وفي كتاب محمد: قال محمد: سواء تعمدوا طرحه في ذلك المنصب مثل أن يعمدوا إلى طريقة فيوعرونها ويسدونها حتى لا تجد منجاً ولا مذهباً إلا إليه، ثم يأخذوا في طرده حتى تقع فيه، أو لم يتعمدوا طرده ولكن ألجأته كلابه واضطرته حتى وقع فيه فإنه لصائده، وعليه قدر ما انتفع بالحفرة أو الحبالة لربها.
وأما إن كان الصيد غير مقسور ولا مضغوط بالطلب ولو شاء أن يذهب إلى غير طريق المنصب لقدر فأراه لصاحب المنصب، ولا شيء لطالبه.
قال أصبغ: وكذلك قال ابن القاسم في الصيد يطلبه قوم فيدخل دار رجل فيأخذه فأجاب بمثل ما وصفناه لك في هذا كله.
[فصل- فيمن صاد بكلب رجل أو بازه أو فرسه]
وروي عن ابن القاسم وغيره: فيمن صاد بكلب رجل أن ما صاد لرب الكلب، وعليه إجارة الصائد مثل لو عدى على عبد رجل فبعثه يصيد له.
قال ابن القاسم: وكذلك البازي عندي، وأما إن تعدى على فرس رجل فصاد عليه فالصيد للمتعدي؛ لأنه هو الصائد، وعليه كراء الفرس.
وقال أصبغ: الصيد للصائد، وعليه إجارة الكلب، وقاله ابن المواز.
قال: وكذلك من رمى بسهم رجل أو صاد بفرسه، وهو بخلاف من تعدى على عبد رجل فجعله يصيد له، ولا خلاف بينهما في المتعدي على عبد رجل يصيد له أن الصيد لرب العبد، ولا فيمن صاد بفرس رجل أن الصيد للصائد، وعليه أجرة الفرس.
واختلفا في الكلب والبازي، فقال ابن القاسم: ذلك لصاحبهما، وعليه أجرة الصائد، وقال أصبغ: ذلك للصائد، وعليه أجرة الكلب والبازي.
م: فوجه قول ابن القاسم: فلأن الكلب والبازي هو الآخذ للصيد فهو الصائد كالعبد.
ووجه قول أصبغ: بل الصائد من اصطاد بهما، وبإرساله وإشلائه صادفهما كالفرس.
[الباب الحادي عشر]
فيما أصيب من الصيد بحجر أو عصى أو مغراض أو حبالات
قال مالك- رحمه الله-: وما أصيب من الصيد بحجر أو ببندق فخزق أو بضع أو بلغ المقاتل لم يؤكل، وليس بخزق وإنما هو رض.
م: وهو الموقوذة التي حرم الله أكلها.
قال ابن القاسم: إن أصيب الصيد بعود أو بعصى أو رمح أو حربة أو مطردة فخزق فإنه يؤكل، وما أصيب بالمعراض فخزق فكل ما قتل وإن لم ينفذ المقاتل كالسهم إلا أن يصيب بعرضه.
قال ابن المواز: وفي حديث عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المعراض؟ فقال "إذا رميت وسميت فخزق فكل وإن قتل، وإذا أصبت بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ".
م: والمعراض: خشبة في رأسها مثل الزج.
وقال أشهب: ما خزق المعرض فأحب إلي أن لا يؤكل إلا أن ينفذ المقتل إذ لعل السقطة قتلته.
م: هذا وفاق لابن القاسم، وإنما تكلم ابن القاسم فيما لا سقطة فيه أو فيما يؤمن من سقطته الموت، وعلم أن قتله من المعراض، وهو ظاهر الحديث، وأما إذا ضرب بالمعراض طيراً في الجو فسقط فلا يؤكل عند ابن القاسم إذ لعله من السقطة مات إلا أن ينفذ مقاتله كقول مالك فيمن أصاب بسهمه طيراً في الجو أنه لا يؤكل إلا أن ينفذ مقاتله فالمعراض مثله.
