[باب-14 -] جامع ما جاء في صلاة الخوف
] فصل-1 - في أدلة صلاة الخوف]
قال الله تعالى: (وإذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا).
قال ابن حبيب: معنى هذه الآية إقصارها في الخوف في الترتيب، وتخفيف الركوع والسجود والقراءة، وقد كانت مقصورة في السفر من غير خوف من غير هذه الآية، وقاله غير واحد من أصحابنا البغداديين.
وقال الله تعالى: (وإذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) إلى آخر الآية.
وقال: (فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا) وصلاها الرسول صلى الله عليه وسلم في السفر بكل طائفة ركعة.
قال في الواضحة: وصلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع سنة خمس من الهجرة.
والرقاع جبل في طريقه فيه سواد وبياض يقال له:
الرقاع.
قال ابن القصار: وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف في عشرة مواضع، والذي استقر عند الفقهاء ثلاثة مواضع: ببطن النخيل، وبعسفان، وبذات الرقاع.
وقد روي أن عليا رضي الله عنه صلاها بالمسلمين لما اشتد القتال، وقال: أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلاها بهم، ولم ينكر ذلك عليه أحد من
الصحابة، فدل بذلك أنها غير منسوخة.
قال ابن حبيب: وما صلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق الظهر والعصر إلا بعد الغروب، وذلك قيل نزول صلاة الخوف.
وإذا كانوا في القتال فليؤخروا إلي آخر الوقت، ثم يصلوا حينئذ على خيولهم يومئون، مقبلين ومدبرين، وإن احتاجوا/ إلى الكلام في ذلك لم يقطع ذلك عليهم صلاتهم.
قال غير واحد: وتصلى بأذان وإقامة؛ لأنها صلاة فرض.
] فصل-2 - صفة صلاة الخوف]
وروى أشهب حديث ابن عمر، وفيه; "أن الطائفة الأولى صلت ركعة، ثم تأخرت إلى جهة العدو من غير تسليم، ثم أتت الأخرى فصلى بهم الركعة الثانية وسلم، ثم قامت كل طائفة فأتمت، فإذا اشتعلت الطائفتان بالقضاء
صار الإمام وحده فئة لهما، وبهذا أخذ أشهب، وحديث القاسم، أشبه بظاهر القرآن وهو أن يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعة، ثم تتم لأنفسها، ويثبت الإمام قائماً فإن شاء سكت، وإن شاء دعا، أو أخذ قي القراءة حتى تأتيه الطائفة الأخرى، فإذا أتمت الطائفة الأولى سلمت، وذهبت وجاه العدو/ ثم أتت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة، ثم يتشهد ويسلم، ويقضوا هم بعد سلامه وإلى الأخذ بهذا رجع مالك بعد أن قال: بحديث يزيد بن رومان، وهو أنه يثبت حتى تقضي، الطائفة الثانية، ويسلم بهم.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ركعة
بسجدتيها، ثم تنصرف هذه الطائفة فتقف بإزاء العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم الركعة الثانية، ويتشهد ويسلم، ثم تنصرف هذه الطائفة بإزاء العدو، وتعود الطائفة الأخرى فيقضون لأنفسهم ركعة وسجدتين وحدانا ويتشهدون وتسلم، ثم تنصرف وتقف بإزاء العدو، ثم تأتي الأخرى فتقضي كذلك، فالكلام بيننا وبينه في ترجيح الأخبار، فالمصير إلى ما رويناه أولى؛ لأنها عن ثلاثة من الصحابة، وما رووه عن واحد، إلا حديث ابن مسعود، وهو مختلف عليه فيه.
قال احمد بن المعذل: ولأن ما قلناه أخصر وأحوط؛ لأن انصراف الطائفة
الأولى التي صلت مع الإمام ركعة إلى مكان العدو إنما هو للحف والحراسة، فوقوفها غير مصليه أمكن في التحرز، فهو أولى.
م ولأن فعل الصلاة متصلا إذا أمكن ذلك أولى من المشي بين الركعتين والوقوف بإزاء العدو من غير حاجه إلى ذلك.
[فصل-3 - في صلاة الخوف تصلى في الحضر حضرية.
وفي السفر سفريه]
ومن المدونة قال مالك: وتصلى في الحضر حضرية ركعتين بكل طائفة، وفي السفر سفريه ركعة بكل طائفة.
قال ابن القاسم: ولا يصلها مسافر بحضريين؛ لأنه وحده، فإن جهل فصلى بهم صلى بكل/ طائفة ركعة، ويتمون؛ لأنفسهم صلاة حضر، وإن كان في القوم مسافرون وحضريون فإن صلى بهم مسافر صلى بالطائفة الأولى ركعة، ثم يثبت قائمًا، ثم يأتي المسافرون بركعة، ويسلمون، ويأتي الحضريون بثلاث ركعات، ثم يصلى بالثانية ركعة ثم يقضى المسافرون ركعة، والحضريون ثلاثًا، يريد منها ركعتان بناء ثم ركعة قضاء يبدؤون بالبناء قبل القضاء، وتصير صلاتهم جلوسًا كلها في قول ابن المواز/.
