[فصل - 5 - في حكم ما يدخل الحلق من غير تعمد]
وقال مالك في الصائم يدخل في حلقه الذباب أو يكون بين أسنانه فلقة الحبة، ونحوها فيبتلعها مع ريقه فلا شيء عليه، ولو كان في صلاة لم يقطع ذلك صلاته.
قال أبو محمد: وقال أشهب: أحب إلي أن يقضي، وليس ذلك بالبين.
وقال عنه ابن عبد الحكم: وأما إن تعمد ذلك فليقض، يريد إن أمكنه طرحها.
قال ابن حبيب: إذا ابتلع ما بين أسنانه من حبة التينة، وفلقة الجذيذة ونحوها فقد أساء ولا شيء عليه، فعله سهوًا أو عمدًا، عن جهل أو علم، إلا أن يأخذ ذلك من الأرض فيبتلعه، فيلزمه في سهوه القضاء، وفي عمده جاهلاً أو عالمًا القضاء، والكفارة؛ لاستخفافه بصومه، لا لأنه غذاء بعينه.
وهكذا فسر لي من لقيت من أصحاب مالك، ولا معنى لتفرقته بين أن يكون ذلك في فمه أو يأخذه من الأرض؛ لأنها لم تكن في فيه إلا برفعها من الأرض إليه، فلا يغير الحكم طول إقامتها / فيه، كما لو كانت تينة كاملة أو لقمة.
قال ابن حبيب:
وإن كان في فيه حصاة أو لؤلؤة أو نواة أو لوزة أو عود أو مدرة فسبق ذلك إلى حلقه فعليه القضاء في السهو والغلبة، وإن تعمد ذلك تعبثًا فليكفر، قاله ابن الماجشون.
وقال أصبغ: وحكاه عن ابن القاسم: أن ما كان من ذلك لا غذاء له في الجوف ولا انحلال مثل الحصاة واللوزة بقشرها فلا يقض في سهره، ويقضي.
في العمد، وما كان له غذاء وانحلال / في الجوف مثل النواة والمدرة فعليه القضاء في / السهو والغلبة، وفي عمده القضاء والكفارة، والأول أحب إلينا، وهو قول سحنون في كتاب ابنه.
ابن حبيب: وقال ابن الماجشون في الغبار يكثر في حلق الصائم حتى يتجاوز إلى جوفه: فلا قضاء عليه، في فريضة ولا نافله؛ لأنه [أمر] غالب.
وقال في المجموعة: ولا أعلم أحدًا أوجب فيه شيئًا، وقاله سحنون، ولم يعذره أشهب بغبار الدقيق.
وقال: إن كان خفيفًا فدخل غباره في حلقه فليقض في رمضان، والواجب، ولا يقض في التطوع.
وقال ابن حبيب وسحنون: الغبار أمر غالب فلا يقع به فطر.
قال أبو محمد: بخلاف الغبار؛ لأنه أمر غالب.
قال أبو إسحاق: ويحتمل أن يكون أراد
سحنون وعبد الملك غبار الطريق؛ لأن غبار الطريق أمر لا يمكن التحفظ منه، ولا يمنع الناس من المشي في رمضان، وانظر غبار غير الطريق مثل غبار الجبس الذي عادتهم أن يدقوه وغبار الدباغ لمن عادته أن يدقه هل يخفف لهم في ذلك؛ لأنه صنائعهم التي لا يستغنون عنها، أو يضيق عليهم في عملها في رمضان؛ لأنهم لا يجدون غيرها من الأعمال.
م وكذلك غبار الدقيق للدقاق.
قال ابن سحنون عن أبيه في البلغم يخرج من صدر الصائم أو دون رأسه فيصير إلى طرف لسانه ويمكنه طرحه فيبتلعه ساهيًا فعليه القضاء، وشك في الكفارة في عمده.
وقال: أرأيت لو أخذها من الأرض متعمدًا ألا يكفر.
وقال ابن حبيب: من تنخم، ثم ابتلع نخامته من بين لهواته أو من بعد وصولها إلى طرف لسانه فلا شيء عليه، وقد أساء؛ لأن النخامة ليست بطعام ولا شراب، ومخرجها من الرأس، ولو قلس ماءً أو طعامًا ثم رده بعد وصوله إلى طرف لسانه أو إلى موضع يمكنه طرحه منه فعليه القضاء والكفارة في عمده؛ لأنه طعام وشراب ومخرجه من الصدر ويقضي في سهوه.
قال: وهو يقطع صلاته إن فعله فيها عمدًا كما يفسد صومه/، وإن رده من بين لهواته أو من موضع لا يمكنه طرحه منه فلا شيء فيه، وقاله ابن الماجشون.
فصل - 6 - [في حكم القيء]
ومن المدونة قال مالك: ومن ذرعه القيء في رمضان فلا شيء عليه، وإن تقيأ فعليه القضاء.
ابن وهب وفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، وروى غيره عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من استقاء عامدًا فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه)).
ابن وهب وقاله ابن عمر وعروة بن الزبير.
م وقال طاوس: لا قضاء عليه فيهما.
ودليله قوله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث لا يفطرن الصائم)) فذكر القيء.
وقال ربيعة: يقضي فيهما.
ودليله أن النبي صلى الله عليه وسلم ((قاء فأفطر)).
قال: ((ومن استقاء عامدًا فعليه القضاء)).
م ومحمل ما استدل به طاوس عندنا أنه في من ذرعه القيء.
ومحمل ما استدل به ربيعة أنه استقاء، وحديثنا المفسر يقضي على أحاديثهم المجملة وبين معناها.
والله أعلم.
ومن المدونة قال أشهب: إن كان صومه تطوعًا فاستقاء فإنه يفطر، وعليه القضاء، وإن تمادى ولم يفطر فعليه القضاء، وإن كان صومه واجبًا فليتمه ويقضي، وإن ذرعه القيء فلا شيء عليه.