ومن المدونة: قال مالك: وما قتلت الحبالات من الصيد فلا يؤكل إلا ما أدركت ذكاته من ذلك، وكذلك لو كان فيها حديدة أنفذت المقاتل فلا يؤكل ولا تنفع ذكاته بعد إنفاذ مقاتلة، وليست الحبالات كالجوارح، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾، وهذه مما ليس فيه تعليم، ولا هي/ كالرمح والسهم لفقد
التسمية فيها عند القتل إذا كان فيها حديدة، والحبالات هي الشرك وهي إذا علقت بالصيد فربما مات وقد قدر عليه، وذكاته: الذبح فصار مقتولاً بغير ذكاة.
والفخ عندنا مثل الحبالات، وهو شيء يعمل من أعواد ينصب على العيون ونحوها فيسقط الصيد فيه عند الشرب فلا يؤكل ما قتل كالحبالات.
ومن المدونة: قال مالك- رحمه الله-: وإذا طلبت الجوارح صيداً فمات إبهاراً ولم تأخذه لم يؤكل، ولو أخذته الكلاب فقتلته بالبعض والرض أو بغير ذلك ولم تنيبه ولم تدمه لم يؤكل كالموقوذة.
قال ابن المواز: ولو أذمته ولو في أذنه أكل.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن مات بصدمها فإنه لا يؤكل، وكذلك إن ضربت الصيد بالسيف حتى مات ولم يقطع فيه لم يؤكل كالعصا، وهذا كله موقوذة عند مالك.
ابن المواز: وما علمت أن أحداً أجاز أكله إلا أشهب، فإنه أجازه إذا مات بالصدمة أو بالنطحة أو بضربة السيف وإن لك تجرح.
م: ابن المواز: وقول مالك وأصحابه أحب إلينا، وهو قول ابن شهاب.
وقد نهي عن النطيحة والموقوذة، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
قال أبو محمد عبد الوهاب: وجه قول ابن القاسم، وهو قول أبي حنيفة: أن
الكلب آلة للاصطياد، فإذا قتل الصيد بصدم أو غيره مما ليس يجرح لم يؤكل، كما لو قتل المعراض بعرضه؛ ولأنه حصل مقتولاً بغير جرح كما لو ضربه بالعصا.
ووجه قول أشهب، وهو قول الشافعي: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾.
يريد: قتلن بإرسالكم ولم يفرق، وكذلك الخبر، ولأنه حصل مقتولاً بجارح مرسل عليه، كما لو جرحه.
ومن المدونة: قال مالك: ومن رمى صيداً بسهم أو سكين أو سيف فبضع فيه ولم ينفذ مقاتله فمات قبل أن يزكيه من غير تفريط فإنه يؤكل.
م: لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل ما ردت عليك قوسك ذكي أو غير ذكي"؛ ولأن إرسال السهم أو الرمح أو شيء من السلاح في الصيد الممتنع كمباشرة الذبح في المقدور عليه.
ابن حبيب: قال ابن القاسم: وإن رمى الصيد بحجر حادٍ مثله يذبح فقطع رأسه وهو ينوي اصطياده فلا يعجبني أكله، إذ لعل الحجر قطع رأسه بعرضه.
ومن المدونة: قال مالك: وإن رمى صيداً بسكين فقطع رأسه أكله إن نوى اصطياده، وإن لم ينو اصطياده لم يؤكل منه شيء.
قال ابن القاسم: وكذلك لو رمى حجراً فإذا هو صيد فأنفذ مقاتله لم يؤكل، كقول مالك في الذي رمى صيداً بسكين فقطع رأسه ولا ينوي اصطياده أنه لا يأكله، وكذلك لو رمى صيداً وهو يظنه سبعاً أو خنزيراً فأصاب ظبياً لم يؤكل؛ لأنه حين رماه لم يرد اصطياده فلا يأكله.
وإن رمى سبعاً ينوي ذكاته لجلده فقال بعض فقهائنا: يجوز أكله؛ لأنه قصد ذكاته، ومحال أن تعمل الذكاة في بعض دون بعض.
وقال فقهاؤنا القرويون: لا يؤكل إذ ليس فيه قصد ذكاة تامة.
