الجامع لمسائل المدونةصفحات 374-413

كتاب الضحايا من الجامع

صفحات 374-413

قال ابن المواز: ومن حلف بالله لا فعلت كذا، فقيل له: إنك ستحنث، فقال: والله لا أحنث، ثم حنث فعليه كفارتان.
قال: ومن حلف لا باع سلعته هذه من فلان فقال له آخر: فأنا، فقال: لا والله لا أنت، فباعها منها جميعاً فعليه كفارتان، وفي الطلاق طلقتان، ولو باعها من أحدهما ثم ردها عليه فباعها من الثاني فعليه كفارتان قاله مالك وابن القاسم.
ولو قال: والله لا بعتها من فلان ولا من فلان فكفارة واحدة تجزيه، باعها منهما أو من أحدهما أو ردها عليه فباعها أيضاً من الآخر فهو سواء.
ومن المدونة: قال مالك: ومن قال والله لا أكلم فلاناً، ثم قال: علي حجة أو عمرة إن كلمته فهما يمينان إن حنث لزمتاه جميعاً.
قال: ومن حلف ألا يكلم فلاناً عشرة أيام فكلمه فيها فحنث ثم كلمه فيها مراراً قبل أن يكفر أو بعد؛ لم تلزمه إلا كفارة واحدة.
ومن العتبية: قال ابن القاسم: [ومن قال: والله لا كلمتك غداً أو والله لا كلمتك بعد غد فكلمه في اليومين فعليه كفارتان وإن كلمه في أحدهما فكفارة واحدة]، ولو قال:

والله لا كلمتك غداً والله لا كلمتك غداً ولا بعد غد فكلمه غداً لزمته كفارتان ثم إن كلمه بعد غد فلا شيء عليه ولو لم يكلمه غداً وكلمه بعد غد فإنما عليه كفارة واحدة.
م: ووجه ذلك أنه لما حلف ألا يكلمه [غداً فقد انعقدت عليه في غد يمين فيها، ثم لما حلف ألا يكلمه] في غد ولا بعد غد فقد انعقدت عليه في بعد غد يمين غير اليمين الأولى؛ لأنه لما أضافها مع بعد غد ويمينه في بعد غد منعقدة وجب انعقادها عليهما جميعاً؛ لأنه لا يكون يمين منعقدة غير منعقدة، وهذا كمن قال لامرأته: إن تزوجتك فأنت طالق، ثم قال لها ولنساء معها: إن تزوجتكن فأنتن طوالق فإنه إن تزوجها لزمته طلقتان ولا ينوي؛ لأن اليمين الثانية انعقدت عليها مع غيرها فهي غير الأولى فلا ينوي أنه أراد الأولى بها، كما لو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم قال: لها إن كلمت زيداً فأنت طالق فحنث؛ ففيهما طلقتان، ولا ينوي أنه أراد باليمين الثانية الأولى، وكذلك يلزمه في اليمين بالله كفارتان.
ووجه قولنا: ثم إن كلمة بعد غد فلا شيء عليه لأني عجلت حنثه في ذلك بكلامه في غد، كما لو كانت يمينه: والله لا كلمتك غداً ولا بعد غد فكلمه في غد فعليه كفارة ثم إن

كلمة بعد غد فلا شيء عليه؛ لأني قد عجلت حنثه فيهما فلا يتكرر عليه الحنث في يمين واحدة؛ [وهذا بين.
ووجه قولنا: ولو لم يكلمه غداً وإنما كلمه بعد غد فإنما عليه كفارة واحدة]؛ لأنه حلف ألا يكلمه فيها وقد كلمه فوجب حنثه.
م: ولو كان إنما قال: والله لا كلمتك غداً أو بعد غد، ثم قال: والله لا كلمتك غداً وكلمه في غد؛ فهذا إنما عليه كفارة واحدة؛ لأنه إنما كرر اليمين في كلامه في غد فهو كما لو كرره فيهما جميعاً فقال: والله لا كلمتك غداً ولا بعد غد فكلمه في غد أو بعد غد؛ فإنما عليه كفارة واحدة، فهو بخلاف أن لو قال: والله لا كلمتك غداً ووالله لا كلمتك غداً ولا بعد غد فاعرفه وقيس عليه ما يرد عليك منه فإنه خفي من العلم، وقد اختلف في الوجه الأول أصحابنا؛ والذي اتفق عليه الحذاق والمحققون للمسائل ما قدمت لك وبالله التوفيق.

فصل ومن المدونة: قال مالك: ومن قال: والله لأقضينك حقك إلى حين وزمان أو دهر فذلك كله سنة.
وقال ابن وهب: إن مالكاً شك في الدهر أن يكون سنة.
وقال ابن عباس فيمن حلف ألا يكلم فلاناً حيناً قال: الحين سنة، وتلا: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾.
وقاله ربيعة وابن حبيب.
وقال ابن المسيب: الحين ستة أشهر من طلوع النحل إلى حين ترطب.
وروى مطرف عن مالك أن الدهر: أكثر من سنة.
وقال مطرف: وسنتان قليل، وما أوقت فيه وقتاً.
تم كتاب النذور الأول بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على محمد وآله.