ابن حبيب: ومن استقاء فقاء في التطوع فلا يقضي، قاله مالك بخلاف الفرض.
قال: والقيء الغالب إذا عرف / صاحبه أنه رجع إلى حلقه منه شيء بعد وصوله إلى فيه فليقض في الواجب، ولا يقض في التطوع.
قال أبو بكر الأبهري: قال ابن الماجشون: من استقاء متعمدًا عابثًا لغير مرض ولا عذر لزمه القضاء والكفارة.
وقال أبو الفرج المالكي: لو سئل مالك عن مثل هذا لألزمه الكفارة.
م إن علم هذا أنه رجع إلى حلقه شيء فليكفر، وإلا فليقض، وقد علل بعض أصحابنا فقال: إنما لزم المستقيء القضاء؛ لأنه لا يأمن / أن يكون جاز
إلى حلقه منه شيء في تردده وهو الذي استدعى ذلك، والذي ذرعه القيء يأمن أن يجوز منه إلى / حلقه شيء؛ لأنه يندفع اندفاعًا.
م ولأنه لا صنع له فيه، فأشبه الاحتلام.
قال ابن أبي زمنين: روى ابن وهب عن مالك في من ذرعه القيء وهو صائم فبقيت منه في صدره بقية نهم بها فعالج حتى طرحها فعليه القضاء.
ذكره ابن عبدوس.
وفي السليمانية: وسألته عن من شرب نبيذًا في ليل رمضان فأصبح ثملاً فغالبه القيء فتقيأ؟ قال: إن ذرعه القيء فتقيأ فلا شيء عليه إلا الحد لشرب المسكر.
وإن استقاء فعليه القضاء مع الحد.
[فصل - 7 - في حكم اغتسال الصائم وتمضمضه]
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يغتسل الصائم ويتمضمض من حر يجده، وذلك يعينه على ما هو فيه.
قال: فإن تمضمض لذلك أو لوضوء فسبقه الماء إلى حلقه فليقض في الفرض والواجب، ولا كفارة عليه، وإن كان في تطوع فلا يقضي.
فصل - 8 -: [في حكم السواك للصائم]
قال مالك: ولا بأس بالسواك أول النهار وآخره بعود يابس، وإن بله بالماء،
وقد استاك الرسول صلى الله عليه وسلم مرارًا وهو صائم.
وقال: ((خير خصال الصائم السواك))، وكان يفعله ويداوم عليه.
قال مالك: وأكره السواك بالعود الرطب؛ لأن له طعمًا وحرارة ينجلب بذلك البلغم.
م ولا ينقطع ذلك منه بعد فراغه من سواكه فيتقى أن يبتلع ريقه وطعمه في فيه.
ابن حبيب: ولو مج ما يجتمع في فيه فلا شيء عليه، وهو في النافلة أخف، ويكره للجاهل الذي لا يحسن إلقاءه، وإن وصل ذلك إلى حلقه فليقض في الواجب ولا يكفر، وقد كان عروة بن الزبير يستاك بالسواك الرطب وهو صائم.
[باب - 6 -] ما جاء في الصوم والفطر في السفر ومن أفطر لعذر ثم زال عذره
[فصل - 1 - في حكم الصوم في السفر]
قال الله تعالى: ﴿ومَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ يعني بالقضاء فالفطر في السفر رخصة من الله تعالى، فمن شاء أخذ بها، ومن شاء أخذ بالعزيمة.
قال مالك رحمه الله: ومن سافر سفرًا مباحًا يقصر في مثله الصلاة فإن شاء صام، وإن شاء أفطر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صام في السفر وأفطر.
وقال ر جل للنبي صلى الله عليه وسلم: أجد لي قوة على الصيام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه)).
وقال في غزوة حنين /: ((من كان له ظهر أو فضل فليصم)).
وقال أنس بن مالك: كانوا يرون الصيام أفضل.
قال عبد الوهاب: والفرق بينه وبين الفطر أنه إذا صام فقد أتى بالعبادة في وقتها وبرئت ذمته منها، وإذا أفطر فهي متعلقة بذمته، وأداء العبادة في وقتها أفضل من تأخيرها، فلذلك استحب مالك الصوم في السفر.
ومن المدونة قال مالك: الصوم في السفر لمن قوي عليه أحب إلي.
وقاله أشهب.
قال: وذلك أنه في حرمة الشهر، والمفطر فيه يكفر، ولا يكفر في قضائه، فحرمة قضائه دون حرمته، فكذلك أجره فيه يرجى أن يكون أكثر من قضائه، كما أن الخطيئة فيه أعظم، وقاله مالك، وكل واسع، وقال ابن حبيب: الصوم له أفضل، إلا في الجهاد، فإن الفطر فيه أفضل؛ ليتقوى على العدو، كما أن فطر / يوم عرفة للحاج أفضل.
م وقول الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين: ((من كان له ظهر أو فضل فليصم)) يدل على خلاف ما استحب.
ابن حبيب قال: وقد استحب كثير من السلف الفطر في السفر، وهو أشبه بتيسير الدين؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾.
وكان ابن عمر يفطر / في السفر على شدته، وهو آخر فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح.
قال مالك في المختصر وغيره: إنما يفطر في سفر الإقصار، في ثمانية وأربعين ميلاً وما قاربها.
قال: وإن قدم بلدًا فنوى أن يقيم بها اليوم واليومين فليفطر حتى ينوي إقامة أربعة أيام فيلزمه الصوم، كما يلزمه الإتمام.
[فصل - 2 - في زمن الفطر لمن أراد السفر]
ومن المدونة قال مالك: ومن أصبح في السفر صائما في رمضان ثم أفطر لعذر من عطش أو مرض فليقض فقط، وروى أشهب: أن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر بالكديد من عطش أصاب الناس.
