الجامع لمسائل المدونةصفحات 1074-1113

كتاب الصوم من الجامع

صفحات 1074-1113

وهو الجزء الثاني من جامع الإمام أبي بكر محمد بن عبد الله بن يونس رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا به وبعلومه، آمين.

باب - 1 - في وجوب الصوم ومعناه وطرق العلم بدخوله وفروضه

[فصل] في فريضة الصوم وصيام شهر رمضان فريضة واجبة على الأعيان المكلفين المطيقين المقيمين؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) إلى قوله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): "بني الإسلام على خمس"، فذكر صوم شهر رمضان، ولا خلاف في ذلك.

[فصل -2 - في معنى الصيام] والصيام في اللغة الإمساك، ومنه قوله تعالى: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) أي نذرت إمساكا عن الكلام.
[فصل - 3 - في طرق العلم بدخول رمضان] وللعلم بدخوله ثلاث طرق، وهي: الرؤية، والشهادة عليها، فإن لم يوصل إلى ذلك، فإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما.
فأما بالرؤية فلقوله (صلى الله عليه وسلم): "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته"؛ ولأن الرؤية حق مقطوع به، وما سواها مظنون، فإذا وجب الصوم بالمظنون كان بالمتحقق أولى، وأما بالشهادة فلورود الأخبار بذلك، وإجماع الأمة عليه، فإن لم يوصل إلى ذلك أكمل عدة شعبان ثلاثين؛ لقوله (صلى الله عليه وسلم): "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم، فأتموا ثلاثين يوما".

[فصل -4 - في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: فإن غم عليكم فاقدروا له].
قال بعض أصحابنا البغداديين: / وقال في حديث آخر: "فإن غم عليكم فاقدروا له".
والإقدار: هو التمام.
قال الله تعالى: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) أي تمامًا.
قال ابن أبي زمنين في قوله عليه السلام: "فإن غم عليكم" يعني التبس العدد، وليس من باب القيم، ولو كان كذلك لقال: "فإن غيم عليكم"، هكذا فسره بعض أهل اللغة، وقاله بعض أصحابنا البغداديين.
وقال أشهب: فإن غم عليكم أكملوا شعبان ثلاثين يوما فإن غم عليكم هلال شوال أكملوا رمضان ثلاثين يوما.
[فصل - 5 - في فروض الصوم] وفروضه ثلاثة: تبييت الصوم، والنية لرمضان وإمساك طرفي المفترض، أي يكف عن الأكل والشرب وقرب النساء من لدى طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
فأما تبييت النية فلقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من

الليل".
وأما النية فلقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ولقوله (صلى الله عليه وسلم): "إنما الأعمال بالنيات"، وقد تقدم شرح ذلك وأما الإمساك فلقوله تعالى: (وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) يريد حتى تقاربوا بيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، كما قال تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) يريد قاربن بلوغ أجلهن، ولا فرق بين أول اليوم وآخره، فكما لا يجوز أيفطر حتى يدخل جزء/ من الليل، فكذلك لا يأكل إلى دخول جزء من النهار، ودل بذلك أيضا أن لا صيام إلا لمن بيته؛ لأنه إذا لم يجزئه بدء

الصيام بعد مضي شيء من النهار لم يجد بدًا أن يكون انعقاد الصوم قبل أوائل أجزاء النهار.
وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): "من لم يجمع على الصيام قبل الفجر فلا صيام له" وهو حديث معروف أسنده ابن وهب وغيره.
قال ابن القاسم: قال مالك: ومن لم يبيت الصوم أول ليلة من رمضان أجزأه من بقيته، وكذلك من نذر صوم شهر بعينه أو شهور متتابعة أجزأه التبييت أول ليلة، وقال الشافعي رضي الله عنه: لا يجزئه، حتى ينوي لكل يوم منفرد ودليله أنه صوم فوجب أن ينوي لكل يوم، كالقضاء والنذر؛ ولأن كل يوم منفرد بنفسه لا يتعدى فساده إلى غيره دليله صلاتان، ودليلنا قوله

(صلى الله عليه وسلم): «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له».
فلما جاز التبييت من أول الليل لأول يوم وبينه وبين اليوم مهلة وجزء من الليل يفطر فيه، فكذلك اليوم الثاني والثالث، وسائر الشهر.
وقد قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): «وإنما لامرئ ما نوى».
وهذا قد نوى صوم الشهر كله وأما تشبيهه بالصلاة فهو غير لازم؛ لأن الصلاة النية فيها مقارنة لها، وفي الصوم يجوز أن يكون بينهما تراخ إذ/ لو لزم أن تكون النية مقارنة لأول النهار؛ لم يجز الصوم إلا لمن كان منتبهاً قبل الفجر إلى ما بعده، ولو كان ذلك لأدى إلى الحرج، ولم يجعل الله علينا في الدين من حرج، فلما جاز التراخي في اليوم الأول جاز فيما بعده، وأما تشبيهه بالقضاء والنذر فغير لازم أيضاً؛ لأن ذلك يجوز تفريقه، فلما جاز له أن يفطر اليوم الثاني احتاج إلى تجديد النية له، وكذلك الثالث والرابع، ولما كان رمضان لا يجوز فطر شيء منه أجزأته النية له كله، كاليوم الواجب، وكذلك كل صوم متتابع، وهذا بين.
وبالله التوفيق.
قال أبو إسحاق: وذلك أن التبييت في رمضان إنما أجزأ أول ليلة؛ لأنه لا يتخلله زمن فيصح فيه الفطر، والليل ليس بموضع للصوم فصيام الشهر كله كالصلاة الواحدة، وأجزأ التبييت في أوله.

