[الباب الأول]
في إباحة الصيد وّذِكْر الصيد للهو، وتعليم الجوارح، وإرسالها، وذكر التسمية عندها.
قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾، فالذي تناله الأيدي: صغار الصيد وفراخها في وكورها.
والذي تناله رماحنا: الكبير الممتنع بنفسه، وقال تعالى: / ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ 210/ أ، فتكليبها: تعليمها الاصطياد، ودخل مدخل الكلاب في الاصطياد بها غيرها من السِّباع المعلمة وسباع الطير بدخولها في اسم الجوارح، والجوارح: الكواسب لقوله عز وجل: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾، أي: ما كسبتم، وقال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ يريد: اكتسبوها، فجعل عز وجل إمساكهن ذكاة حين لا تصل الأيدي إلى الذكاة، وكذلك السِّهام.
فصل [1 - الصيد مباح إلا أن يكون القصد به اللهو فيُكره]
قال ابن حبيب: روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تبدّى جفا، ومن لزم الصيد لها، ومن لزم السلطان فُتِنْ» في حديث آخر: «من لزم الصيد غفل».
وكره مالك الصيد للهو ونهى عنه ورآه سفهًا، ولم يجز قصر الصلاة فيه، وأجازه لمن يصطاده لعيشه وعيش أهله.
قال مطرف، وابن الماجشون: واستخف مالك الصيد لأهل البادية، وقال: هم بمكانة ولا غنى لهم عنه، ويرى خروج أهل الحضر إليه سفهًا وخِفّة.
قال أبو محمد، ومحمد بن عبد الحكم: يجوز الصيد للهو؛ لقوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ فعم.
فصل [2 - في اشتراط كون الجارح مُعلّمًا وصفة التعليم]
ومن المدونة: قال مالك: والمُعلم من بازٍ أو كلب: هو الذي يعقل: إذا زُجِر انزجر، وإذا أرسل أطاع، وقال السلالقه، وغيرها إذا عُلّمت فهي سواء.
قال ابن القاسم: والفهد وجميع السباع إذا علمت فهي كالكلاب.
م: وقال غيرنا: لا يؤكل إلا صيد الكلاب، وقال غيره: لا يؤكل صيد الكلب البهيم.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ فعمّ، وقوله صلى الله عليه وسلم
«إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله تعالى فكل»، ولم يفرق بين البهيم وغيره، وقوله في حديث عدي: «ما علمت من بازٍ، أو كلبٍ، ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك».
ومن المدونة: قلت لابن القاسم: فجميع سباع الطير إذا علمت أهي بمنزلة البزاة؟.
قال: البزاة، والعِقبان، والزّمامجة، والشذانقات، والصُقور المعلمة، وما أشبهها فلا بأس بها عند مالك.
قال ابن حبيب: وتعليم الكلب: أن تدعوه فيجيب، وتشليه فينشلي، وتزجره فينزجر، وكذلك الفهود.
فأما البزاة، والصقور، والعِقْبان فإنما تعليمها أَنْ تُجيب إذا دُعيت وتنشلي إذا أُرسلت، فأما أن تنزجر إذا زُجرت فليس ذلك فيها ولا يمكن منها، وقاله ربيعة، وابن الماجشون.
قال أبو محمد: وقال بعض اللغويين: ويُقال للزجر: إشلاء، كما يُقال: زجرت التّنّور: إذا أوقدته، ويُقال: كف، ويُقال له: زاجر ومزدجر.
قال ابن حبيب: ولا يؤكل صيد النِمس إذا قتل، وإذا أنفذ المقاتل؛ لأنه ليس بمعلم ولا يفقه التعليم.
فصل [3 - فيمن أرسل كلبًا غير معلم أو أرسل معلمًا فشركه آخر غير معلم]
ومن المدونة: قال مالك: ومن أرْسل كلبًا غير معلم لم يؤكل ما اصطاد إلا أن يكون معلمًا أو يدرك ذكاته فيذكيه.
قال: وإن أرْسل كلبًا، أو بازًا مُعلّمًا على صيد فأعانه عليه كلبٌ أو بازٌ غير معلم لم يؤكل إلا أن يدرك ذكاته فيذكيه.
قال ابن القاسم: وكذلك لو أعانه عليه كلب مُعَلّم لم يرسله أحد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عديّ: «وإن خالط كلبك كلابًا فقتلن ولم يأكلن منه شيئًا فلا تأكله لأنك لا تدري أيها قتلته».
قال عبد الوهاب: وأجاز الشافعي أكل كل ما شورك فيه على كل وجه.
ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عدي: «وإن شاركه كلب آخر فلا تأكله».
قال ابن القاسم: إلاّ أن يكون الثاني أرسله صاحبه أيضًا على الصيد يعينه ونوياه جميعًا فقتله كلباهما فإنه يؤكل، ويكون الصيد بينهما إذْ لا مزية لأحدهما على الآخر إلا أنْ يعلم أن الأول/ أنفذ مقاتله قبل وصول الثاني إليه فيكون للأول؛ لأن الذكاة قد 210/ ب تمت به دون الثاني.