قال مالك: وإن تعمد الفطر لغير عذر فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه كان في
سعة أن يفطر أو يصوم، فلما صام / لم يكن له أن يخرج منه إلا لعذر.
وقال المخزومي وابن كنانة: لا يكفر.
وقال أشهب: إن تأول له الفطر؛ لأن الله تعالى قد وضع عنه الصيام.
وقال ابن القاسم في العتبية: إن مالكًا والليث قالا في من بيت الصوم في السفر ثم أفطر متأولا بأكل أو جماع: أن عليه الكفارة.
ومن المدونة قال مالك وأشهب: وإن أفطر متأولا بعد دخوله الحضر فليكفر، ولا يعذر أحد في هذا.
قال مالك: وإن أصبح في حضره صائمًا في رمضان وهو يريد سفرًا فلا يفطر ذلك اليوم قبل خروجه، ولا أحب له أن يفطر بعد خروجه، فإن أفطر بعد أن سافر لزمه القضاء بلا كفارة؛ لأنه كان من أهل الصوم، فخرج مسافرًا فصار من أهل الفطر، فمن ها هنا سقطت عنه الكفارة.
وقال المخزومي وابن كنانة: عليه القضاء والكفارة؛ لأن الصوم وجب عليه في الحضر.
قال مالك في المختصر: وإن أفطر قبل خروجه فعليه الكفارة.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا أكل قبل
خروجه ثم خرج لسفره فلا كفارة عليه؛ لأنه متأول.
وقاله ابن الماجشون في المجموعة، قال: وقد فعله أنس بن مالك.
قال ابن الماجشون: إلا أن يكسل عن السفر في يومه فلا بد من الكفارة.
وقال أشهب: لا يكفر خرج أو لم يخرج؛ لأنه غير منتهك.
م وتحصيل اختلافهم أن المسألة على أربعة أوجه: أصبح صائمًا في السفر ثم أفطر، أو أصبح صائمًا في الحضر ثم سافر فأفطر، أو أفطر ثم سافر، أو أفطر ولم يسافر، ففي كل وجه قولان: قيل: يكفر، وقيل: لا يكفر.
وروي عن مالك في مسافر أصبح في السفر صائمًا فجهده الصوم فمد يده إلى الطعام ليأكل ثم ذكر أنه لا ماء معه فترك، قال: أحب إلي أن يقضي.
قال أبو محمد: وأعرف رواية أخرى أنه لا قضاء عليه، وهو جل قوله؛ لأن النية لا توجب شيئًا حتى يقارنها عمل، وكذلك في غير الصوم حتى يدخل في عمل أو قول بنية.
[فصل - 3 - في المسافر يعلم أنه يدخل بيته نهارصا أيصوم أو يفطر؟]
ومن المدونة قال مالك: ومن علم في رمضان أنه يدخل / بيته من سفره أول النهار فليصبح صائمًا، وفعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن عمر.
قال
ابن عمر: من شاء صام ومن شاء أفطر.
قال مالك: فإن أصبح ينوي الإفطار ثم دخل بيته قبل طلوع الشمس فنوى الصوم لم يجزئه، وعليه قضاؤه وله أن يأكل في بقية / يومه، ويطأ امرأته إن وجدها قد طهرت، أبو محمد: قال بعض أصحابنا: فإن كانت نصرانية وهي طاهرة في يومها فليس له وطؤها؛ لأنها متعدية فيما تركت من الإسلام والصوم.
قال ابن القرطي: وكذلك إن وجدها قد طهرت من يومها فلا يطأها؛ لأنها متعدية فيما تركت من الإسلام والصوم.
قال بعض فقهائنا: إنما يجوز وطؤها إذا كانت كما طهرت، كما لو كانت مسلمة، وأما إن كانت طاهرة قبل قدومه فلا يطأها؛ لأنها متعدية.
[فصل - 4 - في من أفطر في رمضان لعذر ثم زال هل يلزمه الإمساك بقية النهار؟]
قال ابن حبيب: ومن أفاق من إغماء أصابه نهارًا أو امرأة طهرت من حيض أو حاضت فلا / يؤمروا بالكف عن الأكل.
قال: وأما إن أفطر من عطش أصابه فشرب فزال عطشه فلا يفطر بعد ذلك، فإن أفطر لم يكفر؛ لأنه كالمريض.
وقال ابن سحنون عن أبيه: له أن يتمادى مفطرًا ويطأ ويأكل، وعاب قول من قال: لا يفعل.
م وقول ابن حبيب هنا كقوله في المضطر لا يأكل من الميتة إلا ما يقيم به رمقه.
وقول مالك: إنه يشبع منها ويتزود، فإن احتاج إليها، وإلا طرحها.
قال عبد الوهاب: من أفطر في رمضان لعذر ثم زال عذره في بقية يومه فذلك على ضربين: فإن كان عذرًا يبيح له الفطر مع العلم بأن اليوم من رمضان لم يلزمه أن يمسك بقية يومه، كالحائض والمريض والمسافر، وإن كان عذرًا إنما ساغ له الفطر لعدم العلم بأنه من رمضان ثم علم أو تسحر بعد الفجر ولم يعلم أو أكل سهوًا وشبه ذلك فإن زوال العذر يوجب الإمساك.
قال مالك في المجموعة: ومن أفطر في رمضان لعذر ثم زال عذره في بقية يومه من عطش شديد أو مرض ثم تلذذ بإصابة أهله بعد ذلك فأخاف عليه الكفارة.
قال عبد الملك: إن بدا بإصابة أهله كفر، وإن بدأ بأكل وشرب لم يكفر، وإن أصاب أهله بعد ذلك.
[فصل - 5 - في من صام في سفر تطوعًا فأفطر هل عليه قضاء؟]
ومن المدونة قال مالك: ومن أصبح في الحضر صائما متطوعًا ثم سافر / فأفطر أو صام في السفر متطوعًا ثم أفطر، فإن كان من عذر فلا قضاء عليه، وإلا فليقض.