قال ابن القاسم: وإن صلى بهم حضري صلى بكل طائفة ركعتين وأتم كل من خلفه من حضري أو مسافر، يريد تبني الأولى وتقضي الثانية.
قال: ولا يصليها أهل السواحل والرباط مثل: الإسكندرية وعسقلان/ وتونس إلا حضرية.
[فصل-4 - صلاة الخوف جائزة في كل زمان]
م وصلاة الخوف جائزة في كل زمان خلافًا لأبى يوسف في قوله: ما أجيزت إلا للنبي صلى الله عليه وسلم.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾.
وقوله: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ والأصل إنا مساوون له في الأحكام إلا ما قام الدليل على خصوصه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((صلوا كما رأيتموني أصلى)) فهو على عمومه؛ ولأن الصحابة صلوها بعده، وأفتوا بجوازها.
[فصل-5 - يراعى في صلاة الخوف شدة الخوف وقلتها]
ومن المدونة قال مالك: وإذا اشتد الخوف صلوا على قدر طاقتهم ركبانًا ومشاة، ويركضون، ويسعون إيماء، وغير إيماء للقبة أو لغيرها، ويقرؤون، وقاله ابن عمر، قال مالك: ولا إعادة عليهم إذا أمنوا في الوقت.
قال ابن عبد الحكم: وإذا كانوا طالبين وعدوهم منهزم وطلبهم أثخن لقتلهم فليصلوا بالأرض.
وقال الأوزاعي: أما الطالب فينزل، وأما المطلوب فعلى دابته.
قال ابن حبيب: وهو في سعة أن لا ينزل وإن كان طالبًا.
[فصل-6 - صلاة الخوف في البحر]
قال ابن المواز: وإن قوتلوا في البحر صلوا الخوف في سفينة أو سفن، ولا يقطع صلاتهم رميهم بالنبل إن انهزموا.
[فصل-7 - في كيفية صلاة المغرب في الخوف]
ومن المدونة قال مالك: ويصلى الإمام في المغرب بالطائفة الأولى ركعتين،
ثم يثبت قائمًا حتى يصلى من خلفه ركعة يقرؤون فيها بأم القرآن، ويسلموا وينصرفوا وجاه العدو، ثم تأتى الطائفة الثانية فيصلى بهم ركعة يقرأ فيها هو وهم بأم القرآن ويسلم، ويقضوا هم بعد سلامه ركعتين بأم القرآن وسورة في كل ركعة.
قال ابن حبيب: ولا يقرأ هو في قيامه في المغرب حتى تبنى الطائفة الأولى؛ لأنه لا يقرأ بغير أم القرآن فخالفت غيرها، وقال ابن القاسم، ومطرف وابن الماجشون.
وقال ابن وهب وابن كنانة وابن عبد الحكم: بل يثبت جالسًا في انتظار الطائفة الثانية، وهو قول مالك الأول.
ابن حبيب: ولو جهل الإمام في المغرب فصلى بثلاث طوائف بكل طائفة ركعة فصلاة الثانية والثالثة جائزة، وتفسد على الأولى.
وقال مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ.
م فوجه ذلك أن السنة أن يصلى بالطائفة الأولى ركعتين، فلما صلى بهم ركعة فقد خالف السنة، فوجب أن لا تجزئهم، وأيضا فقد صاروا يصلون الركعة الثانية أفذاذًا، وقد كان وجب أن يصلوها مأمومين فبطلت لهذا.
وأما
الطائفة الثانية فهم كمن فاتته ركعة من الطائفة الأولى، وأدرك الثانية فوجب أن يصلى ركعة البناء وركعة القضاء فذًا، وكذلك فعلوا.
وأما الطائفة الثالثة وافق بها سنة صلاة الخوف في المغرب فأجزأتهم/.
وقال سحنون في المجموعة: وصلاته وصلاتهم كلهم فاسدة؛ لأنه ترك سنتها، وكذلك إن صلى بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين لوقوفه في غير موضع قيام ومن كتاب ابن سحنون، قال: قلت: وزعم بعض أصحابنا في من صلى صلاة الخوف في الحضر بأربع طوائف في الظهر بكل طائفة ركعة أن صلاته وصلاة الثانية والرابعة تامة، وتفسد على الباقين/.
قال سحنون: بل تفسد عليه وعليهم أجمعين.
فوجه قول الأولين على نحو ما فسرنا في المغرب من مخالفة السنة، وأن الطائفة الأولى يجب أن تصلى الركعة الثانية بإمام فصلوها، أفذاذًا، وكذلك الطائفة الثالثة يجب عليهم أن يصلوا الركعة الثانية بإمام فصلوها أفذاذًا، ففسدت عليهم، وأما الطائفة الثانية فهي كمن فاتته من
الطائفة الأولى ركعة وأدرك الثانية وكذلك الرابعة، هم كمن فاتته ركعة من الطائفة الثانية.
وعلله سحنون: أنه خالف بها سنتها ووقف في غير موضع قيام، وهو الصواب.