م: وهذا بين، وهو بخلاف أن لو كان/ ممن يجيز أكله فقصد ذكاته لأكله فهذا لا خلاف أن ذلك الصيد يؤكل.
ابن المواز: وقال أشهب في كتبه: من رمى طيراً وهو يظنه غراباً فقتله، ثم وجده غير ذلك من الطير جاز أكله؛ لأنه نوى اصطياد ذلك الطير الذي رآه.
م: والأصل في هذا: أن يقصد برميته ذكاة الصيد لأكله؛ لأن الذكاة لا تكون إلا بنية، كقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات".
[الباب الثاني عشر]
فيما ند من الإنسية أو الوحشية
قال مالك- رحمه الله-: وما ند من الأنعام الإنسية فلم يقدر على أخذه فهو على أصله لا يؤكل إلا بذكاة الإنسية من الذبح أو النخر.
ابن حبيب: وروي فيها بعض الرخصة، وليس بقول مالك.
والذي أشار إليه ابن حبيب من الرخصة هو قول أبي حنيفة والشافعي.
ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "وفي الأنعام الذكاة في الحلق واللبة"؛ ولأن توحشه لم
ينقله عن أحكام المتأنس من سقوط الجزاء عن الحرم بقتله، وجوازه في الضحايا والهدايا باتفاق فكذلك الذكاة.
ومن المدونة: قال مالك: وما دجن من الوحشي، ثم ند واستوحش فإنه يذكى بما يذكى به الصيد من الرمي وغيره؛ لأنه رجع إلى أصله.
ابن حبيب: وحمام البيوت والبرك، والأوز من ذلك؛ لأن أصلها وحشية، ولا أرى هذا في الإبل والغنم والدجاج، إذ لا أصل لها في الوحشية يرجع إليه، ولا بأس أن يعقر عقراً لا يبلغ مقتلاً وتعرقب ثم تذكى، وأما البقر فهي عندي لها أصل في بقر الوحش ترجع إليه، فإذا استوحشت ألحقت عندي بالصيد.
ومن المدونة: قال مالك: ومن ضرب شاة بسكين وهو لا يريد قتلها ولا ذبحها فأصاب الحلقوم والأوداج ففراهما لم تؤكل؛ لأنه لم يرد ذبحها، وقد قال مالك: لا تؤكل الإنسية بشيء مما يؤكل به الوحش من الضرب والرمي.
قال ابن القاسم: ومن ضرب عنق شاة بالسيف فأبانه وهو يريد ذكاتها فلا تؤكل؛ لأن مالكاً قال- فيمن أراد أن يذبح فأخطأ فذبح من العنق أو من القفا أنها لا تؤكل، فهذا مثله.
قال مالك: وإذا دجن عندك صيد، وقد ملكته بصيد أو بشراء، ثم ند فصيد بحدثان ما ند ولم يتوحش فهو لك، وإن لم يوجد بحدثانه وقد لحق بالوحش فهو لمن صاده، وكذلك البزاة والصقور والظباء وكل شيء.
قال: ومن صاد طيراً في رجليه سباقان أو ظبياً في أذنيه قرطان أو في عنقه قلادة عرف بذلك، ثم ينظر فإن كان هروبه ليس بهروب انقطاع ولا توحش رد وما وجد عليه ربه، وإن كان هروبه هروب انقطاع فالصيد خاصة لصائده، وأما ما عليه فلربه.
قال ابن القاسم: فإن قال ربه: ندمني منذ يوم أو يومين، وقال الصائد: لا ندري متى ند منك فعلى ربه البينة، والصائد مصدق.
وقال سحنون: الصائد مدع، وعليه البينة، وهو الصواب؛ لأن ربه يدعي حقيقة، والصائد لا يكذبه فيها، إنما قال: لا ندري متى ندمنك، فينبغي أن يكون القول قول ربه.
وقال محمد بن عبد الحكم: هو للأول، طال الزمن أو قرب، ولا يزول ملكه عنه بهروبه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي.
ودليلنا: أن الثاني صاد ممتنعاً لحق بالوحش على صفة ما كان عليه قبل الأخذ الأول فكان له حكم أصله الأول، وكصيد الماء إذا أخذه رجل ثم أنصب من يده في النهر فصاده غيره أنه له.
