأما إن أبى ذلك فإن له أخذ العبد وما نقصه، وليس العتق بأمر وجب للعبد لابد منه.
م: وهذا الذي ذكره خلاف ظاهر قول ابن القاسم وأشهب وخلاف رواية ابن حبيب الذي لم يوجب عتقه؛ لأنه قال ليس لسيده إمساكه ويأخذ ما نقصه.
[فرع: في اختيار ابن يونس في هذه المسألة] م: والصواب من هذا والذي أختاره: أنه إذا أفسده هكذا أن يغرم الجاني قيمته ويعتق عليه على ما أحب السيد أو كره؛ لأن قيمته عوضه وهو مضار في ترك قيمته صحيحاًَ وأخذ ما لا ينتفع به، وإحرام العبد العتق، وإن لم يفسده مثل أن يفقأ عينه الواحدة أو يقطع يده الواحدة ولم يذهب بها أكثر منافعه، فالسيد مخير بين أخذه وما نقصه من الانتفاع به أو يغرم الجاني قيمته ويعتق عليه عقوبة له لتعديه وظلمه كما قال مالك وأشهب.
م: ولأن الجناية والضمان وقعا معاً فكأنما مثل هذا بعبده، وغلب ذلك لحرمة العتق كما قلنا فيمن حلف بحرية عبده إن باعه فباعه، فكأن البيع والحنث وقعا معاً فغلب العتق لحرمته فكذلك هذا، والله أعلم.
وأما إن كانت الجناية يسيرة مثل أن يجدع أنفه أو أذنه أو يقطع أصبعه ولم يفسده ذلك فليس عليه إلا ما نقصه، والله أعلم، وبالله التوفيق.

[الباب الثالث] في ضمان ما هلك بيد الغاصب بجناية أو بأمر من

الله تعالى، أو دخله عيب.

[(1) فصل في ضمان ما هلك بيد الغاصب] والقضاء أن من غصب شيئاً فقد ضمنه يوم الغصب وإن هلك من ساعته بأمرٍ من الله تعالى أو بجنايته أو بجناية غيره، أو كانت داراً فانهدمت فإنه ضامن لقيمتها.
[المسألة الأولى: في ضمان ما لا ينقل إذا أخرجه من ملكه ولم يجن عليه] م: قال بعض البغداديين: وقال أبو حنيفة: كل ما لا يصح نقله كالعقار والرباع فإن الغاصب لا يضمنه بإخراجه من يد مالكه إلا أن يجني هو عليه فيتلفه فيضمنه بإتلافه.
ودليلنا: أن كل معنى يضمن به ما ينقل ويزال من الأعيان فإنه يضمن به ما لا ينقل ولا يحول؛ كالقبض في البيع الفاسد؛ واعتباراً بما ينقل لعلة أنها أعيان مغصوبة؛ ولأن الغصب سبب للضمان، فوجب أن يضمن به العقار والنخل كالإتلاف.
[المسألة الثانية: ضمان المتقوم هل يكون بقيمته يوم الغصب ويوم التعدي أم يوم الحكم؟] م: وإنما كانت القيمة في الغصب والتعدي يوم الغصب ويوم التعدي لا يوم الحكم؛ لأن القيمة تتعلق بذمته بالتعدي لا بالحكم، إذ مطالبة الحاكم إنما هي بأمر قد تقدم وجوبه، وإنما ينكشف بالحكم مقدار ما اشتغلت به ذمته.

[المسألة الثالثة: في المغصوب يجده ربه بحاله] ومن المدونة: وكل ما اغتصبه فأدركه ربه بعينه لم يتغير في بدنه فليس له غيره ولا ينظر إلى نقص قيمته باختلاف سوقه، طال زمان ذلك سنين أو كانت ساعة واحدة وإنما ينظر إلى تغير بدنه.
قال مالك: وهو بخلاف المتعدي في حبس الدابة من مكنزٍ أو مستعيرٍ يأتي بها أحسن حالاً، فربها مخير في أخذ الكراء أو يضمنه القيمة يوم التعدي؛ لأنه حبسها عن أسواقها إلا في الحبس اليسير الذي لا يتغير في مثله سوق أو بدن.
قال ابن القاسم: كل ما أصله أمانة فتعدى فيه فأكراه أو ركبه من وديعة أو عارية أو كراءٍ، فهذا سبيله، وهو بخلاف الغاصب.
م: وقد ذكرنا الفرق بين هذين الأصلين، والقياس أن لا فرق بينهما في هذا الوجه، ولا يكون الغاصب أحسن حالاً من المتعدي؛ فكما كان يضمن في النقص اليسير فكذلك يجب أن يضمن في نقص السوق، وقد نحا ابن القاسم إلى المساواة بينهما في هذا الوجه لولا خوفه مخالفة الإمام مالك رحمه الله.
[المسالة الرابعة: في المغصوب يتغير بيد الغاصب ثم يفوت] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن غصب أمه فزادت قيمتها عنده أو نقصت، ثم قتلها أو وهبها أو تصدق بها، ففاتت عينها، فإنما عليه قيمتها يوم الغصب فقط.

قال سحنون في المجموعة: إن القتل فعل ثان؛ كأنه يقول وجب عليه الضمان بكل واحد من الفعلين؛ ألا ترى أن المشتري قد ضمن فيها الثمن الذي نقد، ثم لو قتلها لضمنها بالقتل وهو ضمان بمعنى آخر، وكان لمستحقها أخذه بقيمتها يوم القتل ثم رجع إلى قول ابن القاسم وأشهب في القتل.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو قتلها عند الغاصب أجنبي وقيمتها يومئذ أكثر من قيمتها يوم الغصب، فلربها أخذ القاتل بقيمتها يوم القتل بخلاف الغاصب، فإن كانت القيمة يومئذ أقل من قيمتها يوم الغصب كان له الرجوع بتمام القيمة على الغاصب.
قال ابن المواز: لأنه يقول إنما أخذت من القاتل ما يجب عليه للغاصب، ولي على الغاصب أكثر منه، فصار كغريم غريمي.
وقال سحنون في كتاب ابنه: إذا أخذ قيمتها من القاتل وقيمتها يوم الغصب أكثر، فلا رجوع له على الغاصب- كما لو باعها الغاصب لم يكن لربها أخذ الثمن ويرجع بتمام القيمة يوم الغصب على الغاصب- ولا أن يأخذ القيمة ويرجع بتمام الثمن.
م: وقول ابن المواز أصح؛ لأنه في هذا إذا اختار أخذ الثمن فقد أجاز فعل الغاصب فلا تباعة له عليه، وإن اختار أخذ القيمة منه فقد ملكه

