الجامع لمسائل المدونةصفحات 860-875

كتاب العتق الأول من الجامع

صفحات 860-875

ولأن السيد لم يعتقه بأمر يبتدئه بعد الكتابة, إنما عتق عليه لزمه على ما أحب صاحبه أو كره, [فصار عيباً], ولا يجوز أن يضمن حر كتابة مكاتب وذلك بخلاف عتق السيد لأحد العبدين في كتابة إذا لم يعقد على هذا, وإن لم يحمل المدبر الثلث عتق منه محمله وسقط عنه من الكتابة بقدر ذلك, وسعى هو وصاحبه في بقية الكتابة, ولا عتق لواحد منهما إلا بصاحبه, فإن عتقا رجع من أدى منهما أكثر على صاحبه بما أدى عنه إلاَّ أن يكون ذوي رحم لا يملك أحدهما الآخر فلا يتراجعان بشيء.
وقال أشهب: لا يجوز أن يكاتب عبده مع مدبره كتابة واحدة؛ لأنه يؤول إلى خطر, ألاَ ترى أن الكتابة منعقدة عليهما لم يجز أن يعتق أحدهما؛ لأنه إذا أعتق أحدهما كان في ذلك وفاء لصاحبه؛ لأن بعضهم حملا عن بعض.
قال ابن القاسم: ولو كاتب عبدين له كتابة واحدة ثم دبر أحدهما فإن أديا عتقا, وإن عجزا لزم السيد تدبير من كان دبّر, وإن مات السيد قبل عجزهما والمدبر يحمله الثلث وهو قوي على/ السعي حين مات السيد لم يعتق إلا برضا أصحابه, كما لو ابتدأ عتق أحد المكاتبين, وإن كان المدبر زَمِنَا يوم مات السيد؛ عتق في الثلث, ولا يوضع عن أصحابه من الكتابة شيء؛ لأن مالكاً قال فيمن لا قوة فيه من المكاتبين من صغير أو زمِن إذا أعتقه السيد: جاز عتقه وإن كره أصحابه, ولا يوضع عنهم من الكتابة شيءٌ, وفي المكاتب إيعاب هذا.

في وطء المدبرة بين الشريكين, وتدبير حمل الأمة, وردة المدبر قال مالك: ولو أن مدبرة بين رجلين وطأها أحدهما فحملت؛ فإنها تقوّم عليه, وتصير أم ولد إذ ذلك آكد لها.
قال سحنون: وقاله جميع الرواة.
قال غيره: فإن كان الواطئ معسراً؛ خير شريكه بين إتباعه بنصف قيمتها وتصير له أم ولد, وبين التماسك بحصته وإتباعه بنصف قيمة الولد يوم استهلاله, ثم لا قيمة عليه إن أيسر؛ فإن مات الواطئ عديماً عتق عليه نصيبه من رأس ماله؛ لأنه بحساب أم ولد, وبقي نصيب المتمسك مدبراً, وإن مات الذي لم يطأ وقد كان تماسك بنصيبه وعليه دين يَرُّد التدبير, بيعت حصته للدّين, فإن ابتاعها الواطئ ليسر حدث له حل له وطؤها, ثم إن مات بعد ذلك فنصفها عتيق من رأس المال, والنصف الذي اشترى رقيق للورثة.
وقال مالك في المختصر الكبير: إذا وطأها أحدهما فحملت؛ قوّمت عليه, وقد قيل: يقوّم عليه الولد خاصة, وتبقى هي على حالها؛ فإن هلك الذي لم يطأ عتق نصفها في ثلثه, فإن لم يترك وفاء قُوِّمت على الواطئ, وكانت له أم ولد, والأول أحب إلينا.
م: قال بعض فقهائنا في قول غيره: ويتبعه بنصف قيمة الولد يوم استهلاله.
يريد: وكذلك إن تأخر الحكم حتى كبر الصبي؛ إنما القيمة فيه يوم الاستهلال.
وقال في ولد المستحقة: تكون القيمة يوم الحكم.