قال في سماع ابن القاسم: وكذلك من نذر صوم يوم بعينه أبدا فذلك يجزئه من تجديد نية التبييت فيه لكل يوم.
قال في المختصر وكتاب ابن حبيب: وكذلك من شأنه صوم يوم بعينه أو شأنه سرد الصيام ليس عليه التبييت في كل يوم، وقال الأبهري: يشبه أن يكون قول مالك في ترك التبييت لمن عود نفسه صوم يوم بعينه / أو سرد الصيام استحسانا، والقياس أن عليه التبييت كل ليلة لجواز فطره.
م ويحتمل أن مالكا رحمه الله أراد بقوله في من شأنه صوم يوم بعينه أو سرد الصيام، أي: شأنه بنذر كان نذره، فإذا كان نذر أجزأته النية الأولى فيه؛ إذ لا يجوز له فطره، والله أعلم.
ومن العتبية: قال موسى عن ابن القاسم عن مالك: لا يجزي الصيام في السفر في رمضان إلا بنية في كل ليلة؛ لجواز الفطر له.
قال محمد بن الجهم: والذي يقضي رمضان عليه التبييت في كل ليلة.
قال أبو محمد: ويتبين لي أن من سافر في رمضان ثم قدم أن عليه أن يأتنف التبييت، وكذلك المرأة تحيض ثم تطهر، والرجل يمرض ثم يفيق.

وقد قال مالك في المعتكفة: إذا خرجت للحيضة ثم طهرت نهارا فلا تعتد بيوم تطهر فيه، ولكن ترجع إلى المسجد، إلا أن تطهر قبل الفجر وتنوي الصيام وتدخل حين/ يصبح فيجزئها، فقوله: وتنوي الصيام دليل أن من مرض ثم أفاق أنه يأتنف التبييت.

[باب - 2 -] في الفطر والفجر والسحور في رمضان أو غيره

/ [فصل - 1 - في آخر وقت السحور] قال مالك رحمه الله: ويحرم الأكل بطلوع الفجر المعترض في الأفق، لا بالبياض الظاهر قبله.
قيل لابن القاسم: ما الفجر عند مالك؟ فقال: سألنا مالكا عن الشفق ما هو؟ فقال: هو الحمرة.
قال مالك: وإنه ليغع في قلبي، وما هو إلا شيء فكرت فيه منذ قريب أن الفجر يكون قبله بياض ساطع، فذلك لا يمنع الصائم من الأكل، فكما لا يمنعه ذلك من الأكل حتى يتبين الفجر المعترض في الأفق، فكذلك البياض الذي يبقى بعد الحمرة لا يمنع مصليا أن يصلي العشاء.
م قول مالك: " وما هو إلا شيء فكرت فيه منذ قريب" يريد أنه لم يفكر في صورة الفجر، وإنما فكر في الاحتجاج بالفجر الأول على مخالفه في صلاة العشاء الذي يقول: لا يصلي العشاء حتى يذهب البياض الباقي بعد الحمرة، وذلك أنه ومخالفه يقولان: لا حكم للفجر الأول، وهو بياض قبل البياض المعترض في الأفق.
قال مالك: فكذلك ينبغي أن يكون البياض الذي يبقى بعد الحمرة لا حكم له، فلا يمنع مصليا أن يصلي العشاء، وقد عبر بعض البغداديين عن

ذلك، فقال: لما وجدنا ثلاث طوالع تلي النهار، وهي: الفجر الأول، والفجر الثاني، وطلوع الشمس، وثلاث غوارب تلي الليل وهي غروب الشمس والشفق الأول والشفق الثاني، فلما اتفقنا على أن الاعتبار بالطالعة الوسطى وجب أن يكون الاعتبار أيضا بالغاربة الوسطى.
والله أعلم.
فصل - 2 -: [السنة تعجيل الفطر وتأخير السحور] ومن السنة أن يعجل الفطر عند غروب الشمس، ولا يؤخر، وأن يؤخر السحور؛ لقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر".
وروي أنه (صلى الله عليه وسلم) "كان يتسحر، ويقوم لصلاة الغداة".
قال أنس: كان بين ذلك قدر خمسين آية.
وفي بعض الحديث: "أن من عمل النبوة تعجيل الفطر، وتأخير السحور".
ومن المجموعة قال أشهب: يستحب تأخير السحور ما لم يدخل إلى

الشك في الفجر، ومن عجله فواسع يرجا له من الأجر ما يرجا لمن يرجا لمن أخره/ إلى آخر أوقاته.
وكره مالك لمن شك في الفجر أن يأكل.
قال مالك: ومن أكل في رمضان، ثم شك أن يكون أكل قبل الفجر أو بعده فعليه القضاء، إذ لا يرتفع فرض بغير يقين.
قال ابن حبيب: وإن كان قد روي عن ابن عباس في من شك في الفجر: أن يأكل فليأكل حتى يوقن به، وهو القياس؛ لقوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) وهو العلم به، وليس الشك علما به، ولكن الاحتياط أحب إلينا أن لا يأكل في الشك، قال مالك.
فإن أكل بعد شكه فعليه القضاء استحبابًا، إلا أن يتبين أنه أكل بعد الفجر فيكون واجبًا.