إياها، فثمنها له، فهو بخلاف إغرام القاتل القيمة.
قال ابن المواز: ولو كان إنما أخذ قيمتها يوم الغصب من الغاصب فكانت أقل من قيمتها يوم القتل فلا رجوع له على القاتل بشيء، وللغاصب طلبه بجميع قيمتها يوم القتل.
وزعم أشهب أن ربها يرجع على القاتل بالزائد على قيمتها يوم الغصب، ولا يرجع عليه الغاصب إلا بمثل ما غرم، وأما الزائد فلا يرجع عليه به الغاصب؛ لأنه لا يربح فيما غصب، فإذا رجع بمثل ما غرم فلا حجة له.
ولم يعجبنا هذا؛ لأنه لما ضمنه القيمة يوم الغصب فقد ملكه إياها يومئذٍ، فنماؤها ونقصانها له وعليه، ولم يختلف ابن القاسم وأشهب أنه إذا أخذ القيمة أولاً من القاتل أنه يرجع بتمام قيمتها يوم الغصب على الغاصب كما ذكرنا.
م: وحكى بعض فقهائنا القرويين: أن ابن القاسم يقول: إذا أغرم ربها القاتل قيمتها وكانت أقل من قيمتها يوم الغصب أنه لا يرجع على الغاصب بشيء، مثل ما قال سحنون، قال: ويلزم على هذا أن لو كان للغاصب غرماء، لم يكن هذا أحق بما

أخذ من الغرماء؛ لأنه إنما يأخذ ذلك عن الغاصب من غريم الغاصب فهو أسوة غرماء الغاصب، إلا أن يريد رفع الضمان عن الغاصب فلا يتبعه ببقية القيمة، ويكون أولى بما أخذ من الجاني من غرماء الغاصب.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو غصبها وقيمتها مئة، ثم باعها وقيمتها مئتان بخمسين ومئةٍ، ثم لم يعلم للأمة موضع فإنما لربها على الغاصب إن شاء الثمن الذي قبض فيها أو قيمتها يوم الغصب.
[المسألة الخامسة: في المغصوب يهلك بيد الغاصب بغير سببه] قال ابن القاسم: وما مات من الحيوان أو انهدم من الربع بيد الغاصب بقرب الغصب أو بغير سبب الغاصب، فإنه يضمن قيمته يوم الغصب.
[(2) فصل: في المغصوب يدخله عيب وهو بيد الغاصب] [المسالة الأولى: بم يرجع صاحب السلعة المغصوبة إذا دخلها عيب عند الغاصب وكيف إن كانت السلعة أمة؟] وما أصاب السلعة بيد الغاصب من عيب قل أو كثر بأمرٍ من الله تعالى، فربها مخير في أخذها معيبة أو يضمنه قيمتها يوم الغصب، وإن كانت جارية فأصابها عنده عوار أو عمى أو ذهاب يد بأمر من الله تعالى بغير سببه، فليس لربها أن يأخذها وما نقصها عند الغاصب، إنما له أخذها ناقصة أو قيمتها يوم الغصب، وليس للغاصب أن يلزم ربها أخذها ويعطيه ما نقصها إذا اختار ربها أخذ قيمتها، ولو قطع يدها أجنبي، ثم ذهب فلم يقدر عليه، فليس لربها أخذ الغاصب بما

نقصها وله أن يضمنه القيمة يوم الغصب، ثم للغاصب اتباع الجاني بما جنى عليها، وإن شاء ربها أخذها وابتع الجاني بما نقصها دون الغاصب.
م: وقيل إن كانت قيمتها يوم الغصب عشرين، ونقصها القطع النصف فأخذها ربها وما نقصها وذلك عشرة، نظر إلى قيمتها يوم جناية الأجنبي عليها فإن كانت مئة، وقيمتها خمسون، أخذ ربها من الجاني خمسين، فأعطى منها للغاصب عشرة وأخذ البقية، وهذا على مذهب أشهب الذي يرى أن الغاصب لا يربح كما قدمنا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو كان الغاصب هو الذي قطع يدها فلربها هاهنا ان يأخذها وما نقصها.
يريد: يوم الجناية، أو يدعها ويأخذ قيمتها يوم الغصب.
قال ابن حبيب: وقاله مطرف، وابن الماجشون، وابن كنانة.
قال سحنون: وهذا خلاف ما قال ابن القاسم- في القتل: أن عليه قيمتها يوم الغصب لا يوم القتل- وقد تزيد قيمتها يوم القتل وقد يكون فيما نقص القطع منها يوم القطع مثل قيمتها أو أكثر يوم الغصب، فيأخذها ومثل قيمتها، فيأخذ في اليد ما لا يأخذ في النفس، والذي أرى أنه إنما له أن يأخذها ناقصة فقط، أو قيمتها يوم الغصب.
ابن المواز: وقاله أشهب، وبه أقول.

قال ابن المواز: وحجة ابن القاسم: أن يقول ربها للغاصب: أنا أسقط عنك الغصب وآخذك بالتعدي، فيلزمه أن يقول ذلك في القتل وهو لا يقوله، ولا مالك ولا أصحابه.
م: وذكر بعض أصحابنا أن الدمياطي روى عن ابن القاسم أن له أن يقول في القتل: أنا أسقط عنك الغصب وآخذك بالتعدي فيغرمه قيمتها يوم القتل، وإليه ذهب سحنون في المجموعة ثم رجع عنه.
م: فهذا موافق لقوله في القطع.
م: وقيل إنما الخلاف بين القطع والقتل؛ لأنه إذا قتلها فقد أذهب عينها، وإذا قطع يدها فقد أبقى بعضها، وقد يكون لربها رغبة في أخذ ما بقي منها، فيدفع بذلك حكم الغصب ويأخذه بحكم الجناية، وسحنون إنما يضمنه قيمة اليد يوم الغصب كأجزاءٍ غصبها أفات بعضها وبقي بعضها فيضمن قيمة ما أفاته يوم الغصب، ويجب على هذا إذا ذهبت يدها بأمر من الله تعالى أن يضمن قيمتها يوم الغصب، ويأخذ بقية أعضائها إذا عد أجزاءها كسلعٍ أفات بعضها وبقي بعضها.
ومن المجموعة قال أشهب: ولو فقأ عينها أجنبي فلربها أخذها وما نقصها يوم الفقء من الفاقئ- في عدمه وملئه- ثم لا شيء له على الغاصب، وإن شاء أسلمها وأخذ قيمتها من الغاصب يوم الغصب، وإن كان الغاصب أخذ ما