والفرق: أن وطء الشريك وطء عِدَا [65/أ.
ص] فلزمه القيمة حين العدا, فجعلنا القيمة فيه يوم خروجه إذ لا قيمة له قبل ذلك, وولد المستحقة الوطء فيه جائز؛ فإنما تكون فيه القيمة يوم يحكم في استحقاق أمه.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن دبر ما في بطن لم يكن له بيعها, كما لو أعتق ما في بطنها.
قال: وله أن يرهنها كما يرهن المدبرة وقاله مالك.
م: ذكر عن أبي عمران أنه قال: إنما يرهنها في دين قبل الحرية وقبل التدبير, وأما فيما استحدثه من الدين بعد قوله: ما في بطنك حر؛ فلا يكون له أن يرهنها في ذلك, وإنما تباع بما في بطنها إذا رهقه دين, فأما أن تعرض هو به للبيع فلا, ونحوه عن أبي محمد بن أبي زيد رضي الله عنه.
فصل قال ابن القاسم: وإذا ولد المدبر ولحق بدار الحرب ثم ظفرنا به؛ استتيب, فإن تاب وإلا قتل, فإن تاب لم يقسم ورُدّ إلى سيده إن عرف سيده بعينه, وإن جهلوا أنه مدبر حتى اقتسموا ثم جاء سيده فله أن يفديه بالثمن, يرجع إليه مدبراً, وإن أبى خدم من صار إليه في الثمن الذي حسب به عليه؛ فإن أوفى وسيده الأول حي رجع إليه مدبراً, وإن

هلك السيد قبل وفاء ذلك خرج من ثلثه حرا, وأتبع بباقي الثمن, وإن لم يسعه الثلث عتق بما وسع الثلث منه, وأتبع بحصة ما يقع على الجزء العتيق منه من الثمن ورقّ ما بقي لمشتريه؛ لأن سيده أسلمه أولاً ولا قول للورثة فيه.
وقال غيره: إن حمله الثلث عتق ولم يتبع بشيء, وإن حمل بعضه لم يتبع حصة البعض العتيق منه بشيء, وكان ما بقي رقيق لمن اشتراه, وإن لحق السيد دين أبطل الثلث حتى يرد عتقه, كان جميعه رقا لمشتريه, وليس ما اشتريت به رقبته كجنايته التي هو فعلها, هذا إذا عتق بعضه أتبع ما عتق منه بما يقع عليه من الجناية؛ لأن ذلك فعله, وذكر محمد عن ابن القاسم: مثل ما ههنا.
قال وقال عبد الملك: إنما هذا فيمن اشترى من أيدي العدو, فأما/ من وقع في المقاسم فلا يتبع حصة ما عتق منه بشيء كالحر يقع في المقاسم فلا يتبع وإن باعه العدو أتبع.
قال ابن المواز والقول ما قال عبد الملك: وكذلك في المكاتب والمعتق إلى أجل؛ لا يتبع إلا فيما يتبع به الحر.
وقد تقدم كثير من هذا في كتاب الجهاد.
[م: أبو إسحاق: ولو كان سيد المدبر هو الذي ارتد ولحق بدار الحرب؛ لوجب أن يبقى مدبره وينفق عليه من ماله, فإن لم يكن له مال استؤجر وأنفق عليه من إجارته, فإن لم تكن له إجارة وخيف عليه ولم يوجد من ينفق عليه لا نبغي أن يعتق إذا لم يمكن بيعه, كما