قال أشهب في المجموعة: من أكل أو شرب أو جامه وهو شاك في الفجر فإنما عليه القضاء.
وذكر عن ابن عمران في قول ابن حبيب/: إنما عليه القضاء استحبابًا أنه خلاف لقول مالك، بل القضاء عليه واجب؛ لأن الصوم في ذمته بيقين، فلا يزول عن ذمته إلا بيقين؛ ولأن الشاك في صلاته هل صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ إنما يبني أمره على أنه صلى ثلاثًا، فكذلك هذا إذا شك في الفجر فهو كمن لم يدر أكل قبل الفجر أو بعده، فيحمل أمره على أنه أكل بعده/ فوجب عليه لذلك القضاء إيجابا، لا استحبابًا، ولم يكن عليه كفارة؛ لأنه غير قاصد لانتهاك حرمة الشهر، وروي عن بعض الأندلسيين: أنه إن أفطر شاكا في غروب الشمس أن عليه القضاء والكفارة، بخلاف أكله وهو شاك في الفجر، وذهب ابن القصار وعبد الوهاب وغيرهما أن ذلك سواء، وليس عليه إلا القضاء في الوجهين؛ لأنه غير منتهك لحرمة الشهر، وهذا أصوب.
قال مالك: ومن أكل في قضاء رمضان، ثم شك أن يكون أكل قبل الفجر أو بعده فعليه القضاء؛ إذ لا يرتفع فرض بغير يقين.
قال ابن حبيب: ويجوز تصديق المؤذن العارف العدل أن الفجر لم يطلع.
قال: وإن سمع الأذان، وهو يأكل، ولا علم له بالفجر، فليكف،

ويسأل المؤذن عن ذلك الوقت فيعمل على قوله, فإن لم يكن عنده عدلاً ولا عارفًا فليقض, وإن كان في قضاء رمضان فليقض, ومباح له فطر ذلك/ اليوم أو التمادي.
قال: وإن طلع عليه الفجر, وهو يأكل, فليلق ما في فيه, وينزل عن امرأته إن كان يطأ, ويجزئه الصوم إلا أن يُخَضْخِض الواطئ بعد ذلك.
وقاله ابن القاسم.
وقال ابن الماجشون: أما في الوطَء فليقض؛ لأن إزالته لفرجه جماع بعد الفجر, ولكنه لم ينتهك ولم يتعمد؛ فلذلك لم يكفر, ولا شيء عليه في الطعام؛ لأن طرحه ليس بأكل.
قال ابن القصار: إذا طلع عليه الفجر, وهو مولّج فلبث قليلاً متعمداً, ثم أخرجه أن الكفارة تلزمه مع القضاء.
ومن «المدونة» قال مالك: ومن تسحر بعد الفجر, ولم يعلم بطلوعه فإن كان في تطوع فلا شيء عليه, ولا يفطر بقية يومه, فإن فعل قضاه, وإن كان صومه هذا من نذر أوجبه على نفسه, مثل: قوله: لله علي صوم عشرة أيام متتابعة بغير عينها فنابه ذلك بعد أن صام بعضها ترك الأكل في بقية يومه, وقضاه ووصله بصومه, فإن لم يصله أو أفطر باقي يومه ابتدأ, وإن نابه ذلك في أول يوم منها, فإن شاء أفطره وابتدأ صوم عشرة أيام, ولا أحب له أن يفطره, فإن

فعل فإنما عليه عشرة أيام أحدها قضاء ذلك اليوم.
قال ابن القاسم: وإن كانت أيامًا بأعيانها أو شهراً بعينه نذره فصام بعضها, ثم تسحر بعد طلوع الفجر ولم يعلم أو أكل ناسيًا فليتماد علي صومه ويقض يومًا مكانه.
قال: فإن نابه ذلك في رمضان فليتم صومه ويقض يومًا آخر أيضًا.
قال: وإن كان في قضاء رمضان, فأحب أن يفطر يومه ذلك أفطره وقضاه وأحب إلي أن يتمه ويقضيه, وإن كان في صيام تظاهر أو قتل نفس مضى في صومه وقضى ذلك اليوم, ووصله بصومه, فإن لم يصله بصيامه استأنف الصوم.
م يريد وكذلك إن نسي أن يصله فإنه يستأنف الصوم؛ لأنه بيت الفطر اليوم الذي يلي صومه, فهو بخلاف من بيت الصوم وأكل في النهار ناسيًا.
وقد قال مالك: في من حلف بالطلاق ليصومن غدًا فبيت الصوم, ثم أكل/ ناسيًا أنه يتمادى علي صومه, ولا حنث عليه, يريد ولو بيت الفطر ناسيًا ليمينه

فأفطر ثم علم فأمسك لم ينفعه ذلك وحنث, ولأن أهل العلم أجمعوا أنه إن نسي النية بطل الصوم, واختلفوا إن أكل ناسيًا.
ومن المدونة: وذكر مالك: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أفطر يومًا في رمضان في يوم غيم ورأى أنه قد غابت الشمس, ثم قيل له: قد طلعت الشمس, فقال عمر بن الخطاب: الخطب يسير وقد اجتهدنا.
قال مالك: يريد بالخطب القضاء.
وإلي هذا ذهب الحنفي والشافعي.
وذهب الحسن وابن سيرين إلي أن لا قضاء/ عليه.
وكذلك إذا أكل بعد الفجر يظنه قبله, ودليلهم قوله صلي الله عليه وسلم: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان))؛ ولحديث عمر هذا؛ فإنه قال: ((والله لا يقضي)) فلم ينكر عليه أحد.

ودليلنا: أن النبي صلي الله عليه وسلم نزل به مثل ذلك فأمرهم أن يقضوا يومًا مكانه, ولأنه أكل نهارًا في رمضان, فأشبه العامد.
وأما احتجاجهم بقوله عليه السلام: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) فمحمول علي رفع المأثم,/ وما رووه من قول عمر: "والله لايقضي", فيجوز -إن صح منه- أن يكون ذلك مذهبًا لعمر, والسنة مقدمة عليه.
ومن المدونة: قال يحيى بن سعيد في من وطئ أو أكل في رمضان ناسيًا: أنه يتم صومه, ويقضي يومًا مكانه, وقاله مالك.
وقال أبو حنيفة والشافعي في من أكل ناسيًا: لا قضاء عليه, ودليلهم ما رووه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم: ((من أكل أو شرب ناسيًا في رمضان فلا قضاء عليه ولا كفارة)).