[الباب: الثالث عشر]
ما يجوز أكله من الحيوان والطير، وغيره، أو ينهى عنه
قال الله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلى أخر الآية﴾، وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿بِالْأَزْلَامِ﴾، ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن أكل ذي نابٍ من السباع.
قال محمد بن الجهم، والأبهري: ونهى مالك عن أكل لحوم السباع والدواب على الكراهية والاحتياط لا على صريح التحريم، وهو المعنى في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم السباع والحمر، يدل على ذلك اختلاف الصحابة في أكلها.
وما روى مالك في حديث عبيدة بن سفيان: "أكل كل ذي ناب من
السباع حرام" فشيء انفرد به عبيدة، وقد رواه الزهري فلم يذكر هذه اللفظة، وأما ذوات الناب والمخلب فلم يصح فيه حديث.
قال أبو محمد عبد الوهاب: وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "الحلال ما حلله الله في القرآن، والحرام ما حرمه الله في القرآن، وما سكت عنه فقد عفى عنه"؛ ولأن كل
حيوان يطهر جلده بذبحه فلا يحرم أكله.
وهذه حجتنا على أبي حنيفة؛ لأنه يوافقنا أن الذكاة تعمل في تطهير أهب جميع السباع، ويقول: إن أكل لحومها حرام.
وذكر النحاس في كتابه: الناسخ والمنسوخ: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ الآية﴾ فذكر فيها اختلافاً كبيراً، فذكر قولاً: أنها منسوخة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وقولاً: إنها محكمة ولا حرام إلا ما فيها، وقولاً: أنها محكمة وأن ما حرمه النبي صلى الله عليه وسلم داخل فيها، وقولاً: إنها محكمة وما حرمه مضمون إليها داخل في الاستثناء، وقولاً: إنها جواب لما سألوا عنه، وقد حرم الله ورسوله غير ما في الآية.
قال أبو جعفر: والقول بأن الآية محكمة وأن المحرمات دخلت فيها قول نظري؛ لأن التذكية إنما تؤخذ توفيقاً، وما لم تؤخذ تذكيته بالتوقيف فهو داخل في الآية.
والقول بأنه
يضم إلى الآية ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قول حسن، فيكون داخلاً في الاستثناء "إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً" أو كذا أو كذا".
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولم يكن مالك يكره أكل كل شيء من الطير كلها: الرخم والعقبان، والنسور، والأحدية، والغربان، وجميع سباع الطير وغير سباعها ما أكل الجيف منها وما لم يأكلها.
م: لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ... الآية﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ولأنه نوع من الطير فأشبه سائرها.
قال ابن حبيب: وكره عروة بن الزبير أكل الغراب والحدأة لما سماهما النبي صلى الله عليه وسلم فاسقين.
وقال محمد بن الجهم: ليس هذا يحرم أكلها، وإنما سماهما فاسقين لأذاهما المحرم.
والفاسق في اللغة: هو المتعدي.
قال ابن المواز: ولا بأس بأكل الدجاج التي تأكل النتن، وأن أبا موسى أتى بلحم دجاج فتنحى رجل، فقال له: مالك؟ / فقال: رأيته يأكل قذراً فقذرته، فقال له أبو موسى: ادنه مني، فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكله.
ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس بأكل الهدهد والخطاف، وروى عنه علي في العتبية: أنه كره أكل الخطاف.
ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس بأكل الجلالة من البقر والإبل والغنم كالطير التي تأكل الجيف.
وقال ابن حبيب: نحن نكره أكلها من غير تحريم، وروى عن عمر، وابن عمر أنهما كرها لحومها وألبانها وركوبها.
قال ابن حبيب: وروثها وبولها نجس، وكذلك عرقها.
والصواب: أن عرقها ولبنها طاهر؛ لأنه انقلبت عينه، قاله غير واحد من أصحابنا.
قال ابن المواز: وقد قال مالك في صيد يصاد بالخمر ليسكر: لا بأس به.
