ونظر -عليه السلام- في حج الوداع إلى رجلين نذراً أن يمشيا في قران، فقال لهما: «حلا قرانكما وامشيا إلى الكعبة وأوفيا نذركما».
ونظر -عليه السلام- إلى رجل نذر أن يمشي إلى الكعبة القهقري فقال: «مروه فليمش لوجهه».
قال ابن القاسم عن مالك: وإن قال إن فعلت كذا فأنا أحمل فلاناً إلى بيت الله تعالى فحنث؛ فإنه ينوي فإن أراد التعب بحمله على عنقه حج ماشياً وأهدى وليس عليه إن حج بالرجل، وإن لم ينو ذلك حج راكباً بالرجل معه ولا هدي عليه، فإن أبى الرجل أن يحج؛ حج الحالف وحده راكباً، ولا شيء عليه في الرجل.
قال علي عن مالك: وإن نوى إحجاجه من ماله فلا شيء عليه هو إلا إحجاج الرجل، فإن أبى الرجل الحج فلا حج على الحالف.
م: وقول علي هذا ليس بخلاف لابن القاسم؛ لأنه إذا نوى إحجاجه معه من ماله فقد بين أنه لم يجعل على نفسه حجة.
م: قال بعض شيوخنا: وإذا قال: أنا أحمله وأراد التعب بذلك على عنقه؛ أمرنا أن يحج ماشياً ويهدي، فالهدي في هذا مستحب كقول مالك فيمن حلف أن يمشي إلى بيت الله حافياً راجلاً قال فيه: إن أهدى فحسن وإن لم يهد فلا شيء عليه.
قال في الكتاب: وإن لم يرد حمله على عنقه فليحج راكباً ويحج بالرجل معه ولا هدي عليه.
م: قال بعض فقهائنا: إنما يصح أن يكون عليه الحج بنفسه إن قصد ذلك، وإن لم تكن له نية في الحج بنفسه فليس عليه إحجاج الرجل.
م: وأنا أقول: إن لم تكن له نية؛ أنه يلزمه هذا الحج؛ لأن ظاهر لفظه أنه أراد السير معه إلى بيت الله، ويدل على الحج يلزمه قوله في الكتاب: وقوله: أنا أحج بفلان أوجب من قوله: أنا أحمله لا يريد على عنقه.
وقول علي أنه أيضاً إن نوى إحجاجه من ماله فليس عليه إلا إحجاج الرجل.
م: يدل قوله: إن لم ينو ذلك حج هو والرجل، وكذلك قول يحيى بن سعيد في التي قالت في جارية ابنها: إن وطئها الابن فأنا أحملها إلى بيت الله، فوطئها ابنها؛ أنها تحج وتحج بالجارية معها.
م: كأنهم حملوا قوله: أحمله؛ الذهاب معه، فإذا لم تكن له نية لزمه الذهاب أيضاً به والله أعلم.
قال ابن القاسم: وكذلك قوله: أنا أحج بفلان إلى بيت الله؛ فإنه أوجب من قوله: أحمله لا يريد على عنقه، وحجه به طاعة فإن أبى الرجل الحج فلا شيء عليه فيه.
م: وحكي عن الشيخ أبي الحسن أنه قال: إنما قوله أنا أحج بفلان أوجب من قوله: أحمله، في إلزامه هو [الحج؛ لأن قوله: أنا أحمل فلاناً يحتمل أن يحمله من ماله ولا يخرج هو، وقوله: أنا أحج بفلان لا يحتمل ذلك، والجواب فيها واحد].
ومن المدونة قال مالك: فيمن قال: أحمل هذا العمود أو هذه الطنفسة ماشياً أو غيره إلى مكة، طلب بذلك المشقة على نفسه؛ فيحج ماشياً، أو يعتمر غير حامل شيئاً ويهدي.
ابن المواز قال مالك: فإن لم يقدر على المشي فركب لما عجز؛ فليس عليه غير هدي واحد وليس هذا من الأمور التي مضت فيها سنة.
قال: وإن كان ذلك الشيء مما يقوى على حمله؛ حج راكباً أو اعتمر ولا شيء عليه فيما ترك من الحمل وإن كان مليئاً.
ومن المدونة ابن وهب وقال يحيى بن سعيد: في امرأة قالت في جارية ابنها إن وطئها الابن فأنا أحملها إلى بيت الله فوطئها الابن.
قال: تحج بها وتذبح ذبحاً؛ لأنها لا تستطيع حملها.
م: لعله يريد إذا لم تكن بها نية في حملها أو إحجاجها؛ فلذلك أوجب عليها ما يجب في الوجهين الإحجاج والهدي لحملها وهو خلاف ما تقدم لمالك.
وقال إبراهيم النخعي: من قال: أنا أهدي فلاناً على أشفار عيني فليحجه ويهدي بدنة.
يريد: ولا يحج هو.
فصل
قال مالك: ومن قال: علي المشي إلى بيت الله إلا أن يبدو لي وإلا أن أرى خيراً من ذلك؛ فعليه المشي ولا ينفعه استثناؤه.
يريد: إلا أن يضمن يمينه بفعل فينفعه.
قوله: إلا أن يبدو لي.
يريد: إلا أن يبدو لي في الفعل، وكذلك هذا في يمينه بالطلاق والعتاق.
[ولو قال: أنت طالق إن شئت فكان ذلك كله له جائز، إلا أن هذا لم يقع طلاقاً وإنما تقدير قوله: إن شئت فأنت طالق وهو لم يشأ بعد، فأشبه بع، فأشبه قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، ولو قال: أنت طالق إلا أن يشاء؛ لأوجب عليه الطلاق، وكان مثل قوله: إلا أن يبدو لي لأنه أوقع طلاقاً وأبقى لنفسه رده متى أراد، وذلك لا يصح ولو على الطلاق والمشي بفعل يصح استثناؤه في الفعل].