كتاب النذور الثاني بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وسلام جامع القول في كفارة اليمين بالله تعالى للحر والعبد قال الله تعالى في كفارة اليمين بالله وهي التي أذن في اليمين بها: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ فجاز أن يطعم في الكفارة الوسط من المشبع وهو مد بمدة النبي عليه السلام، ولم يذكر في الظهار وسطاً، فعملنا فيه على الغاية وذلك مد بمد هشام وهو مدين إلا ثلث.
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير».
وروي: «فليأت الذي هو خير وليكفر».
قال ابن وهب: وكان ابن عمر ربما قدم الكفارة ثم حنث وربما حنث ثم كفر

قال ابن القاسم وابن وهب: وهذا الذي استحب مالك أن يكفر بعد حنثه وإن كفر قبل أجزأه.
قال ابن القاسم: واختلفنا في الإيلاء أيجزئ عنه إذا كفر قبل الحنث أم لا، فسألنا مالكاً عن ذلك؟ فقال: أعجب إلي أن يكفر بعد الحنث، وإن كفر قبله أجزأه، واليمين بالله أيسر من الإيلاء فهو أحرى أن يجزئ.
قال ابن القاسم: وإن كفر بالصوم معسر قبل حنثه ثم حنث بعد يسره فلا شيء عليه وهو مجزئ عنه.
ابن المواز قال ابن القاسم: ومن حلف بالله فأراد أن يكفر قبل الحنث فأما في يمينه لا أفعل كقوله: والله لا أكلم فلاناً؛ فأحب إلي أن يكفر بعد الحنث، فإن كفر قبله أجزأه لما جاء فيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن ابن عمر وذكر الحديث.
قال: وأما في يمينه لأفعلن كذا كقوله: والله لأضربن فلاناً، أو لأكلمنه فإن لم يضرب أجلاً فله أن يكفر ولا يفعل، وإن ضرب أجلاً فلا يكفر حتى يمضي الأجل،

كقول مالك فيمن قال: امرأته طالق واحدة إن لم يتزوج عليها أنه يطلقها واحدة ويرتجعها ولا شيء عليه، وإن ضرب أجلاً فقال لها: أنت طالق إن لم أتزوج عليك إلى شهر؛ فهو على بر ويطؤها ولا يطلقها حتى يأتي الأجل بحنثه.
وقد قيل في يمينه والله لأفعلن سواء ضرب أجلاً أو لم يضربه، إن له أن يكفر قبل الأجل ولا يفعل كيمينه لا أفعل كذا الذي هو فيه على بر، وكذلك من قال لامرأته: انت طالق طلقة إن لم أتزوج عليك وسواء وقت أجلاً أو لم يوقته، وكذلك في يمينه بالمشي أو بالعتق أو بالصدقة له أن يحنث نفسه ضرب أجلاً أو لم يضربه.
وقال ابن المواز: ولا يجوز أن يحنث نفسه إذا ضرب أجلاً؛ لأن الأجل يأتي بحنثه وقال لي عبد الملك وأصبغ، وهو قول ابن القاسم إلا أن يكون يمينه بالله فله أن يكفر قبل الحنث، والمستحب أن يكفر بعده، لأن الأشياء لا تقضي إلا بعد وجوبها وقاله مالك.
فصل ومن المدونة قال مالك: وإذا حنث العبد في اليمين بالله تعالى فالصوم له أحب إلى، وإن كسا أو أطعم بإذن سيده بما هو بالبين وفي قلبي منه شيء.

قال ابن القاسم: فإن فعل رجوت أن يجزئ عنه.
م: إنما استحب مالك للعبد الصوم لأنه غير مستقر الملك إذ للسيد انتزاع ماله ومنعه من التصرف فيه بالهبة والصدقة فهو بخلاف الحر في ذلك فلذلك منعه من الإطعام وإنما قال: وإن أطعم بإذن سيده فما هو بالبين، فلأن السيد أملك بماله عند كأنه هو المكفر عنه إذ لم يمكنه من ذلك إلا إلى الكفارة وتدخل هذه الكراهية فيمن كفر عن رجل بإذنه؛ لأنه لم يخرجه عن ملكه إلى بشرط كونه للمساكين فضارع ذلك شراء الرقبة بشرط العتق وإنما أجاز ابن القاسم الكفارة عن الرجل بإذنه؛ لأن النبي -عليه السلام- أعطى الواطئ في رمضان عرقاً من تمر فقال: «خذ هذا وتصدق به» وكان عديماً فكأنه لم يملكه إياه إلا ليتصدق به.
قال ابن حبيب: إذا أذن السيد لعبده أن يكفر بالإطعام أو الكسوة فترك ذلك وصام ولم يجزئه لأنه بالإذن خرج من أهل الصيام.
قال أبو محمد: وذلك يجزئه على مذهب المدونة، وإذن السيد ضعيف.
م: قال بعض شيوخنا: وإن أذن السيد لعبده في الإطعام ثم بدا له قبل أن يطعم كان له ذلك.

م: لأنه باق في ملكه حتى يخرجه؛ لأنه لو ضاع ماله كانت الكفارة باقية عليه، فلما كان ذلك باقياً في ملكه جاز للسيد انتزاعه ومنعه من التصرف فيه، وسواء عندي كان العبد قد حنث ووجبت عليه الكفارة أم لا للعلة التي قدمنا.
وقال بعض فقهائنا: إذا كان العبد قد حنث ووجبت عليه الكفارة لم يكن له منعه منه بعد الإذن ويصير ذلك كالنذر ينذره فيأذن له السيد أن يفعله فليس له أن يمنعه.
م: إن كان نذراً بصدقة فله منعه منه والله أعلم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وأما العتق فلا يجزئه في شيء من الكفارات وإن أذن له سيده إذ الولاء لسيده وصومه وفعله في كل كفارة كالحر.
م: لأن الله تعالى قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ ولم يفضل بين حر ولا عبد ولا رجل ولا امرأة فكان ذلك على عمومه فتساووا فيها وإنما يختلف أمرهما في الحدود والطلاق والأجل في الإيلاء والاعتراض والفقر فله في ذلك كله نصف ما للحر وذلك أن الله تعالى قال في الحدود: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ والطلاق

من معنى الحدود، ويجر إلى ما يجر إليها، وأجل المولى وغيره يجر إلى الطلاق، وإنما ألزم العبد طلقتين والأمة في العدة حيضتين؛ لأن الواحدة من ذلك لا تنقسم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو حنث العبد في رقة ثم كفر بالعتق بعد أن عتق أجزأه.
فصل قال مالك: وليس عليه أن يغربل الحنطة في ك فارة اليمين بالله إلا أن تكون مغلوثة بتبن أو تراب فتغرب.
والإطعام في ذلك مد قمح لكل مسكين عندنا بالمدينة؛ لأنه وسط عيشهم فأما سائر البلدان فإن لهم عيشاً غير عيشنا فليخرجوا وسطاً من عيشهم؛ كما قال الله تعالى.
وقال ابن القاسم: حيث ما أخرج مداً بمد النبي -عليه السلام 0 - أجزأه.
وكان ابن عمر يكفر عن يمينه [بإطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد من حنطة] وكان يعتق المرار إذا وكد اليمين.
ابن وهب: وكان يطعم مداً لكل مسكين: ابن عمر وابن عباس وابن عياش بن أبي ربيعة وجماعة من الصحابة والتابعين.