قال في المجموعة: ومن نذر صوم الاثنين والخميس فسافر فإن لم تكن له
نية فليصمها، فإن شق عليه فليفطر ويقض.
في المختصر: ومن سافر في شهري ظهاره فأفطر فليبتد، بخلاف المريض.
وقال في كتاب الظهار: إن سافر فيهما فمرض فأخاف أن يكون السفر هيج عليه مرضه، ولو أيقنت أن ذلك لغير حر أو برد أهاجه السفر لأجزأه أن يبني، ولكني أخاف، وبالله التوفيق.
[باب - 7 -] في صوم يوم الشك ويوم الفطر والأضحى وفطر المتطوع والتباس الشهور
[فصل في حكم صيام يوم الشك]
روى أشهب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا)).
وروى ابن القاسم: عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له)).
ونهى عليه السلام عن صيام يوم الشك.
قال مالك: ولا ينبغي أن يصام اليوم الذي من آخر شعبان الذي يشك فيه أنه من رمضان، يريد احتياطًا، ويجوز تطوعًا.
قال في الواضحة: ومن
صامه حوطة ثم علم أن ذلك لا يجوز فليفطر متى ما أفاق لذلك، وكذلك إن صام يوم واحد وثلاثين خوفًا أن يكون أول يوم من صيامه لم يكن من رمضان فليفطر إذ لا يجوز له صوم يوم الفطر.
قال عبد الوهاب: وقال بعض أصحابنا /: ويكره أن يصام تطوعًا، فوجه قول مالك: "إنه يصام تطوعًا" لقوله عليه السلام: ((إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم فليصمه))؛ ولأنه يوم يحكم له بأنه من شعبان فيصح صومه، أصله إذا وافق / صوما كان يصومه.
ووجه الكراهية: وهو قول محمد بن سلمة والشافعي: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يوم الشك فعم؛ ولأن عمار بن ياسر امتنع أن يصومه، وقال: من صام هذا اليوم فقد عصا أبا القاسم صلى الله عليه وسلم.
ووجه قوله أيضًا: إنه لا يصام احتياطًا.
وأبو حنيفة يجيزه قوله عليه السلام: ((فإن غم عليكم فأكملوا
العدة))، ولم يقل: صومه / حوطة.
ومن المدونة قال مالك: ومن صامه حوطه أو تطوعًا ثم ثبت أنه من رمضان فليقضه.
قال مالك: ومن أصبح فيه ينوي الفطر ولا يعلم أن يومه ذلك من رمضان ثم علم أول النهار أو آخره قبل أن يأكل أو يشرب أو بعد ما أكل أو شرب فليكف عن الأكل بقية يومه ويقضيه، ثم إن أكل بعد علمه بذلك لزمه القضاء بلا كفارة، إلا أن يأكله منتهكًا لحرمته عالمًا بما على متعمد الفطر فيه فليكفر.
[فصل - 2 - في من صام يوم العيد ثم أفطر: لعلمه النهي هل يقضيه؟ وفي قضاء التطوع]
قال مالك: ومن أصبح يوم الفطر أو يوم الأضحى صائمًا ثم علم أنه لا يجوز صومهما؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأفطر، فلا قضاء عليه.
قال ابن القاسمك وأما من صام يومًا غيرهما متطوعًا فأفطر فعليه القضاء في قول مالك، وروى ابن وهب أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين متطوعتين فأهدي إليهما طعام فأفطرتا عليه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أقضيا يومًا مكانه)).
قال مالك: ولا ينبغي أن يفطر من صام متطوعًا، إلا لضرورة، وبلغني أن عبد الله بن عمر قال: من صام متطوعًا ثم أفطر من غير ضرورة فذلك الذي يلعب بصومه.
قال في العتبية: وأن حسين بن رستم حضر صنيعًا عن رجل له شرف فأراده على الفطر وألح عليه وصيامه تطوع فأبى وقال: أكره أن أخلف الله ما وعدته.
ابن حبيب: وإن حلف عليه رجل بالطلاق أو العتق فليحنثه، ولا يفطر، إلا أن يكون لذلك وجه، وإن عزم عليه أبواه فأحب إلي أن يطعيهما وإن لم يحلفا إذا كان رأفة منهما لإدامة صومه.
ومن / المدونة قال ابن القاسم: ومن أصبح صائمًا ينوي به قضاء يوم عليه من رمضان، ثم ذكر أول النهار أنه قد كان قضاه، فلا يجوز له أن يفطر.
أبو محمد: يريد فإن أفطره فعليه قضاؤه.
قال: وقال أشهب: لا أحب
له أن يفطر، فإن أفطر فلا قضاء عليه، وهو كمن شك في الظهر فأخذ يصلي، ثم ذكر أنه قد صلى فلينصرف على شفع أحب إلي، فإن قطع فلا شيء عليه.
م ولمالك نحوه، وهو أصوب؛ لأن هذا اليوم إنما التزمه ظنًا منه أنه عليه، فإن أفطره لم يقضه، كما قال في الصلاة، وفي العتبية: لو ذكر العصر فلما صلى منها ركعة ذكر أنه صلاها، قال: يشفعها بأخرى، وليس كمن قصد النفل بعد العصر، ومثله.
ذكر ابن حبيب عن مالك قال: وإن ذكر قبل أن يركع قطع، ولو كانت غير العصر لتنفل على إحرامه ركعتين.
ومن المجموعة: ابن نافع عن مالك في المفطر متعمدًا في التطوع: فليس لكفه عن الطعام بعد ذلك وجه، وقد أساء ويقضي.
قال ابن وهب عن مالك في الرجل تأمره أمه بالفطر: فإن كان ممن يسرد الصوم أو يكثر فليطعها، وقد فعل ذلك رجال من أهل العلم بأمهاتهم.