قال ابن المواز: ومن أرسل كلبًا على صيد ثمّ مدّه بآخر بعد أن فارقه الأول فقتلاه، أو قتله أحدهما فأكلُه جائز.
قال أصبغ: ما لم يكن إرسال الثاني بعد ما أخذه الأول فشركه في قتله، أو قتله الثاني وحده، فهذا لا يؤكل، يعني: ما لم يُعنيه بعد إنفاذ الأوّل مقاتله، فهذا يؤكل.
قال أصبغ: ولو أرسل الثاني قبل أن يأخذه الأول فهذا من قتله منهما فإنه يؤكل.
ومن المدونة: قال مالك: وإنْ أرسل مسلم كلبًا معلمًا لمجوسي أكل صيده.
م: وهو كذبيحة سِكّينه.
قال مالك: وإنْ أرسل مجوسي كلب مسلم معلم فقتل الصيد لم يؤكل كذبحه بسكين المسلم، وإن أرسل مسلم ومجوسي كلبًا فأخذ الصيد فقتله لم يؤكل.
ابن حبيب: وكذلك سهماهما إلا أن يؤقن أن سهم المسلم قتله دون سهم المجوسي مثل أنْ يوجد سهم المسلم في مقتله، وسهم المجوسي في عضو سواه يريد: أطرافه، قال: فإنه يحل ويقسم بينهما.
قال: ولو أخذاه حيًا حكم للمسلم بذبحه وأخذ نصفه.
قال أبو محمد عن بعض أصحابه: فإن قال المجوسي: أنا لا آكل ذبيحة المسلم فإنهما يُؤْمران ببيعه ويُقْسم ثمنه إلا أن يكون بموضع لا ثمن له فيُمكّن المسلم من ذبحه إن شاء، لقوله صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه».
فصل [4 - في التسمية عند الرمي، وعند إرسال الجوارح وعند الذبح]
ومن المدونة: قال مالك: ولا بد من التسمية عند الرمي، وعند إرسال الجوارح، وعند الذبح.
م: لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وقال: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا أرسلت كلبك وسميت فكل»؛ ولأن العقر أحد نوعي الذكاه فوجب أن يسمّي له كالذبح.
قال مالك: فإن نسي التسمية في ذلك كله أكل وسمّى الله تعالى.
قال ابن القاسم: وإن ترك التسمية عمدًا لم يؤكل كقول مالك في ترك التسمية على الذبيحة.
وقال أشهب: إن ترك التسمية مستخفًا بها فلا تؤكل، وأما من لا يعلم ما عليه في تركها فإنها تؤكل.
م: والتسمية عند مالك واجبة عند الذكر وقول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إنما يعني بهذا على ما ذكره المفسرون: أي كلوا ما ذبح بملتكم، ولا تأكلوا مما لم يذبح بملتكم، ولم يعن لذلك التسمية.
وسبب نزول الآية: أنّ الكفار كانوا يقولون للمسلمين: ما لكم تأكلون مما ذبحتم ولا تأكلوا مما ذبح الله؟ يعنون لما ذبح الله: الميتة، فأنزل الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ﴿وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ألا تراه عز وجل قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾، فمجادلتهم كانت قولهم: لم تأكلوا مما ذبحتم ولا تأكلوا مما ذبح الله؟.
والله أعلم.
ومن المدونة: قال مالك: ومن أمر عبده بالذبح، وأمره بالتسمية مرتين أو ثلاثًا كلُّ ذلك يقول العبد: قد سميت ولم يسمعه السيد فلا بأس أن يصدقه ويأكل مما ذبح، إلا أنْ يتركه تنزهًا، كما فعل عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة.
قال أشهب: ولا يحتاج إلى التسمية في صيد الحوت، وروي عن ابن المسيب: إذا خرجت قانصًا وذكرت اسم الله تعالى حين تخرج كفاك، ويروى نحوه عن ابن عباس.
قال ابن حبيب: يعني: إذا نسي التسمية.
م: وظاهر قولهما خلاف ما تأوّل ابن حبيب، وأن التسمية تجزي حين الخروج للصيد، خلافًا لما قال مالك - رحمه الله - والله عز وجل أعلم.
[الباب الثاني]
فيما توارى عنك من الصيد أو بات أو فرّطت في تذكيته
قال مالك - رحمه الله -: / ومن توارى عنه كلبه والصيد ثم وجده ميتًا فيه أثر 211/ أكلبه أو بازه أو سهمه أَكَلَهُ، وإن لم يجده إلا آخر النهار ما لم يبت، فإن بات فلا يأكله وإن أنفذت مقاتله الجوارح أو سهمه وهو فيه.
قال ابن القاسم: ولم أرَ لمالك ها هنا حجة أكثر من أنها السنة عنده.
قال ابن المواز: أما السهم: فلا بأس بأكل ما أنفذ مقاتله وإن بات، وأما الكلب، والبازي: فلا يأكله إن بات، وقاله أصبغ.
وكان ابن القاسم، وأشهب يريان في السهم ألاّ يؤكل إذا بات.
ابن القاسم: وقاله مالك.
م: وإنما قال ذلك: لحديث ابن عباس وهو قوله: «كل ما أصميت، ولا تأكل ما أنميت».