ابن المواز: وهذا بالمدينة لقصدهم ولبركة دعوة النبي -عليه السلام- في مدهم وصاعهم، ولو كفر به أحد في سائر الأمصار رجوت أن يجزيه.
وأفتى ابن وهب بمصر بمد ونصف، وأفتى أشهب بمد وثلث.
وقال ابن المواز: بمد وثلث وسط من عيش أهل الأمصار في الغداء والعشاء.
قيل لمحمد: فما جاء أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أعطى أكثر من ذلك؟ فقال: وإن كان فلم يقل عمر أنه لا يجزئ إلا هذا، وإنما يقتدي بالأقل في مثل هذا، كمن كان عليه صيام ثلاثة أيام فصام ستة فكذلك من أطعم أكثر مما وجب عليه، فمد لكل مسكين يجزئه، وما فضل ثوابه له إن شاء الله.
قال ابن المواز: ولا يعطي الذرة وهو يأكل الشعير ولا الشعير وهو يأكل البر ولو أعطى الشعير وهو يأكل الذرة أجزأه، وليس الذرة كالشعير ولا الشعير كالبر، وليعط من ذلك قدر ما بين ذلك وبين البر في الشبع، فإن أطعم خمسة مساكين البر ثم إلا السعر، أو انتقل إلى بلد عيشهم الشعير فأطعم خمسة من الشعير أجزأه.

ومن المدونة: ولا يجزئه عند مالك أن يخرج قيمة الطعام عرضاً.
قال مالك: وإن غدا أو عشا في كفارة اليمين بالله أجزأه.
وقاله القاسم وسالم.
قال مالك: ولا يجزئ غداً دون عشاء ولا عشاء دون غداء، قال: ويطعم الخبز مأدوماً بزيت ونحوه.
قال ابن حبيب: ولا يجزئه الخبز قفاراً ولكن بإدام زيت أو لبن أو لحم.
قال ابن عباس: أعلاه اللحم وأوسطه اللبن وأدناه الزيت.
قال: وإذا أعطي من الخبز؛ يريد: قفاراً قدر ما يخرج من كيل الطعام أجزأه في الفطرة والكفارة التي يطعم فيها طعاماً مصنوعاً وأما في الظهار وفدية الأذى فلا يجزيه.
ومن المدونة قال مالك: ويعطي الفطيم من طعام الكفارة.
قال ابن القاسم في كتاب الظهار ويعطي ما يعطى للكبير، وكذلك قال في العتبية يعطي الصغار من الطعام والكسوة مثل ما يعطي الكبير.
ومن المدونة قال مالك: ومن عليه يمينان فأطعم عن واحدة مساكين فأراد أن يعطيهم أيضاً عن يمينه الأخرى مكانه أو بعد أيام فلا يعجبني ذلك وإن لم يجد غيرهم فليطلب سواهم.

قال ابن المواز عن ابن القاسم: فإن فعل أجزأه إذا لم يجد غيرهم.
م: حكي عن أبي عمران الفاسي أنه قال: قال أبو محمد: إنما ذلك لئلا تختلط النية في الكفارتين، وأما لو صحت النية في كل كفارة وخلصت كل كفارة من الأخرى لجاز، وصوبه أبو عمران.
ومن المدونة قال يونس بن عبيد: إلا أن تحدث عليه اليمين الثانية بعد ذلك؛ فليعطهم في غد إن شاء الله.
قال ابن القاسم: ولا يعطي شيئاً من الكفارات لذمي أو عبد أو أم ولد لرجل وإن كان سيدهم محتاجاً فإن فعل وأعطي منها لمن فيه بقية رق ولم يعلم لم يجزه، وكذلك

الكسوة ولا يعطي إلا لحر مسلم فقير وإن أعطي لغني ولم يعلم به لم يجزه.
وفي الأسدية: إذا أعطى غنياً زكاة أو كفارة وهو لا يعلم به أنه يجزيه.
ومن المدونة قال مالك: ويعطى منها من له دار وخادم لا فضل في ثمنها عن سواهما كما يعطى من الزكاة.
قال مالك: ولا يعجبني أن يعطي منها لذي قرابة منه لا تلزمه نفقته فإن فعل أجزأه إن كان محتاجاً، وكذلك الزكاة وجميع الكفارات.

قال حماد بن زيد: يعطي منها أخاه إن لم يكن في عياله، ويعطي لقرابته إلا الغني منهم، وأما الأب -يريد: ومن تلزمه نفقته- فلا يعطيه.
فصل قال مالك: ومن حلف بالله فحنث فهو مخير في إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة مؤمنة ولا تجزئه الصوم وهو قادر على شيء من هذا كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ وقال ذلك يحي بن سعيد وابن شهاب.

قال ابن عباس وابن المسيب وغيرهما: كل شيء في القرآن فيه أو فصحابه مخير أي ذلك شاء فعل.
قال ابن عباس: وما كان فمن لم يجد يبدأ بالأول فالأول.
قال مالك: وإذا لم يقدر وكان من أهل الصوم صام ثلاثة أيام فإن تابعها فحسن وإن فرقها أجزأه، وكان أبي ابن كعب يقرأ: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَات﴾.