نقصها من الفاقئ وهو أكثر من قيمتها يوم الغصب أخذ منه الاكثر.
قال سحنون: لها تفسير.
قال ابن عبدوس: وتفسيرها أن ينظر فإن كان ما أخذ الغاصب من الفاقئ أكثر من قيمتها يوم الغصب، أخذ جاريته واتبع الغاصب بما أخذ، فإن كان عديماً أخذ ذلك من الجاني ورجع به الجاني على الغاصب، وإن كان قيمتها يوم الغصب أكثر فله طلب الغاصب بالقيمة وتبقى له الأمة وما أخذ فيها، وإن شاء أخذ الأمة واتبع الغاصب بما أخذ من الجاني، أو يتبع الجاني به، ثم يرجع به الجاني على الغاصب.
[المسألة الثانية: في أم الولد إذا غصبت فماتت، هل هي كالحرة أو لا؟] م: اختلف في أم الولد إذا غصبت فماتت: فقيل: هي كالحرة ولا ضمان على غاصبها.
وقيل: هي كالأمة وكالمعتق إلى اجل وكالمدبر إذا غصبوا فماتوا أن على غاصبهم القيمة كقيمة العبيد.
[المسالة الثالثة: هرم الأمة الشابة عند الغاصب هل يعد فوتاً؟] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن غصب أمة شابة فهرمت عنده فذلك فوت يوجب لربها قيمتها؛ لأن الهرم كعيب مفسدٍ أصابها عند الغاصب.

قال أشهب في كتابه: وإن شاء ربها أخذها ولا شيء له في هرمها- كان ما اصابها عنده من الهرم يسيراً، أو كثيراً- وكذلك ما صارت إليه من السن أمراً يسيراً مثل انكسار النهدين ونحوه لكان له تضمينه قيمتها إن شاء.
[المسألة الرابعة: في ضمان ما هلك بيد الغاصب وقد زاد] ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو غصبها صغيرة وهي تساوي مئةً، فكبرت عنده حتى نهدت فصارت تساوي ألفاً، ثم ماتت فإنما يضمن مئةً.
ابن المواز قال أشهب: كما لو نقصت لم ينقص من تلك القيمة، فكذلك لا يزاد عليه إذا زادت؛ وكمن جرح عبداً قيمته مئة دينار، فيموت وقيمته ألف دينار، فلا يضمن إلا قيمته يوم الجرح؛ كالأمة إذا طلقت أو مات زوجها، ثم عتقت لم تنتقل إلى عدة الحرة.
قال غيره: وكمن سرقة عرف قيمتها يوم السرقة، فلا ينظر إلى ما تؤول إليه قيمتها يوم القطع.
م قيل: غصبها صغيرة فكبرت فلا يضمن؛ لأنها خير منها يوم غصبت ولا نقص فيها.
فإن حدث بها نقص بعد ذلك كانكسار الثديين وشبهه، كان له أن يضمنه.
قال بعض الفقهاء: فانظر لم لم يجعل ما حدث فيهما من النماء يجبر النقص الحادث فيها؟ م: لأنه لما كان له أن يأخذها ولا غرم عليه لنمائها فكأنه غصبها كذلك، فإذا نقصت عنده ضمنها.

م: وعلى هذا كان يجب لو قتلها يومئذ، كان تجب عليه قيمتها يوم القتل.
م: وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه يراه غاصباً لها كل يوم حتى يردها.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو ولدت عند الغاصب ثم مات الولد لم يضمنهم، ولو قتلهم الغاصب ضمن قيمتهم.
ومن المجموعة قال سحنون: في غاصب العبد يحدث به عنده عيب، فيأخذه ربه ولم يعلم بعيبه، ثم يحدث عند ربه عيب آخر، أو مات في يديه أو وهبه أو باعه قال: إن باعه بقيمته يوم غصبه فأكثر فلا شيء له، وإن باعه بأقل من القيمة فله الأقل من تمام القيمة، أو من قيمة العيب، وإن وهبه، أو مات رجع بقيمة العيب على الغاصب، وإن لم يبع ولا وهب، رده وقيمة العيب الحادث عنده، وأخذ من الغاصب قيمته يوم غصبه، وإن شاء حبسه ورجع على الغاصب بقيمة العيب الذي حدث عنده.

[الباب الرابع] فيما باعه الغاصب فمات أو قتل، أو تغير أو لم يتغير

[(2) فصل: فيما باعه الغاصب فمات أو قتل] [المسألة الأولى: إذا مات المغصوب عند المبتاع] قال ابن القاسم: ومن غصب أمة فباعها من رجلٍ لم يعلم بالغصب، فماتت عند المبتاع فلا شيء عليه، ولربها أخذ الغاصب بقيمتها يوم الغصب لا يوم البيع أو الثمن الذي أخذ فيها.
قال ابن المواز: قال أشهب: وإن استحقت بحرية رجع المشتري على بائعها بالثمن، وكذلك بأنها أم ولده أو معتقة إلى أجل وقد ماتت عنده فإنه يرجع بالثمن على بائعه، وإن كانت مدبرة لم يرجع بشيء.
ابن المواز: وكذلك المكاتبة عندي كالأمة.
[المسألة الثانية: إذا قتل المغصوب عند المبتاع] ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو قتلت الأمة عند المبتاع فأخذ لها أرشاً، ثم استحقت، فلربها إن شاء أخذ قيمتها يوم الغصب من الغاصب، وإن شاء أخذ منه الثمن وأجاز البيع، وإن شاء أخذ من المبتاع ما قبض فيها من القاتل، ثم يرجع المبتاع على الغاصب بالثمن، ولو كان المبتاع هو الذي قتلها فلربها أخذه بقيمتها يوم القتل ثم يرجع هو على الغاصب بالثمن؛ لأن مالكاً قال: فيمن ابتاع طعاماً فأكله أو ثياباً فلبسها حتى أبلاها ثم استحق ذلك فإن المستحق يأخذ من المبتاع مثل طعامه أو قيمة ثيابه، وإنما يسقط عن المبتاع موت الجارية؛ لأنه أمر من الله تعالى وكذلك كل ما عرف هلاكه من أمر الله تعالى فإنه لا يضمنه وأما ما كان