قال سحنون: ومن أدرك الركعة الثانية من المغرب من الطائفة الأولى وقف الإمام في الثالثة/ ليتم القوم فلا يتم هو وليقف مع الإمام حتى تأتى الطائفة الثانية فيصلى معهم ركعة ثم يقضى الأولى بعد سلام الإمام، ولا ينبغي له أن يقضى قبل سلام الإمام؛ لأن الطائفة الأولى تبنى ولا تقضى وإلى هذا رجع)) سحنون في المجموعة بعد أن قال: يصلى ركعتين قبل سلام الإمام.
[فصل-8 - في أحكام السهو في صلاة الخوف]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا سها الإمام مع الطائفة الأولى سجدوا للسهو بعد بنائهم، كان قبل أو بعد، ثم إذا صلى بالثانية فعلى حديث يزيد بن رومان، الذي كان مالك يأخذ به يثبت الإمام جالسًا فإذا أتموا الصلاة سجد بهم للسهو، إن كان قبل فقبل، وإن كان بعد فبعد، وأما على حديث القاسم، الذي رجع إليه مالك: إنما يقضون بعد سلامه، فإن كانتا قبل السلام سجدوا
معه، ثم سلم هو، وإن كانتا بعد السلام سلم هو وسجد ولا يسجدوا هم إلا بعد القضاء.
فصل-9 - [في استخلاف الإمام في صلاة الخوف]
ومن المجموعة قال سحنون: وإذا صلى ركعة من صلاة الخوف في السفر، ثم أحدث قبل قيامه إلى الثانية فليقدم من يقوم بهم، ثم يثبت المستخلف، ويتم من خلفه، ثم تأتى الطائفة الأخرى فيصلى بهم ركعة ويسلم، ولو أحدث بعد قيامه إلى الثانية فلا يستخلف؛ لأن من معه قد خرجوا من إمامته حتى لو تعمد الحدث أو الكلام لم تفسد عليهم، فإذا أتم هؤلاء وذهبوا أتت الطائفة الأخرى فصلوا بإمام يقدموه، وإذا أحدث بعد ركعة من المغرب فليستخلف رجلًا يصلى بهم الركعة الثانية، ثم يثبت قائمًا، ويقضون، ثم تأتى الطائفة الأخرى فيصلى بهم الركعة الثالثة، وإذا أحدث فيها أو في صلاة العيدين، او الاستسقاء استخلف من يتم بهم.
[فصل-10 - في الإمام في صلاة الخوف يذكر سجدة]
قال سحنون، عن ابن القاسم في العتبية: وإذا صلى بالطائفة الأولى ركعة في السفر، ثم ثبت قائمًا، وأتم القوم لأنفسهم، ثم أتت الطائفة الأخرى
فصلى بهم الركعة الثانية، فلما جلس ذكر سجدة لا يدرى من الأولى أو من الثانية فليسجد سجدة، وتسجد معه الطائفة الثانية، ثم يثبت قائمًا، وتصلى الطائفة/ الثانية ركعة بقية صلاتهم أفذاذًا ويسجد بعد السلام، وتأتى الطائفة الأولى فيصلى بهم الإمام هذه الركعة التي احتاط بها ويسجد في الأولى بعد السلام، وتقوم الطائفة الأولى فتتم ركعة لأنفسها، فإن كانت هذه السجد التي/ نسى الإمام من الركعة الأولى فقد كانت صلاتهم باطله، وهذه التي صلوا مع الإمام أو صلاتهم، وهي فريضة وإن كانت السجدة من الركعة الثانية فقد كانت صلاتهم الأولى تامة، وهذه الثانية نافلة.
[فصل-11 - في انكشاف الخوف حال الصلاة]
قال: وإذا صلى بالطائفة الأولى ركعة، ثم انكشف الخوف فليتم الصلاة بمن معه، وتصلى الأخرى بإمام غيره، ولا يدخلون معه، ثم رجع، فقال:
ولا بأس أن يدخلوا معه، وهو أحب إلي.
[فصل-12 - الصلاة بالطائفتين في الخوف رخصة]
قال ابن المواز: ليست إقامة صلاة الخوف بطائفتين فريضة، ولكن توسعة ورخصة إذا نزل الخوف، ولو فعل ذلك بمن ليس مضطر بالخوف لم تجزئه صلاته.
[باب-15 -] جامع ما جاء في صلاة الخسوف
[فصل-1 - في معنى الخسوف والكسوف]
قال بعض العلماء الخسوف والكسوف معناهما واحد، غير أن الكسوف تغير لون الشمس، والخسوف أن تغور فيما تغيب فيه.
[فصل-2 - في حكم صلاة الخسوف.
وأدلة ثبوتها]
قال الرسول صلى الله عليه وسلم في خسوف الشمس والقمر: ((فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة)) فصلاة خسوف الشمس سنة مؤكدة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم صلاها بالناس في المسجد، وجمع لها، وأمر بها، وحض عليها، وأسر بالقراءة فيهما ولم يؤذن لها، ولا أقام.
وروى مالك رحمه الله عن ابن عباس، انه قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه، فقام قيامًا طويلًا نحوًا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد سجدتين ثم قام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع
رأسه، فقام قيامًا/ طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا كويلًا وهو دون الركوع الأول ثم رفع رأسه، فسجد، ثم انصرف، وقد تجلت الشمس، فقال: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله)).
قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت، فقال: ((إني رأيت الجنة-أو رأيت الجنة- فتناولت منها عنقودًا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت أهل النار فلم أر كاليوم منظرًا قط [أفظع]، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: لم يا رسول الله؟ قال: لكفرهن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: ويكفرن العشير، ويكفر الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئًا قال: ما رأيت منك خيرًا قط)).
[فصل-3 -: في القرائة في صلاة الخسوف]
قال مالك: فصلاة خسوف الشمس سنة لا تترك، كصلاة العيدين، ولا يجهر بالقراءة فيها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجهر، ولو جهر لعلم ما قرأ،
ويستفتح في كل ركعة من الأربع بالحمد لله رب العالمين.
وقال محمد بن مسلمة: ولا يقرأ أم القرآن إلا في الأولى من الركعة الأولى، وفي الأولى من الركعة الثانية.
فوجه قول مالك: أنها قراءة يتعقبها ركوع، فوجب أن تكون/ فيها أم القرآن كسائر الصلوات.
ووجه قول ابن مسلمة: أنها ركعتان، لكل ركعة ركوعان وقراءتان، في حكم ركوع واحد وقراءة واحدة، والركعة الواحدة لا يقرأ فيها بأم القرآن مرتين.
[فصل-4 - وقت صلاة الخسوف]
ومن المدونة قال مالك: وإنما سنتها أن تصلى ضحوة إلى زوال الشمس ولا يصليها بعد الزوال إمام غيره.
وروى ابن وهب عن مالك: أنها تصلى في وقت الصلاة، وإن بعد الزوال.
قال أبو محمد عبد الوهاب: وقيل: إنها تصلى في كل الأوقات.
فوجه الأولى: فلأنه عليه السلام إنما صلاها في ذلك الوقت؛ ولأنها صلاة يتعقبها ذكر ووعظ فكان وقتها ما لم تزل الشمس، أصله صلاة العيدين والاستسقاء.
ووجه الثانية: أنها تصلى في وقت كل صلاة، إذ ليست بفرض، كسائر صلوات النوافل، ولا تصلى بعد العصر؛ لنهيه عليه السلام عن الصلاة في ذلك الحين.
ووجه الثالثة: قوله عليه السلام: ((فإذا رأيتم ذلك بهما فافزعوا إلى الصلاة))، فمتى رأينا ذلك بهما وجب علينا صلاتهما.
[فصل-5 - في صفة السجود في صلاة الخسوف]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وأحب إلى أن يطيل السجود، ويوالى بين السجدتين، ولا يقعد بينهما، ولو كان بينهما قعود لذكر في الحديث يعنى لا يقعد بينهما قعودًا طويلًا، لكنه يقعد بين السجدتين كما يقعد في سائر الصلوات.
وفي المختصر أنه يسجد سجدتين تامتين.
م فوجه أنه يطيل السجود: أن حق السجود أن يكون بمثابة الركوع اعتبارًا بسائر الصلوات.
ووجه أن لا يطيله: أنها صلاة مخصوصة فوجب أن يقتصر فيها على ما ورد به الخبر، وليس في الأخبار إلا تطويل القراءة والركوع، دون/ السجود.
قال أصبغ: وتصلى صلاة خسوف الشمس في المسجد، ولا يكون لها بروز كما يكون للعيدين والاستسقاء.
[فصل-6 - في صفة صلاة الخسوف]
قال مالك في المختصر: إذا خسفت الشمس خرج الإمام إلى المسجد، والناس معه فدخل المسجد بغير أذان ولا إقامة، ثم يكبر تكبيرة واحدة، ثم يقرأ سرًا بأم القرآن، ثم يقرأ بعدها قراءة طويلة بنحو سورة البقرة، ثم يركع ركوعًا طويلًا نحو قراءته، ثم يرفع، فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يقرأ قراءة طويلة/ نحو سورة آل عمران، ثم يركع نحو قراءته، ثم يرفع، فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يسجد سجدتين تامتين، لا تطويل فيهما، ثم يقوم، فيقرأ فيفعل كفعله الأولى، إلا أن القراءة دون ما قبلها، يقرأ الأولى بنحو سورة النساء، وبعد رفع رأسه بنحو المائدة مع أم القرآن قبل كل سورة، ثم يسجد، ويتشهد، ويسلم، ويستقبل الناس فيذكرهم، ويخوفهم، ويأمرهم أن يدعوا الله، ويكبروا ويتصدقوا.
م ولا خطبة مرتبه فيها، خلافًا لأبى حنيفة والشافعي؛ لأنه لم يرو أنه عليه السلام خطب لها؛ ولأن سنة كل صلاة بخطبة أن يجهر بالقراءة فيها، وصلاة الخسوف يسر فيها بالقراءة فدل أنه/ لا خطبة لها.
[فصل-7 - تسن صلاة الخسوف لجميع الناس]
ومن المدونة قال ابن القاسم/: ويصليها أهل القرى والعمود في قول مالك.
قال مالك: ويصليها المسافرون، ويجمعون إلا أن يعجل المسافرين السير، ويصليها المسافر وحده، وتصليها المرأة في بيتها، ولا بأس أن تخرج المتجالة إليها.
ابن حبيب: ويصليها العبيد.