قال إسماعيل القاضي في المبسوط: هذا الذي حكاه ابن القاسم أن مالكاً قال: الاستثناء في المشي إنما هو أن يقول: علي المشي إلا أن يشاء الله، ولا يشبه هذا قوله: علي المشي إلا أن يبدو لي، وإلا أن أرى خيراً من ذلك.
م: واستحسن ذلك بعض فقهائنا وقال: وأما قوله: إلا أن يبدو لي، وإلا أن أرى خيراً من ذلك؛ إلا كقوله إلا أن يشاء فلان، أو إلا أن يرى فلان، فرد ذلك إلى نفسه كرده إلى فلان، فكما لا يرزمه إذا لم يشاء فلان فكذلك لا يلزمه إذا لم يشأ هو.
قال مالك: ولا ثنيا في طلاق ولا عتاق ولا صدقة ولا مشي.
ولو قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى إن شاء فلان؛ فلا شيء عليه حتى يشاء فلان، وكذلك هذا في الطلاق والعتاق.
[قال أبو إسحاق: لأن هذا أمر لا يحكم عليه به فالقول قوله فيما يدعي أنه أراده.
واختلف لو حلف به في حق أو وثيقة:
فقيل: القول قوله أيضاً بكل حال؛ لأنه لا يقضى عليه.
وقيل: لا ينتفع بنيته التي يدعيها إذا كان في حق أو وثيقة، وإن كان لا يقضى عليه بالمشي؛ لأن يمين من حلف على هذا في حق أو وثيقة إنما يكون على نية المحلوف له، ولا على نية الحالف، وهو مذهب أصبغ؛ لأن المحلوف له قصد الاستئناف منه وأن يضيق عليه، فإذا قصد الحالف ما يسقط يمينه لم يلتفت إلى قصد على مذهب هذا القول؛ لأنه قد طاع فإعطاء الوثيقة، وما ذكره ليس بوثيقة للذي له الدين.
واختلف أيضاً: لو كانت يمينه في حق أو وثيقة بطلاق أو عتق:
فقيل: ينوى فيه.
وقيل: لا ينوى.
والقياس لعمري في هذا: لا ينوى؛ لأن يمينه في حق، أو وثيقة، كشهادة البينة عليه بظواهر ألفاظ يدعي ما يسقطها فلا يقبل منه].
فصل
قال مالك: ومن قال: علي المشي إلى بيت الله ينوي مسجداً من المساجد؛ فله نيته، وإن لم تكن له نية فعليه المشي إلى مكة.
قال ابن القاسم: وإن قال: علي المشي ولم يقل إلى بيت الله؛ فإن نوى مكة مشى إليها وإن لم ينو ذلك فلا شيء عليه.
وقال أشهب: عليه المشي
قال مالك: ومن حلف بالمشي إلى مسجد الرسول أو مسجد بيت المقدس فحنث فليأتها راكباً، وإنما يمشي من قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى.
قال إسماعيل القاضي: لأن الرجل إذا قال: علي المشي إلى بيت الله؛ فظاهر قوله يدل على أنه أوجب على نفسه الحج ماشياً أو العمرة، وإن لم يكن له نية في أحدهما بعينه فقد أوجب على نفسه أن يأتي البيت محرماً، والإحرام لا يكون إلا بأحدهما فله أي ذلك أحب؛ إن شاء كان مشيه في حج وإن شاء في عمرة، والمشي والركوب في الحج والعمرة طاعة، فإذا أوجب المرء على نفسه أحدهما لزمه ذلك، فإذا جعل الرجل على نفسه المشي إلى بيت المقدس أو مسجد المدينة؛ لزمه أن يأتي ذلك إن شاء راكباً وإن شاء راجلاً، ولم يلزمه المشي؛ لأن المبتغى في مسجد المدينة ومسجد بيت المقدس الصلاة فيهما؛ لما في ذلك الفضل على سائر مساجد البلدان إلى مسجد مكة، ولولا ذلك ما لزمه إتيانهما؛ فألزمناه ما جعل
على نفسه من فضيلة الصلاة التي هي طاعة، ولم يلزمه المشي إذ لا طاعة فيه.
ولو جعل على نفسه المشي إلى مسجد مكة يريد الصلاة فيه دون الإحرام؛ لكان كذلك، ويركب إن شاء.
ومن المدونة قال مالك: ولو قال له علي أن آتي المدينة أو بيت المقدس، أو علي المشي إلى المدينة إلى بيت المقدس؛ فلا يأتيهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما، أو يسميهما فيقول: إلى مسجد الرسول ومسجد بيت المقدس، وإن لم ينو الصلاة فيهما؛ فليأتهما راكباً ولا هدي عليه، وكأنه لما سماها قال: لله علي أن أصلي فيهما.
وابن وهي يرى أن يأتيهما ماشياً.
وقال غيره: إن كان بينه وبين الأميال اليسيرة؛ فليأتهما ماشياً والمشي -ضعيف، وقاله أصبغ.
ومن المدونة قال مالك: ولو نذر الصلاة في غير هذه الثلاثة مساجد لم يكن عليه أن يأتيه مثل قوله: علي المشي إلى مسجد البصرة، أو مسجد الكوفة فأصلي فيه أربع
.................................
ركعات؛ فليصل بموضعه أربع ركعات ولا يأتيه لقول الرسول عليه السلام: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد فذكر مسجده ومسجد إلياء والمسجد الحرام).
قال ابن المواز: وقد قيل: إلا أن يكون ذلك المسجد قريباً منه مثل الأميال اليسيرة فليأته ماشياً، يصلي فيه كما جعل على نفسه، والمشي في ذلك ضعيف.
وقال ابن حبيب: إن كان المسجد الذي نذر أن يأتيه ماشياً: معه في موضع، ومثل مسجد جمعته، أو مسجده الذي يصلي فيه الصلوات؛ فيلزمه أن يمشي إليه ويصلي فيه ما
نذر وقاله مالك، وألزم ابن عباس من جعل على نفسه مشياً إلى قباء وهو بالمدينة: أن يمشي إليه.