وروي أنه قال: ((ليتم صومه فإن الله أطعمه وسقاه))؛ ولأنه أكل ناسيًا في الصوم فأشبه ما لو أكل في صوم التطوع, وكمن تكلم في صلاته ناسيًا.
ودليلنا قوله تعالي: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:187], وهذا غير متم له؛ ولأن الأكل عامدًا تجب عليه الكفارة كالواطئ/ ساهيًا؛ ولأنه مكلف حصل أكلاً في نهار رمضان, فأشبه العامد في القضاء؛ ولأن السهو نوع من الأعذار فلم يمنع القضاء أصله المرض؛ ولأن الإمساك أحد أركان الصوم فكان تركه سهوًا يوجب عليه القضاء أصله النية, فإذا ثبت هذا فما رووه من الحديث غير ثابت عندنا, ولا حجة لهم في الحديث الثاني؛ لأنه ليس فيه أن لا قضاء عليه.
وأما احتجاجهم بالتطوع فهو بخلاف الفرض؛ إذ لا كفارة في عمده, وأما احتجاجهم بالكلام في الصلاة فالكلام غير مناف للصلاة؛ لأنه لو تكلم عامدًا

في إصلاح الصلاة لم تبطل صلاته, والأكل مناف للإمساك, كما أن الحدث في الصلاة مناف لها, وعمد ذلك وسهوه يبطلها, فكذلك الأكل عمده وسهوه يبطل الصوم, وإنما يرتفع عن الناسي والساهي المأثم والكفارة؛ لقوله عليه السلام: ((حمل عن أمتي الخطأ والنسيان))؛ لأن الكفارة لرفع الإثم, فإذا لم يكن إثم فلا كفارة فيه.
وبالله التوفيق.
وليس قصدنا هذا الباب, وإنما نذكر منه بعض مسائل لئلا يخلو هذا الكتاب من هذا المعنى.

[باب-3 -] في الصوم والفطر للهلال والشهادة فيه, ومن رآه وحده

[فصل-1 - لا يصام ولا يفطر إلا برؤية الهلال] قال الله سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:189]. ونهى الرسول صلي الله عليه وسلم عن الصوم والفطر إلا للأهلة, وقال: ((الشهر ثلاثون وتسعة وعشرون)), وقال: ((فإن حال دونه غمام فأتموا العدة ثلاثين)), وقال: ((فإن غم عليكم فاقدروا له))؛ ولأن الأصل بقاء شعبان فلا ينتقل عنه إلا بأن يثبت دخول رمضان, وليس إلا بالرؤية, أو بالشهادة, أو إكمال العدة.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إذا شهد في الهلال رجلان مسلمان فصوموا, أو قال أفطروا".
قال مالك: ولا يجوز في رؤية هلال رمضان شهادة رجل واحد, وإن كان عدلاً, فإن عثمان بن عفان أبى أن يجيز شهادة هشام بن

عتبة وحده علي هلال رمضان.
قال سحنون/: ولو كان مثل عمر بن عبد العزيز ما صمت/ ولا أفطرت بشهادته.
[فصل-2 - الرؤية لا تثبت إلا بشهادة رجلين] قال مالك: ولا يصام ويفطر ولا يقام الموسم إلا بشهادة رجلين حرين مسلمين عدلين علي رؤية الهلال.
ومن المجموعة قال أشهب: وإن علم الشاهد من نفسه أنه غير عدل فإن كان مستورًا يمكن أن تقبل فعليه أن يشهد, وإن كان مكشوفًا فأحب إلي أن يشهد, وما عليه بالواجب, ولا تجوز فيه شهادة جماعة نساء ولا عبيد ولا الإماء ولا المكاتبين ولا أمهات الأولاد.
م وإنما لم تجز شهادة النساء فيه؛ لأنها لا تجوز إلا حيث أجازها الله عز وجل في الدين, وفيما لا يطلع عليه أحد إلا هن, فتجوز للضرورة, والهلال فالرجال مطلعون غالباً عليه, وإنما لم تجز شهادة العبيد؛ لأن شهادة غير العدول غير مقبولة, والحرية من شروط العدالة, كالإسلام, وإنما لم تجز فيه

شهادة واحد خلافاً للشافعي؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: ((فإن شهد ذوا عدل فصوموا وافطروا)) فشرط العدد في الشهود يثبت وجوبه؛ ولأنه حكم يثبت في البدن فلم يقبل في الشهادة عليه واحد, أصله النكاح والطلاق؛ ولأنها شهادة علي رؤية كالفطر, وهو يقول فيه: لا يجزئ أقل من اثنين.
ومن المدونة قال مالك في الذين قالوا يصام بشهادة واحد: أرأيت إن أغمي هلال شوال كيف يصنعون؟ أيفطرون أم يصومون واحدًا وثلاثين؟ فإن أفطروا خافوا أن يكون ذلك اليوم من رمضان.
م وذلك أن مخالفنا يقول: يصام بشهادة رجل واحد, ولا يفطر إلا بشهادة رجلين, فإذا صاموا بشهادة رجل واحد وأغمي آخر الشهر فإن أكملوا ثلاثين بشهادته وأفطروا فقد أفطروا بشهادة واحد, ونقضوا قولهم, وإن صاموا إحدى وثلاثين فقد خالفوا الأمة وكذبوا شاهدهم.
م ولا ينظر في هذا إلي قول المنجمين؛ لقوله عليه السلام: ((من صدق كاهنًا أو منجمًا فقد كفر بما أنزل علي محمد))؛ ولأن صاحب الشرع قصر ذلك على

