الجامع لمسائل المدونةصفحات 711-750

كتاب الصلاة الثاني

صفحات 711-750

فصل - 3 -: [في وقت الجمع بين الصلاتين للمسافر]: ومن المدونة قال مالك: ولا يجمع المسافر في حج أو غيره حتى يجد به السير، ويخاف فوات أمر، فيجمع بين الظهر والعصر، يؤخر الظهر فيصليها في آخر وقتها، ثم يصلي العصر في أول وقتها، إلا أن يرتحل عند الزوال، فيجمع بينهما حينئذ في المنهل، ويجمع بين العشائين مقدار ما تكون المغرب في آخر وقتها قبل مغيب الشفق، والعشاء في أول وقتها بعد مغيب الشفق، ولم يذكر في المغرب والعشاء مثل ما ذكر في الظهر والعصر.
قال سحنون: وهما في ذلك كالظهر والعصر.
وإنما قال ذلك: لأن أصل الجمع في السفر إنما هو تخفيف على المسافر، وعون له على سفره، وفي الجمع له في المنهل غاية التخفيف، فأبيح له ذلك.
وإنما قال: يجمع المسافر في الحج وغيره خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا

يجوز الجمع إلا بعرفة والمزدلفة.
ودليلنا عليه حديث معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
وروى ابن عمر نحوه، واعتبارًا بسفر الحج.
قال أشهب في المجموعة: لا أحب الجمع بين الظهر والعصر في سفر ولا حضر، إلا بعرفة أول الزوال، وهي السنة.
قال: وللمسافر - وإن لم يجد به السير - من الرخصة في جمعهما ما ليس للمقيم، وله في جد/ السير أكثر مما له إذا لم يجد به السير، وللمقيم أيضًا في ذلك رخصة؛ لأنه يصلي في آخر الوقتين اللذين وقت جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم.

فإذا فاء الفيء قامة كان للظهر آخر وقت، وللعصر أول وقت، وأول الوقت فيهما جميعًا أحب إلينا، وإذا ساغ للحاضر ساغ للمسافر، وإن لم يجد به السير، وكذلك في المغرب والعشاء، ويكون مغيب الشفق وقتًا لهما يشتركان فيه مع ما روي من جمع المسافر، ولم يذكر جد السير به، وأما في جد السير فمجتمع عليه.
وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في آخر وقت هذه وأول وقت هذه، وذلك أن ينقضي الظهر والفيء قامة أو يبتدئها حينئذ والفيء قامة، ثم يقيم فيصلي العصر بعدها، أو تنقضي المغرب وقد غاب الشفق، أو يبتديها حينئذ، ثم يقيم فيصلي العشاء بعدها، وهذا في الظهر والعصر أجوز منه في المغرب والعشاء؛ لأن المغرب إنما ذكر لها وقت واحد في الحديث.
قال أبو محمد عبد الوهاب: ويجوز الجمع في طويل السفر وقصيره خلافًا للشافعي في قوله: لا يجوز إلا في سفر القصير.
قال: ودليلنا عليه أنه سفر مباح فأشبه ما تقصر فيه الصلاة؛ لأن

كل رخصة تعلقت بالصلاة في الحضر لعذر جازت في قصير السفر وطويله.
قال ابن المواز: والجمع في السفر توسعة ورخصة لمن احتاج إليه، وليس ذلك بسنة لازمة.

[باب - 5 -] جامع القول في قصر الصلاة للمسافر

روى مالك في الموطأ قالت عائشة رضي الله عنها: «فرضت الصلاة ركعتين في السفر والحضر، فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر»، وهو في البخاري أيضًا.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بمكة ركعتين ثم قال: «إنا قوم سفر، فأتموا الصلاة»، ومن رواية مالك أن عمر فعل ذلك بمكة، وقال لأهلها: «أتموا الصلاة فإنا قوم سفر، ولم يقل ذلك بعرفة ولا يمنى؛ لأن أكثرهم أهل سفر».

وكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام بمكة أتم معه، وإذا صلى وحده قصر، وقد قيل لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن، ولا نجد صلاة السفر، فقال: يا بن أخي إن الله بعث إلينا محمدًا عليه السلام ولا نعلم شيئًا، فإنما نفعل كما رأيناه يفعل.
ابن وهب: وقد قال ناس يا رسول الله إنا كنا مع فلان في السفر فأبى إلا أن يصلي لنا أربعًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذًا والذي نفسي بيده تضلون».
يريد إن صليتم أربعً.
[فصل - 1 - في خلاف أصحاب مالك في حكم القصر في السفر]: قال أبو الفرج المالكي: اختلف أصحاب مالك في قصر الصلاة في السفر، فقال بعضهم: هو فرض، وقال بعضهم: هو سنة، ورواه أبو المصعب عن مالك.
وقال عبد الوهاب: اختلف أصحابنا في القصر هل هو فرض للمسافر

أو سنة؟ فذهب أكثرهم إلى أن فرضه التخيير، إلا أن القصر أفضل، وهو سنته، وقاله ابن وهب عن مالك، وذهب جماعة من البغداديين إلى أن القصر فرضه.
فوجه قول من قال: إن القصر فرضه أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر في السفر ولم يتم.
وقال غيره: قال النبي عليه السلام: «إن الله جعل فرض الحاضر أربعًا، وفرض المسافر ركعتين».
وقد قالت عائشة: «فرضت الصلاة ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر».
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة العيد ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم، وقد خاب من افترى».
فإن قيل: لو كان فرضه ركعتين لم يجز له أن يتم خلف المقيم.

فالجواب: إن هذا لا يمنع أن يكون فرضه ركعتين، ثم إذا صلى خلف المقيم يصير فرضه فرض المقيم، كالعبد والمرأة فرضهما أربع، ثم أنهما لو صليا الجمعة خلف الإمام لصار ذلك فرضهما.
واحتج الذين قالوا إنه مخير بين القصر والإتمام - وقاله الأبهري - إن النبي صلى الله عليه وسلم قصر وأتم، وصام وأفطر، فعلم بذلك أنهما يجريان مجرى واحدًا، وأن الخيار إلينا في ذلك.
وأما ما احتج به من قال: إن الله تعالى جعل صلاة الحاضر أربعًا وصلاة المسافر ركعتين، فمعناه إن اختار؛ لأن النبي عليه السلام أتم وقصر.
قال الأبهري: أما قولهم: إنما أتم خلف المقيم اتباعًا لإمامه وهو فرضه، كالمرأة والعبد في الجمعة، فإنا نقول: إن العبد والمرأة دخلا في خطاب آية الجمعة، إلا أنهم عذرا في التخلف؛ لأن العبد مشغول بخدمة سيده، والمرأة عورة مشغولة بخدمة زوجها فهما كالمريض والمسافر خوطبا في الجملة وعذرا في التخلف.
قال عبد الوهاب: وقد قال أنس: «كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من يقصر ومنا من يتم فلا يعيب بعضنا على

بعض».
ولأن أصحابنا هؤلاء [قد] أجازوا للمسافر أن يصلي خلف المقيم ويتم، فلو كان فرضه القصر ما جاز له الإتمام، كما أن الحاضر لما كان فرضه الإتمام لم يكن له أن يقصر خلف المسافر.
وقد أكثروا من الاحتجاج لكل قول، وهذا أبين ذلك، والله أعلم بالصواب.
فصل - 2 -: [في تحديد مسافة القصر]: ومن المدونة قال مالك: ولا يقصر المسافر حتى تكون مسافة سفره أربعة برد/ فأكثر.