قال ابن حبيب: لأن النبي -عليه السلام- كان يأتيه ماشياً وراكباً ويصلي فيه وهو على ثلاث أميال من المدينة.
ومن المدونة قال مالك: ومن نذر أن يرابط أو يصوم بموضع يتقرب بإتيانه إلى الله سبحانه كعسقلان والإسكندرية لزمه ذلك فيه وإن كان من أهل مكة والمدين'.
فصل
قال ابن القاسم: لا يلزم المشي في قول مالك إلا لمن قال: علي المشي إلى مكة أو بيت الله أو المسجد الحرام والكعبة.
قال ابن القاسم: أو الحجر الأسود أو الركن، وأما غير ذلك كقوله: إلى الصفا والمروة أو منى أو عرفات أو المزدلفة أو ذي طوى أو الحرم أو إلى غير ذلك من جبال الحرم فلا يلزمه شيء.
م: وإنما لزم المشي من قال: إلى مكة، أو إلى المسجد الحرام؛ لأن ذلك يحتوي على البيت، والبيت لا يؤتى إليه إلا في حج أو عمرة، والمشي والإتيان في ذلك طاعة؛ وإنما لم يلزمه ذلك إذا قال: إلى الحرم؛ فإن كان ذلك يحتوي على البيت كما تحتوي عليه مكة؛ لأن الذي يقول: إلى مكة؛ جرت مقاصد الناس فيه أنهم يريدون بمكة: البيت، وإذا لم تكن له نية حمل أمره على قصد الناس ولو نرى بيوت مكة؛ لم يلزمه شيء إلا أن تكون يمينه على وجه التوثقة، فلا يجزيه النية حتى يسمي بيوت مكة؛ لأن يمينه على نية من استحلفه، وأما إذا قال: علي المشي إلى الحرم؛ فلا مقصد فيه للناس ولا عادة.
فإذا لم تكن له نية؛ أعطي اللفظ حقه في اللغة: فيحمل على أوائل الحرم؛ لأنه أقل ما يتناوله
الاسم؛ ولأن إلى للانتهاء عندهم؛ فلا يلزمه الإتيان إليه لقوله عليه السلام: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد) وليس الحرم من ذلك ولا جباله إلا أن ينوي ما في الحرم من البيت فيلزمه، فهذا فرق ما بين ذلك عند ابن القاسم والله أعلم.
قال ابن حبيب: وإن قال علي المشي إلى الحجر أو إلى الحطيم أو زمزم؛ لم يلزمه ذلك عند ابن القاسم، ويلزمه عند أصبغ.
قال أبو محمد: إن قال: إلى الحطيم؛ لزمه ذلك على مذهب ابن القاسم في المدونة.
يريد: وكذلك الحجر الأسود.
قال أبو محمد: لاتصاله بالبيت، وأما إلى زمزم فلا شيء عليه.
قال ابن المواز: إذا سمي من مكة موضعاً خارجاً من المسجد؛ فلا شيء عليه إلا أن يقول: مكة فيها، وهذا أصح ما روي لنا عن ابن القاسم.
وقال أصبغ: كل ما سمي من الحرم أو من مواضع مكة فإنه يلزمه.
ابن حبيب: ولا يلزمه في خارج الحرم خلا عرفات فإنه يلزمه فيها وإن كانت في الحل.
وقال أشهب: وإن قال علي المشي إلى الصفا والمروة أو ذي طوى أو عرفة فذلك عليه، إلا ينوي الموضع المسمى بعينه فلا شيء عليه.
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن قال: إن كلمت فلاناً فعلي أن أسير أو أذهب أو أنطلق أو آتي أو أركب إلى مكة فلا شيء عليه إلا أن ينوي أن يأتيها حاجاً أو معتمراً فليأتها راكباً إلا أن ينوي ماشياً.
وقال أيضاً ابن القاسم: من قال علي الركوب إلى مكة فذلك عليه.
قال في كتاب ابن المواز: ولا يأتيها إلا في حج أو عمرة.
محمد وقال أشهب: ولا أرى أن يأتيهما ماشياً؛ لأنه يخفف عن نفسه بترك الركوب نفقة وجبت عليه لله في طاعة.
م: قيل: فإن مشى على قول أشهب ولم يقم راحلة يركب؟
فحكي عن بعض شيوخنا: أنه يخرج قدر ما كان ينفقه في ركوبه فيجعله في هدايا.
وقال غيره: يدفع ذلك المقدار لمن ينفقه في الحج حسبما كان ينفقه هو فيه والله أعلم.
ومن المدونة قال سحنون: وأشهب يرى عليه إتيان مكة في هذا كله حاجاً أو معتمراً، وبه أخذ ابن المواز.
م: والفرق عند ابن القاسم بين قوله: علي أن أسير أو آتي إلى مكة، وبين قوله: علي المشي إلى مكة؛ أنه إذا قال: علي المسير ونحوه إلى مكة؛ يحمل أنه أراد بيوت مكة إذا لم تكن له نية؛ لأنه لم تجر به عادة.
وإذا قال: علي المشي إلى مكة لزمه؛ لأن هذا قد جاءت به السنة أن يحج أو يعتمر ولأن قصد الناس بذلك المشي إلى الكعبة، فيحمل على ذلك، ولو قال: علي أن أسير أو أذهب أو أنطلق إلى الكعبة لا ينبغي أن يلزمه أن يأتيها إن شاء ماشياً أو راكباً؛ ودليله من قال: أنا أضرب بمالي حطيم الكعبة: أنه يلزمه عند ابن القاسم أن يحج أو يعتمر؛ كقوله: علي أن آتي المسجد الحرام، أن ذلك يلزمه؛ لأنه قد قصد الإتيان إلى البيت فهو بخلاف قوله: إلى مكة لما قدمنا.