وإذا رضع جدي خنزيرة أحببت ألا يذبح حتى يذهب ما في جوفه، فإن ذبح مكانه أكل كما يؤكل الطير الذي يأكل الجيف.
قال ابن المواز- عن ابن القاسم-: وقاله القاسم بن محمد
قيل لابن: القاسم: بحدثانه أو بغير حدثانه؟ قال: ذلك سواء.
فصل [في حكم أكل لحوم البغال والخيل والحمير]
قال مالك: ذكر الله الأنعام فقال: ﴿وَمِنْهَا تَاكُلُونَ﴾، وقال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ فبين الله تعالى ما خلقها له، فلا تؤكل البغال والخيل والحمير.
قال: وإذا دجن حمار وحشي، وصار يعمل عليه لم يؤكل عند مالك، وقال ابن القاسم: لا بأس بأكله.
م: فوجه قول مالك: فلأنه لما تأنس وصار يعمل عليه فقد صار كالأهلي، وقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية.
ووجه قول ابن القاسم: أنه صيد مباح أكله فلا يخرجه عن ذلك التأنس كسائر الصيد.
قال ابن حبيب: وأما الحمار الإنسي إذا انفلت واستوحش ولحق بحمر الوحش فلا يصح أكله، وهو قول مالك، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الأهلية، والبغال مثل ذلك، ولا تؤكل الفرس، ولا يبلغ مبلغ ذلك في التحريم للاختلاف فيه.
قال ابن المواز: وما رأيت أحداً يأخذ به، وقد كرهه ابن عباس، وقد وصف الله جل ثناؤه ما خلقت له فقال: "لتركبوها وزينة".
وقال أبو محمد عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة والشافعي: إنها مباح من غير كراهية.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ ففرق بينها وبين الأنعام؛ ولأن الخيل محتاج إليها للجهاد عليها، وفي إباحة أكلها تطرق إلى انقطاع نسلها.
وأما أكل لحوم الحمر الأهلية فمغلظ الكراهية عند مالك.
ومن أصحابنا من يقول: هو حرام، وليس كالخنزير.
فوجه قول مالك: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما سكت عنه فقد عفى عنه".
ووجه التحريم: ما روي أنه صلى الله عليه وسلم حرم لحوم الحمر الأهلية.
ومن المدونة: قال مالك: ولا أحب أكل الضبع، والثعلب، ولا الذئب، ولا الهر الوحشي ولا الإنسي، ولا شيء من السباع.
قال ابن حبيب: ولم يختلف المدنيون في تحريم لحوم السباع العادية مثل الأسد والنمر والذئاب والكلاب.
وأما غير العادية مثل الدب والثعلب والضبع والهر الوحشي والإنسي فيكره أكلها ولا يبلغ به إلى التحريم للاختلاف فيها وأن المحرم يديها، قاله مالك: وابن الماجشون.
ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس بأكل الأرنب والقنفذ والضب والضرابيب والوبر.
قال ابن حبيب: والوبر واليربوع من دواب الحجاز، والوبر أكبر من القلنية، واليربوع أصغر منها، والضب يسمى بالأندلس الملونة وعاف النبي صلى الله عليه وسلم أكل الضب، ولم يحرمه، بل أمر غيره بأكله، وقال: "إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه".
ابن حبيب: وكذلك عاف الأرنب، ولم يحرمه.
ومن كتاب الذبائح قال ابن القاسم: ولا بأس بأكل اليربوع والخلد،/ وقد أجاز مالك الوبر، فهذا مثله.
قال ابن حبيب: والخلد فأر أعمى يكون بالصحارى والأجنة.
ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس بأكل الحيات إذا ذكيت في موضع ذكاتها.
وقال ابن حبيب: ويكره أكلها لغير ضرورة.
قال مالك: والحلزون كالجراد ما أخذ منه حياً فسلق أو شوى أكل، يريد: ويسمى الله عندما يكون منه موته.
قال: وما أخذ ميتاً لم يؤكل، وأما الضفادع فلا بأس بأكلها؛ لأنها من صيد الماء.
ثم كتاب الصيد من الجامع لابن يونس بحمد الله وعونه، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.