الهلاك من سببه فإنه يضمنه.
م وقيل عن أشهب: إذا باعها الغاصب بمئة، فقتلها المبتاع وقيمتها خمسون، فأغرمه المستحق قيمتها خمسين، فليرجع المبتاع على الغاصب بما غرم للمستحق في ذلك، وهو خمسون، ويرجع المستحق أيضاً على الغاصب بالخمسين بقية الثمن الذي أخذ فيها.
والقياس ما قاله ابن القاسم: لأن المستحق لما أغرم المبتاع قيمتها فكأنه أخذ عين شيئه وانتقض البيع بين المشتري والغاصب، فوجب أن يرجع المشتري بجميع ثمنه، ولو كان قيمتها يوم الغصب مئة وعشرين فباعها الغاصب بمئة فقتلها المبتاع وقيمتها حينئذ خمسون فأخذ المستحق قيمتها من المشتري خمسين، فيرجع المشتري على قول أشهب على الغاصب بما غرم وذلك خمسون، ويرجع عليه المستحق بتمام القيمة يوم الغصب وذلك سبعون، وعلى قول ابن القاسم يرجع المشتري بثمنه وذلك مئة، ويرجع عليه المستحق بتمام القيمة يوم الغصب وذلك عشرون.
[المسألة الثالثة: إذا جنى المبتاع نفسه على المغصوب] ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك إن قطع المبتاع يدها أو فقأ عينها، فلربها أخذها ويضمن المبتاع ما نقصها ويرجع المبتاع بالثمن على الغاصب، وإن شاء ربها أجاز البيع وأخذ الثمن من الغاصب أو أغرمه القيمة يوم الغصب ويتم البيع.
قال في العتبية: وهذا في العمد، فأما في الخطأ فكما لو ذهب ذلك بأمر الله تعالى.
قال أشهب في المجموعة: إذا قتلها المبتاع عمداً أو خطأً، فلمستحقها أن يضمنه قيمتها؛ لأنها جناية.

ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو كان ذهاب عين الجارية أو قطع يدها عند المبتاع بأمرٍ من الله تعالى من غير سببه، لم يضمن المبتاع ذلك، والمغصوب منه مخير في أخذ جاريته ناقصة ولا شيء له على المبتاع ولا على الغاصب، أو يأخذ من الغاصب الثمن أو القيمة يوم الغصب.
[المسألة الرابعة: إذا ادعى المبتاع هلاك ما اشتراه من الغاصب] قال في العتبية: ولو ادعى المبتاع أنها هلكت صدق فيما لا يغاب عليه من رقيق أو حيوان، ولا يصدق فيما يغاب عليه، ويحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد هلك، ويغرم قيمته إلا أن يأتي ببينةٍ على هلاكه من غير سببه.
م: قيل: فإن رئي الثوب عنده بعد شهر من يوم اشتراه، فادعى ضياعه لما استحق، فالأشبه أن يضمن قيمته يوم رئي عنده بعد الشهر، بخلاف الصانع والمرتهن يدعي ضياعه بعد أن رئي عنده بعد شهر، فهؤلاء يضمنون قيمته يوم قبضوه، والفرق أن هؤلاء قبضوه على الضمان، فلما غيبوه بعد شهر أمكن أن يكونوا إنما قبضوه ليستهلكوه فأشبهوا المتعدي، والمشتري إنما قبضه على أنه ملكه فلم يتهم أن يكون اشتراه ليستهلكه، فإذا لبسه المشتري حتى أبلاه، فقيل: يضمن قيمته يوم لبسه، وفي هذا نظر؛ لأنه غير متعد في لبسه، وهو لو لبسه يوماً أو أياماً ولم ينقصه ذلك لم يكن عليه شيء، وإنما يضمن قيمته بالاستهلاك.
م: الجواب لما كان هلاكه بانتفاعه لم يفرق في ذلك بينه وبين المتعدي، ألا ترى أن ابن القاسم شبه ذلك بقتله؟ فلذلك كان عليه قيمته يوم لبسه؛ وكما لو كان ذلك عنده رهناً أو وديعةً

[(2)] فصل [فيما باعه الغاصب وتغير عند المبتاع أو لم يتغير] [المسألة الأولى: إذا استحق المغصوب وهو بحاله] ومن المدونة: ومن غصب عبداً أو دابة فباعها ثم استحقها رجل وهي بحالها، فليس له تضمين الغاصب قيمتها وإن حالت الأسواق، وإنما له أن يأخذها أو يأخذ الثمن من الغاصب؛ كما لو وجدها بيد الغاصب وقد حال سوقها، فليس له تضمينه قيمتها إلا أن تتغير في بدنها.
قال ابن عبدوس: وإن حال سوقها بنقصٍ فروى ابن وهبٍ عن مالكٍ أن له تضمين الغاصب قيمتها.
[المسألة الثانية: إذا غصب أمه فغاب عليها هل يعد هذا كتغير البدن، واختيار ابن يونس في ذلك] وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: وإذا غصب أمة فلم تلد ولا حال سوقها إلا أنه غاب عليها ولم يعلم أنه وطئها أم لا، فلربها أخذها أو تضمينه قيمتها، وكذلك إن باعها بعد أن غاب عليها، فله تضمينه قيمتها وإن لم تتغير، أو يأخذ ثمنها أو يأخذها من المشتري، وقاله مالك وأصحابه، وهذا في الجارية الرائعة.
م: لأن اغتصاب مثل هذه والغيبة عليها ينقص من ثمنها، فقد أدخل على ربها فيها عيباً ينقصها، فوجب عليه ضمانها؛ كما لو نقصت في بدنها.
قال ابن حبيب: وليس في الوخش ولا في العروض والعبيد ولا في الدواب إلا أن يسافر على الدابة سفراً بعيداً، فربها مخير في أخذها أو أخذ قيمتها.