فصل / - 3 - [في التباس شهر رمضان بغيره]
ومن المدونة وإذا التبست الشهور على أسير أو تاجر أو غيره في أرض العدو فصام شهرًا ينوي به رمضان، فإن كان قبله لم يجزئه، وإن كان بعده أجزأه.
أبو محمد: وإن لم يدر أصام قبله أو بعده فذلك يجزئه حتى ينكشف له أنه صام قبله، وقاله أشهب وعبد الملك وسحنون.
وقال ابن القاسم: يعيد؛ إذ لا يزول فرض بغير يقين.
وقول أشهب: أبين؛ لأنه قد صار فرضه.
الاجتهاد، وهو قد اجتهد وصام فهو على الحق حتى ينكشف خلافه، أصله من اجتهد في يوم غيم وصلى فلم يدر أصلى قيل الوقت أو بعده.
قال: ولو صام ثلاثة أعوام شعبان فليعد الشهر الأول ثم كل شعبان بعده قضاء عما قبله.
أبو محمد يريد بقوله: يعيد الشهر الأول، أي يلغي شعبان الأول، ويكون الثاني قضاء عن رمضان الأول، وشعبان الثالث قضاء عن رمضان الثاني، ويبقى عليه رمضان الثالث فيقضيه.
وقيل: يقضي جميع الشهور لاختلاف نيته في ذلك؛ لأن شعبان الثاني لم ينوه لرمضان الأول، وشعبان الثالث لم ينوه لرمضان الثاني.
قال ابن أبي / زمنين: وهذا
القول هو الصواب عند أهل النظر، ولو صام شوالاً سنين قضى يومًا واحدًا من كل شهر، وهو يوم الفطر.
قال ابن عبد الحكم: ولو كان شوال هو الذي صامه ثلاثين يومًا ورمضان تسعة وعشرين فلا قضاء / عليه؛ إذ ليس عليه إلا عدة ما أفطر.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو صام شهرًا تطوعًا أو لنذره فإذا هو رمضان ولم يعلم لم يجزئه عن رمضان ولا لنذره، وعليه قضاؤهما.
قال في العتبية: ولو صام شهرًا لنذر عليه فإذا هو رمضان ولم يعلم به لم يجزئه لرمضان ولا لنذره.
م لأنه لم ينو به رمضان، ولا يصح فيه صوم غيره.
[باب - 8 -] في صيام الجنب والحائض والمغمى عليه والمجنون والصبيان
[فصل - 1 - في حكم صيام من أصبح جنبًا.
وأدلة ذلك]
روى ابن وهب عن عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم واقع أهله ليلاً ثم نام فلم يغتسل حتى أصبح فاغتسل وصلى، ثم صام يومه ذلك.
وروى مالك في الموطأ عن عائشة رضي الله عنها وأم سلمة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم أنهما قالتا: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصبح جنبًا من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم.
وكان أبو هريرة يقول: من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم، فأخبر بقول عائشة وأم سلمة هذا، فقال: لا علم لي، إنما أخبرنيه مخبر.
قال مالك: قالت عائشة: وأن رجلا قال: يا رسول الله إني أصبح جنبًا وأنا أريد الصوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وأنا أصبح جنبًا وأنا أريد الصوم فأغتسل وأصوم ذلك اليوم))، فقال الرجل: يا رسول الله إنك لست مثلنا قد غفر الله
لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ((والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي)).
ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ولا بأس أن يصبح الرجل جنبًا في رمضان.
م يريد بالإصباح طلوع الفجر.
قال أشهب: ولم يختلف العلماء في صيام الجنب أنه يجزئه، وهو كمن صام على غير وضوء.
قال: ولو أقام جنبًا بقية نهاره لم يفسد / صومه ولا قضاء عليه.
قال عبد الوهاب: ومن احتلم في نهار رمضان لم يفسد ذلك صومه، ولا قضاء عليه؛ لما روي ((ثلاث لا يفطرن الصائم)) فذكر الاحتلام، وللإجماع على أن المراعاة في ذلك سبب يكون من المفطر، والاحتلام ليس من سببه.
وأما الحيض والنفاس فلا / خلاف أنه يفسد الصوم، ويجب قضاؤه.
وقد قالت عائشة رضي الله عنها: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
والفرق بينهما لحوق المشقة في قضاء الصلاة لتكررها والصوم لا يتكرر.
[فصل - 2 - في أحكام الحائض في رمضان]
ومن المدونة قال مالك: وإن حاضت امرأة أو طهرت في رمضان أول النهار أو آخره فلتفطر بقية يومها، وكذلك إن رأت الطهر بعد الفجر.
وأنكر في المجموعة ما قيل عن الأوزاعي: إن لم تكن أكلت فلتتم صيام ذلك اليوم، قال: ولقد احتمل عظيمًا من أفتى بهذا قال: وإن كان لرجلاً صالحًا، ولكنكم كلفتموه فتكلف.
ومن المدونة قال: وأما إن رأته قبل الفجر اغتسلت بعد الفجر وأجزأها صومها.
وقاله ابن القاسم وأشهب وعبد الملك في المجموعة.
قال عبد الوهاب: وقال عبد الملك بن الماجشون، ومحمد بن سلمة: لا يجزئها.
ودليلنا: أنها محدثة زال حدثها قبل الفجر ولم يبق عليها إلا التطهير، كالجنب.
ومن المدونة قال مالك: وإن استيقظت بعد الفجر فشكت أطهرت قبل الفجر أو بعده؟ فلتصم يومها ذلك، وتقضيه إذ لا يزول فرض بغير يقين، فأمرها بالقضاء خوفًا أن يكون طهرها بعد الفجر، وأمرها بالصوم خوفًا أن
يكون طهرها قبل الفجر.