م: وسئل أبو عمران: ما الفرق بين من قال: علي المشي إلى المسجد الحرام فيلزم المشي حاجاً أو معتمراً، وبين من قال: علي المشي إلى الحرم؛ لا يلزمه؛ والجميع يتضمن الكعبة؟
فقال: أما الذي يقول: علي المشي إلى الحرم فلو أخذ بمقتضى قوله لكان بوصوله إلى أوائل الحرم يسقط نذره فلم يكن في ذلك طاعة فيلزمه، وأما القائل: علي المشي إلى المسجد الحرام؛ فقد خصص الموضع الذي فيه فرض من فروض الحج والعمرة وهو الطواف والمسجد منصوب للطائفين والركع السجود وذلك كله طاعة فوجب أن يلزمه، ألا ترى أن القائل: علي المشي إلى مسجد الرسول؛ أنه يلزمه أن يأتيه راكباً للصلاة فيه، ولو قال: علي المشي إلى المدينة؛ لم يلزمه أن يأتيها إلا أن ينوي الصلاة في مسجدها، وكذلك الحرم والمسجد الحرام، ولا يراعى أن ذلك يحتوي على البيت ويحدق بها، ولو روعي ذلك لروعي الحد المحدث بالحرم؛ لأن ذلك محدث بالكعبة.
وسئل أبو عمران الفاسي: لم اختلف قوله في الكتاب في ذاكر الركوب إلى مكة ولم يختلف قوله في الانطلاق والذهاب ونحوه؟
فقال: يحتمل ذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ فذكر المشاة والركبان معاً فكان الركوب في اللفظ أخا المشي وجاز في
المخاطبات، وكقولهم: حافياً ومنتعلاً؛ فقيس ناذر الركوب على ناذر المشي في هذا القول، ويحتمل إنما وجد له الاختلاف في الركوب منصوصاً فذكره وتدخل باقي الألفاظ الأخرى في الاختلاف، وقد ذكر عن ابن القاسم الخلاف في الجمع كقول أشهب.
م: وفي كلام ابن عمران طول اختصرته وبالله التوفيق، والصلاة على سيدنا محمد وآله.
جامع ما يلزم من نذر أو يمين
في الهدي والصدق والنحر وغيره
وصلى الله على محمد
روى ابن وهب أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: من قال لرجل أنا أهديك؛ فليهد شاة.
وقاله عطاء.
قال ابن القاسم قال مالك: ومن قال لحر: إن فعلت كذا فأنا أهديك إلى بيت الله فحنث؛ فعليه هدي.
وقد تقدم قول النخعي فيمن قال: أنا أهدي فلاناً على أشفار عيني؛ أنه يحجه ويهدي بدنة، وهو خلاف لقول مالك هذا.
ابن المواز قال أشهب: من نذر أن يهدي بدنة عوراء أو ما لا يجوز في الهدايا؛ فإن كان ذلك بعينه فليهده، وإن كان بغير عينه فيلهد ما يجوز؛ كمن نذر أن يهدي ابنه فإنه يهدي مكانه ما يجوز في الهدي.
قال ابن المواز: وكذلك الذي نذر أن يهدي [بدنة عوراء وهي بعينها أو ما لا يجوز أن يهدي] فليهد بقيمتها ما يجوز.
ومن المدونة قال مالك: ومن قال عبد فلان أو داره أو شيء من ماله هدي إن فعلت كذا فحنث؛ فلا شيء عليه لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم».
وأما إن قال: داري أو عبدي هدي أو حلف بذلك فحنث؛ فإنه يبيع ذلك ويهدي ثمنه.
م: والفرق بين من قال: أنا أهديك أو قال ذلك لعبد غيره وهو لا ملك له على واحد منهما هو أن الحر قد جرت فيه سنة قياساً على ما جاء في إبراهيم مع ولده عليهما السلام، وقد روي أنه قال علي -رضي الله عنه- فيمن قال لرجل: أنا أهديك؛ فليهد عنه شاة.
وقال نحوه ابن عباس.
ولم يكن عليه في عبد غيره شيء لقوله عليه السلام: (لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم) وأما في عبد نفسه فهو ملكه؛ فلما لم يصح أن يكون هدياً وصح أن يهدي عنه بثمنه جعلنا بذلك عوضاً وبالله التوفيق.
وفي الواضحة قال ربيعة: من جعل جاريته هدياً فإنه يهدي مكانها هدياً وقاله مالك والليث.
م: قال أبو محمد: لعله يريد أم ولده.
فصل
ومن المدونة قال مالك: ومن قال: إن فعلت كذا فعلي هدي فحنث؛ فإن نوى شيئاً فهو ما نوى، وإلا فعليه بدونة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد وقصرت نفقته؛ رجوت أن تجزي عنه شاة، وكان مالك يزحف بالشاة كرهاً، وقال: البقر أقرب شيء إلى الإبل.
وقال مالك في كتاب الحج: من قال لله علي هدي فالشاة تجزيه.
م: قيل: الفرق بين المسألتين أن هذه يمين، والتي في كتاب الحج بغير يمين، فلذلك كانت أخف.
وقيل: بل ذلك اختلاف قول، ولا فرق بين ما عقد بيمين أو كان نذراُ، وقد نقل أبو محمد هذه.
وإن قال: علي هدي، ثم ذكر الجواب؛ فدل أنه عنده سواء، وكذلك في كتاب محمد وهو الصواب.
ومن المدونة قال مالك: ومن قال: لله علي أن أهدي بدنة فلينحر بعيراً؛ لأن البدن من الإبل، فإن لم يجد بعيراً فبقرة، فإن لم يجد بقرة فسبعاً من الغنم، [ولا يجزيه شراء بقرة حتى لا تبلغ نفقته ثم بدنة، فإن لم يجد ثمن بقرة فسبع من الغنم]، وقاله خارجة بن زيد، وسالم بن عبد الله، وكثير من العلماء.
وقال ابن المسيب: إذا لم يجد بقرة فعشراً من الغنم، وكذلك في كتاب محمد.