ابن مهدي: وكذلك في قراءة عبد الله، وكان عطاء وغيره لا يرى بتفريقهن بأساً.
قال مالك: وإن أكل أو شرب في صومها ناسياً قضاه، وإن حاضت فيه امرأة بنت إذا طهرت.
قال ابن القاسم: ولا يجزئه صوم الكفارة في أيام التشريق إلا أن يصوم آخر يوم منها فعسى أن يجزئه وما يعجبني أن يصومه، فإن صامه أجزأه، وذلك كناذر صومها أنه لا يصوم إلا اليوم الرابع منها.
قال ابن المواز: لا يجوز صومها وعليه قضاؤها، وقد سماها النبي -عليه السلام- أيام أكل وشرب.
وقال أشهب قال: وقد نهى النبي -عليه السلام- عن صيام أيام منى.

ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يجزئه الصوم وله مال غائب وليتسلف.
قال ابن المواز: قال أشهب: وقيل: إن كان مجيء الدين قريب انتظر، وإن وجد من يسلفه تسلف، وإن كفر بالصيام ولم ينتظر دينه؛ أجزأه الصوم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كان له مال وعليه دين مثله؛ أجزأه الصوم ولا يجزيه الصوم إن كان يملك داراً أو خادماً وإن قل ثمنهما كالظهار.
ابن المواز قال مالك: لا يصوم الحانث حتى لا يجد إلا قوته أو يكون في بلد لا يعطف عليه فيها.
وقال ابن مزين عن ابن القاسم: إن كان له فضل عن قوت يوم ما يطعم أطعم إلا أن يخاف الجوع وهو في بلد لا يعطف عليه فيها فليصم.

فصل ومن المدونة قال مالك: وإن كسا في الكفارة لم يجزئه إلا ما تحل الصلاة فيه ثوب للرجل، ولا يجزئ عمامة وحدها.
ابن مهدي: وقال سعيد بن المسيب: عمامة يلف بها رأسه وعباءة يلتحف بها.
ابن حبيب: يكسى قميصاً أو إزاراً يبلغ أن يلتف به مشتملاً.
ومن المدونة قال مالك: وتكسى المرأة درعاً وخماراً.
قال ابن القاسم في العتبية: وإن كسا صغار الإناث فليعط درعاً وخماراً كالكبيرة والكفارة واحدة لا ينقص منها الصغير ولا يزاد فيها الكبير.
قال عنه ابن المواز: ولا يعجبني كسوة المراضع على حال، وأما من أمر منهم بالصلاة فلا بأس أن يكسوه قميصاً بما يجزيه.
محمد: يعطيه كسوة رجل.
وقال أشهب: يعطي الإناث منهن إذا لم يبلغن الصلاة؛ ثوب رجل لكل واحدة فإذا بلغن وحضن فمثل النساء درعاً وخماراً.

فصل ومن المدونة قال مالك: ولا يجزئ أن يعتق في شيء من الكفارات إلا رقبة مؤمنة سليمة، ولا يجزئ من ليس بمسلم، ولم يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- القائل: علي رقبة بعتق السوداء حتى قال: لها «أتشهدين أن لا إله إلا الله؟» فقالت: نعم، فقال: «أتشهدين أني محمد رسول الله؟» قالت: نعم، قال: «أفتوقنين بالبعث بعد الموت؟» قالت: نعم، قال: «اعتقها».
وسئل -عليه السلام-: أي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها».
وسئل مالك عمن أعتق صغيراً في كفارة اليمين بالله؟ فقال: عتق من صلى وصام أحب إلي فإن أعتق فطيماً أو رضيعاً لقصر النفقة رجوت أن يجزئه، وكذلك إن أعتق أعجمياً.
قال سحنون: بعد إجابة الأعجمي إلى الإسلام.
قال ابن المواز في كتاب العتق: وروي عن ابن القاسم: إن أعتق أعجمياً قبل أن يسلم؛ فإن كان ممن يجبر على الإسلام أجزأه.
وقال أشهب: لا يجزئه حتى يجيب إلى الإسلام.

قال ابن المواز: وهذا أحب إلينا وهو مع ما روي عن مالك في عتق الأعجمي من قصر النفقة.
قيل: يعتق الصغير أبواه كافران ولم يبلغ أن يصلي ويصوم؟ قال: أجاز ابن القاسم إذا كان يريد أن يدخله في الإسلام.
ومن المدونة قال: ويجزئ في عتق كفارة اليمين بالله تعالى ما يجزئ في الظهار، وواجب الرقاب.
قال النخعي: يجزئ الرضيع في كفارة القتل.
قال ابن القاسم: ولا يجزئ مدبر ولا مكاتب ولا أم ولد ولا معتق إلى أجل عند مالك، ولا يجزئ أقطع اليد أو الرجل الواحد، وأما الأعرج فقد كرهه مالك مرة وأجازه مرة أخرى، وآخر قوله: لا يجزئ إلا أن يكون عرجاً خفيفاً.
قال ابن شهاب: ولا يجوز عتق الأعمى ولا مجنون ولا أبرص.
قال عطاء: ولا أشل ولا صبي لم يولد في الإسلام.
قال هو وربيعة: ولا يجزئ إلا رقبة مؤمنة صحيحة سليمة.
ومن كتاب الظهار: ولا يجزئ أقطع اليد الواحدة أو أصبعين أو أصبح أو الإبهامين أو الأذنين أو الأجذم أو الأبرص أو الأصم أو الأعمى ولا مفلوج يابس الشق، وأجاز غيره مقطوع الأصبع الواحدة أو من به برص خفيف، وأجاز مالك عتق الأعور في الظهار، وقاله النخعي والحسن.

ابن المواز: وقال عبد الملك: لا يجزئ الأعور.
قال ابن المواز: وأجاز أشهب عتق الأصم.
محمد: واختلف في عتق الخصي: فقيل: يجوز.
وقيل: لا يجوز.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يعجبني عتق الخصي في شيء من الكفارات.
قال مالك: ولا يجزئ أن يعتق أباه أو ولده أو من يعتق عليه إذا ملكه من ذوي القرابة كولد الولد والأجداد والأخوة؛ لأنه لا يقع عليه ملك، إنما يعتق عليه باشترائه إياه.
قال مالك: ولا أحب أن يعتق في واجب إلا ما كان يملكه بعد ابتياعه ولا يعتق عليه.
قال في كتاب الظهار: وكذلك عبد قال: إن اشتريته فهو حر فاشتراه فأعتقه عن ظهاره فلا يجزئه.
قال ابن المواز: ولو قال: إن اشتريته فهو حر عن يميني أو عن ظهاري أجزأه إن اشتراه لما ذكرنا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اشترى زوجته وهي حامل منه فأعتقها قبل أن تضع في شيء من الكفارات لم يجزئه؛ لأن مالكاً قد جعلها أم ولد بهذا الحمل حين اشتراها.