قال عبد الملك في المجموعة: وإن طهرت قبل الفجر فأخذت في الطهر حين رأته بغير توان فلم تتم إلا بعد الفجر فهي فيه كالحائض.
م والظاهر من المذهب ألا يراعى فراغها من الغسل في الصوم، بخلاف الصلاة، والفرق بينها أن الصلاة لا تصح إلا بغسل فلذلك قدر لها الوقت بعد فراغها منه مجتهدة، والصوم يصح بغير غسل فلا / يحتاج إلى تقدير الفراغ منه، بل بارتفاع الحيض يصير حكمها حكم الجنب.
والله أعلم.
قال ابن حبيب: وإذا رأت المرأة في ثوبها دم حيض في رمضان لا تدري متى أصابها وصلت كذلك أيامًا فلتطهر وتقضي يومًا واحدًا من الصوم، وتعيد الصلاة من أحدث لبسة لبسته، هذا إن كانت تنزعه، وإن كانت لا تنزعه فتعيد الصلاة من أول ما لبسته.
قال مالك في المختصر: وإذا رأت الحامل الدم فلتفطر ما لم يطل بها الدم، ولا تفطر إذا رأت الماء الأبيض.
فصل - 3 - [في أحكام المغمى عليه في رمضان]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أغمى عليه ليلا في رمضان وقد نوى صوم ذلك اليوم فلم يفق إلا عند المساء أو بعد ما أضحى لم يجزئه صوم ذلك اليوم ويقضيه.
م إنما قال ذلك؛ لأن الإغماء معنى ينافي التكليف فخرج من وجد به أن يكون من أهل النية، فإذا أفاق وجب عليه قضاء ما أغمي عليه فيه، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: أن لا قضاء عليه.
دليلنا أن الإغماء مرض منعه الصوم، فوجب عليه قضاؤه؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ولأنه مسلم عرض له ما منع انعقاد / صومه فلزمه قضاؤه عند زواله، كالحيض.
قال ابن القاسم: وبلغني عن بعض من مضى من أهل العلم أنه قال: من أغمي عليه قبل الفجر فلم يفق إلا بعده لم يجزئه صومه، وهو بخلاف النائم؛ لأنه لو نام قبل الفجر فانتبه عند الغروب أجزأه صومه، ولو كان ذلك إغماء لمرض به لم يجزئه صومه.
م والفرق بينهما أن النوم أمر لازم لنا، فلو لم يجز الصوم إلا من كان منتبهًا قبل الفجر إلى ما بعده لأدى ذلك إلى الحرج، والله تعالى رفعه عنا، والإغماء غير ملازم، وإنما هو أمر طارئ فافترقا؛ ولأن المغمى عليه غير مكلف فلم تصح له نية، والنائم مكلف؛ لأنه لو نبه لانتبه.
قال ابن/ القاسم: وإذا أفاق المغمى عليه بعد أيام لم يجزئه صوم يوم إفاقته؛ لأنه لم يبيت الصوم.
قال مالك: وإن أغمي عليه بعد أن/ أصبح ونيته الصوم فأفاق نصف النهار أو أغمي عليه وقد مضى أكثر النهار أجزأه صوم ذلك اليوم.
قال: وإن أغمي عليه قبل طلوع الشمس فأفاق عند الغروب لم يجزئه صومه؛ لأنه أغمي عليه قبل طلوع الشمس أكثر النهار.
وقال أشهب:
هذا استحسان، ولو اجتزأ به ما عنف.
وقال ابن نافع في غير المدونة: يجزئه صومه.
قال ابن حبيب: وقاله مطرف وابن الماجشون.
م وهو أصوب.
قال ابن الماجشون: والإغماء الذي يفسد به الصوم من يغمى عليه قبل الفجر ويفيق بعده، إنما ذلك إذا تقدمه مرض أو كان بإثره متصلاً، وأما ما قل من الإغماء ولم يكن لمرض فهو كسكر أو نوم، فلو طلع عليه الفجر وهو كذلك ثم تجلى عنه أنه يجزئه صومه.
وقال ابن سحنون عن أبيه: لا ينظر في ذلك إلى المرض، وكذلك قال ابن القاسم وأشهب.
م وهو أصوب؛ لأنه خرج من حد التكليف.
وقال محمد بن عبد الحكم: القليل من الإغماء والكثير سواء، وعليه القضاء وإن كان بعد العصر.
م إنما يفسد صومه عدم النية فإذا صحت نيته لم يفسد صومه ولو
أغمي عليه نهاره كله، كمريض في نهار رمضان لم يأكل ولم يشرب فإنه يجزئه صومه.
ووجه قول ابن عبد الحكم: أن الإغماء معنى يمنع إنعقاد الصوم فيه، فوجب أن لا يفترق قليله من كثيرة أصله الحيض.
فصل -4 - [في أحكام المجنون في الصوم]
ومن المدونة قال مالك: ومن بلغ وهو مجنون مطبق فمكث سنين ثم أفاق فليقض صوم تلك السنين، ولا يقض الصلاة، كالحائض، ولم يختلف فيها.
م وأيضًا فإن الله تعالى إنما خاطب بالصلاة ذوي العقول، فقال تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ والإيمان هو الإخلاص، فلما كان المجنون لا يفهم الإخلاص فكأنه غير مخاطب بالصلاة، وأما الصيام فوجب عليه قضاؤه؛ لأنه كالمريض.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وكذلك/ القول في المغمى عليه، وهما بخلاف النائم؛ لأن النائم يستطاع إنباهه في وقت الصلاة فتوجه عليه الخطاب، ولا يستطاع إزالة الجنون والإغماء فانتفى عنهما التكليف في تلك الحال.
وقال ابن حبيب: قال المدنيون من أصحاب مالك: إنما يقضي الصوم في مثل خمس سنين ونحوها، فأما عشر أو خمس عشر فلا قضاء عليه، وذكره عن مالك.
وقاله أصبغ.