الرؤية أو الشهادة أو إكمال العدة, فلم يجز إثبات زيادة عليه, ولا يلتفت إلي صحو أو غيم, خلافًا لأبي حنيفة, في قوله: إن/ كانت مصحية لم يقبل فيه إلا شهادة العدد المستفيض, وإن كانت متغيمة قبلت فيه شهادة واحد.
ودليلنا قوله صلي الله عليه وسلم: ((فإن شهد ذوا عدل)) ولم يفرق؛ ولأنه معني يتعلق بالشهادة فلا يتعلق بالصحو والغيم كسائر الأشياء المشهود فيها, وقاله بعض أصحابنا البغداديين.
وروي عن مالك: في شاهدين شهدا في هلال شعبان فيعد لذلك ثلاثين يومًا ثم لا يرى الناس الهلال ليلة إحدى وثلاثين والسماء صاحية, قال: هذان شهيدا سوء.
وسئل سحنون في عدلين شهدا في الهلال والسماء صاحية, ولا يشهد غيرهما قال: وأي ريبة أكبر من هذا.

قال أبو بكر بن اللباد: قال لنا يحيى بن عمر تجوز عندي شهادة عدلين في الصحو في الصوم والفطر.
قال أبو محمد: قال غيره من أصحابنا: قول سحنون في المصر العظيم والصحو البين أنه لا يبعد أن ينفرد هذان برؤية على هذه الحال.
قال أبو إسحاق: وما روي عن مالك لا يدفع قول يحيى بن عمر في إجازة شاهدين في الصحو؛ لأن مالكًا إنما أنكر أن يكون بعد تمام ثلاثين أن يخفي الهلال، وذلك صحيح؛ لأنه لا يمكن أن يخفى الهلال بعد الثلاثين، وإنما أجاز يحيى شهادة رجلين في الصحو في نقص الشهر إذا كان تسعًا وعشرين؛ لأنه عنده يكون خفيًا فيمكن أن يخفى، ولو نظر الناس كلهم إلى موضعه ما أمكن في الغالب أن يخفى على الناس كلهم، كما قال أبو محمد في غالب العادة، ولكن قد يخطئ الناس في النظر، ينظر قوم إلى موضع لا ينظر إليه غيرهم مع خفائه لدقته في نقص الشهر، يمكن أن يخفى إلا على اثنين، فلهذه العلة جاز عند يحيى بن عمر شهادة رجلين في الصحو.
قال يحيى بن عمر: ولو شهد واحد على هلال رمضان وآخر على هلال شول لم يفطر بشهادتهما.
قال محمد بن عبد الحكم: ولو شهد شاهدان في الهلال فاحتاج القاضي أن يكشف عنهما، وذلك يتأخر فليس على الناس صيام ذلك اليوم، فإن زكيا بعد ذلك أمر الناس بالقضاء، وإن كان في الفطر فلا/ شيء عليهم فيما صاموا.

وذكر ابن حبيب وابن سحنون عن ابن الماجشنون: أنه إذا رأى هلال رمضان عامة بلد وعمهم علمه بالرؤية أو بالشهادة عند الحاكم فذلك يجزئ من لم يعلم به منهم ويجزئه الصوم، وإن لم يبيته، وكذلك الغافل والمريض والجاهل لا يعلم، وكذلك من قرب من البلد، كالليلة ونحوها.
وقال سحنون: لا يجزئ أحدًا منهم، إلا من علم قبل الفجر وبيت الصوم.
م وهو الصواب، والحق إن شاء الله تعالى؛ لقوله عليه السلام: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل".
وقال محمد بن عبد الحكم: وقد يأتي من رؤيته ما يشتهر حتى لا يحتاج فيه إلى الشهادة والتعديل مثل: أن تكون قرية كبيرة فيراه فيها الرجال والنساء والعبيد ممن لا يمكن منهم التواطؤ على باطل فيلزم الناس/ الصوم بذلك من باب استفاضة الأخبار لا من باب الشهادة.
قال مالك في المجموعة: وإذا صام أهل بلد ثم جاءهم أن أهل بلد غيرهم صاموا قبلهم فإن استوقن ذلك فليقضوا.

قال ابن القاسم: وكذلك إن جاءهم أنهم رأوا الهلال فليقضوا، وإن جاءهم أنهم رأوا هلال شوال فليفطروا.
قال في العتبية: ولا يصلوا العيد إن جاءهم ذلك بعد الزوال.
قال أبو محمد: وأخبرت عن ابن ميسر أنه قال: إذا أخبرك عدل أن الهلال قد ثبت عند/ الإمام فأمر بالصيام أو نقل ذلك إليك عدل عن بلد آخر لزمك العمل على خبره، وهو من باب قبول خبر الواحد الصادق لا من باب الشهادة.
قال أبو محمد: كما أن الرجل ينقل إلى أهله أو ابنته البكر [مثل ذلك] فيلزمهم تبييت الصوم بقوله.
م وحكي عن أبي عمران أنه قال: الذي في الأصل لابن ميسر أنه قال: إذا وجه القوم رجلًا إلى بلدة فأخبرهم أنهم رأوا الهلال أنهم يصومون بقوله فهذا قد صار كالمستكشف لهم، فأما على نقل أبي محمد فيجب أن لا يلزمهم