والإصماء: ما حضرت موته أو قرب منك، والإنماء: ما بعد منك موته.
قال ابن المواز: وهذا حديث مبهم، ليس فيه أنّ السهم أنفذ مقاتله، أو لعله فيما لم ينفذ مقاتله، وهو بيّن لا شك فيه.
قال أصبغ: وقد اختلف الناس في تأويله، فقال بعضهم: هو السهم الذي لم تنفذ مقاتله وبات لما يخاف أنْ يكون أعان على موته طول الليل أو هوام الأرض والوحش، وأما إذا أصبت سهمك فيه قد أنفذت مقاتله وهو فيه لا شك في معرفته فقد ذكّته رميتك فلا يضرّك ما أعان على موته.
قال أصبغ: وقد أمن عليه مما يخاف الفقهاء أن يكون موته من غير سبب السهم.
قال: ولم نجد لرواية ابن القاسم هذه عن مالك ذكر في كتب السماع، ولا رواها له أحد من أصحابه، ولم يشكّ أنّ ابن القاسم وَهِمَ فيها، أو عن بلاغ ضعيف.
وقد قال مالك في السهم إذا أنفذ مقاتل الصيد، ثم تردّى من جبل أو غرق في نهر أن أكله حلال؛ لأنّ السهم قد أنفذ مقاتله.
قال أصبغ: فكذلك الميت.
قال ابن المواز: وبه أقول، وهو الصواب.
وقد حُدّث أن عدي بن حاتم سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إنا نرمي الصيد، ثم نطلب الأثر بعد ليلة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيت سهمك تعلم أنه قتله
فكله»، وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيمن رمى صيدًا ثم أتبعه حتى وجده من الغد، وبه أثر سهمه يعرفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يأكله، لا يدري أهوام الأرض أعان عليه، لو تعلم أن سهمك قتله لأكلته».
قال ابن المواز: فهذا قوة على أن لو كان قتله السهم لم يضره المبيت.
والله أعلم.
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: يؤكل ما بات إذا وجد قد أنفذت الجوارح مقاتله أو السهم إذا لم يشك في ذلك، وقاله أشهب، وابن عبد الحكم، وأصبغ.
وقال ابن القاسم: لا يؤكل، والأوّل أحبّ إلينا.
وما ذكر ابن حبيب عن أشهب خلاف ما ذكر عنه محمد، والصواب من ذلك ما قاله أصبغ في كتاب محمد.
قال سليمان: وقاله سحنون، وعليه جماعة من أصحابنا.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو لم يبت إلا أنه لما توارى عنه الجارح والصيد رجع عنه الرجل إلى بيته، ثم عاد فأصابه من يومه لم يؤكل إذ لعله لو كان في الطلب ولم
يفرّط أدرك ذكاته قبل فوات نفسه أو قبل إنفاذ مقاتله، فلما رجع إلى بيته فقد فرّط، ألا ترى أنه لو أدركه قبل أن ينفذ الكلب مقاتله فتركه حتى قتله الكلب لم يؤكل.
قال مالك: وكذلك لو أدركه حيًا فاشتغل بإخراج سكين من خُرْجِه أو بانتظار من هي معه من عبد أو غيره حتى تقتله الجوارح أو يموت، وقد اعتزلت الجوارح عنه لم يؤكل؛ لأنه أدركه حيًا، ولو شاء أنْ يذكيه ذكاه.
ابن المواز: ولو كانت السكين في خُفِّه، قال ابن القاسم - في العتيبية - أو في حِزاَمه فبينما يخرجها من الخف أو الحِزَام مات الصيد فلا بأس بأكله؛ لأنه حملها في موضع تحمل فيه فلم يفرّك، والذي حملها في الخُرْج قد فرّط، فافترقا.
ومن المدونة: ولو أدرك الصَّيد يَضْطرب وقد أنفذت الجوارح مقاتله فالأحسن عند مالك أن يَفْري أوداجه، فإن لم يفعل وتركه / حتى مات أكله، ولا شيء عليه.
211/ ب
قال مالك: وإنْ كان قد أدرك الكلب أو البازي على صيد فأراد أنْ يُذكيه فلم يستطع، فإن كان قد غُلِب عليه ولم يأت التفريط منه حتى فات بنفسه فله
أكله، ولو كان لو شاء أن يعزله عنه عزله وذكاه فلم يعزله حتى مات لم يأكله.
قال ابن المواز: ولو مرّ به غير صاحبه فرآه في مخالب البازي، أو في فم الكلب، وكان يقدر على تخليصه فتركه ولم يلحقه صاحبه حتى فات بنفسه فلا يؤكل، وغير صاحبه في هذا مثل صاحبه، وقاله مالك.
ومن المدونة: قال مالك: فإن كان لا يقدر على خلاصه من الكلب إلا أنه يقدر أن يذكيه تحته فليذكيه، فإن لم يذكه حتى مات فلا يأكله.
قال: ولو قدر على خلاصه من الكلاب فذكاه وهو في أفواهها تنهشه فلا يؤكل إذْ لعله من نهشها مات.