قال ابن القاسم في المدونة: فإن لم يجد الغنم لضيق وجده، فلا أعرف في هذا صوماً إلا أن يحب أن يصوم فليصم عشرة أيام، فإن أيسر يوماً ما كان عليه ما نذر.
ابن حبيب وقال مالك: إن لم يجد الغنم صام سبعين يوماً.
[وقال أشهب في كتاب ابن المواز: إذا لم يجد الغنم صام سبعين يوماً] أو أطعم سبعين مسكيناً كل مسكين مدا، وإن وجد شاة أهداها وصام ستين يوماً.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وقد قال مالك: فيمن نذر عتق رقبة فلم يستطعها؛ لأن الصوم لا يجزيه إلا أن يشاء أن يصوم فإن أيسر يوماً أعتق فهذا مثله.
قال ابن المواز: إن شاء الله صام عشرة أيام.
م: وقد قيل: بل يصوم شهرين إذا لم يستطع على الرقبة ولم أروه.
ومن المدونة قال مالك: ومن قال لله علي أن أنحر بدنة، أو قال لله علي هدي، فينحر ذلك بمكة أو بمنى يوم النحر، وقاله ابن عمر وابن عباس.
قال مالك: ومن قال: لله علي جزوراً أو أنحر جزوراً؛ فلينحرها بموضعه، ولو نوى موضعاً أو سماه فلا يخرجها إليه ولينحرها بموضعه الذي هو فيه.
قال مالك: وكذلك لو نذرها لمساكين البصرة، أو مصر وهو بغيرها؛ فلينحرها بموضعها وليتصدق بها على مساكين من عنده، كانت الجزور بعينها أو بغير عينها، وسوق البدن إلى غير مكة من الضلال.
قال في كتاب ابن المواز: وهو مثل من نذر أن يصلي بمصر مائة ركعة وهو من أهل المدينة أو غيرها أنه لا يصلي إلا بموضعه.
قال: وقد قال مالك مرة أخرى: إنه ينحرها حيث نوى، وقاله أشهب.
قال أشهب: وإن لم تكن له نية نحرها بموضعه.
قال ابن حبيب: وإن نذر أن ينحر الجزور بمكة كان عليه أن ينحرها بها وليس بها.
ابن المواز: وقد قال ابن عمر: من نذر جزوراً من الإبل أو البقر فإنه ينحرها حيث شاء.
فصل
ومن المدونة قال مالك: ومن قال: بعيري أو بقرتي أو شاتي هدي؛ فيبعث ذلك بعينه.
وإن قال: داري أو عبدي أو دابتي أو شيء من مالي مما لا يهدى هو هدي أو حلف بذلك فحنث؛ فليبعه، ويبعث بثمنه وبما أهدى من العين فيبتاع به هدياً.
قال ابن القاسم: فإن لم يبعه ويبعث به بعينه فلا يعجبني ذلك ويباع هناك فليشتر به هدياً، فإن لم يبلغ ذلك ثمن هدي وأدناه شاة أو فضل منه ما لا يبلغ ذلك، قال مالك: يبعثه إلى خزمة الكعبة ينفق عليها.
قال في كتاب محمد: فإن لم يحتج إليه الكعبة تصدف به.
وقال ابن القاسم في المدونة: أحب إلى أن يتصدق به حيث شاء؛ وذلك أن ابن عمر كان يكسو الكعبة بأجلة بدنة فلما كسيت تصدق بها.
وقال أصبغ: أحب إلي أن يتصدق بها على أهل مكة خاصة.
قال ابن القاسم في المدونة: وأعظم ملك أن يشرك مع الحجبة في الخزانة أحد؛ لأنها ولاية من النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا دفع المفاتيح لعثمان بن طلحة.
وفي سماع ابن القاسم فيمن جعل شيئاً من ماله هدياً وهو مما لا يهدى: إن شاء باعه وأخرج ثمنه وإن شاء أخرج قيمته، وكذلك في كتاب محمد.
قال أبو محمد: ومن قولهم في الصدقة لا يحبسه ويخرج قيمته وذلك مكروه له، ويثبه أن يكون الفرق: أنه لا يقصد في هدي متاعه إلا إلى عوضه، وفي صدقة متاعه يحسن أن يتصدق بذلك بعينه، فكأنه تصدق به بعينه.
م: وحكي عن بعض شيوخنا القرويين أنه قال: إذا تصدق الرجل بعرض تطوعاً لم يكن له حبسه ويتصدق بقيمته ولو حلف بذلك فحنث أجزأه إخراج قيمته.
والفقر بين ذلك: أن الحالف غير قاصد للقرية فلم يدخل في قول النبي -عليه السلام-: «العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه»، والمتطوع هو داخل في الحديث؛ لأنه قاصد للقربة به، والحديث إنما خرج في الفرس الذي حمل عليه عمر طوعاً فأمر ذلك مفترق.
م: والحالف أيضاً إنما قال: إن فعلت كذا فأنا أتصدق بكذا لله، فقد عقد على نفسه إن فعل ذلك القربة بصدقته فهما سواء والله أعلم.
ومن المدونة قال مالك: وإن قال: إن فعلت كذا فغنمي وإبلي أو بقري هدي فحنث فليبعثها من ذلك الموضع إن كانت تصل، وتقلد الإبل وتشعر، والبقر لا تصل من إفريقية إلا من مصر فإذا خاف على هذه الهدايا أن لا تبلغ لبعد سفر أو لغير ذلك باعها وابتاع بثمن الغنم غنماً وبثمن الإبل إبلاً وبثمن البقر بقراص، وجائز أن يبتاع بثمن البقر إبلاً؛ لأنها لما بيعت صارت كالعين، ولا أحب له أن يشتري به غنماً حتى يقصر عن ثمن بعير أو بقرة أو يشتري ذلك من مكة أو من موضع تصل، فإن ابتاعها من مكة فليخرجها إلى الحل ثم يدخل بها الحرم.