م: وهذا خلاف لابن القاسم في الدابة إذا سافر عليها ثم ردها بحالها، فليس له تضمينه عنده، بخلاف المتعدي من مكنزٍ أو مستعيرٍ وقد ذكرنا الفرق بينها.
م: والقياس في هذا الوجه أنهم كلهم سواء، ويضمنون.
م: وقوله في الأمة إذا غاب عليها الغاصب يضمن قيمتها، خلاف أيضاً لابن القاسم، والله أعلم، وروايته فيها أحب إلي، وبها أقول.
[المسألة الثالثة: إذا باع الغاصب المغصوب فمات عند المبتاع أو تغير ثم أجاز ربها البيع] ومن المدونة: وإذا باع الغاصب الأمة فولدت عند المبتاع أو ماتت، ثم أجاز ربها البيع فذلك جائز، ولو أجاز ربها البيع بعد أن هلك الثمن بيد الغاصب، فإن الغاصب يضمنه، وليس الرضا ببيعه يوجب له حكم الأمانة في الثمن.
ومن غصب أمة بعينها بياض فباعها، ثم ذهب البياض عند المبتاع وأجاز ربها البيع، ثم علم بذهاب البياض، فقال: إنما أجزت البيع ولم أعلم بذهابه وأما الآن فلا أجيزه، لم يلتفت إلى قوله، ولزمه البيع؛ وقد قال مالك: في المكنزي يتعدى المسافة فتضل الدابة فيغرم ثم توجد فهي للمكتري، ولا شيء لربها فيها، ولو شاء لم يعجل.
م: وقال بعض الفقهاء: ولو زال البياض عند الغاصب وأجاز البيع لانبغى أن يكون له متكلم؛ لأن البيع وقع على غير الصفة التي يعرفها، فيقول: إنما أجزت البيع على ما كنت أعرف.

م: لأنه يقول: إنما أجزت بيع جارية عوراء بهذا الثمن، ولو علمت أن بياضها قد زال قبل البيع ما بعتها بمثل هذا الثمن، وأما التي بيعت وهي عوراء فقد بيعت على ما كان يعرف، فقد رضي بثمنها على تلك الحالة، فلا حجة له.
م: ويحتمل أن يقال لا حجة له في الوجهين؛ لأنه لو شاء لاستثبت ولم يعجل، وهي حجة مالك الأولى.
[المسألة الرابعة: إذا غصب أمة فباعها فأعتقها المبتاع ثم استحقها ربها] قال: ومن غصب أمة فباعها، ثم قام ربها وقد أعتقها المبتاع، فله أخذها ونقض العتق- نقصت أو زادت- وله أن يجيز البيع، فإن أجازه تم العتق بالعقد الأول، والعتق منعقد بظاهر الشراء والبيع لم يزل جائزاً إلا أن للمستحق فيه الخيار.
قال ابن المواز: ولو كانت قد ورثت الأحرار، وشهدت الشهادات، ونفذت أمورها على أنها حرة، ثم استحقها سيدها فاختار إجازة البيع- وأخذ ثمنها من الغاصب أو أغرمه قيمتها يوم الغصب لما دخلها من نقص بدن- فإن الحرية تجوز لها، ولا ينتقض شيء مما فعلته على أنها حرة، والولاء للمشتري، ولو أخذها سيدها ولم يجز بيعها لنقض أفعالها، وردت ما ورثت، قال: ولو كان قد قطع رجل كفها، فاقتص لها منه لرجع المقطوعة كفه على عاقلة الإمام بدية كفه، ويرجع المستحق لها على قاطعها بما نقصها، وترجع جميع أحكامها فيما مضى وما يستقبل أحكام أمةٍ.

م وقد ذكرنا الاختلاف في عتق المديان إذا أمضى الغرماء عتقه هل ذلك كعتق المشتري؟ فقيل: إن عتق المديان عتق عدا وليس هو كعتق المشتري، وظهر لي أنهما سواء وهناك الحجة فيه.
م قيل: فإن أعتقها الغاصب فأتى ربها فوجدها لم تفت، فأراد أن يلزمه قيمتها ويمضي عتقها، فقال الغاصب: لا أرضى بذلك، فينبغي ألا يلزم ذلك الغاصب؛ لأن عتقه باطل؛ لأنه أعتق ما لا يملك.
فإن قيل: يلزمه، لأنه أعتق ما في ضمانه.
قيل: قد لا يلزم الإنسان عتق ما في ضمانه؛ مثل عتقه عبداً باعه بالعهدة أو أمة في المواضعة، فإن قيل: إن عتقه رضا بالتزام القيمة، قيل: لا يلزمه ذلك؛ كما لو باعها ولم تفت لم يكن للمستحق أن يلزمه القيمة، وإنما له أن يأخذها أو يجيز البيع ويأخذ الثمن.
[(3)] فصل [فيمن باع أمة ثم أقر أنه غصبها من فلان، وإذا ابتاعها الغاصب من ربها، وكيف إذا باع الغاصب ما غصب ثم علم المبتاع بالغصب] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن باع أمة ثم أقر أنه غصبها من فلان لم يصدق على المبتاع، ويضمن لربها القيمة إلا أن يشاء ربها أخذه بالثمن

فذلك له، ومن ابتاع أمةً من غاصب ثم ابتاعها الغاصب من ربها، فليس للغاصب نقض ما باع؛ لأنه تحلل صنيعه؛ وكأنه غرم القيمة لربها، ولو ورثها الغاصب من ربها كان له نقض البيع؛ لأنه حل محل ربها بغير صنعٍ منه، ولو كان إنما باعها ربها من رجل غير الغاصب ممن رآها وعرفها كان ذلك نقضاً لبيع الغاصب، وإذا باع الغاصب ما غصب ثم علم المبتاع بالغصب، والمغصوب منه غائب، فللمبتاع رد البيع لحجته: أنه يضمنه ويصير ربه مخيراً عليه إذا قدم، وليس للغاصب أن يقول أنا أستأني رأي صاحبها، ولو حضر المغصوب منه، فأجاز البيع لم يكن للمبتاع رده، وكذلك من افتأت عليه في بيع سلعةٍ في غيبته وحضوره.
ومن العتبية قال أصبغ: عن ابن القاسم: وإذا أجاز رب العبد البيع والعبد قائم، فلا كلام للمشتري، والعهدة في ذلك على رب العبد لا على الغاصب، فإن فات العبد حتى يكون المستحق مخيراً في الثمن أو القيمة يوم الغصب- ليس في العبد؛ لفوته- فاختار أخذ القيمة أو الثمن من الغاصب، فالعهدة للمشتري على الغاصب.