م وإنما قال: يصليها كل واحد؛ لقوله عليه السلام: ((فإذا رأيتم ذلك بهما فافزعوا إلى الصلاة)).
فعم.
[فصل-8 - في ماذا انتهت الصلاة والشمس خاسفة]
قال مالك: وإن أتموا الصلاة والشمس بحالها لم يعيدوا الصلاة ولكن يدعون ومن شاء تنفل.
قال ابن حارث: واتفقوا إذا صلى الإمام بالناس صلاة الخسوف فأتم ركعتين وسجدتين ثم تجلت الشمس أنه لا يقطع الصلاة، ويتمادى، واختلفوا كيف يصلى ما بقى؟
فقال أصبغ: يصلى ما بقى عليه على سنتها حتى يفرغ منها، وقال سحنون: يصلى ركعتين وسجدتين، ثم ينصرف، ولا يصلى ذلك على سنة صلاة الخسوف.
[فصل-9 - في صلاة المسبوق تفوته بعض صلاة الإمام]
قال مالك: ومن أدرك الركعة الثانية من الركعة الأولى لم يقض شيئًا، وأجزأته، كمن فاتته القراءة في الصلاة، وأدرك الركوع.
قال ابن القاسم: ومن أدرك الركعة الثانية من الركعة الثانية، فإنما يقضى ركعة فيها ركعتان، وتجزئه، وإذا سها فيها الإمام سجد لسهوه.
وأنكر مالك السجود في الزلازل.
[فصل-10 - هل يصلى جماعة لخسوف القمر]؟
قال مالك: ولم يبلغنا أنه عليه السلام صلى بالناس إلا في خسوف الشمس، ولم أسمع أنه يجمع لخسوف القمر، ولكن يصلون أفذاذًا ركعتين ركعتين، كسائر النوافل، ويدعون، ولا يجمعون.
قال عنه على: ويفزعون إلى الجامع فيصلون أفذاذًا، ويكبرون، ويدعون.
وقال عبد العزيز بن أبى سلمه: ونحن إذا كنا فرادى نصلى هذه الصلاة في خسوف القمر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فإذا رأيتم ذلك بهما فافزعوا إلى
الصلاة))
وقال الشافعي: يجمع في خسوف القمر.
قال ابن حبيب: قال ابن عباس: ((خسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجمعنا إلى الصلاة معه كما فعل في خسوف الشمس، ورأيته صلى ركعتين فأطالهما، وما رأيته صلى نافلة بطولهما؛ ولأن خسوف القمر لا يكون إلا ليلًا فتلحق الناس المشقة في الاجتماع لها ففارقت خسوف الشمس.
قال ابن المواز: التنفل في خسوف القمر ليس بسنة، وإنما هو ترغيب وترهيب.
[فصل-11 - الصلاة لريح شديدة أو ظلمة]
قال أشهب في المجموعة: والصلاة-أيضا- حسنة في غير ذلك من ريح شديدة أو ظلمة فرادى وجماعة إذا لم يجمعهم الإمام، ويحملهم عليه.
وروى نحوه للنبي صلى الله عليه وسلم.
[باب-16 -] جامع ما جاء في صلاة الاستسقاء
[فصل-1 - في حكم صلاة الاستسقاء]
وسن الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة الاستسقاء، وصلاها في جماعة، وجهر فيها بالقراءة وخطب لها بعد الصلاة، ولم يؤذن لها، ولا أقام.
وقال أبو حنيفة: إنها بدعه.
ودليلنا عليه: ما تقدم من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه أبو هريرة، وابن عباس،
وأنس وجابر/.
[فصل-2 - وقت صلاة الاستسقاء]
قال مالك: وسنتها أن تصلى ضحوة لا في غير ذلك الحين.
وقال في العتبية: لا بأس بالاستسقاء بعد المغرب والصبح، وقد فعل عندنا، وما هو بالأمر القديم.
[فصل-3 - صفة صلاة الاستسقاء]
قال في المختصر: يخرج الإمام إليها ماشيًا متواضعًا غير مظهر لفخر، ولا زينة، راجيًا لما عند الله تعالى، لا يكبر في ممشاه حتى يأتي مصلاه.
ابن حبيب: ويخرج الناس أيضا مشاه في بذلتهم، لا يلبسون ثياب الجمعة.
قال في المدونة: فإذا بلغ المصلى صلى بالناس ركعتين، يجهر فيهما
بالقراءة، ويقرأ بسبح، والشمس وضحاها، ونحوهما، فإذا سلم استقبل الناس بوجهه فجلس جلسه، فإذا اطمأن قام متوكئًا على عصا أو قوس قائمًا على الأرض، فيخطب خطبتين، يفصل بينهما بجلسة خفيفة فإذا فرغ من خطبته استقبل القبلة قائمًا، والناس جلوس، وحول رداءه مكانه يرد ما على عاتقه الأيمن على الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن، ولا يقلب رداءه فيجعل الأعلى على الأسفل، والأسفل على الأعلى، ويحول الناس أرديتهم كذلك، وهم جلوس، ثم يدعو الإمام قائمًا، ويدعو الناس، وهم جلوس، ولا حد في طول ذلك، إلا أنه وسط، وينصرفون.