قال ابن القاسم: إلا أنْ يوقن أنه ذكاه وهو مجتمع الحياه قبل أن تنفذ هي مقاتله فلا بأس بأكله، وبئس ما صنع، كقول مالك فيمن ذبح شاةً ثمّ منها بضعة قبل أن يزهق نفسها أنّ البضعة تؤكل، وبئس ما صنع، فقطعُُ البضعة منها قبل زهوق نفسها كترك الكلاب تنهشها بعد ذبحها.
قال: وإن أدركه وقد أنفذ الكلب أو البازي أو السهم مقاتله فقد فرغ من ذكاته كلها.
قال مالك: وإن أدركه والكلاب تنهشه ولم تنفذ مقاتله وليس معه ما يذكيه به فتزكه حتى مات بقتله لم يؤكل، وإن أدركه حيًا فبادر بذبحه ولم يفرّط حتى فات بنفسه أكل.
[الباب الثالث]
في أكل الجوارح المعلمة من الصيد
قال ابن حبيب - في قول الله عز وجل -: «فكلوا مما أمسكن عليكم»: يقول: مما صِدْن فأَدْرَكن، ليس يريد: أن يمسكه فلا يأكل منه.
قال مالك: وإذا أكل الكلب من الصيد أكثره أو أقلّه فليأكل بقيته ما لم يبت، وهو إنْ أكل من كل ما أخذ فهو معلم.
ومن كتاب ابن المواز: قيل لمحمد: فالحديث الذي روي عن الشعبي أنّ عدي بن حاتم سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلب فقال: «إذا أرْسلت كلبك المعلم فاذكر اسم الله، وإن أدْركته لم يقتل فاذبح واذكر اسم الله، وإنْ أدركته وقد قتل ولم يأكل فكل فقد أمسك عليك، وإن وجدته وقد أكل منه فلا تطعم منه شيئًا فإنما أمسك على نفسه».
وما روي عن ابن عباس: أنه لم ير أكله، وقد احتج في ذلك بقوله تعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، وهذا إنما أمسك على نفسه.
قال ابن المواز: رُوي هذا الحديث، وروي نقيضه، وروي أن أبا ثعلبة الخشني
سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي كلابًا فافتني في صيدها؟.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كانت من كلابك معلّمة فكل ما أمسكت»، فقال له: ذكي أو غير ذكي؟
فقال: «نعم»، فقال: وإنْ أكلت منه شيئًا؟.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، وإن أكلت».
قال ابن المواز: فهذان حديثان عن الرسول صلى الله عليه وسلم صحب أحدهما العمل، وقال به جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم منهم: علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وابن عمر، وسلمان الخير، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وربيعة،
وابن شهاب، وعطاء رضي الله عنهم، ولم يزل العلماء يتبعون الأحاديث ولا يأخذون إلاّ بالمعروف المعمول به منها، فالعمل أثبت من الأحاديث؛ لأنّ فيها الناسخ والمنسوخ، وفيها ما صح، وهو خاص، وفيه ترغيب وليس بحكم، وفيها ما لا يصح، وإنما تعلق أصحاب ابن عباس والشعبي بحديث عدي بن حاتم.
قال ابن حبيب: وقد روي في حديث عدي بن حاتم نحو حديث أبي ثعلبة.
قال غيره: وقد اختلف عن عدي فيه، وقد ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول: إذا أكل الكلب فلا تأكل، وإذا أكل الصقر فكل؛ / لأنك تضرب الكلب وتطرده 212/ أوينتهي، ولا يستطيع أنْ تضرب الصقر.
[الباب الرابع]
فيمن أرسل كلبه أو بازه أو سهمه على صيد فأخذ غيره، أو على جماعة فأخذ بعضها
قال ابن القاسم: ومن أرسل كلبه على جماعة صيد ولم يرد واحداً منها دون الآخر فأخذها كلها أو بعضها أكل ما أخذ منها.
وقد قال مالك فيمن أرسل بازه على جماعة من الصيد ونوى ما أخذ منها فأخذ أحدها، أو يرمي جماعة من الطير ينويها فيصيب واحداً منها فليأكله، فهذا يدلك: أنه إذا أصابها كلها فلا بأس بأكلها.
وقال مالك: إذا أصاب برميته اثنين منها أكلهما.
وقال ابن المواز: إذا أرسله على جماعة ينوي ما أخذ منها فأخذ اثنين أو واحداً بعد واحد فلا يأكل إلا الأول، إلا أن يقتلهما في رميةٍ واحدة فيصير كقول مالك في السهم يؤكل كل ما قتل في رميته إلا أن ينوي في السهم وغيره واحداً بعينه فلا يأكل غيره، وهذا عندي معنى كلام مالك فيما قتل الكلب أو السهم من الجماعة أنه يؤكل.
ورأى ابن القاسم: أن الكلب والبازي إذا قتل تلك الجماعة أكلت، كقول مالك في السهم، وذلك مفترق؛ لأنها رمية واحدة في السهم.
والكلب إذا قتل واحداً احتاج في
قتل الثاني إلى إرسالٍ ثانٍ.
ومن المدونة: قال مالك: فإن رأى جماعة من الطير في الهواء بعضها فوق بعض، فرمى وهو يريد ما أصاب منها جميعاً فليأكل ما أصاب من الجماعتين جميعاً.