ومن كفر عن أحد يعتق عن أمره أو بغير أمره أجزأه؛ لأن مالكاً قال فيمن مات وعليه كفارة في ظهاره أو غيره فكفر عنه أهله أو غيرهم: أنه جائز.
وقال أشهب: لا يجزيه بغير أمره.
وفي كتاب محمد قال أشهب وقيل: لا يجزئه أمره أو لم يأمره وليس كالميت؛ لأن الميت لا يقدر له على أكثر من ذلك فلابد من النظر له فيما يتخوف عليه منه.
ومن المدونة قال مالك: أحسن ما سمعت في الرقبة الواجبة أنه لا يشتريها الذي يعتقها بشرط العتق؛ لأن تلك ليست رقبة تامة لما وضع عنه من ثمنها ولا بأس أن تشترى للتطوع، وقاله ابن عمر وفي كتاب الظهار أكثر معاني هذا الباب.
فصل قال مالك: ومن كسا وأطعم وأعتق عن ثلاثة أيمان بالله عليه ولم ينو لأحد الأيمان بعينه صنفا من ذلك أجزأه، وكذلك إن أعتق عبد عن أحد الأيمان بغير عينه أجزأه، وإن نوى بعتقه عن جميعهم لم يجزه.

ابن المواز: ولو نوى بالكسوة وبالإطعام وبالعتق عن جميع الأيمان أجزأه من الإطعام عن ثلاثة مساكين ومن الكسوة عن ثلاثة وليطعم سبعة ويكسو سبعة ويكفر عن اليمين الثالثة التي أشرك فيها العتق.
ومن المدونة: ولا يجزيه أن يكفر عن يمينه بإطعام خمسة مساكين وكسوة خمسة.
قال ابن المواز: اختلف فيه قول ابن القاسم فقال مرة: يجزيه، ومرة: لا يجزيه.
وقال أشهب: لا يجزيه.
قال ابن المواز: ويضيف إلى أيهم شاء من يتمه ويجزيه؛ لجواز التفرقة فيه، وقاله ابن القاسم.
م: وهذا أصوب لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فلا تكون إلا إطعاماً كلها أو كسوة كلها.
ومن المدونة قال: ولا يجزيه عند مالك إخراج قيمة الكسوة عيناً ولا إخراج الكفارة في بناء مسجد أو كفن ميت أو قضاء دين عليه أو معونة في عتق ولا يجزيه إلا فيما قال الله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.
وكره مالك أن يقبل الرجل هبة صدقته، أو يشتريها.

قال ابن القاسم: والذي يشتري كفارته أو توهب له أو يتصدق بها عليه أشد كراهية من ذلك.
قال في كتاب ابن المواز: وقيل: لا يفسخ شراؤه كفارته ولا زكاته ولا صدقته التطوع، وإن كان لا نحب له ذلك ولا الرجوع في شيء وجب لله أو تطوع به.
قال ابن المواز: إلا أن يرجع ذلك كله إليه بميراث فيجو.
فيمن حلف ليفعلن شيئاً أو لا يفعله هل يبر أو يحنث بفعل بعضه أو ما تولد منه أو ضارعه أو وقع عليه اسمه قال أبو محمد: ولما حرم الله ما نكح الآباء والأبناء حرمنا بأقل ما وقع عليه اسم نكاح وهو العقد دون الوطء، وكأن إباحة نكاح المبتوتة لمن أبتها إذا نكحت زوجاً غيره لا يحلها العقد دون ذوق العسيلة فدل بذلك أن ما يباح به الشيء أقوى مما يحظر به فكأن البر والحنث في عقد الأيمان مفترقاً؛ فمن حلف ألا يفعل شيئاً حنث بفعل بعضه؛ لأن ذلك البعض قد حلف عليه أن لا يفعله ففعله، وإن حلف ليفعلنه لم يبرأ إلا بفعل جميعه؛ لأن ما أبقى قد حلف عليه ليفعلنه فلم يفعله، وكذلك من حلف على فعل

شيء أو تركه دخل في اليمين ما وقع عليه اسم المذكور إلا أن تقع النية فيفعل ما يجب قبوله، وذلك مذكور في مواضعه.
فصل والأيمان في الفتوى على أربعة أقسام: فأول ذلك أن ينظر إلى نية الحالف إن لم تكن له نية نظر إلى بساط يمينه على ما جرت؛ فإن عدما جميعاً نظر إلى عرف الناس ومقاصدهم في أيمانهم فحمل على ذلك، فإن لم يكن ذلك كله أعطي لفظ يمينه حقه في اللغة وحمل على ذلك.
قال ابن الماجشون في الواضحة: ينبغي صرف اللفظ إلى معنى مخارجه وإلا بطلت الأمور؛ قال الله سبحانه ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ وقال: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ فهذا أمر، والأول نهي واللفظ سواء، وهذا في القرآن كثير.
ومن المدونة قال مالك فيمن حلف ألا يأكل من هذا الرغيف: حنث بأكل بعضه، وإن حلف ليأكلنه لم يبر إلا بأكل جميعه.
قال ابن القاسم: وإن حلف ليأكلنه اليوم فأكل اليوم نصفه وفي غد نصفه حنث.
وإن حلف ألا يهدم هذه البئر حنث بهدم حجر منها إلا أن ينوي هدم جميعها، وإن حلف