لو كان سيده حاضر فعجز عن نفقته أو عن نفقة أم ولده, ولم يكن في إجارته ما يفي بنفقته لوجب عتقه وعتق أم ولده؛ لأن بقاءهما من الضرر بهما ولا يقدر على بيعهما].
م: جعل ابن القاسم: إباقة إلى دار الحرب كجناية فعلها إلا في قوله: إذا لم يحمله الثلث رقّ ما بقي منه لمشتريه؛ لأن سيده أسلمه إليه.
وقال في كتاب الجنايات: في هذا يخيّر الورثة فيما رقّ منه بين إسلامه رقاً للمجني عليه وافتكاكه بحصة ما يقع عليه ويكون رقاً لهم.
وحكى عن بعض فقهائنا القرويين أنه قال: يحتمل أن يكون الفرق بينهما أن المشتري في مسألة كتاب [65/ب.
ص] المدبر دخل في الأصل على مالك رقبته فلما اعترفه سيده وأسلمه له فقد أجاز له ما دخل عليه فيما قد يرق منه, وفي مسألة كتاب الجنايات إنما أسلم السيد إلى المجني عليه خدمته وعلى أنه إن أعتق في الثلث أتبع, وإن رقّ منه شيء خيّر الورثة في ذلك.
م: هذا معنى قوله, وزدت فيه من لفظي.

ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن دبّر عبيده ثم ارتد السيد ولحق بدار الحرب, أوقفت مدبريه إلى موته كماله, ولا يعتقون إلا بعد موته؛ كقول مالك في الأسير ينتصر: أن ماله موقوف إلى أن يموت.
م: قال بعض القرويين: وإذا وقف مال المرتد أنفق على مدبريه وعلى أم ولده منه ولا ينفق منه على صغار ولده؛ لأن الولد لا يرثه إن قتل على ردته فلذلك لا ينفق عليهم من ماله.
في مدبر الذمي يسلم, وكيف إذا دبر عبدا له مسلماً؟ قال مالك: وإذا أسلم مدبر النصراني قال ابن القاسم: أو ابتاع مسلماً فدبره وأجّرناه له وقبض إجارته ولم يتعجل رقه بالبيع وهو قد يعتق بموت سيده؛ فإن أسلم النصراني رجع إليه مدبره, وكان له ولاء الذي دبر وهو نصراني, وأما ولاء الذي دبره وهو مسلم فقد انعقد الولاء للمسلمين, [وإن كان للنصراني ولد أو أخ مسلم لم يرجع إليه], ولا يرجع إليه أيضا وإن أسلم.
قال: فإن لم يسلم حتى مات عتق في ثلثه, وكان ولاؤهما للمسلمين إلا أن يكون للنصراني ولد أو أخ مسلم ممن يجر إليه ولاؤه ويرثه فيكون له ولاء الذي دبره وهو

نصراني دون جماعة المسلمين, كما كان يكون لسيده لو أسلم, وأما الذي دبره وهو مسلم؛ فولاؤه للمسلمين ولا يرجع إلى النصراني وإن أسلم, ولا إلى ولده المسلمين, وإن لم يحمله ثلثه بيع ما رقّ منه من المسلمين ودفع الثمن إلى ورثته إن كانوا نصارى, وإن كانوا مسلمين لم يرثوه وكان ذلك المال للمسلمين.
وقال غيره: لا يجوز للنصراني شراء مسلم, فإذا أسلم عبده ثم دبّره عتق عليه, لأنه منعنا من بيعه بالتدبير.
ابن حبيب وقاله مطرف وابن الماجشون: قالا: وكذلك لو أعتقه إلى أجل عجّل عتقه, ولو كاتبه بيعت عليه كتابته.
م: وإذا أسلم فأجّرناه عليه وقبض السيد إجارته وأتلفها ثم مات قبل أن يخدم العبد من الإجارة شيئاً ولم يترك غيره, فإن رضي العبد أن يخدم مدة الإجارة لرغبته في عتق جميع ثلثه فذلك له, ويعتق ثلثه, ويخدم مدة الإجارة, ثم يبيع ثلثاه على ورثة سيده النصراني, ولا كلام لمن استأجره, وإن أبى العبد أن يخدم في حصة ما يعتق منه ولم يرضى الذي استأجره أن يختدم ما رقّ منه لاستحقاق بعض ما استأجر, كان البيع من جميعه بقدر الإجارة, وعتق ثلث ما بقي, وبيع على الورثة ما بقي بعد ذلك, وإن رضي المستأجر أن يختدم ما رقّ منه للورثة؛ فليبيع من ثلثه بقدر ثلث الإجارة, ويعتق ما بقي من ثلثه ويختدم المستأجر ثلثيه حصة ما رقّ منه للورثة, فإذا تمت الإجارة بيع على الورثة ما رقّ لهم منه إلا أن يسلموا قبل ذلك فيبقى لهم/.