قال ابن المواز: ولو أرسل على طيور وظباء ينوي ما أخذ من ذلك فما أخذ من ظبي أو طير فهو يؤكل، وكذلك لو أرسلت على ظبي وأرنب كلبين فأخذ هذا طبياً وهذا أرنباً فإنه يؤكل ما أخذا.
ومن المدونة: قال: وإن أرسل كلباً على جماعة صيد ونوى واحداً منها بعينه فأصاب غيره أو نوى جماعة فأصاب من جماعة أخرى غيرها فلا يأكله إذا كان قد أنفذ مقاتله.
قلت: فإن أرسل كلبه على صيد لا يرى غيره ونوى ما أصاب سواه؟
قال: فليأكل ما أصاب من سواه، وكذلك قال مالك: إذا أرسله على جماعة ونوى إن كان وراءها غيرها فهو عليها مرسل فليأكل ما أخذ من سواها.
وقال أشهب: لا يأكل إلا ما أرسل عليه إلا ما أدرك ذكاته مما لم يره،
وكذلك عنده إذا أرسله في غيظه لا يعلم ما فيها فلا يؤكل ما أصاب.
قال ابن القاسم: وإن أرسله على جماعة ينويها ولم ينو غيرها لم يأكل ما أصاب من غيرها، كان قد رآها أو لم يرها.
قال: وإن رميت صيداً اعتمدته فأصبت غيره، أو أصبته فأنفذته، وأصبت آخر وراءه لم تأكل إلا الذي اعتمدت إلا أن تنوي ما أصاب من سواه فلتأكل كل ما صاد سواه.
[الباب الخامس]
في خروج الجارح بإرسال ربه أو بغير إرساله، وكيف إن عجز عن الصيد، ثم عاد فأخذه
قال مالك- رحمه الله- وإذا أثار رجل صيداً فأشلى عليه كلبه وهو مطلق فانشلا وصاده من غير أن يرسله من يده فليؤكل ما صاد، ثم رجع مالك فقال: لا يؤكل حتى يطلقه من يده مرسلا له مشلياً، وبالأول أخذ ابن القاسم.
ابن المواز: وكذلك لو رآه الكلب، ثم لم يخرج إليه إلا بإرسال ربه لأكل.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: قال مالك: ولو ابتدأ الكلب طلبه أو أفلت من يده عليه ثم أشلاه ربه بعد ذلك فأخذ الصيد فقتله لم يؤكل إلا أن يدرك ذكاته قبل إنفاذ مقاتله؛ لأن الكلب خرج من غير إرسال ربه؛ لأن الإرسال شرط في جواز الأكل بدليل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، ولا يكون ممسوكاً علينا إلا بأن نرسله، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى فكل)؛ ولأن من شرط الذكاة النية، فإرسال الكلب كنية الذابح.
قال ابن المواز: وأجاز أصبغ أكل ما يبتدي الكلب طلبه إذا أتبعه ربه بالإشلاء والتحريض والتسمية.
قال ابن المواز: ولا يعجبني.
قال ابن المواز: ومن رأى كلبه يحد النظر وكالملتفت فأرسله على شيء لم يره فليأكل ما أخذ، وذلك كإرساله إياه في الغياض والغيران لا يدري ما فيها، أو عرف بالصيد فيها أو لم يعرف، قاله مالك.
ومن العتبية: قال ابن القاسم: قال مالك في البازي يضطرب على يد صاحبه على شيء يراه ولم يره صاحبه فيرسله على غير شيء يراه فأخذ صيداً فلا أحب له أكله فلعله غير الذي اضطرب عليه إلا أن يوقن أنه الذي اضطرب عليه بعينه مثل أن يراه غيره ولم يره هو.
وإذا اضطرت الكلاب الصيد حتى وقع في حفرة ولا مخرج له منها أو انكسرت رجله فتمادت عليه الكلاب فقتلته فلا يؤكل؛ لأنه أسير.
محمد: وهذا إذا كان لو تركته الكلاب قدر ربها على أخذه بيده، ولو لجأ إلى
غارٍ لا منفذ له أو إلى غيضه فدخلت الكلاب إليه فقتلته لأكل، ولو لجأ إلى جزيرة أحاط بها البحر فوعر طريقه إليها فأطلق عليه كلابه أو تمادت فقتلته، فأما الجزيرة الصغيرة التي لو اجتهد طالبه لأخذه بيده ولا تكون له من الماء نجاة، أو كانت جزيرة كبيرة يجد الروغان فيها لاتساعها حتى يعجز طالبه إلا بسهم أو كلب فإنه يؤكل الصيد.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أرسل كلبه أو بازه على صيد فطلبه ساعة ثم رجع عن الطلب، ثم عاد فقتله، فإن كان كالطالب له يميناً وشمالاً أو عطفاً وهو على طلبه، فهو على أول إرساله، وإن وقف لأكل جيفة أو لشم كلب أو سقط البازي على موضع عجزا عنه ثم رآياه فاصطاداه فلا يؤكل إلا بإرسال مؤتنف.