ألا يفعل فعلين حنث بفعل أحدهما: وإن حلف ألا يأكل خبزاً وزيتاً أو خبزاً وجبناً حنث بأكل أحدهما إلا أن ينوي جميعهما فلا يحنث.
وفي كتاب الن المواز: قال: أشهب: وقيل: لا بأس بأكل أحدهما.
م: إنما يستقيم هذا إذا نوى ألا يجمع بينهما، فإن لم تكن له نية؛ فالصواب أن يحنث بأكل أحدهما.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حلف ألا يأكل طعاماً كذا أو لا يشرب شرباً كذا فذاقه فإن لم يصل إلى جوفه لم يحنث.
ومن كتاب ابن المواز قال: ابن القاسم ومن حلف ألا يشرب خمراً فما شرب من الأنبذة الني يسكر كثيرها مثل السكركة والمطبوخ وغيره؛ فهو حانث، ولا ينفعه ألو حلف ألا يشرب الخمر بعينها قال مالك: كل ما خمر فهو خمر.
ابن المواز: وقد كان ابن القاسم قديماً يقبل نيته إذا جاء مستفتياً وليس ذلك بشيء، ولو كانت النية تنفعه لنفعه لفظه بإفصاحه بالخمر بعينها.

قال مالك: وكذلك لو حلف ألا يشرب الخمر وقال: أردت خمر العنب.
وقاله ابن القاسم، نحن نقوله حتى يقول: خمر العنب إفصاحاً ولفظاً فيدين في يمينه.
قال: ومن حلف أن لا يحضر عرساً أبداً فعرس بعض إخوانه وفرغ من عرسه وصنيعه فصنع بد ذلك طعاماً فدعاه إليه فإن كان ذلك الطعام من أجل ذلك العرس أو كان إنما صنعه لمكان ما لم يحضر من عرسه أو صنيعه بحداثة العرس، وإن لم يكن لذلك سبب فلا يدخله، وإن كان إنما صنعه لغير ذلك ولا بحدثان العرس فلا بأس به.
قال: ومن حلف بحرية عبده ألا يبعه فغصب منه فنقص عند الغاصب بأمر من الله، أو بجناية من الغاصب فأغرمه قيمة العبد فهو حانث، وإن أخذ العبد وأخذ ما نقصه لم يحنث.
م: يريد: وكذلك لو هلك بيد الغاصب وكانت يمينه بعتق عبده أو بطلاق امرأته فأخذ منه قيمته لم يحنث؛ لأن ذلك ليس بيع، كأخذه قيمة أم الولد والمدبر إذا قتلا ولا يجوز بيعهما.

قال ابن المواز: ومن حلف ألا يبيع دابته حتى تأكل الربيع فأكلت منه يوماً أو يومين فلا شيء عليه في بيعها إلا أن تكون له نية.
وقال أصبغ: ليس هذا الذي أراد بيمينه وهو حانث حتى يكون له الأمر الذي له القدر والبال والنفع به إلا أن تكون له نية في مثل اليوم واليومين وهو كمن حلف ليهدمن البئر فهدم منها حجرين أو ثلاثة فلا يبر إلا بهدم جميعها، أو هدم فساد وبطلان لها إلا أن تكون له نية.
فصل ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يأكل هذا الدقيق أو هذه الحنطة [أو من هذه الحنطة فأكلهما بحالهما، أو أكل خبزاً منهما أو سويق الحنطة] حنث؛ لأن هذا هكذا يؤكل، ولا يؤكل ما اشترى من ثمنهما من طعام ولا ما أنبتت الحنطة إن نوى وجه المن، وإن كان لشيء في الحنطة من رداءة أو سوء صنعة في الطعام لم يحنث بأكل ما ذكرنا.
ابن المواز وقيل: لا شيء عليه في ثمنهما ولا ما أنبتت.

ومن المدونة: وإن حلف ألا يأكل من هذا الطلع فأكل بسره أو رطبه أو تمره؛ حنث إلا أن ينوي الطلع بعينه.
ابن المواز وقال أشهب: أستحسن في الطلع ألا يحنث بأكل بسره لبعد البسر والرطب من الطلع في الطعم والاسم والمنفعة.
م: كالخل من العنب.
ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يأكل من هذا اللبن فأكل من زبده أو جبنه حنث إلا أن تكون له نية، وإن حلف ألا يأكل بسر هذه النخلة أو بسراً منها فأكل من بلحها لم يحنث.
ابن المواز: وكذلك لو حلف ألا يأكل رطباً لم يحنث بأكل البسر وهذا لا اختلاف فيه وإنما الاختلاف في أن يأكل مما يخرج من الذي حلف عليه فلم يره ابن القاسم إلا في خمسة: في الشحم من اللحم والنبيذ من التمر والزبيب، والعصير من العنب، والمرق من اللحم، والخبز من القمح، وأما سوى ذلك فلا شيء عليه فيما يخرج من المحلوف عليه إلا أن يقول: منه فيلزمه ذلك، هذا مذهب ابن القاسم وروايته.

ابن المواز: فيمن حلف ألا يأكل زبيباً ولا تمراً فشرب نبيذهما فهو حانث إلا أن تكون له نية، وكذلك العنب لا يشرب عصيره ولا بأس بخل ذلك كله.
ومن حلف ألا يأكل لحماً فلا يشرب مرقه ولا تنفعه فيه نية إن ادعاها؛ لأن المرق لحم بما قد صار فيه من اللحم وذب وتقطع وتهرأ.
ومن حلف ألا يأكل لحماً فأكل شحماً حنث؛ لأن الشحم يخرج من اللحم من قرب اسمه ومنافعه.
قال: وقد قيل في القمح مثل ذلك أن من حلف ألا يأكل قمحاً فلا يأكل خبز قمح ولا سويقه لقربهما من القمح، وليس يراد من القمح إلا الخبز وما يصرف إليه وهو الغالب إلا أن تكون له نية؛ أي؛ لأنه ينبت التالول ونحوه، وقيل: ليس القمح من ذلك وأن من حلف ألا يأكل هذا القمح فأكل منه خبزاً فلا شيء عليه إلا أن يقول: من هذا القمح أو من هذا الدقيق فيأكل من ذلك خبزاً أو سويقاً فيكون حانثاً.
قال محمد: وهذا أجود.
قال: وأما من حلف ألا يأكل هذا اللبن، أو قال: لبناً؛ فلا بأس أن يأكل من زبده وسمنه وجبنه إلا أن يقول: من هذا اللبن فيحنث بأكله لما تولد منه، وكذلك لو