في تدبير المولى عليه, وذات الزوج, والعبد, ومن فيه علقة رق, والدعوى في التدبير ومن العتبية قال ابن القاسم: في المولى عليه يدبر عبده فإن ذلك لا يلزمه ولا بعد رشده, وهو كقول مالك في عتقه.
قال: وإن دبرت ذات [66/أ.
ص] الزوج ثلث جاريتها لزمها تدبير جميعها, وقد قال مالك: إذا دبرت أمتها وليس لها غيرها فذلك جائز, ولا قول للزوج؛ لأنه لم يخرج من يدها شيء بخلاف عتقها, وهذا كالوصية في هذا المعنى.
وقال سحنون ومطرف وابن الماجشون: لا يجوز ذلك إلا بإذن زوجها.
قال ابن القاسم: وإذا دبّر العبد أمته بإذن سيده فلا يمسها السيد ولا العبد وهي معتقه إلى أجل, هي من رأس المال, ولا يلحقها دين, وولاؤها لسيدها وإن عتق العبد.
وقاله سحنون.
ولو وطأها العبد فحملت أوقفت هي وولدها حتى يموت العبد فتعتق, ولو وطأها السيد فحملت؛ لحق به الولد, ولا يقربها, وهي تعتق؛ إما بموت العبد, أو بموت السيد, من مات منهما أولاً عتقت, ولو قيل: يُعجل عتقها حين حملت لكان قولاً.
قال عيسى: أرى أن تعتق الساعة.
م: صواب, إذ لا خدمة فيها ولا وطأ, كمن أولد أخته من الرضاعة.
وقال ابن القاسم: وليس للرجل وطء مدبرةٍ لِمُدَبَرِهِ, ولا لأم ولده, أو لمعتقه إلى أجل؛ وهي كالمعتقات إلى أجل إذ يعتقن من دبرهنّ, وليس لأحد من هؤلاء تدبير إلاّ بإذن السيد, وولاء ذلك للسيد.

قال ابن القاسم: في مكاتب دبر أمته, فعلم بذلك السيد فلم ينكر حتى عجز؛ فلا تدبير له إلا أن يكون أمَرَهُ بتدبيرها, وليس سكوته بشيء وإن علم.
قال ابن حبيب عن أصبغ: ولو دبرها المكاتب بإذن سيده, لم يكن له وطؤها حتى يؤدي جميع الكتابة, إذ قد يعجز فترجع الأمة إلى سيدها معتقة إلى أجل.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ادعى العبد أن سيده دبره أو كاتبه وأنكر المولى؛ لم يلزمه يمين, وهذا مثل العتق, إلا أن يقيم العبد شاهداً فيحلف له السيد, وإن نكل عن اليمين حُبس حتى يحلف.
في المعتق إلى أجل والمخدم قال مالك وابن القاسم: ومن قال لعبده في صحته أنت حر بعد موت فلان, أو قال: بعد موته بشهر؛ فهو معتق إلى أجل من رأس المال ولا يلحقه دين, وإن مات السيد قبل موت فلان, خدم العبد ورثة السيد إلى موت فلان, أو إلى بعد موته بشهر إن قال ذلك, وخرج حر من رأس المال, ولو قال ذلك السيد في مرضه عتق العبد في الثلث إلى أجل وخدم الورثة حتى يتم الأجل ثم هو حر, وإن لم يحمله الثلث خيّر الورثة في إنفاذ الوصية أو يعتقوا من العبد محمل الثلاثة بتلا.
قال مالك: كل من عال في وصيته على ثلثه فأبت الورثة أن يجيزوا؛ فإنه يقال لهم: أسلموا ثلث مال الميت إلى أهل الوصايا أو أنفذوا ما قال الميت.