الصوم، ولا فرق بين شهادته أنه رأى الهلال وبين شهادته على قوم أنهم رأوه، وليس هذا كنقل الرجل إلى أهله؛ لأنه القائم على أهله والناظر لهم.
م ولا فرق بين أن يرسلوه إلى بلد مستكشفًا لهم فيخبرهم أنهم رأوا الهلال فيه، أو يخبرهم من غير إرسال؛ لأنه من باب نقل الأخبار، لا من باب الشهادات، وكذلك نقل الرجل إلى أهله؛ وذلك كله سواء.
والتفريق بين ذلك كله ضعيف.
ومن كتاب أبي إسحاق بإثر كلام ابن الماجشون: وإذا كان موضع ليس فيه إمام ولو كان يصنع ذلك فينبغي للناس أن يراعوا ذلك ويعتقدوه، فمن يثبت ذلك عنده برؤية نفسه أو برؤية من يثق به صام عليه وأفطر، وحمل عليه من اقتدى به.
فصل-3 -: [في أحكام من رأى الهلال وحده] ومن المدونة قال مالك: ومن رأى هلال رمضان وحده فليعلم الإمام لعل غيره رآه معه فتجوز شهادتهما، فإن لم يره غيره رد الإمام شهادته ولزمه الصوم في نفسه فإن أفطر لزمه القضاء والكفارة.
قال أشهب: إلا أن يفطر متأولًا.
م وإنما أوجب مالك عليه القضاء والكفارة؛ لأنه لما ألزمه الصوم بإخباره غيره عن رؤيته، وهي مظنونة كان برؤية/ نفسه أولى.

وقال أبو حنيفة: لا تلزمه كفارة إن أفطر إذا لم يحكم الإمام بصومه.
ودليلنا أنه هاتك لحرمة يوم هو عنده من رمضان يقينًا، أصله اليوم الثاني؛ ولأنه لما لزمته الكفارة مع حكم الحاكم بوجوبه كان برؤية نفسه أولى.
قال ابن القاسم وأشهب عن مالك: وإن رأى هلال شوال وحده فلا يفطر.
قال أشهب: ولينو الفطر بقلبه، ويكف عن الأكل والشراب، وليس عليه فيما بينه وبين الله في الأكل شيء لكن عليه من باب/ التغرير بنفسه في هتك غرضه.
قال ابن القاسم في العتبية: إلا أن يكون وحده في سفر في مفازة فإنه يفطر.
م ولا يجوز له حينئذ أن يصوم؛ لأنه لم يتيقن أن الناس لم يروه، ولا ظهر عنده أنهم رأوه كما رآه هو فلا يصوم يوم الفطر بالشك أن الناس لم يروه.

قال أشهب في المجموعة: وإذا ظهر عليه -يريد في الحضر- فإن لم يكن ذكر ذلك قبل أن يؤخذ عوقب إن لم يكن مأمونًا، وإن كان مأمونًا، أو ذكر ذلك قبل أن يؤخذ وأفشاه فلا عقاب، ثم يتقدم إليه في الإمساك عن المعاودة فإن عاد عوقب إلا أن يكون من أهل الدين والمروءة فلا يعاقب، ويعنف، ويغلظ عليه في عظته.
[فصل-27 -: في إذا رئي لهلال نهارًا فهو للغد] وإذا رأى الهلال آخر يوم من شعبان أو من رمضان نهارًا فهو لغده رئي قبل الزوال أو بعده.
وفرق أبو يوسف بين أن يرى قبل الزوال أو بعده، فجعل رؤيته قبل الزوال لليوم، ورؤيته بعد الزوال للغد.
ونحوه لابن حبيب، وقال: جاءت الرواية في رؤيته قبل الزوال مفسرة عن عمر بن الخطاب أنه قال: إذا رئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وإذا رئي بعد الزوال فهو لليلة القابلة.

قال: وكان إبراهيم النخعي وسفيان الثوري يفتيان بذلك.
قال ابن حبيب: وقد نزل ذلك عندنا غير عام، فاستشارني فيه الإمام، فقلت: هو لليلة الماضية، وأعلمته بحديث عمر بن الخطاب، وزعم بعض أصحابنا أنه سواء رئي قبل الزوال/ أو بعده أنه لليلة القابلة، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى أتت الكتب من سواحلنا أنه رئي في تلك الليلة التي في صبيحتها رئي.
م والدليل لمالك رحمه الله: قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: <<أن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارًا فلا تصوموا/ ولا تفطروا إلا أن يشهد رجلان أنهما أهلاه بالأمس>>، وهو قول عمر وابن عباس.
قال ابن الجهم: وما رواه ابن حبيب عن عمر لا يصح، وإنما رواه سماك وهو مجهول.

باب -4 -] في اللماس والقبلة والمباشرة والجماع للصائم

[فصل-1: في الرخصة في الأكل والجماع ليلة الصيام] قال الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) وكان من قبلنا إذا نام لم يحل له أن يطعم أو يجامع فكان الرجل منا إذا نام في شهر رمضان لم يحل له أن يطعم أو يجامع؛ لقوله: (كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)، ثم نسخ ذلك لقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ) الآية.
وقيل: نزل ذلك في صرمة بن قيس الأنصاري أكل بعد أن نام، وعمر ابن الخطاب جامع بعد أن نام فخشيا أن ينزل فيهما فنزلت الرخصة من الله تعالى بقوله عز وجل: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ) إلى قوله: (وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ) فأباح الله عز وجل الأكل والشرب والجماع الليل كله رحمة لهذه الأمة، ومنع من ذلك في نهار الصيام.
[فصل-1: في حكم القبلة والمباشرة والملاعبة ونحو ذلك للصائم] وروي أشهب أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهي الشاب الصائم عن القبلة وأرخص للشيخ