م ورواية ابن القاسم أعدل.
ورواية ابن حبيب استحسان.
فصل -5 - [في وقت وجوب الصوم على الصغير]
ومن المدونة قال مالك: ولا يؤمر الصبيان بالصيام حتى تحيض الجارية ويحتلم الغلام، بخلاف الصلاة.
م وفي رواية ابن وهب: يجب عليهم إذا بلغوا، وهو معنى رواية ابن القاسم.
وقال أشهب: لا يجب عليهم إلا بالبلوغ، ويستحب لهم بالطاقة عليه.
م والفرق بين الصيام والصلاة أن الصيام لا كبير تعليم فيه، إنما هو الإمساك واجتناب النساء، والصلاة تحتاج إلى علوم فأمروا بها قبل البلوغ حتى لا يأتي الاحتلام إلا وهو قد تعلم فرائضها وسننها وجميع أوقاتها، هذا من طريق المعنى، وأما من طريق السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((رفع القلم عن ثلاثة)) فذكر الصبي حتى يحتلم، فكان الأصل أن لا يؤمر بشيء حتى يتوجه عليه الفرض، فخرج الأمر بالصلاة من ذلك بالسنة، وهو قوله عليه السلام: ((مروا الصبيان بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)).
وبقي ما سواه على أصله/.
قال ابن حبيب: وكان عروة بن الزبير يأمر/ بنيه بالصلاة إذا عقلوا، وبالصيام إذا أطاقوا.
قال ابن الماجشون: يلزمهم إذا أطاقوه، ويؤمروا بقضاء ما أفطروا بعد الطاقة، إلا ما كان من غلبة أو عجزت عنه طاقتهم.
م ووجه هذا: أن الصوم فرض على الأعيان فوجب على الصبيان إذا أطاقوه أصله الصلاة.
قال ابن حبيب: وإذا بلغ الغلام والجارية جبرا على الصوم/ أطاقاه أو لم يطيقاه، وإن تأخر الاحتلام والحيض فإذا بلغا خمس عشرة سنة من المولد، فإن جهل المولد فإذا انبتا، فإن لم ينبتا حملا على التقدير والتحري، إلا أن يطيقا دون ذلك.
قال أبو محمد: المعروف من قول مالك وأكثر أصحابه: أنه إذا فقد الحيض والاحتلام والإنبات رفعا إلى سن لا يبلغه أحد إلا احتلم، وذلك سبعة عشرة سنة إلي ثماني عشرة سنة أكثره، وما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز ابن عمر يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فليس فيه حجة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يسأله
ولا غيره عن مولده، وإنما نظر فمن أطاق القتال بمرأى العين أجازه.
والذي جاء في الحديث ((انظروا إلى مؤتزره فمن جرت عليه المواسي فاضربوا عنقه))، هو أولى، والبلوغ أقصى ذلك، إلا أن ما يكون عليه من حد وقتل فيتهم أن لا يقر بالاحتلام فيعمل فيه بالإنبات، وما كان من شيء بينه وبين الله سبحانه وتعالى قيل له: إن بلغت لزمك هكذا.
قال يحيى بن عمر: وهو قول حسن، وقال بعض أصحابنا: إذا احتلمت المرأة ولم تحض فهو بلوغ أيضًا.
ومن المجموعة: قال أشهب: ومن أسلم قبل الفجر فليصم ذلك اليوم، وإن أسلم بعد الفجر فله أن يأكل ذلك اليوم ويشرب.
[باب -9 -] في من أفطر ناسيًا أو متأولاً أو مكرهًا
[فص -1 - في حكم من أفطر في رمضان ناسيًا]
قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾، وقال الرسول عليه السلام: ((حمل عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))، يريد في فرع المأثم.
قال مالك: فمن أكل أو شرب أو جامع في رمضان ناسيًا فعليه القضاء فقط.
م لأن الكفارة إنما وضعت لرفع المأثم، وهذا لا إثم عليه؛ لأنه لم يتعمد ذلك فسقطت عنه الكفارة.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا قضاء على الآكل ناسيًا، وقد تقدمت الحجة في ذلك في باب السحور.
ووافقونا في الواطئ أن عليه القضاء.
وقال ابن الماجشون، وأحمد بن حنبل: عليه/ القضاء والكفارة.
ودليله قوله صلى الله عليه وسلم للذي قال له: ((وطئت في رمضان أعتق رقبة))، ولم يقل إني وطئت عمدًا؛ ولأنه مكلف جامع في رمضان فوجبت عليه الكفارة أصله العامد؛ ولأنه لو جامع في رمضان عامدًا لزمته الكفارة، فكذلك لو وطئ ناسيًا.
دليله: الحج.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان))؛ ولأن المتعمد تجب عليه الكفارة، كالآكل عامدًا، فوجب أن لا يكون على الناسي كفارة، كالآكل ساهيًا، فإذا ثبت ذلك؛ لما رووه من الحديث، فمحمول أنه وطئ عمدًا، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم منه ذلك.
وأما اجتجاجهم بالحج فالحج سهوه وعمده سواء، والصوم بخلافه، دليله الأكل فيه أن عمده مخالف لسهوه.
قال/ ابن الماجشون: وأما من طلع عليه الفجر وهو يطأ، ولم يعلم، ثم تبين له أنه وطئ بعد طلوع الفجر فلا كفارة عليه، بخلاف العامد؛ لأنه كان على أصل حتى يتبين له الفجر، وكذلك من ظن أن الشمس قد غربت فوطئ ثم ظهرت؛ لأنه مأمور بتعجيل الفطر.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن ظن الذي وطئ أو أكل ناسيًا أن ذلك يفسد صومه فتعمد الأكل ثانية فعليه القضاء بلا كفارة.