[الباب السادس]
في قطع الجارح أو الصائد عضواً من الصيد أو جزله نصفين
قال مالك: وإذا قطع الكلب أو البازي عضواً من الصيد من يد أو رجل أو جناح أو فخذ أو عظم أو غيره فأبانه فليذكيه ويأكل بقيته دون ما أبان منه، وإن لم يدرك ذكاته ومات بنفسه من غير تفريط فليأكله دون ما أبان منه.
قال ابن المواز: ولو أدركه حياً ففرط في ذكاته حتى فات لم يؤكل منه شيء.
ومن المدونة: قال مالك: وكذلك إن ضربت صيداً فأبنت ذلك منه أو أبقيته معلقاً بالجلد بقاءً لا يعود لهيئته أبداً فإنه يذكى ويؤكل دون ما تعلق منه أو أبان.
قال: فأما إن كان ما تعلق به يعلم أنه يلتحم ويعود لهيئته فليؤكل جميعه.
قال: وإن ضربته فأبنت رأسه، أو ضربت وسطه فخزلته نصفين فليؤكل جميعه.
قال مالك: وكذلك لو ضربه فأبان العجز فليأكل الشقين جميعاً.
ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم: كلما ضربته من الوركين إلى الرأس فخزلته نصفين فليؤكل جميعه، ولو أبان فخذيه ولم تبلغ ضربته إلى الجوف فلا يؤكل ما أبان منه، ويؤكل ما بقي.
قال ابن المواز: قال ربيعة، ومالك: ومن ضرب صيداً فأبان وركيه مع فخذيه فلا يؤكل ما أبان منه، وليؤكل باقيه.
م: وليس هذا خلاف ما تقدم؛ وإنما معناه: أنه لم يبلغ الجوف.
والله أعلم.
والعلة في جميع ذلك: أن كل ضربة بلغت المقاتل فخزلت فهو ذكي كله إذ لا حياة للصيد بعد ذلك أبداً، وكل ما لا يبلغ المقاتل وأمكن أن يحي الصيد بعده فالذي خزل منه ميتة؛ لأن كل شيء أخذ من الحي مما جرى فيه الدم فهو ميتة إذ لا يذكي شخص مرتين، فلذلك لم يؤكل ما خزل منه من يدٍ أو رجلٍ.
وبالله عز وجل التوفيق.
[الباب السابع]
في صيد الصبي والذمي والسكران والمجنون
وخص الله تعالى إباحة صيد المؤمنين بقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾، ولم يذكر اليهود ولا النصارى، وصبيان كل قوم مثل رجالهم.
قال ابن القاسم: ويؤكل صيد الصبي قبل بلوغه إذا قتلت الكلاب صيده، وقد قال مالك: ذبيحة الصبي تؤكل إذا أطاق الذبح وعرفه فكذلك صيده.
قال مالك: وتؤكل ذبيحة اليهودي، والنصراني.
قال ابن القاسم: ولا أرى صيدهما مثل ذبائحهما؛ وإنما لا يجوز صيدهما لقول الله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾.
قال ابن المواز: وأجازه أشهب، ولا يعجبنا، وقد كرهه مالك.
قال ابن حبيب: ونحن نكرهه، ولا يبلغ به التحريم.
والقياس: أنه كذبائحهم، وقد أجازه أشهب، وابن وهب، وإنما ذكر الله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ في ذكره سبحانه لما نهى المحرم عنه من الصيد.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم أو لأعيادهم فقد كرهه مالك من غير تحريم، وتأول فيه قول الله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.
قال ابن القاسم: وكذلك ما سموا عليه المسيح فلا أرى أن يؤكل.
قال مالك: ويؤكل ما صاده المجوسي في البحر، ولا يؤكل ما صاده في البر إلا أن يدرك المسلم ذكاته قبل أن ينفذ المجوسي مقاتله، وتؤكل ذبيحة الغلام أبوه نصراني، وأمه مجوسية؛ لأنه تبع لدين أبيه إلا أن يكون تمجس وتركه أبوه على ذلك فلا يؤكل صيده، ولا ذبيحته.
قال ابن القاسم: وإذا ارتد المسلم إلى أي دين كان فلا تؤكل ذبيحته ولا صيده.
قال ابن المواز: قال مالك: ولا يؤكل صيد الصابئ ولا ذبيحته، وقد كره الحسن نكاح نساء الصابئين.
قال مجاهد: هو قوم بين اليهود والمجوس لا دين لهم.
ابن المواز: قال مالك: لا يؤكل صيد السكران ولا المجنون الذي لا يعقل ولا ذبيحته.
م: لأنهما ممن لا تصح منهما النية، وذلك شرط في الصيد والذبح.
قال ابن المواز: ولا تؤكل ذبيحة الأعجمي الذي لا يعقل الصلاة.
م: كالمجوسي.
قال ابن حبيب: وأكره صيد من لا يتحفظ من المسلمين من جاهل بحدود الصيد غير متحر لصواب.
[الباب الثامن]
في صيد البحر وما يحيى منه في البر، وأكل الطافي وخنزير الماء
قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته".
قال مالك: فصيد البحر ذكي لا يحتاج فيه إلى تذكية.
قال ابن القاسم: ولا يحتاج في صيده إلى التسمية؛ لأنه ذكي، ألا ترى أن المجوسي يصيده فيكون حلالاً.