لملكة نفسه.
وقاله أبو هريرة وأبو أيوب الأنصاري وابن عمر وابن عباس في الشيخ والشاب، وقد نهي ابن عمر وابن عباس عن المباشرة للصائم.
ابن عمر: كان ذلك في رمضان أو غيره، وكذلك القبلة، و/ قاله مالك.
قال ابن القاسم: شدد مالك في القبلة للصائم في الفرض والتطوع.
قال أشهب: ولمس اليد أيسر منها، والقبلة أيسر من المباشرة، والمباشرة/ أيسر من العبث بالفرج على شيء من الجسد، وترك ذلك كله أحب إلينا.
قال ابن حبيب: والقبلة من الدواعي في من تخامره اللذة؛ ولأنه لا يملك نفسه بعدها فلا يقبل.
قال مالك: والقبلة والملاعبة والجسة والمباشرة والمجاذبة وإدامة النظر تنقص أجر الصائم وإن لم تفطره، وكان مالك يشدد

في القبلة في الفريضة، ويرخص فيها في التطوع، وتركه أحب إليه من غير تضييق، ويشدد فيها على الشاب في الفريضة ما لا يشدده على الشيخ، ولا يقضي في قبلة أو جسة، وإن أتعظ حتى يمذي.
ومن المدونة قال مالك: وكان الأفاضل يجتنبون دخول منازلهم نهار رمضان خوفًا على أنفسهم، واحتياطًا أن يأتي من ذلك بعض ما يكرهون، وقد أوجب الرسول صلى الله عليه وسلم على منتهك حرمة الشهر بالوطء الكفارة.
فكان كذلك من أنزل الماء بشيء من دواعي الوطء.
قال مالك في من قبل امرأته قبلة واحدة في نهار رمضان فأنزل: فعليه القضاء والكفارة، وإن كان من المرأة مثل ذلك طوعًا فعليها القضاء والكفارة، وإن أكرهها فالكفارة عليه عنه وعنها وعليها، هي القضاء على كل حال.

قال أبو محمد: يعني يكفر عنه وعنها كالوطء، وكذلك نقلها في مختصره.
وقال ابن شبلون: لا يكفر عنها على ظاهر الكتاب، بخلاف الوطء.
وكان الشيخ أبو عمران يجئ إلى هذا؛ لأن الواطئ ينتهك حرمة الصوم ويفسده، وإن لم يكن منه لذة، والقبلة لا تفسده، وإنما يفسده ما يكون عنها من اللذة، ففارقت حكم الوطء، ويرجح فيها فيما ذكر عنه إذ لم يذكر في المدونة كفارة عنها، وسكت عن ذلك.
قال مالك: وإن باشرها أو لمسها أو عالجت ذكره بيدها وأمكنها منه حتى أنزل في ذلك كله فعليه القضاء والكفارة.
سحنون وقال أشهب: إن تابع اللمس والقبل حتى أنزل فعليه القضاء والكفارة، وإن كان ذلك منه في قبلة أو جسة فليقض ولا يكفر، وبه أقول، وقول ابن القاسم في النظر دليل على هذا.
قال مالك: وإذا قبل أو لمس أو باشر/ فلم يخرج ذلك منه منيًا ولا انعظ ولا التذ فلا شيء عليه في ذلك كله، وإن أمذى فعليه القضاء،

ولا كفارة في ذلك كله.
قال مالك: وإن باشرها باليد فالتذ وأنعظ ولم يمذ فعليه القضاء بلا كفارة أيضًا، وكذلك روي عنه ابن القاسم في العتبية في القبلة: أنه يقضي إذا انعظ/ وإن لم يمذ، وأنكره سحنون.
وقال أبو إسحاق: وانظر لماذا أوجب أن يكون مضطرًا بالمذي وإن كان قاصدًا اجتلاب المني بقلة أو مباشرة كالفطر متعمدًا فيجب أن يكون عليه الكفرة؛ لأن من قصد هتك حرمة الصوم يجب عليه الكفارة وهم لم يوجبوا على من قصد لما يكون عنه المذي الكفارة، وإن تعمد ذلك بمباشرة أو جماع دون الفرج وهذا يدل أن وجوب القضاء فيه ليس بالقوي.
ومن المدونة روي ابن وهب وأشهب عن مالك في من قبل امرأته أو غمزها أو باشرها نهارًا في رمضان فأمذى فعليه القضاء، وإن لم يمذ فلا شيء عليه [فصل-3 - في أحكام النظر للمرأة بقصد الالتذاذ وهو صائم] قال ابن القاسم: وإن نظر إليها في رمضان وتابع النظر حتى أنزل فعليه القضاء والكفارة وإن لم يتابع النظر إلا أنه نظر نظرة واحدة فأنزل فعليه القضاء بلا كفارة.