[الباب الخامس] في الشهادة على الغصب، واختلاف المستحق

والغاصب في صفة ما غصب أو عدة ما انتهب.

[(1) فصل: في الشهادة على الغصب] قال ابن القاسم: وإن أقمت شاهداً أن فلاناً غصبك هذه الأمة وشاهداً آخر على إقرار الغاصب أنه غصبكها تمت الشهادة، ولو شهد أحدهما أنه غصبكها، وشهد الآخر أنها لك، فقد اجتمعا على إيجاب ملكك لها، فيقضي لك بها- يعني: بعد أن تحلف أنك ما بعت ولا وهبت؛ كمن استحق شيئاً ببينةٍ، وذلك إن ادعاها الغاصب لنفسه- لأنهما لم يجتمعا على إيجاب الغصب.
م وقال بعض الفقهاء: شهادتهما مختلفة، فإذا لم تفت حلف مع أي الشاهدين شاء، فإن حلف مع شاهد الملك حلف أن شاهده شهد بحقٍ وأنه ما باع ولا وهب، وإن حلف مع شاهد الغصب حلف أنه لقد شهد شاهدي بحق فقط، وردت إلى يده بالحيازة فقط؛ لأن شاهد الغصب لم يثبت له ملكاً، وشاهد الملك لم يثبت لع غصباً، ويمكن أن تكون خرجت من يده ببيع إلى الذي هي في يده، فلما لم يجتمعا على ملكٍ ولا غصبٍ، حلف كما قدمنا، والله أعلم.
قال ابن القاسم: ولو دخل الجارية نقص، كان لك أن تحلف مع الشاهد بالغصب، ويضمن الغاصب القيمة، قال: ومن أقام شاهداً أن هذه الأرض له وشاهداً آخر أنها حيزه قضى له بها؛ لأنهما قد اجتمعا على الشهادة، ومعنى قوله: حيزه، كقولك هذا حيز فلان.
م قال بعض الفقهاء: ومعنى حيزه: أي ملكه، ولو كانت بمعنى

الحيازة لكانت مثل المسألة الأولى.
[المسألة الأولى: إذا ثبت أن رجلاً غصب جارية ثم ماتت فكيف تقوم] قال ابن القاسم: وإن أقمت بينة على رجل أنه غصبك جارية لا يدرون قيمتها وقد هلكت، قيل: لهم صفوها، وتقوم تلك الصفة.
قال أشهب في كتبه: فإن لم يثبتوا لها صفة، جعلت من أوضع الجواري ثم أغرم الغاصب قيمتها على ذلك يوم غصبها.
قال ابن القاسم: وإن شهدت بينة أنه غصبك ثوباً أو جارية لا يدرون لمن ذلك، فذلك تمليك لك، ويقضي عليه برد ذلك إليك.
[المسألة الثانية: إذا شهد الشهود شهادة ناقصة] ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: فيمن أقام بينة أن فلاناً غصبك أرضاً في قرية تسمى فلانة ولا يدرون موضع الأرض منها والغاصب منكر، قال: شهادتهم باطلة، لأنهم لم يشهدوا على شيءٍ معروفٍ ولا محدود ولا شيءٍ بعينه.
قال عنه أصبغ: إذا شهدوا للمغصوب منه أن هذه أرضه ولا يعرفون الحدود، فإنه يسجن الغاصب، ويضيق عليه حتى يبين له حقه، ولا يقضي له إلا بشهادةٍ أو بإقرار فإن أقر بشيءٍ، وقال: هذا حقه حلف عليه.
قال أصبغ: أو يشهد غيرهم على الحدود فيقضي بذلك، فإن لم يشهد له أحد

بالحدود وضيق على الغاصب واستبريء بالسجن فلم يقر بشيء، حلف على الجميع كما يحلف المدعي عليه بغير بينة، ولا يكون عليه شيء بتلك الشهادة.
[(2) فصل [في اختلاف المستحق والغاصب في صفة ما غصب] ومن المدونة: ومن غصب أمة وادعى هلاكها، واختلفا في صفتها صدق الغاصب في الصفة مع يمينه إذا أتى بما يشبه، فإن أتى بما لا يشبه صدق المغصوب منه في الصفة مع يمينه.
وقال أشهب في كتبه: لا يراعى في هذا ما يشبه، والغاصب مصدق في ذلك، ولو قال: كانت بكماء صماء عمياء، صدق مع يمينه.
قال في النوادر: وقول من قال إذا أتى بما لا يشبه صدق المغصوب منه مع يمينه غلط، إنما يدخل هذا في اختلاف المتابعين في قلة الثمن وكثرته والسلعة قائمة معروفة الحال، فيصدق من يشبه أن يكون الحق في قوله مع يمينه فيما يتغابن الناس بمثله.
م: لعله يريد: وقد دخل السلعة نقصٌ أو حوالة سوق، فيراعى قول من يشبه، وأما إن لم يدخلها شيء من ذلك، فقد قالوا لا يراعى قول من يشبه وليتحالفا ويتفاسخا.
م: ويحتمل أن يكون في قيامها قولان: هل يراعى ما يشبه أو لا؟ والقياس أن يراعى ما يشبه، وإليه نحا أشهب ها هنا والله أعلم.