حلف ألا يأكل رطباً فليأكل تمراً، [أو حلف ألا يأكل عنباً فليأكل زبيباً] أو حلف ألا يأكل عسلاً فليأكل رُبّه، إلا أن يقول: من هذا الرطب أو من هذا العسل فيحنث بأكل ما تولد منه.
[وفي كتاب محمد فيمن حلف ألا يأكل قصباً فلا بأس أن يأكل عسل قصب.
قال أبو إسحاق: فما الفرق بين هذا وبين من حلف ألا يأكل تمراً فشرب نبيذ تمر؟].
وكذلك إن حلف: ألا يشرب لبن هذه الشاة فليأكل من زبدها وسمنها إلا أن يقول: من لبنها فلا يأكل ما تولد منه وسواء خرج ذلك من اللبن قبل يمينه أو بعد يمينه فإنه يحنث بأكله إلا أن يكون له سبب فيحمل على ذلك.
قال أحمد بن ميسر: وقد اختلف في الحالف ألا يأكل من هذه الشاة فأكل من نسلها.

قال ابن المواز: وإن قال: لا أكلت من هذه الشاة فأكل من زبدها أو لبنها فلا شيء عليه إلا أن يكون نوى ذلك.
م: يريد: لأنه إنما حلف ألا يأكل من لحمها ولحمها لا يتولد منه لبناً ولا زبداً، فهو كمن حلف ألا يأكل من اللحم فلا بأس أن يأكل من اللبن والزبد، وهو بخلاف ألو قال: لا أكلت من لبنها؛ وهذا كله مذهب ابن القاسم، أن لا يحنث بأكل ما تولد عمها حلف عليه إلا أن يقول: منه إلا في الشحم والمرق من اللحم والنبيذ من التمر والزبيب والعصير من العنب والخبز من القمح فإنه يحنث وإن لم يقل منه.
وقال ابن وهب في الحالف على البسر يأكل الرطب أو التمر أو على الزبيب فيأكل السمن أنه حانث وإن لم يقل منه بمنزلة الشحم من اللحم.
يريد: وكذلك كل متولد عن المحلوف عليه فإنه يحنث بأكله عنده وإن لم يقل منه.
وقال ابن حبيب: إذا حلف ألا يأكل رطباً أو زهوراً فله أكل التمر، وكذلك إن قال: عنباً فله أكل الزبيب، وأما إن قال: هذا الرطب أو رطب هذه النخلة؛ فإنه

يحنث بأكل تمره، وكذلك هذا العنب أو عنب هذا الكرم؛ فإنه يحنث بأكل زبيبه، وسواء قال: من هذا الرطب أو قال: هذا الرطب ولم يقل منه، ولو قال: من هذه النخلة رطباً فليأكل منها تمراً، وكذلك من هذا الكرم عنباً لا يحنث بأكل زبيبه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حلف ألا يشرب هذا السويق فأكله؛ حنث إلا أن ينوي الشرب لما يعرض منه من نفخ وغيره فلا يحنث إذا أكله، وإن حلف ألا يأكل هذا اللبن فشربه؛ حنث إلا أن تكون له نية، وإن حلف ألا يأكل سمناً فأكل سويقاً لت بسمن؛ حنث وجد طعمه وريحه أم لا إلا أن ينويه خالصاً.
ابن المواز قال أشهب: وقيل: ينظر إلى سبب يمينه فإن كان لمضرة السمن له فهو حانث؛ لأنه يتقي منه ما يتقي من الخالص، وإن كان إنما قيل له: إنك تشتهي السمن ولا تصبر عنه، فحلف عن ذلك فلا شيء عليه إن أكل سويقاً لت به.
ومن المدونة: وإن حلف ألا يأكل خلاً فأكل مرقاً فيه خلٍ؛ فلا يحنث إلا أن يكون أراد ألا يأكل طعاماً دخله الخل.

ابن المواز: وقاله أشهب.
قال ابن المواز: وأحب إلي أن يحنث إلا أن تكون له نية، وقاله سحنون وأصبغ.
[قال أبو إسحاق: والأشبه أنه حانث؛ لأن غايته أن يؤكل مطبوخاً ونيئاً].
قال إسماعيل القاضي في المبسوط: إنما فرق ابن القاسم بين السمن والخل؛ لأن السمن الملتوت به السويق هو على حالته وإنما ألزق بالسويق إلزاقاً.
قال غيره: ألا ترى أنه يقدر على استخراجه بالماء الحار؛ لأنه يصعد فوقه فيجمع ولا يقدر على استخراج الخل أبداً.
قال إسماعيل: وأما الخل فقد انتقل عن الخل بما خالطه من الصنعة وصار اسمه غير اسمه ومعناه غير معناه ولكن لو حلف ألا يأكل هذا الخل بعينه فإنه متى أكل منه شيئاً في قدر أو غيرها وقد استحال أو لم يستحل فهو حانث.