فصل قال ابن القاسم: وإن قال لعبده: إذا خدمتني سنة فأنت حر, فخدم بعض السنة ثم مات السيد؛ فليخدم العبد ورثة السيد بقية السنة ثم هو حر في قول مالك.
قال: ولو لم يمت السيد ولكن وضع الخدمة عنه؛ فهو حر مكانه, مثل المكاتب إذا وضع عنه سيده كتابته.
قال مالك: وإذا قال: له أخدم فلاناً سنة وأنت حر, فمات فلانٌ قبل السنة, خدم العبد ورثة فلانِ بقية السنة, ثم هو حر.
ابن المواز: وإن مات العبد قبل السنة وترك مالاً لسيده أو لورثته.
ومن المدونة قال مالك: وأما إن قال: اخدم ولدي أو أخي أو ابن أخي أو ابن فلان سنة وأنت حر فيموت المخدم قبل السنة, فإن أراد به الحضانة [66/ب.
ص] والكفالة: عجّل عتقه بموت المخدم وإن أراد به الخدمة خدم العبد/ ورثة المخدم بقية السنة ثم هو حر.
وإن قال له: أنت حر على أن تخدمني سنة فإن أراد أن يكون العتق بعد الخدمة؛ فذلك له, ولا يعتق حتى يخدم, وإن أراد تعجيل العتقِ وشرط عليه الخدمة, عتق ولا خدمة عليه.
وإن قال له: أنت حر بعد سنة, أو إذا خدمتني سنة, قال: هذه السنة بعينها أو لم يقل؛ فهو سواء وتحسب السنة من يوم قوله, وإن أبق العبد فيها أو مرض فصح أو أتى بعد

زوالها؛ عتق ولا شيء عليه, ألا ترى أن من أكرى داره أو دابته أو غلامه فقال أُكريك سنة, إنما يحسب من يوم قوله, ولو قال: هذه السنة بعينها؛ كان كذلك أيضاً.
قال ابن القاسم في غير المدونة: فإن قال له السيد: اخدمني سنة وأنت حر فإن أبقت فيها فلا حرية لك أو عليك قضاء ما أبقت فهو كما شرط عليه.
م: قال بعض فقهائنا: وكذلك من دبّر عبده وشرط عليه إن أبق فلا حرية له؛ ينفعه هذا الشرط, والمعتق إلى أجل أقوى من المدبر, فإذا جاز هذا الشرط فيه ففي المدبر أولى, وليس كالمكاتب يشترط عليه إن أبقت فلا حرية لك؛ لأن هذا إنما الغرض فيه أداء المال فلا يقدح الإباق في ذلك إن حضر بالمال, وهو إن عجز عن الأداء فسواء أبق أو لم يأبق يعجز بعد التّلوم, والمدبر والمعتق إلى أجل إنما الغرض فيها الخدمة فهو يخلّلها بإباقة للزمان الذي يمضي منها في حال إباقة, وقد ساوى بينهما بعض الناس وهو غلط للعلة التي ذكرنا.
وقد قال بعض أصحابنا المتأخرين في المعتق إلى أجل يأبق في الأجل ثم يأتي بعده وقد اكتسب مالاً في حال إباقه: أن للسيد أخذه.
وقال غيره: ليس له أخذه, والأول أحب إلينا.