[المسألة الأولى: لو أخفى الغاصب المغصوب ثم ظهر المغصوب] ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو قضينا على الغاصب بالقيمة ثم ظهرت الأمة بعد الحكم، فإن علم أنه أخفاها، فلربها أخذها ورد ما أخذ، وإن لم يعلم ذلك لم يأخذها ربها.
قال أشهب في كتبه: ويحلف الغاصب- ها هنا إذا لم يعلم أنه أخفاها- بالله ما أخفاها، ولقد كانت فاتت من يده، فإذا حلف بقيت له إذا كانت على الصفة التي حلف عليها.
قال ابن القاسم: إلا أن تظهر أفضل من الصفة بأمر بين، فلربها الرجوع بتمام القيمة؛ وكأن الغاصب لزمته القيمة فجحد بعضها.
وقاله أشهب.
قال: ومن قال: إن له أخذها، فقد أخطأ؛ كما لو نكل الغاصب عن اليمين في صفتها وحلفت أنت على صفتك، ثم ظهرت أنها على خلاف ذلك، كنت قد ظلمته في القيمة فيرجع عليك بما تزيد عليه من ذلك، ولا يكون له أن يقول لك: رد الجارية.
م قال بعض الفققهاء: وينبغي أن لو أقر بخلاف ما غصب- مثل أن يقول غصبت جارية، ويقول المغصوب منه عبداً، فكان القول قول الغاصب، ثم ظهر أن الذي غصب عبد- أن يكون له الرجوع فيه كالذي أخفى ذلك؛ لأنه قد علم أنه أخفى الصفة ولم يغرم من قيمتها شيئاً، بخلاف اتفاقهما على العين ويختلفان في الصفة، فالعين حينئذ هي المعينة إلا أنهما اختلفا في صفتها، وانظر لو قال: غصبت منك جارية سوداء للخدمة قيمتها عشرون ديناراً، وقلت: إنما

غصبت مني جارية بيضاء قيمتها مئة دينارٍ مما يصلح للوطء، هل هذا بخلاف جحد بعض الصفة أم لا؟.
م: والأشبه أن يكون كمن جحد بعض الصفة، وقد قال أشهب: إن القول قول الغاصب ولو قال كانت بكماء صماء، ثم قال: وإذا ظهرت خلاف الصفة بأمر بين فإنما يرجع بتمام القيمة، وهذا يدل على ما قلناه.
[(3) فصل: في اختلاف الناهب والمنهوب منه في عدة ما انتهب] ومن المدونة قال مالك: ومن غصب أو انتهت صرة بينةٍ، ثم قال: كان فيها كذا، والمغصوب منه يدعي أكثر، فالقول قول الغاصب مع يمينه.
ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك: فيمن انتهب صرة من رجل وناس ينظرون إليه قد أخذها، فطلب، فطرحها في متلفٍ، فادعى ربها عدداً ةأكذبه الآخر، ولم يفتحها ولم يدر المنتهب كم فيها أو لم يطرحها، ثم يختلفان فالقول قول المنتهب مع يمينه، ومطرف وابن كنانة وأشهب يقولون في هذا وشبهه: إن القول قول المنتهب منه إذا ادعى ما يشبه، وأن مثله يملكه.
م: يريدون: ويحلف.
وقد اختلف في يمينهن كالذي يدعي على رجل بمئة فيقول المطلوب لا أدري ألك علي شيء أم لا؟ فقيل: يأخذ المدعي ما قال بغير يمين؛ لأنه لا حقيقة عنده؛ ولأن الشاك لو أحلف لم يمكنه أن يحلف، فيصير لا فائدة في يمين مدعي التحقيق.

م: وأما إذا طرحها ولم يفتحها ولم يدر ما فيها، فالقول قول المنتهب منه مع يمينه فيما يشبه؛ لأنه يدعي حقيقة، وأما إن غاب عليها وقال: الذي كان فيها كذا وكذا، فالقول قول المنتهب مع يمينه.

[الباب السادس] القضاء في ولادة الأمة من غاصب أو زوج أو

مشتر، وكيف إذا أعتقها المشتري أو كان ثوباً فلبسه.

[(1) فصل: في القضاء في ولادة الأمة من غاصب أو زوج أو مشتر] قال ابن القاسم: وإذا ولدت الأمة بيد الغاصب من وطئه، أو من زوج تزوجها وعلم أنها أمة ولم يعلم بالغصب، أو ولدت من زنى، فلربها أخذها وأخذ الولد رقاً، ويحد الغاصب في وطئه إياها إن أقر بالوطء، ولا يثبت نسب ولده، ويثبت نسب ولد الزوج ويكون رقاً إلا أن يتزوجها على أنها حرة فيكون لربها أخذها وقيمة ولدها ويكون حراً، ومن ابتاع أمةً فأعتقها ثم استحقت، فليأخذها ربها، وينتقض العتق إن قامت له بينة أنها غصبت منه أو سرقت أو أنها له، ولم تذكر بينة غير ذلك، فإن أولدها المبتاع فلمستحقها بالملك أخذها إن شاء مع قيمة ولدها يوم الحكم عبيداً، وعلى هذا جماعة الناس، وقاله مالك، وأخذ به ابن القاسم ثم رجع مالك فقال: يأخذ قيمتها وقيمة ولدها يوم يستحقها؛ لأن في ذلك ضرراً على المبتاع.
قال ابن حبيب: ثم رجع مالك فقال: ليس على المبتاع إلا قيمتها يوم وطئها، ولا قيمة عليه في ولدها، وبه أخذ ابن الماجشون وغيره.
وفي كتاب الاستحقاق إيعاب هذا.

[(2) فصل: فيمن غصب ثوباً فلبسه حتى أبلاه] قال مالك: ومن ابتاع ثوباً من غاصب ولم يعلم فلبسه حتى أبلاه، ثم استحق، غرم المبتاع لربه قيمته يوم لبسه، وإن شاء ضمن الغاصب قيمته يوم الغصب أو أجاز بيعه وأخذ الثمن، ولو تلف الثوب عند المبتاع بأمر من الله تعالى لم يضمنه، ولو تلف عند الغاصب بأمرٍ من الله لزمه ضمانه.