قال: وإن نذر هدي بدنة غير معينة أجزأه شراؤها من مكة أو المدينة فيتوقف بعرفة ثم ينحرها بمنى، فإن لم يتوقف بعرفة أخرجت إلى الحل إن اشتريت في الحرم ثم نحرت بمكة، فإن لم يجد ثمنها فذلك دين عليه.
فصل
قال مالك: ومن قال: إن فعلت كذا فلله علي أن أهدي مالي، أو قال جميع مالي فحنث، أو نذر ذلك بلا يمين أجزأه أن يهدي الثلث من ماله، وقد قال النبي -عليه السلام- لأبي لبابة حين انخلع من جميع ماله للذنب الذي أصابه يجزيك من ذلك الثلث.
ومن العتبية قال عيسى عبن ابن القاسم فيمن قال: مالي هدي.
قال: يهدي ثلثه وينفق عليه حتى يبلغ من غير الثلث.
وقال: مالك فيمن وجبت عليه صدقة ثلث ماله وهو بموضع ليس فيه مساكين: فيكر عليه من ماله، وكذلك إن قال: إبلي هدي فعليه أن يبلغها من ما له.
م: [وفيها قول آخر إذا قال: مالي هدي؛ أنه يهدي ثلثه وتكون النفقة من الثلث ولو قال: ثلثي هدي فهاهنا لا اختلاف أنه ينفق عليه من ماله حتى يبلغه].
م: الصواب ألا فرق بين ذلك، ووجه من أوجب النفقة على ذلك من ماله؛ لأن من أوجب على نفسه هدياً وجب عليه أن يبلغه من ماله، إذ لا يجوز أن يهدي بعضه ولا يشرك فيه، ووجه النفقة عليه من الثلث: فقياسها على الزكاة تجب عليه وليس بموضعه مساكين فينقلها إلى أقرب البلدان إليه؛ أن النفقة عليها منها قاله ابن حبيب.
ومن المدونة قال: مالك: وإن قال: إن فعلت كذا فعبدي هدي ولا مال له غيره فحنث؛ فعليه أن يهدي عبده يبيعه ويهدي ثمنه، وكذلك إذا سمي شيئاً من ماله بعينه
كقوله: داري أو دابتي أو ثوبي أو غيره هدي، أو حلف بذلك فحنث؛ أخرج ذلك فحنث كله وإن أحاط بماله كله، وكذلك إن قال: لله علي أن أهدي بعيري أو بقربي أو شاتي وهو جمع ماله فليهد جميع ما سمى، ولو قال: لله علي أن أهدي جميع مالي؛ أجزأه الثلث.
قال مالك: وإنما هذا كمن قال: كل امرأة أنكحها فهي طالق فلا شيء عليه، وإن سمى قبيلة أو امرأة بعينها لزمه ذلك.
م: وقال بعض المتأخرين من القرويين: من عم أو خص في الصدقة؛ أن الذي عين شيئاً من ماله فقد أبقى لنفسه شيئاً، ولو ثياب ظهره، أو ميراثاً لم يعلم به، والذي قال: مالي كله لم يبق لنفسه شيئاً وأدخل ثياب ظهره وما لا يعلمه من ماله، فكان ذلك من الحرج فوجب قصره على الثلث؛ لحديث أبي لبابة، ولولا ذلك لسقط عنه الجميع كما إذا عم في الطلاق أنه لا شيء عليه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال: إن فعلت كذا فأنا أهدي عبدي هذا وجميع مالي فحنث؛ أدى العبد وثلث ما بقي، وكذلك هذا في الصدقة وفي سبيل الله.
قال مالك: ومن قال: مالي في المساكين صدقة أو في سبيل الله أو حلف بذلك فحنث؛ أجزأه من ذلك الثلث.
وروى ابن وهب أن رجلاً تصدق في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بجميع ماله فأجاز له منه النبي -صلى الله عليه وسلم- الثلث.
وروي في كتاب محمد عن ابن عمر أنه يخرج ماله كله.
وعن ابن المسيب ثلث ماله، وقال ابن مالك.
وعن عائشة -رضي الله عنه-كفارة يمين.
وعن عبد العزيز بن أبي سلمة زكاة ماله.
ومن المدونة قال مالك: وإن سمي شيئاً من ماله فقال: داري أو دابتي أو ثوبي صدقة أو في سبيل الله ولا مال له غير ما سمى فحنث؛ فليخرج كل ما سمي ولا يجزيه منه الثلث.
وقال ابن نافع: من تصدق بشيء بعينه وهو ماله كله أنه يخرج الثلث، وكذلك قال ابن وهب عن مالك إذا سمي أكثر من ثلث ماله اقتصر على الثلث.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو قال فرسي ومالي في سبيل الله؛ أخرج الفرس وثلث ما بقي من ماله، وإن قال: نصف مالي أو ثلاثة أرباعه صدقة أو أكثر؛ فليخرج جميع ما سمى ما لم يقل مالي كله.
ومن الواضحة ولو قال: مالي كله صدقة إلا درهماً أن ذلك يلزمه وكذلك في جزء منه.
ابن المواز قال ابن القاسم: ومن حلف بصدقة ماله فحنث ثم حلف بصدقة ماله فحنث؛ فليخرج ثلث الأول ثم ثلث ما بقي، ثم قال: يخرج ثلثه مرة واحدة ويجزيه، وقاله ابن كنانة، وبالأول أخذ محمد وقاله أشهب.