جامع القول في عتق المخدم ومن الموازية: ومن قال لعبده: اخدم فلاناً حياتي فإذا مت فأنت حر؛ فقال ابن القاسم وابن كنانة: هو حر من الثلث؛ لأنه أعتقه بعد موت نفسه.
وقال أشهب: هو من رأس المال؛ لأنه قد خرج من ماله في صحته وانقطع ملكه عنه آخر الدهر.
قال ابن المواز ذهب أشهب: أن كل من خرج من يد صاحبه في صحته بتلاً لا يرجع إليه منه شيء في حياته ولا إلى ورثته من بعده بوجه من الوجوه, فهو من رأس ماله, وإن كان لا يعتق إلا بموت صاحبه, وهو أصل حسن.
وذهب ابن القاسم: أن كل عتق يكون بموت السيد فلا يكون إلاّ من الثلث, وإن كان لا يرجع إلى سيده ولا إلى ورثته أبدا, فأما إن كان عتقه بغير موت السيد من مخدم أو غيره فلم يختلف فيه قول مالك وأصحابه: أنه من رأس المال.
ابن المواز: وإن قال: اخدم فلانا حياته فإذا مت أنا فأنت حر؛ فلا اختلاف بينهما أنه من الثلث إذ قد يرجع إلى السيد إن مات المخدم قبله.
وإن قال: اخدم فلانا حياتي؛ فإذا مات فأنت حر؛ فهذا من رأس المال؛ لأنه معتق إلى موت غير السيد فهو معتق إلى أجل, وإن كان قد يرجع إلى الورثة بموت السيد وهو كما لو لم يخدمه أحد وأعتقه إلى موت غيره.
وإن قال: اخدم فلانا حياة زيد وأنت حر؛ فهذا أيضاً من رأس المال معتق إلى أجل؛ لأن حريته إلى موت غير السيد ويخدم المخدم ورثته على فرائض الله ما دام زيد حياً.

فإن قال: اخدم عبد الله حياة زيد فإذا مات سعيد فأنت حر من رأس المال؛ فإن مات [67/أ.
ص] زيد قبل سعيد رجع العبد إلى سيده أو إلى ورثته إن مات يخدمهم على فرائض الله تعالى حتى يموت سعيد, فإن لم يمت زيد اختدمه عبد الله وورثته حتى يموت سعيد فيخرج حرا.
وإن قال له: اخدم فلاناً حياته وأنت حر وإن مت أنا فأنت حر؛ فهذا عند أشهب من رأس المال؛ لأنه لا مرجع لسيده ولا لورثته فيه بوجه من الوجوه وعلى مذهب ابن القاسم: ينبغي أن يكون إن مات الأجنبي قبل سيده؛ خرج حرا مكانه من رأس المال, وإن مات السيد قبل الأجنبي خرج من ثلثه؛ فإن عجز الثلث عن شيء منه فرق كان ما رق منه يخدم الأجنبي حياته/, فإن مات خرج ذلك الجزء حرا من رأس المال, وإن كان على سيده دين يغترقه خدم جميعه الأجنبي حياته ثم يخرج حراً.
ابن المواز: وإنما يجعل في ثلث سيده خدمته حياة المخدم على الرجاء والخوف كأنه لم يبق فيه رق غير الخدمة.
م: وهذا الذي ذكره ابن المواز أنه قول ابن القاسم ذكره ابن سحنون عن أشهب وسحنون.