قال أصبغ: إذا أشرف على فرغ خطبته الثانية استقبل القبلة، ثم حول رداءه، وقلب ما يلي بدنه فجعله يلي السماء، ثم يكثر من الاستغفار والدعاء، ثم يحول وجهه إلى الناس فيتم بقية خطبته، وينصرف.
م فوجه قول مالك: فلأن ذلك قطع للخطبة، وتشاغل بغيرها قبل تمامها، وذلك مكروه.
ووجه قول أصبغ: أن المسنون في الاستسقاء خطبتان لا زيادة عليهما، فإذا أتى بالدعاء في خلالهما لم يكن ذلك زيادة، وإذا أتى به بعد الفراغ
منهما كان ذلك زيادة مستأنفة.
وقاله أبو محمد عبد الوهاب.
وقال الليث: يحول الإمام رداءه دون الناس.
قال ابن الماجشون: ولا يحول الناس أرديتهن؛ لأنهن ينكشفن.
قال مالك: وليس على الناس صيام قبل الاستسقاء فمن تطوع بخير فهو خير له.
وقال ابن الماجشون: يؤمرون بصيام اليوم واليومين والثلاثة.
ابن حبيب: وليأمرهم الإمام أن يصبحوا يوم الاستسقاء صياماً, ولو أمرهم بالصدقة وصيام ثلاثة أيام, ثم يستسقون بإثر ذلك كان أحب إلى, وقد فعله موسى ابن نصير بإفريقية حين رجع إليها من الأندلس وخرج بالناس فجعل الصبيان على حدة, والنساء على حدة, والإبل والبقر والغنم على حدة, وأهل الذمة على حدة, وخطب, ولم يدع فى خطبته لأمير المؤمنين, فقيل له فى ذلك, فقال: ليس هو يوم ذلك, ودعا الناس إلى نصف النهار, واستحسن ذلك بعض علماء المدينة.
وقال: أراد استجلاب رقة القلوب بما فعل, وليس
بلازم.
قال مالك: وكان النبى (صلى الله عليه وسلم) يقول: «اللهم اسق عبادتك وبهيمتك وانشر رحمتك واحى بلدك الميت», كان يردد هؤلاء الكلمات فى دعائه.
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يتنفل قبل صلاة الاستسقاء, وبعدها فى المصلى.
ابن حبيب: وكرهه ابن وهب, وبه أقول.
قال مالك: ولا يخرج فى / صلاتها بالمنبر, / ولم يكن للنبى (صلى الله عليه وسلم) منبر يخرج به إلى صلاة العيدين, ولا لأبى بكر, ولا لعمر, وأول من أحدث له منبر فى العيدين عثمان بن عفان رضى الله عنه بناه له كثير بن الصلت من طين.
قال مالك: ولا يكبر فى خطبته, ولا / صلاتها, إلا تكبير الخفض والرفع, وإن أحدث الإمام فى خطبتها تمادى, ولا يؤمر النساء والصبيان بالخروج إليها, وإن خرجوا لم يمنعوا, ولا تخرج الحيض على حال, ولا صبى لا يعقل الصلاة, ولا يمنع أهل الكتاب من الاستسقاء.
ابن حبيب: ولا من التطوق بصلبهم وشركهم, ويتنحون عن الجماعة, ويمنعون من إظهار ذلك فى أسواق المسلمين فى الاستسقاء وغيره, كما يمنعون من إظهار الزنا وشرب الخمر.
ومن المدونة قال مالك: وجائز الاستسقاء فى السنة مراراً.
ابن حبيب: ولا بأس بالاستسقاء أياما متوالية, ولا بأس بالاستسقاء فى إبطاء النيل.
قال أصبغ: وقد فعل ذلك عندنا بمصر خمسة وعشرين يوماً متوالية يستسقون على سنة الاستسقاء, وحضر ذلك ابن القاسم وابن وهب ورجال صالحون فلم ينكروه.
ومن الموطأ قال مالك: «جاء رجل إلى رسول (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول
الله هلكت المواشى وتقطعت السبل, فادع الله, فدعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم), فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة, قال: فجاء رجل إلى النبى (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله تهدمت البيوت وانقطعت السبل, وهلكت المواشى, فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «اللهم ظهور الجبال, والآكام, وبطون الأودية, ومنابت الشجر», قال: فانجبت عن المدينة - أى تقطعت - انجياب الثوب».
[باب -17 -] ما جاء في صلاة العيدين
[فصل -1 - فى حكم صلاة العيدين] وسن الرسول (صلى الله عليه وسلم) صلاة العيدين, وصلاها ضحوة ركعتين, وقرأ فيها جهراً, وكبر قبل القراءة فى الأولى سبعاً وفى الثانية خمساً فى الفطر والأضحى, وخطب بعد الصلاة, وانصرف ولم يتنفل فلى المصلى / قبلها ولا
بعدها, وكذلك روت عائشة رضى الله عنها وجماعة من الصحابة عن النبى (صلى الله عليه وسلم), وليس فى الفطر والأضحى أذان ولا إقامة.
قال مالك: وتلك السنة التى لا اختلاف فيها عندنا.
م وذهب غيرنا إلى أن صلاة العيدين فرض على الكفاية.