قال سحنون: ومن حلف ألا يأكل زعفراناً فأكل طعاماً فيه زعفران حنث ولم ينو؛ لأن الزعفران لا يؤكل إلا هكذا ولا يؤكل وحده.
ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يأكل لحماً فأكل شحماً حنث؛ لأن الشحم يخرج من اللحم مع قرب اسمه ومنافعه إلا أن تكون له نية في اللحم دون الشحم.
قال: وسواء كان شحم ثرب أو غيره.
وإن حلف ألا يأكل شحماً لم يحنث بأكل اللحم؛ لأن اللحم لا يخرج من الشحم [ولا يدخل اللحم في اسم الشحم].
قال أبو محمد: اللحم مع الشحم يقع عليه اسم لحم فقد دخل الشحم في اسم اللحم ولا يدخل اللحم في اسم الشحم منفرداً ولا مجتمعاً معه، وقد حرم الله سبحانه لحم الخنزير، يريد فناب ذكره للحمه عن ذكره لشحمه؛ لأنه يدخل تحت اسم اللحم، وحرم الله سبحانه على بني إسرائيل الشحوم بقوله تعالى: {حَرَّمْنَا

عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} فلم يقع عليهم بهذا تحريم اللحم ولم يدخل في اسم الشحم، فلهذا فرق مالك بين الحالف في الشحم والحالف في اللحم.
ومن المجموعة قال ابن القاسم: والحالف على اللحم يحنث بكل ما أكل من الشاة من رأس أو كرش أو معا أو دماغ أو غيره وإن حلف على الرأس أو على الكرش لم يحنث بأكل اللحم، والحالف على اللحم يحنث بأكل القديد، والحالف على القديد لا يحنث بأكل اللحم.
ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يأكل لحماً فأكل لحم حوت،- محمد: أو لحم طير-؛ حنث؛ لأن الاسم يجمع ذلك قال الله تعالى: ﴿لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾، وقال: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ إلا أن تكون له نية فله ما نوى، وإن حلف ألا يأكل رؤوساً أو بيضاً فأكل رؤوس السمك أو بيض السمك أو بيض الطير سوى الدجاج؛ حيث إلا أن تكون له نية أو ليمينه باسطاً فيحمل عليه.

وقال أشهب في المجموعة: لا يحنث في اللحم والرؤوس إلا أن يأكل لحم الأنعام الأربع ورؤوسها؛ لأن عليها يقع أيمان الناس إلا أن ينوي اللحوم كلها من طير وحوت وغيره، وأما البيض فيحنث بكل بيض أكله استحساناً وليس بقياس.
والفرق بين ذلك بعد ما بين رؤوس الضأن والطير وقرب ما بين بيض الدجاج والطير ومنه ما يشبهه في الخلق والطعم.
وقال ابن حبيب: لا يحنث في الرؤوس بأكل رؤوس الحيتان والجراد إلا أن ينوي ذلك، وفي البيض يحنث بأكل بيض الطير، ولا يحنث ببيض الحوت حتى ينويه.
م: وقول ابن حبيب هذا أقيس؛ لأنا إذا عدمنا النية والبساط نظرنا إلى عرف الناس ومقاصدهم في أيمانهم، والمعهود في الرؤوس عند الناس رؤوس الأنعام، وكذلك في البيض بيض الطير لا رؤوس السمك وبيضها.
وقول ابن القاسم ومالك أحوط، ولأن الاسم يقع على جميع ذلك وبه أقول.
م: ورأى أن النية تنفعه على قول مالك هذا إذا قال: لم أرد لحم السمك ولا رؤوسها ولا بيضها ولا رؤوس الطير، وإن كانت على يمينه بالطلاق بينة للمعهود من مقاصد الناس.
قال أبو محمد: ومن حلف ألا يأكل إداماً فما ثبت في معرفة الناس أنه إدام فلا يأكله، قال: ولا أرى الملح من الإدام، وإن كان قد قاله بعض العلماء وأحنثه به.

قال ابن حبيب: ومن حلف ألا يأكل فاكهة ولا نية له فلا يأكل رطباً منها ولا يابساً ومن الفاكهة تمر النخل والأعناب والرمان وشبهه وخص الفواكه من قثاء وبطيخ وخريز وقصب وأخضر الفول والحمص والجلبان إلا أن تكون له نية خص بها نوعاً أو بساط يدل على ما ذكر.
وذكر ابن المواز نحو قول ابن حبيب في الفاكهة، وقال: إذا حلف على يابسها ورطبها.
م: وهذا أجود إنما يحنث في اليابس والرطب إذا ذكره والله أعلم.
قال ابن حبيب: وإن حلف ألا يأكل خبزاً حنث بأكل الكعك، وإن حلف ألا يأكل كعكاً لم يحنث بأكل الخبز؛ لأن هذا أخص، والأول أعم.
ومن كتاب ابن المواز وغيره: ومن حلف ألا يأكل غنماً حنث بأكل الضأن والمعز؛ لأن الاسم يجمعهما، وإن حلف على أحدهما من معز أو ضأن لم يحنث بأكل الآخر؛ للاسم الخاص به، وكذلك من حلف ألا يأكل دجاجاً فأكل دجاجة أو ديكاً حنث للاسم الجامع، وإن خص أحدهما فحلف ألا يأكل ديكاً لم يحنث بأكل دجاجة، أو حلف الا يأكل دجاجة لم يحنث بأكل ديك.

قال ابن المواز: ومن حلف ألا يأكل كباشاً أو لحم كباش فلا يأكل لحم النعاج صغارها وكبارها؛ لأنها داخلة في الاسم، ولو حلف ألا يأكل كبشاً ولم يقل كباشاً لم يحنث بأكل الصغار ذكوراً أو إناثاً؛ لأنه لا يقال للصغير كبش.
قال م: وكذلك عندنا لو قال: كباشاً لم يحنث بأكل الصغار ولا الإناث الكبار لأن الاسم الأخص عندنا في الكباش كبار الذكور وذلك جمع كبش، وإنما حنثه محمد فيما يرى؛ لأنه اسم جامع عندهم والله أعلم.
وأما عرف بلدنا فبخلافه.
قال ابن المواز: وإن حلف ألا يأكل نعجة أو نعاجاً فلا بأس بصغار الذكور والإناث وكبار الذكور، وإن حلف ألا يأكل خروفاً فلا بأس بلحم الكبش الذي خرج من حد الخرفان، وإن حلف ألا يأكل خرفاناً فلا يأكل العتدان؛ لأنها عند الناس خرفاناً، ووقف عنها محمد.
م: والاسم الأخص عندنا في الخرفان صغار الضأن.

جارٍ التحميل