قال: ولا بأس بأكل الطافي من الحوت، وهو ما مات منه فطفى على الماء.
وقال أبو حنيفة: لا يؤكل إلا أن يموت بسبب.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾، ففرق بين الصيد والطعام، فدل أن الطعام ما مات بنفسه، وقوله صلى الله عليه وسلم: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"،
وفي حديث جابر: ان أبا عبيدة أصاب حوتاً ميتاً فأكل الجيش منه ثمانية عشر ليلة، ثم أعلموا النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله، فهل معكم شيء منه؟ ".
ومن المدونة: قال مالك: ومن وجد حوتاً في بطن حوت فلا بأس بأكلهما.
قال ابن القاسم: وكذلك إن ذبح طير الماء فوجد في بطنه حوتاً فله أكله.
م: قيل: فإن وجد الطير ميتاً ووجد في بطنه حوتاً فلا يؤكل إذ قد صار الحوت نجساً.
م: والصواب: جواز أكله كما لو وقع الحوت في نجاسة فإنه يغسل ويؤكل فهو كالجدي/ الذي رضع خنزيرة، والدجاج أو الطير التي تأكل النجاسة، فإنها
تذبح وتغسل وتؤكل وإن كان بحدثان ما أكلته، وذلك بخلاف المائعات من زيت ونحوه؛ لأن ذلك يخالطه ويغيب فيه، وقد قيل في الزيت: يغسل من النجاسة، فكيف هذا؟.
قال بعض شيوخنا: ومن باع حوتاً فوجد المشتري في بطنه جوهرة غير معمولة مما يعلم أن الأملاك لم تتداولها فهي للبائع؛ لأنه إنما باع منه الحوت خاصة، ولو كانت الجوهرة مثقوبة مما يعلم أن الأملاك جرت عليها فهي كاللقطة، وكذلك قال: لا يبالي في المعمولة، وأما غير المعمولة فهي للمشتري الذي أخرجها، كقول أصحابنا فيمن باع حجراً، وهو لا يعلم ما هو فإذا هو جوهرة فلا حجة له وهي للمشتري.
قلت: مما يخرج من دواب البحر فيحي اليوم واليومين والثلاثة والأربعة في البر أيؤكل بغير ذكاة؟.
وقال: سئل مالك عن ترس البحر أيذكى؟ فقال: إني لأعظم هذا من قول من قال فيه: إنه لا يؤكل إلا بذكاة؟.
قال في العتبية: ولا بأس بأكل ميتته وبصيد المحرم له وإنما يذبح استعجالاً لموته، وما أكره ذبحه إلا أن يدخل على الناس شكاً أن ذلك عليهم فيه، ومن طير الماء ما يعيش في الماء وهو من صيد البر لا يؤكل إلا بذكاة.
ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس بأكل دواب البحر بغير ذكاة، ولا بأس بأكل الضفادع؛ لأنها من دواب الماء، وتوقف مالك أن يجيب في خنزير الماء، وقال: أنتم تقولون خنزيراً، وكرهه يحي بن سعيد، قال ابن القاسم: وأنا أتقيه ولا أرى أكله حراماً.
م: وإنما توقف فيه مالك، واتقاه ابن القاسم: لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾، فخاف أن يكون داخلا في الآية، والصواب: أنه ليس بداخل فيها، كما أن ميتة البحر ليست بداخلة في الآية، وقد أجاز أكله ربيعة، وظاهر القرآن والسنة يبيحه، وقد سمي- أيضاً- من دوابه الكلب وغيره ولا يحرم بذلك.
ابن حبيب: وكره علي بن أبي طالب رضي الله عنه مالا شقائق له من الحوت من غير تحريم.
قال ابن حبيب: كلما لا شقائق له فهو دابة من دواب البحر والماء وليست بحوت وإن كان على خلقته.
وقال ابن عباس: ولا بأس بأكل الجريث، وإنما حرمته اليهود.
قال ابن حبيب: وأنا أكرهه؛ لأنه يقال: أنه من الممسوخ.
ومن العتبية: قال ابن القاسم: وكره مالك أكل حيتان يصاد بسيكران فتسكر، وخاف على آكلها، وقال: هذا من فعل العجم.
وأجاز أكلها في رواية أشهب إذا لم يؤذ من أكلها.
قال: ولا بأس بقطع الحوت قبل أن يموت أو يلقى في النار حياً.
قال في رواية أخرى: وما أكرهه تلك الكراهية ولو تركه قليلاً مات، وكره غمس رؤسها في الطين، ولم يره شديداً.
[الباب التاسع]
جامع القول في صيد الجراد
قال مالك- رحمه الله-: ولا يؤكل ميت الجراد، ولا ما مات منه في الغرائر بعد أخذه حياً.
ابن المواز: وقاله ربيعة، وابن شهاب.
وكان سعيد بن المسيب، وعطاء يقولان: إذا صدته حياً فلا بأس بما مات منه.
سحنون: وقاله أشهب.
ابن وهب: وقال: صيده: ذكاته، ويذكر ذلك عن بعض أصحاب النبي.
وقول مالك: أصوب، لأن المحرم لو قلته وداه.