قال مالك: ومن حلاف بصدقة ماله فحنث ونذر أداء ماله فعليه ثلثه يوم حلف، وإن نقص فثلثه يوم حنث، وإذا حنث ثم نموا ماله ثم حنث فيه يمين ثانية ثم نما ماله ثم حنث فيه يمين ثالثة ثم نما ماله؛ فليخرج ثلث ما معه الآن وهو ثلث الأول وثلث الزيادة ولو لم يزد ماله لم يخرج إلا ثلثاً واحداً، ولو حنث أولاً وماله مائة ثم حنث ثانية وماله ستون ثم حنث ثالثة وماله أربعوه؛ فليس عليه إلا ثلث المائة الأولى إلا أن يبقى بيده أقل من ثلثها فلا شيء عليه غير ما بيده إلا أن يذهب بإتلافه أو أكله فيلزمه ديناً، ولو تلف
بعضه بغير سببه لم يضمنه وإن فرط في إخراجه؛ لأنه كالشريك.
وقاله مالك في التلف وقاله أصبغ كله، وما نما بعد الحنث فلا شيء عليه فيه فرط أو لم يفرط.
قال ابن المواز: إذا حلف إن فعل أو لا أفعل؛ لم يضمن ما أكل أو أتلف قبل الحنث، ولو حلف لأفعلن أو إن لم أفعل فهو كتلفه بعد الحنث؛ يلزمه ما ذهب بسبب ولا يلزمه ما ذهب بغير سببه.
[من كتاب أبي إسحاق: من قال: إن كلمت فلاناً كل ما أكسب صدقة؛ فلا شيء عليه كعموم الطلاق، وإذا قال: ما أكسب إلى عشر سنين صدقة؛ لزمه إخراج جميع ما كسب في العشر سنين، وكذلك إن عين بلداً، وقيل يلزمه ثلث ما اكتسب، وقيل: لا شيء عليه فيما يكتسب سمى البلد أو ضرب أجلاً أو لم يسم].
ومن كتاب الهبات ومن قال: مالي صدقة أخرج ثلثه من عين ودين وعرض وثلث قيمة كتابة مكاتبيه؛ فإن عجزوا يوماً ما وكان في قيمة رقابهم فضل عن قيمة كتابتهم؛ أخرج ثلث الفضل ولا شيء عليه في أم ولده ولا يخرج ثلث قيمة هدي به إذ لا يملك بيعهم.
قال سحنون: فيخرج ثلث قيمة خدمتهم، فإن لم يخرج ثلث ماله حتى ضاع ماله كله فلا شيء عليه فرط أو لم يفرط.
وقال سحنون: إن فرط ضمن كالمفرط في الزكاة وغيرها أنه ضامن لما ذهب بتفريطه.
م: قال بعض فقهائنا: وأرى ابن القاسم إنما لم يضمنه في اليمين بالصدقة؛ لاختلاف الناس فيها، وقول من قال: فيها بكفاءة يمين أو غير ذلك فلذلك لم يجعلها كالزكاة ونحوها من الواجبات.
قال في كتاب الطلاق: فإن لم يكن له يوم حلف مال فلا شيء عليه فيما أفاد بعد ذلك.
ومن الحمالة: ولا يجوز لذات الزوج في مالها هبة ولا صدقة ولا معروفة إلا قدر الثلث، فإن تصدقت بأكثر من ذلك فلم يجزه الزوج؛ بطل جميعه، وجعله المغيرة كالوصية يجوز منه الثلث.
قال سحنون: وإن حلفت ذات الزوج بصدقة مالها كله فحنثت؛ فلتتصدق بثلثه وليس للزوج منعها من ذلك.
وقال أصبغ: له منعها من ذلك.
م: فوجه قول سحنون: فلأن من تصدق بماله كله إنما يلزمه منه الثلث؛ فكأن الزوجة إنما تصدقت بالثلث.
ووجه قول أصبغ: فلأنها تصدقت بمالها كله، فللزوج رده جميعه كما لو تصدقت ثلثها.
قال ابن القاسم: وإن أعتقت ذات الزوج ثلث عبد لا تملك غير ذلك العبد؛ جاز ولا يعتق منه غير ذلك، ورواه عن مالك.
وروي عن أشهب وعبد الملك: أن الزوج يخير؛ فإما أجاز فيعتق جميعه، أو يرد فلا يعتق منه شيء.
م: وهذا أحسن؛ لأن الحكم يوجب عليها عتق جميعه؛ فكأنها قصدت ذلك، فللزوج إجازته أو رده.
ووجه الأول: فلأنا لما كانت مقصورة على اثلث؛ فكأنه هو الذي تملك منه فلم يعتق عليها غيره ولم يكن للزوج حجة؛ لأنها لم ت دخل عليه ضرراً كهبة ذلك وصدقته.
قال ابن القاسم: وإن حنثت بعتقه أو أعتقته كله فرد الزوج عتقها إذ لا مال لها غيره ثم مات الزوج عنها أو طلقها؛ فإنه يعتق عليها الآن جميعه بغير قضاء.
وفي النكاح والحمالة إيعاب هذا.
ومن المدونة قال مالك: ومن جعل عبده صدقة أو في سبيل الله في يمين فحنث ولا مال له غيره؛ ففي الصدقة يبيعه ويتصدق بثمنه، وفي السبيل يدفع ثمنه إلى من يغزو به من موضعه إن وجد، فإن لم يجد فليبعث بثمنه، وإن كان فرساً أو سلاحاً أو شيئاً من آلات الحرب جعله في السبيل في يمين فحنث أو في غير يمين، فليبعث ذلك بعينه، فإن لم يجد من يقبله منه ولا من بلغه له؛ فليبعث بثمنه فيجعل في مثل المبيع من كراع أو سلاح وغيره، بخلاف البقر الهدي تباع إذا لم تبلغ فيجوز أن يشتري بثمنها إبلاً لأن تلك كلها للأكل، وهذا تختلف منافعه وإن جعل جميع هذه الأشياء صدقة في يمين فحنث أو في غير يمين؛ باع ذلك وتصدق بثمنه، وكذلك إن جعله هدياً فليبعه ويهدي ثمنه.
قال مالك: ومن جعل مالاً أو غيره في سبيل الله فسبل الله كثيرة؛ ولكن إنما يعطى ذلك في مواضع الجهاد والرباط من السواحل والثغور، وليس جدة من ذلك، وإنما كان الخوف ونزل العدو بها مرة واحدة فلم يرها مثل السواحل التي هي مرابط.