ودليلنا أنها صلاة / تشتمل على ركوع وسجود وليست بفرض على الأعيان فلم تكن فرضاً على الكفاية, كالنوافل؛ ولأنها ليس من سنتها الأذان كالاستسقاء.
[فصل -2 - فى الغسل.
والتجمل يوم العيد]
ومن المدونة قال مالك: والغسل لليدين حسن, وليس كوجوبه فى الجمعة؛ لأن الجمعة فريضة والعيدين سنة, فما كان بسبب الفريضة آكد مما كان بسبب السنة.
قال على وابن عباس وابن الزبير: غسل العيدين قبل الغدو إلى المصلى حسن.
وأن ابن عمر كان يغتسل ويتطيب.
وقال قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): «يا معشر المسلمين إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين فاغتسلوا, ومن كان
له طيب فليمس منه, فندب إلى ذلك فى الجمعة, وعلله بأنه عيد, فكان كل عيد كذلك.
م وقال معاذ: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يأمرنا إذا غدونا إلى المصلى أن نلبس أجود ما نقدر عليه من الثياب؛ ولأن ذلك زينة للإسلام وجمال للشرع, وإعظام للدين, وإرهاب للعدو.
قال مالك فى المختصر: يستحب الغسل والزينة والطيب فى كل عيد, والغسل قبل الفجر فيهما واسع.
ابن حبيب: وأفضل أوقات الغسل لهما بعد صلاة الصبح, وينزل إليهما من ثلاثة أميال كالجمعة, ويستحب المشى إليهما, ولا أذان ولا إقامة فيهما, روى ذلك عن النبي (صلى الله عليه وسلم).
[فصل -3 - فى صفة الخروج لصلاة العيد]
ومن المدونة قال مالك: ويستحب أن يخرج الإمام فيهما بقدر ما إذا بلغ المصلى حلت الصلاة, ويخرج الناس عند طلوع الشمس, وعليه أدركت الناس وأهل العلم / ببلدنا.
قيل لابن القاسم: أمن المسجد أو من داره؟ قال: كل ذلك سواء.
قال مالك: ويكبر فى الطريق فى العيدين إذا خرج عند طلوع الشمس تكبيراً / يسمع نفسه ومن يليه, وفى المصلى حتى يخرج الإمام للصلاة, فإذا خرج الإمام قطع يريد خروجه فى المصلى, لا حين خروجه من داره, قاله سحنون.
قال فى المدونة: ولا يكبر إذا رجع, وكان ابن عمر يجهر بالتكبير.
قال فى المجموعة: ومن غدا إليها قبل طلوع الشمس, فلا بأس به, ولكن لا يكبر حتى تطلع الشمس.
قال عنه أشهب: ويكبر الرجل من حيث يغدو إلى المصلى إلى أن يرقى الإمام المنبر, ثم إذا كبر الإمام فى خطبته كبر معه.
قال ابن حبيب: ومن السنة أن يجهر بالتكبير فى طريقه, والتهليل, والتحميد جهراً يسمع من ليله, وفوق ذلك قليلاً حتى يأتى الإمام فيكبر, ويكبروا بتكبيره.
وأحب إلى من التكبير الله أكبر, الله أكبر, لا إله إلا الله, والله أكبر, الله أكبر ولله الحمد على ما هدانا, اللهم اجعلنا من الشاكرين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وكان أصبغ يزيد الله أكبر كبيراً, والحمد لله كثيراً, وسبحان الله بكرة وأصيلاً, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
وما زدت, أو نقصت, أو قلت غيره فى حرج.
ومن المدونة قال مالك: بلغنى / أن النبى (صلى الله عليه وسلم) كان يخرج إلى صلاة العيدين من طريق, ويرجع من أخرى.
قال ابن القصار: واختلف فى تأويل ذلك, فقيل: إنما كان ذلك؛ لأنه كان يسأل فى طريقه عن أمور الدين, فيرجع من طريق أخرى؛ ليسأله أهل هذه الطريق أيضاً, ويحتمل أن يرجع من طريق أخرى؛ لينال أهل هذه الطريق الثانية من النظر إليه, والتبرك به, والسلام عليه ما نال أهل الطريق الأولى.
وقيل: إنما ذلك لتكثر خطاه, فيكثر ثوابه, وقيل: وجوه غير هذه, والله أعلم بما أراد.
قال مالك: واستحسن ذلك, ولا أراه لازماً للناس.
[فصل -4 - يخطب للعيدين بعد الصلاة]
قال: والخطبة بعد الصلاة فى العيدين والاستسقاء, وكذلك / فعل الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه بعده.
وقد ذكر فيه اختلاف انقطع لتقرر الإجماع بعده.
قال مالك: وأما فى الجمعة وعرفة فالخطبة قبل الصلاة, وروى ابن وهب عن ابن عباس, وجابر بن عبد الله وابن عمر, وأنس بن مالك أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يصلى فى العيدين قبل الخطبة.
قال مالك: وجبذ أبو سعيد الخدرى مروان بن الحكم حين أراد أن يخطب قبل الصلاة, فقال له: الصلاة قبل الخطبة, فقال له مروان: قد ترك ذلك, فقال له أبو سعيد: أما ورب المشارق لا تأتون بخير منها.