قال محمد بن عبد الحكم: يؤكل وإن مات بغير سبب لقوله صلى الله عليه وسلم: "أحلت لنا ميتتان" فذكر: السمك، والجراد.
ومن المدونة: ولا يؤكل منه إلا ما قطعت رءوسه أو قلي أو شوي حياً وإن لم تقطع رءوسه فهو حلال.
قيل: أفتطرح في النار وهي حية؟ قال: لا بأس بذلك، وهو ذكاته.
قال ابن القاسم: ولو قطعت أرجله أو أجنحته فمات بذلك لأكل ولم أسمعه من مالك.
قيل: فإذا أدخلها في الغرائر أليس من فعله ماتت؟
قال: لم أر عند مالك القتل إلا شيئاً يفعله بها بحال ما وصفت لك.
قال أصبغ: وقد قال ابن القاسم- قبل ذلك-: لا يؤكل بقطع الأجنحة والأرجل وهو أحب إلي؛ لأنها لا تموت من ذلك، وهي تنسل إذا تركت.
ومن كتاب آخر: وقاله أشهب في موتها بقطع الأجنحة والأرجل أنها لا تؤكل، قال: ولو طرحها في ماء حار قبل موتها أكلت، ولم يؤكل ما زايلها من أفخاذها، وأما الأجنحة فهي كصوف الميتة وتؤكل، قال: ولو سلقت أفخاذها معها، يريد: بعد أن قطعت قال: لم تؤكل هي ولا أفخاذها.
قال أبو محمد: وهذا غلط بين.
وقد قال سحنون: لو سلقت جراداً مع أحياءٍ لأكلت التي سلقت أحياء بمنزلة خشاش الأرض تموت في القدر.
م: وهذا إذا كانت الأحياء تعلم من الأموات وإلا طرح الجميع.
وكره سحنون أن تلقى في ماء بارد ولم يجز ذلك إلا في ماء حار.
وقال ابن عبد الحكم- في الواضحة-: ولابد من التسمية عليه عندما يكون منه موته من قطع رءوس، وغيره؛ لأنه ذكاته.
[الباب العاشر]
في صيد ما أثخن أو أسر، ومن ضرب طيراً في الجو، أو طرد صيداً حتى دخل دار قوم أو حبالاتهم
قال مالك- رحمه الله-: ومن رمى صيداً فأثخنه حتى صار لا يقدر أن يقوم، ثم رماه آخر فقتله لم يؤكل.
قال ابن القاسم: لأن هذا صار أسيراً كالشاة لا تؤكل إلا بذكاة، ويضمن الذي رماه فقتله للأول قيمته، يريد: مجروحاً.
قال ابن المواز: ومن أثار صيداً فأشلى عليه كلبه فهو في طلبه فوقع في حفرة أو لجةٍ أو انكسرت رجله فأخذه الكلب فقتله فإنه لا يؤكل، وكذلك كل ما يؤول إليه أمر الصيد فلا يستطيع التخليص والنجاة، ولو تركته الكلاب لقدر صاحبها على أخذه بيده بلا كلاب فتأخذه الكلاب بعد ذلك فتقتله فإنه لا يؤكل، وإن لم يفرط صاحبها ولم يلحقه حتى قتلته الكلاب؛ لأنه صار أسيراً قبل أن تأخذه الكلاب فلا يؤكل.
ومن المدونة: قال مالك: ومن رمى طيراً في الجو فسقط فأدركه ميتاً وأصاب السهم لم ينفذ مقاتله لم يؤكل إذ لعله من السقطة مات، وكذلك إن رمى صيداً في
الجبل فتردى من الجبل فمات لم يؤكل إلا أن يكون قد أنفذ مقاتله بالرمية.
فصل [فيمن طرد سيداً حتى دخل دار قوم، أو وقع في حبالاتهم]
قال ابن القاسم: ومن طرد صيداً حتى دخل دار قوم، فإن اضطره هو أو جوارحه إليها فهو له، وإن لم يضطره وكانوا قد بعدوا عنه فهو لرب الدار.
قال مالك: وما وقع في الحبالات فأخذه أجنبي فرب الحبالات أحق به.
ومن غير رواية يحيى: ومن نصب فخاً أو حبالات أو حفر حفيراً للصيد فطرد قوم صيداً حتى وقع في ذلك المنصب، فإن اضطروه وأعيوه وألجأوه إليه فهو لهم دون رب المنصب، وإن لم يكن كذلك وقد انقطعوا عنه فهو لرب المنصب، قاله ابن القاسم في العتبية.
قال ابن حبيب: وإن تعمدوا طرده إلى الحبالة ليقع فيها فوقع، فهو لهم، ولرب الحبالات بقدر ما يرى له ولهم.
وقال أصبغ: هو للذي طرده واضطره للوقوع في ذلك المنصب، وعليه قيمة ما انتفع به من ذلك المنصب، كمن صاد بسهم رجل أو بازه أو كلبه.
وهذا هو القياس.
ووجه قول ابن القاسم: أنهم لما وضعوا الحبالات ونحوها للصيد فصدوه به جعل حقهم فيه، لأن كل واحد قصده فأشرك بينهم فيه بقدر ما يرى له ولهم.