قال ابن المواز: وإن قال: اخدم فلانا حياته وأنت حر إلا أن أموت أنا فأنت حر؛ فهذا عند أشهب إن مات الأجنبي أولاً ولم يستحدث السيد ديناً يوم قال ذلك؛ عتق من رأس المال؛ وإن لحقه دين فالدين أولى به ولا يعتق, وإن مات السيد أولاً؛ عتق في ثلثه, فإن عجز رق باقيه لورثته؛ لأنه قد استثنى عليه رقاً بقوله إلاّ أن أموت, وهو كقوله: اخدم فلانا حياته وأنت حر إلا أن أموت وهو يخدمه حياته, فإن مات فلان عتق من رأس ماله, ويرده الدين المستحدث, وإن مات السيد قبله رق لورثته وسقطت الخدمة فصار قوله: إلاّ أن أموت رقاً له؛ [فكذلك إذا قال: إلا أن أموت فأنت حر في ثلثي, فإن كان له مال عتق في ثلثه وإلاّ رقّ منه ما عجز عنه الثلث], وكذلك إذا قال: أنت حر إذا غابت الشمس إلا أن أدخل الدار فنجد فيها فلاناً؛ فالرق يلحقه إذا دخلها المغيب, وسقط أجل مغيب الشمس, وقد أبقى للرق موضعا باستثنائه هذا, فإذ كان فيه أبداً موضع الرق لحقه الدين, ولم يخرج إن مات سيده إلا من الثلث, وكذلك إن قال أنت حر إلى عشر سنين إلاّ أن أموت قبلها فأنت حر؛ فإن حلّت العشر سنين ولا دين عليه عتق من رأس المال, وإن مات السيد قبل ذلك؛ عتق من الثلث أو ما حمل منه ورق ما بقي وسقط عتق الأجل كقوله: أنت حر إلى عشر سنين إن بقيت إليها, وإن مت قبلها فأنت حر فهو من ثلثه وكأنه لم يذكره الأجل, كما لو قال: إلا أن أموت قبل ذلك ولم يذكر عتقاً؛ لأنه يرق ولا يعتق, وإن جاءت العشر سنين بعد موته فذلك يلحقه الدين؛ لأنه رجوع وطرح للأول وهذا كله في كتاب ابن سحنون عن أشهب وسحنون.
وفي العتبية: فيمن قال: أنت حر إلى سنة إلاّ أن أموت قبلها فأنت حر حين أموت؛ فقال ابن القاسم: إن مات السيد قبلها عتق في ثلثه, وإن لم يسعه الثلث استخدم باقيه إلى

السنة وعتق, وهو كما قال مالك فيمن قال: أنت حر لأولنا لنفسه موتاً ولرجل آخر فمات السيد فليعتق عليه في ثلثه.
قال ابن القاسم: فإن لم يسعه فما بقي استخدم إلى موت الآخر ثم عتق.
وقال مالك تقوم رقبته في الثلث.
وقال أشهب: بل إنما تقوّم خدمته؛ لأنه ليس فيه لاّ الخدمة.
قال ابن المواز وإذا قال: اخدم فلانا حياته فإذا مات فأنت حر وإذا مت أنا فأنت حر؛ فقد تقدم [67/ب.
ص] قول ابن القاسم وأشهب فيه, وهو بخلاف قوله: إلا أنه أُستثنى فإن لم يستثن فإنما سرد له العتق وزاد خيراً بمنزلة من قال: أنت حرٌ إلى سنة, وإن قدم أبي فأنت حر؛ فإنما زاده خيراً وهو معتق إلى أجل من رأس المال حلّت السنة وهو مريض أو ميت أو مديان, وأما إن قدم أبوه قبل السنة والسيد غير مريض ولا مديان عتق مكانه, [وإن قدم والسيد مديان عتق من ثلثه, فإن رقّ منه شيء انتظر بما رقّ منه تمام السنة ثم عتق], وإن قدم والسيد ميت؛ لم يعتق بموته, وإن خرج من ثلثه وترقب السنة ثم هو حر من رأس المال, وإن قدم والسيد مديان بدين محيط؛ لم يعتق إلا أن يجيز ذلك الغرماء, وإلاّ فليؤاجر لهم إن لم يكن السيد أبتله في خدمة أحد فإن استوفوا دينهم من الإجارة قبل السنة عتق إن كان سيده حياً, وإن لم يستوفوا حتى تمت السنة؛ عتق مكانه, كان السيد مريضا أو ميتاً أو ذا دينٍ محيط, وما استحدث من دين بعد مؤاجرة العبد قبل السنة فإنه

يحاصّ به مع الدّين أُجِّر لهم حتى لا يبقى على السيد دينٌ قبل قدوم الأب ولا بعده ولا بعد مؤاجرة العبد إلا دخل في ذلك.
وقد جرى من هذا المعنى في العتق, وفيما ذكرنا منه دليل عل ما يراد منه وبالله التوفيق.
تم كتاب التدبير بحمد الله وحسن عونه وتأييده ونصره, والصلاة على محمد وآله.
يتلوه كتاب المكاتب.

بسم الله الرحمن الرحيم وصل الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا

جارٍ التحميل