قال ابن الحبيب: أحدث مروان الخطبة قبل الصلاة, وأحدث هشام بن عبد الملك الأذان والإقامة لهما.
قال أشهب: ومن بدأ بالخطبة قبل الصلاة أعادها بعد الصلاة فإن لم يفعل أجزأه, وقد أساء.
[فصل -5 - فى التكبير والقراءة فى صلاة العيدين]
ومن المدونة قال مالك: وتكبير العيدين سواء يكبر فى الركعة الأولى سبعاً بتكبيره الإحرام, وفى الثانية خمساً غير تكبيرة القيام, وذلك كله قبل القراءة, ولا
يرفع يديه إلا فى التكبيرة الأولى.
ابن المواز قال: قال أشهب: وإذا كبر الإمام فى الأولى أكثر من سبع, وفى الثانية أكثر من خمس فلا يتبع.
قال فى المدونة: ويقرأ فى العيدين بسبح والشمس وضحاها ونحوهما, وكذلك الاستسقاء.
[فصل -6 - لا يصلى العيدين فى المسجد ولا يخرج لها بمنبر]
ولا تصلى فى المسجد, وليخرج إليها كما خرج النبى (صلى الله عليه وسلم).
قال مالك: إلا أهل مكة فالسنة أن يصلوها فى المسجد.
قال مالك: ولا يخرج فيها بمنبر, ولم يكن للنبى (صلى الله عليه وسلم) ولا لأبى بكر / ولا لعمر رضى الله عنهما منبر, وكثير بن الصلت بناه لعثمان رضى الله عنه.
[فصل -7 - فى أحكام تتعلق بالخطبة]
ويجلس الإمام فى خطبة العيدين فى أولها وفى وسطها.
وفى كتاب أبى الفرج: لا يجلس فى أولها.
قال مالك: ويكبر فى خلال خطبته, ولا حد فى ذلك.
وقال فى الواضحة: من السنة أن يفتتح خطبته الأولى والثانية بالتكبير
وليس فى ذلك حد.
وقال مطرف وابن الماجشون: اشهر / العمل عندنا أن يكبر فى مبتدأ الخطبة الأولى وقبل التحميد تسع تكبيرات, وفى مبتدأ الثانية سبع تكبيرات, ويوالى بينهما ثم يمضى فى خطبته فكلما انقضت الكلمات كبر ثلاث تكبيرات حتى تنقضى خطبتاه.
[فصل -8 - فى من فاتته صلاة العيد هل يصليها وحده؟]
ومن المدونة قال مالك: ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام فإن شاء صلى أو ترك, واستحب له مالك: أن يصليها كصلاة الإمام.
[فصل -9 - فى أحكام المسبوق فى صلاة العيد]
ومن أدرك منها الجلوس / كبر وجلس, ثم يقضى بعد سلام الإمام باقى التكبير والصلاة.
قال ابن القاسم فى العتبية: ومن سبقه الإمام بالتكبير فليدخل معه ويكبر سبعاً, يريد والإمام يقرأ.
قال: وإن وجده راكعاً دخل معه وكبر تكبيرة واحدة وركع, ولا شئ عليه, وإن وجده قد رفع رأسه أو قائماً في الثانية
فليقض ركعة يكبر فيها سبعاً, وإن وجده فى الجلوس أحرم وجلس معه فإذا سلم الإمام قام فصلى ركعتين يكبر فى الأولى سبعاً وفى الثانية خمساً.
قال عيسى: وقد قال أيضاً: يكبر فى الأولى ما بقى عليه ستاً.
قال ابن القاسم: وإن وجده قائماً فى الثانية فليكبر خمساً.
وقال ابن وهب: لا يكبر إلا واحدة.
ابن المواز: وقال أشهب: وإذا كبر الإمام فى الأولى أكثر من سبع, وفى الثانية أكثر من خمس لا يتبع, وكذلك لو كبر فى صلاة الجنازة خمساً فليسكتوا حتى يسلم فيسلموا بسلامه, وقال ابن القاسم: يقطعون فى الخامسة.
قال فى المجموعة: وإن وجد الإمام فى الخطبة فليجلس ولا يصلي.
قال
في المختصر: فإن أراد الصلاة فى المصلى فليصبر إلى فراغ الخطبة.
[فصب -10 - فى حكم التنفل قبل صلاة العيد أو بعدها]
ومن المدونة قال مالك: وإذا صلوا جماعة العيد فى مسجد لعلة أو صلوها جماعة فى مسجد بساحل من السواحل فلا بأس بالتنفل فيه قبلها أو بعدها.
قال ابن الحبيب عن مالك: لا يتنفل فيه إلا بعدها.
قال مالك: وإنما كره التنفل فيه قبل صلاة العيدين وبعدها فى المصلى.
قال ابن شهاب /: ولم يبلغنى أن أحداً من الصحابة فعل ذلك, وأن عبد الله بن عمر لم يكن يصلى قبل صلاة العيد ولا بعدها.
فأما فى غير المصلى فى بأس به.
وإذا رجع من المصلى تنفل فى بيته ما أحب ولا تصلى صلاة العيد في موضعين.