وقد قال مالك في امرأة رأت الطهر ولم تغتسل/ حتى أصبحت فظنت أن لا صوم لمن لم
يغتسل قبل الفجر فأكلت، وفي مسافر قدم إلى أهله ليلاً فظن أن أن لم يدخل نهارًا قبل المساء أن صومه لا يجزئه، وله أن يفطر فأفطر، وفي عبد بعثه سيده يرعى له غنمًا على مسيرة ميلين أو ثلاثة أميال فظن أن ذلك سفر فأفطر فليس على هؤلاء إلا القضاء بلا كفارة.
م لأن الكفارة إنما هي على منتهك حرمة الشهر، وهؤلاء غير منتهكين له.
وقال ابن الماجشون والمغيرة في المجموعة: إن من أفطر ساهيًا، ثم أكل بعد ذلك أو وطئ متأولا فليكفر.
وقال عنه ابن حبيب: أما إذا وطئ متأولا فلابد من الكفارة، وإن أكل ثانية متأولا لم يكفر.
م فوجه ما في المجموعة: أن فطره ناسيًا لا يبطل صومه؛ لأن صومه منعقد والنسيان محمول عنه فتأويل الفساد فيه تأويل بعيد، ووجه التفرقة بين الأكل والجماع، فلأن عبد الملك لا يعذره/ في الجماع ناسيًا، فجماعه متأولا أحرى.
م والقياس أن يعذر في الوجهين؛ لأنه غير منتهك، وقد عذره ابن القاسم في أبعد من هذا.
قال في من احتجم فتأول أنه قد أفطر فأفطر: إنه
يعذر، وعذر أشهب الذي رأى هلال رمضان وحده ثم أفطر، وتأويل هذين أبعد من تأويل من أكل ناسيًا ثم أكل أو جامع متأولا.
[فصل -2 - في حكم من أفطر في رمضان متأولا]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وما رأيت مالكًا يجعل الكفارة في شيء من هذا الوجه على التأويل إلا في امرأة قالت: اليوم حيضتي، وكان ذلك يوم حيضتها فأفطرت أول النهار ثم حاضت في آخره، والذي يأكل في رمضان أول النهار متعمدًا ثم يمرض في آخره مرضًا لا يقدر على الصوم معه، فقال: عليهما القضاء والكفارة.
وقاله المخزومي.
وقال ابن عبد الحكم: يعذر صاحب حمى الربع والحائض تقول اليوم حيضتي فتحيض بالتأويل.
م وهو أقيس، ووجه الأول أنهما تأولا أمرًا لم ينزل بعد بهما، وهو قد يكون أولا يكون، فأصلهم في مثل هذا أن لا حكم له.
قال ابن حبيب: كل متأول في الفطر فلا يكفر إلا في التأويل البعيد، مثل: أن يقول اليوم تأتيني الحمى أو تقول المرأة اليوم أحيض أو يحتجم أو يغتاب فيتأول أن له الفطر بذلك، فلا يعذر بهذا.
وقال ابن القاسم في العتبية في من
احتجم فتأول أن له الفطر فأكل فليس عليه إلا القضاء.
قال أصبغ: هذا تأويل بعيد.
فصل -3 - [في حكم الصائم يكره على الفطر بأكل أو شرب أو جماع]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أكره أو كان نائما فصب في حلقه ماء في رمضان فعليه القضاء بلا كفارة، وكذلك لو فعل به ذلك في نذر متتابع أو غير متتابع أو في صيام ظهار أو صيام كفارة القتل فعليه القضاء، ويصله بما كان من الصوم متتابعًا، وإن كان صومه تطوعًا فلا قضاء عليه عند مالك، ولو جومعت نائمة في نهار رمضان فعليها القضاء فقط؛ لأنه كالإكراه.
قال ابن حبيب: ويكفان عن الأكل بقية يومهما، والكفارة عنهما على من فعل ذلك/ بهما.
[باب -10 -] في صيام الحامل والمرضع والكبير والمريض وذات الزوج
[فصل -1 - في خلاف العلماء في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ هل هي منسوخة أو للشيخ والشيخة]
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾
قال مالك: كان أول الأمر أن من أراد أن يفطر ويطعم مكان كل يوم مسكينًا مدًا فعل، ثم نسخ ذلك بقوله عز وجل: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وقيل: إنها لم تنسخ.
وقال عكرمة: نزلت في الحبلى والمرضع والشيخ والشيخة.
وكان ابن عباس يقرؤها ((وعلى الذين يطيقونه ولا يطيقونه)) ويقول: إنها في الشيخ والشيخة.
قال ابن بكير: وهذا محال أن يطوق من لا يطيق؛ والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآية.
فكيف يقال: هذا لمن لا يطيق الصوم.
فأما الحامل فلها حكم/ المريض، ولما أشكل أمر المرضع أن تكون داخلة في قوله
تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾.
وأنها لم تنسخ عنها أو تكون داخلة في معنى المسافر والمريض؛ للضرورة التي تخشى على ولدها.
جعل مالك عليها الأمرين القضاء والإطعام احتياطًا.
وبالله التوفيق.
ابن حبيب: وروي عن ابن عمر وابن عباس وكثير من التابعين: أنهم قالوا في الحامل والمرضع والمستعطش يفطرون ويطعمون يريد مدًا لكل يوم مسكين.
وقال القاسم وسالم: لا إطعام عليهم واجب.
وكان أنس بن مالك: إذ كبر يفطر ويطعم مدًا لكل يوم.
قال ابن وهب عن مالك: لا إطعام على المستعطش.
قال أبو محمد: ومعنى المستعطش الذي لا يقدر أن يقضي إلا ناله العطش الشديد، وأما إن قدر أن يقضي فذلك عليه.
[فصل -2 - في أحكام الحامل في رمضان]
ومن المدونة قال مالك رحمه الله: الحامل كالمريضة إن خافت إذا صامت أن تسقط فلتفطر فإذا صحت وقويت قضت ما أفطرت ولا إطعام