[الباب السابع فيـ] ما يلزم الغاصب فيه القيمة أو المثل مما استهلكه،

وكيف إن وجده ربه بغير بلده

[(1) فصل: فيما يلزم الغاصب فيه القيمة أو المثل مما استهلكه] [المسألة الأولى: في أصل إيجاب القيمة في غير الكيل والوزن] قال أبو محمد: قال بعض البغداديين: وأوجبنا القيمة في غير المكيل والموزون؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أعتق شركاً له في عبد قوم عليه نصيب شريكه)) فجعل فيه القيمة وهي أعدل لتعذر إدراك المماثلة فيه، وما كانت فيه مدركة مما يكال أو يوزن، فهي فيه أعدل لتقاربها من الذهب والورق في إدراك المماثلة، وغيرنا [يقر بذلك] ويخالفنا في العروض؛ وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قد علم أنه أريد به المثل في الصفة والمقاربة، لا حقيقة المقدار في الوزن؛ لأن ما ذكر من النعم لا يماثله الصيد في المقدار؛ ليست البدنة مثلاً للنعامة، وبذلك يحكم فيها، فعلم أنه تعالى أراد مماثلة الصفة والمقاربة في الخلقة، والله أعلم.
[المسألة الثانية: إذا استهلك ما غصب من طعام أو إدام] ومن المدونة قال مالك: ومن غصب لرجل طعاماً أو إداماً، فاستهلكه فعليه مثله بموضع غصبه منه، فإن لم يجد هناك مثلاً لزمه أن يأتي بمثله، إلا أن يصطلحا على أمرٍ جائزٍ، وإن لقيه ربه بغير البلد الذي غصبه فيه لم يقض عليه

هناك بمثله ولا بقيمته، وإنما له عليه مثله بموضع غصبه فيه.
ومن المجموعة وكتاب ابن المواز قال ابن القاسم: ومن استهلك لرجل عسلاً أو سمناً في بلد فلم يجد له بذلك البلد عسلاً ولا سمناً، قال: لابد أن يأتيه بمثله، وله أن لا يأخذ قيمته إلا أن يصطلحا على أمرٍ يجوز.
وقال أشهب: رب الطعام بالخيار: إن شاء صبر عليك وألزمك أن تأتي بالمثل من أي بلد كان، وإن شاء ألزمك القيمة الآن.
قال ابن عبدوس: واختلفا في هذا كما اختلفا في الذي يسلم في الفاكهة فيفرغ إبانها وقد بقى له منها، فالصبر حتى يأتي بالطعام من بلد آخر كالصبر حتى يأتي إبان الثمرة إلى عام قابل، فقال ابن القاسم: يلزم الطالب التأخير حتى يؤتي بالطعام، وحتى يأتي قابل في الفاكهة، وقال أشهب: يرد إليه رأس ماله في السلم، ولا يجوز أن يؤخره، وقال في الطعام: يأخذ منه قيمة الطعام إن شاء، وإن شاء أخره حتى يأتي بالمثل؛ فهذا فسخ الدين في الدين على أصله، فلا يجوز أن يؤخره بالطعام إذا كان له أخذه بالقيمة، وإنما ينظر: فإن كان الموضع الذي يوجد فيه مثل الطعام على يوم أو يومين أو ثلاثة والأمد القريب، فليس له فيه إلا مثل طعامه، يأتيه به، وإن كان بعيداً مما على الطالب فيه ضرر أو كان استهلكه في لج بحرٍ أو فيافٍ بعيدة من العمران فهذا يغرم قيمته حيث استهلكه، يأخذه بها حيث لقيه.

[المسألة الثالثة: في العروض والرقيق والحيوان إذا استهلكها الغاصب] ومن المدونة قال مالك: وأما العروض والرقيق والحيوان إذا استهلكه، فله قيمة ذلك ببلد الغصب يوم الغصب يأخذه بتلك القيمة أينما لقيه من البلدان، نقصت القيمة في غير البلد أو زادت.
[(2)] فصل [إذا وُجد المغصوب بغير بلده] ومن المجموعة روى سحنون عن ابن القاسم عن مالك في العروض والرقيق والطعام يُسرق، فيجده ربه بغير بلده، قال: أما الطعام فليس له أخذه، وإنما له أن يأخذ السارق والغاصب بمثله في موضع سرقه أو غصبه، وأما العبيد والدواب فليس له إلا أخذهم حيث وجدهم لا غير ذلك - يريد: إن لم يتغيروا - وأما البزُّ والعروض فربها مخير بين أخذه بعينه وإن شاء قيمته بموضع سرق منه.
وقال سحنون: البز عندي كالرقيق: إنما له أخذه حيث وجد إذا لم يتغير في بدنه - وكأنه رأى اختلاف البلدان كاختلاف الأسواق - فإنما حال منه تغيير سوقه، وليس بمنزلة أو لو لقيه ربه - وقد عاد إلى البلد - والمتاع بالبلد الذي نقله إليه، هذا له أن يضمنه قيمته؛ لأنه حال بينه وبينه.
وقال أشهب في الطعام: ربه مخير بين أخذه بعينه أو مثله في موضع غصبه منه، ويحال بين الغاصب وبين الذي نقل حتى يوفى المغصوب حقه.

قال سحنون: لا أعرف هذا [44/أ] من قول الرواة.
وحكى ابن المواز قول ابن القاسم وقول أشهب في الطعام.
قال: وقال أصبغ في الطعام إن كان البلد بعيداً؛ فالقول ما قال ابن القاسم، ويتوثق لرب الطعام بحقه، وإن كان قريباً كبعض الأرياف، فله أخذه، ويحمل على الظالم بعض الحمل.
وقال ابن القاسم: إنما له أخذه بمثله حيث غصبه، ولو اتفقا على أن يأخذه بعينه أو مثله بموضع نقله أو يأخذ فيه ثمناً جاز بمنزلة بيع طعام القرض قبل قبضه، وقاله أصبغ.
ابن المواز: وقال أشهب - في العروض والحيوان -: إن لربها أخذها بموضع وجدها، وإن شاء تركها وأخذه بقيمتها يوم الغصب ببلد الغصب، يأخذ ذلك منه حيث لقيه، وقاله أصبغ.
ابن المواز: صوابٌ؛ لأن اختلاف البلدان البعيدة كتغيرها عن حالها.
[فائدة: في تحصيل الاختلاف في الطعام والعبيد والدواب والبز يجده ربه بغير بلده].
م: وتحصيل هذا الاختلاف باختصار: قال ابن القاسم: أما الطعام، فليس له في الحكم إلا مثله بموضع غصبه،

جارٍ التحميل