م وذكر عن ابن القابسي أنه قال: إن نظر نظرة واحدة/ متعمدًا فأنزل فعليه القضاء والكفارة.
م ويظهر لي أنه خلاف ظاهر الكتاب، ويدل على ذلك أيضًا استدلال سحنون بالنظرة على القبلة والجسة فلم ير عليه في ذلك كفارة وهو متعمد، وستدل بالنظرة.
وقال بعض أصحابنا: قول ابن القابسي: وفاق، والله أعلم.
قال مالك: وإن نظر على غير تعمد أو على تعمد فأمذى فعليه القضاء، وفي كتاب ابن حبيب: إذا نظر على غير تعمد أو على تعمد فأمذى فعليه القضاء، وفي كتاب ابن حبيب: إذا نظر عن غير تعمد فأمذى فلا قضاء عليه، وإن أمنى فليقض، ولا يكفر حتى يستديم ذلك.
م وتلخيص هذا الاختلاف في هذه المسائل أن من نظر أو لمس أو قبل أو باش متعمدًا فأدام ذلك هو على أربعة أقسام: إن أنزل فعليه القضاء والكفارة، وإن أمذى فعليه القضاء فقط، وإن لم يمذ ولا التذ ولا أنعظ فلا شيء عليه، لا خلاف في ذلك كله، وإن أنعظ ووجد منه لذه ولم يمذ فلا شيء عليه في النظر واللمس، واختلف في المباشرة والقبلة، فقيل: يقضي، وقيل: لا شيء عليه إلا أن يمذي، هذا مذهب ابن القاسم في المدونة، وغيره لا يرى عليه شيئًا إلا أن يمذي في ذلك كله، وإذا لم يلتذ ولا أمذى فلا شيء عليه في ذلك كله بإجماع منهم.
قال في المدونة: فإن وطئها فيما دون الفرج فأنزل فعليه القضاء والكفارة.

[باب -5 -] في الكحل وصب الدهن في الأذن وفي السعوط والحقنة والحجامة وذوق الطعام وما يدخل في الحلق من غير تعمد. وفي القلس والقيء والمضمضة والسواك

[فصل-1 - في حكم اكتحال الصائم وصب الدهن في أذنه] روي ابن وهب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يكره الكحل/ للصائم، وكره السعوط وما يصبه في أذنه.
قال ابن القاسم: قال مالك: في الكحل للصائم وصب الدهن في الأذن هو أعلم بنفسه، منهم من يدخل ذلك في حلقه ومنهم من لا يدخل، فإن كان ممن يدخل حلقه فلا يفعل، فإن اكتحل بإثمد أو صبر أو غيره أو صب الدهن في أذنيه لوجع أو غيره فوصل ذلك في رمضان إلى حلقه فعليه القضاء بلا كفارة.
ابن حبيب: والمستعط كذلك فيما يصل إلى حلقه أو لا يصل.
[فصل-2 - في حكم الحقنة والسعوط للصائم] قال ابن القاسم: كره مالك الحقنة والسعوط للصائم، فإن احتقن في

فرض أو واجب بشيء يصل إلى جوفه فليقض ولا يكفر.
ومن المجموعة قال أشهب: ويدل على كراهة الاستعاط قول النبي صلى الله عليه وسلم: <<وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا>> وأرى على المستسعط القضاء إذ لا يكاد يسلم أن يصل إلى حلقه، وأما المحتقن فلا شك فيه، وليقضيا في الواجب والتطوع؛ لأنهما متعمدان ولا يفطرا ولا يكفرا إن كانا في رمضان.
قال أبو إسحاق: والحقنة لا يمكن أن تكون في الغالب منها هذا فلماذا أوجب فيها القضاء، وهو يقول في الرضاع أنها لا تحرم/ إلا أن تكون غذاء، وذكر في الكحل أن عليه القضاء، ولو علم أنه يصل إلى حلقه، فلا كفارة عليه؛ لأنه لم يقصد بذلك هتك حرمة الصوم.
ومن المدونة سئل مالك عن الفتائل تجعل للحقنة، فقال: أرى ذلك خفيفًا، ولا شيء عليه.
قال عنه ابن وهب/ في السيور أرجو أن لا يكون به

بأس، والسيور الفتلة.
قال ابن القاسم: فإن قطر الصائم في أحليله دهنًا فلا شيء عليه، وهو أخف من الحقنة.
وقال أشهب مثل ما قال ابن القاسم في الحقنة والسعوط والكحل وصب الدهن في الأذن.
وقال: إن كان في صوم واجب تمادى في صومه وقضاه، ولا كفارة عليه إن كان في رمضان.
قال ابن القاسم: وإذا داوى جائفة بدواء مائع أو غير مائع فلا قضاء عليه ولا كفارة؛ لأن ذلك لا يصل إلى مدخل الطعام والشراب، ولو وصل إليه لمات من ساعته.
[فصل - 3 - في حكم الحجامة للصائم] قال مالك: وإنما تكره الحجامة للصائم خيفة التغرير، فإن احتجم فسلم فلا شيء عليه؛ لأن الغالب منها لحوق الضعف، فربما أدى ذلك إلى

الفطر.
وقد روي هذا المعنى عن علي وابن عباس وجماعة من الصحابة.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا تفطر الصائم: الحجامة والقيء والحلم».
وروي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم، وأرخص لجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أن يحتجم وهو صائم.
فإن قيل: قد روي أنه عليه السلام قال: «أفطر الحاجم والمحجوم».
قيل: يحتمل أن يكون ذلك منسوخًا يدل على ذلك ما رواه أنس بن

مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص في الحجامة للصائم بعد أن كان نهى عنها.
ويحتمل أن يكونا أفطر بأكل ونحوه، وعلم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما، ومع ذلك فقد روي عن بعض الصحابة أنهما كانا يغتابان الناس، ويكون معنى قوله: "أفطر الحاجم والمحجوم" بمعنى أنه نقص أجرهما وثوابهما.
فقال: أفطرا مجازًا.
[فصل - 4 - حكم ذوق الطعام للصائم] ومن المدونة: وكره مالك للصائم ذوق العسل والملح وشبهه، وإن لم يدخل جوفه، وكره مضغ العلك أو مضغ الطعام للصبي، أو يداوي الحفر فيه ويمج الدواء، وكره للذي يعمل الأوتار من العقب أن يمر ذلك في فيه بمضغه أو يلمسه بفيه.

جارٍ التحميل