فصل
قال مالك: ومن قال مالي في رتاج الكعبة فلا شيء عليه؛ لا كفارة يمين ولا غيرها.
والرتاج: هو الباب.
وقد سئل عن ذلك عمر بن الخطاب فقال: لا حاجة للكعبة بأموالكم، ونحوه عن عائشة.
ومن غير المدونة ابن وهب: وقالت عائشة عليه كفارة يمين، وقاله مالك والليث.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك إن قال مالي في الكعبة، أو في حطيمها، فلا شيء عليه؛ لأن الكعبة لا تنقض فتبنى، والحطيم فيما قال لي بعض الحجبة: ما بين الباب إلى المقام.
قال ابن حبيب: الحطيم ما بين الركن الأسود إلى الباب إلى المقام عليه يتحطم الناس.
قال أبو محمد: فعلى تفسير ابن حبيب أن ذلك كله حطيم الجدار من الكعبة والفضاء الذي بين البيت والمقام الآن.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال مالي في كسوة الكعبة أو طيبها دفع ثلث ماله إلى الحجبة لذلك.
فصل
وإن قال: أن أضرب بمالي حطيم الكعبة أو رتاجها فعليه حجة أو عمرة، ولا شيء عليه في ماله، وكذلك إذا قال: أنا أضرب بكذا وكذا الركن الأسود؛ فليحج أو يعتمر، ولا شيء عليه إذا لم يرد حملان ذلك الشيء على عنقه.
قال ابن المواز: وإن أراد حملانه على ع نقه وكان يقوى على حمله فكذلك أيضاً يحج أو يعتمر راكباً ولا شيء عليه غيره، وإن كان ممكن لا يقوى على حمله مشى وأهدى.
قال ابن حبيب: إذا قال: أنا أضرب بكذا وذكر الشيء من ماله الركن الأسود أو الكعبة، وأراد حمله على عنقه؛ مشى إلى البيت في حج أو عمرة [وأهدى ولا يحمله ثم يدفع ما سمى] إن كان لا يبلغ ثمن هدي إلى خزنة الكعبة تصرفه في مصالحها، وقاله ابن القاسم.
م: ومعنى قوله أنا أضرب بمالي حطيم الكعبة: أني أسير به وأسافر به إلى الكعبة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ أي سافرتم، ومنه قولهم: ضرب المقارض بالمال؛ لأنه يسير بالمال، أو يضرب به في الأرض لابتغاء الرزق ولم يرد به ما عند الناس من الضرب بماله للكعبة؛ لأن ذلك استخفافاً من فاعله وغير ما أمر به من التعظيم لها.
فصل
ومن المدونة قال مالك: [ومن قال إن فعلت كذا فأنا أنحر ولدي فحنث فعليه كفارة يمين، وقاله ابن عباس، ثم رجع مالك] فقال: لا كفارة عليه ولا غيرها، إلا أن ينوي به وجه الهدي، ان يهدي ابنه لله فعليه الهدي.
قال ابن القاسم: وهذا أحب إلي من الذي سمعه منه، والذي سمعته منه: أنه لم يقل عند مقام إبراهيم فعليه كفارة يمين، وإن قال: عند مقام إبراهيم فليهد هدياً؛ لأن من قال: عند مقام إبراهيم قد أراد به الهدي.
قال ابن عباس: من نذر أن ينحر ابنه عند مقام إبراهيم؛ فليذبح كبشاً.
وقال ابن عباس: فيمن جعل ابنه بدنة؛ فليهد ديته مائة من الإبل، ثم ندم بعد ذلك فقال: ليتني كنت أمرته أن يذبح كبشاً كما قال الله تعالى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.
ابن المواز: وقال ابن عباس: من نذر أن يذبح نفسه فليذبح كبشاً يهديه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن قال: أنا أنحر ولدي بين الصفا والمروة أو بمنى فعليه هدي.
وقد قال النبي -عليه السلام- عند المروة: «هذا منحر، وكل طرق مكة وفجاجها منحر» ومنى عندي منحر.
قال: ويلزمه من نحر أبويه ما يلزمه في نحر ولده.
ابن المواز قال ابن القاسم: وكذلك لو قال لأجنبي: أنا أنحرك عند مقام إبراهيم؛ فليهد عنه هدياً وابنه والأجنبي في ذلك سواء.
قال ابن المواز: ولو قال لعدة من ولده أو غيرهم أنا أنحركم عند مقام إبراهيم؛ كان عليه أن يهدي عن كل واحد هدياً، وقد قيل: هدي واحد عن جميعهم، والأول
أحب إلينا وهو الحق والعلم، وقاله أصبغ، وكذلك الذي يقول لعبده: أنا أنحرك؛ عليه هدي.
ولو قال: أنا له أهديك؛ فليبعث بثمنه أو بقيمته إلى مكة يشتري به هدياً.
م: قال بعض فقهائنا القرويين في قوله: إن فعلت كذا فأنا أنحر ولدي، [إنما يكون فيه الهدي إذا ضمن ذلك بفعل فقال: إن فعلت كذا فأنا أنحر ولدي]، فأما إن لم يقل ذلك وإنما قال: علي نحر ولدي، أو لله علي نحر ولدي فلا شيء عليه؛ لأنه نذر في معصية إلا أن يقصد به وجه القربة فيلزمه الهدي، قال وهكذا في كتاب الأبهري.
م: والأمر عندي سواء ضمن ذلك بفعل أو لم يضمنه، والصواب: أن لا شيء عليه إلا أن ينوي الهدي؛ لأن من قال: إن فعلت كذا فعلي أن أشرب الخمر، أو قال: لله علي أن أشرب الخمر؛ أنه سواء لا شيء عليه في ذلك، وقد قال ابن عباس في كتاب محمد: من نذر أن يذبح نفسه فليهد كبشاً.