م وإنما قال ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وابن عمر وابن عباس قصروا الصلاة إلى ذات النصب، وهي من المدينة على أربعة برد.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أهل مكة لا تقصروا لأقل من أربعة برد».
قال مالك: ولا يتم حتى ينوي إقامة أربعة/ أيام، وإنما قال ذلك؛ لأن عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب قالا: إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام أتم، وما لم يجمع على ذلك فليقصر.
قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت، والذي لم يزل عليه أهل العلم عندنا.
واستدل على ذلك بعض أصحابنا من البغداديين بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا

يقيمن مهاجر بعد قضاء نسكه فوق ثلاث».
فمنه المهاجر أن يتخذ مكة قرارًا فوق ثلاثة أيام، فدل على أن الثلاثة ليست في حيز الإقامة، وأن الأربعة فما فوق إقامة.
وذلك حجتنا على أبي حنيفة في قوله: لا يتم حتى ينوي إقامة خمسة عشر يومًا.
قال ابن القاسم في المدونة: الذي رجع إليه مالك أن الإقصار في أربعة برد، وكان يقول: في مسيرة يوم وليلة.
قال غيره: وإنما كان يقول: تقصر الصلاة في يوم وليلة؛ لقول ابن عمر تقصر في اليوم والليلة.

م ولقول/ الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مع غير ذي محرم منها/ سفر يوم وليلة».
فجعل للسفر حرمة إذا كان يومًا وليلة.
فدل أن ما دون ذلك بخلافه.
وإنما رجع مالك إلى القول بأربعة برد؛ لأن البريد يضبط، ويتحصل في الشتاء والصيف والسريع والبطيء، وليس اليوم والليلة كذلك.
قال مالك في العتبية: ويقصر في خمسة وأربعين ميلا.
وقال ابن الماجشون في الواضحة: يقصر في أربعين ميلًا، وذلك قريب من الأربعة برد.
قال ابن القاسم في العتبية: ومن قصر في ستة وثلاثين ميلًا فلا إعادة عليه.
قال ابن المواز: وقال ابن عبد الحكم: يعيد في الوقت، وقال يحيى ابن عمر: يعيد أبدًا.
فوجه قول ابن القاسم: فلأن الثلاثة برد سفر يدخل في قوله عليه السلام: «يا أهل مكة لا تقصروا فإنا قوم سفر»؛ ولأنه إنما نقص من

الأربعة برد الربع والربع في الأصول في حد القلة، فوجب أن لا يغير الحكم.
ووجه قول يحيى بن عمر يعيد أبدًا: قوله عليه السلام: «يا أهل مكة لا تقصروا لأقل من أربعة برد».
ووجه قول ابن عبد الحكم/: أنه لما ترجح الأمر عنده من أن يجزئه أو لا يجزئه توسط قولا بين القولين، فجعله يعيد في الوقت.
قال ابن عبد الحكم: وإن قصر في أقل من ستة وثلاثين ميلًا أعاد أبدًا؛ لأنه لم يختلف فيه.
فصل - 3 -: [في مكان القصر]: ومن المدونة قال مالك: ومن أراد سفرًا فليتم الصلاة حتى يبرز عن بيوت القرية حتى لا يحاذيه أو يواجهه منها شيء، وكل ذلك في البحر، ثم يقصر.
قال: وإذا رجع من سفره فليقصر حتى يدخل بيوت القرية أو قربها،

ولم يحد في القرب حدًا، وقال في الميل: إنه يقصر.
وإنما قال ذلك؛ لأن ابن عمر كان إذا سافر قصر، وهو يرى البيوت، وإذا رجع قصر حتى يدخل البيوت.
وقد رأى علي بن أبي طالب رضي الله عنه خصًا حين خرج من البصرة، فقال: لولا هذا الخص لصلينا ركعتين.
قال في العتبية: في الأمير يخرج عن المدينة على ثلاثة أميال حتى يتكامل أكرياؤه وحشمه قال: لا يقصر حتى يجتمع على المسير - يريد - فيقصر، إذا برز من ذلك الموضع الذي يتكامل فيه أكرياؤه.
وقال في من يخرج من الفسطاط إلى بئر عميرة وهو يقيم بهم اليوم واليومين كما يصنع الأكرياء حتى يجمع إليه الناس أنه يقصر.
قال أبو محمد: قال يحيى بن عمر: ولم ير ذلك في الأمير يخرج على الميلين حتى يجتمع ثقله، وقال يتم.
وقال عنه ابن نافع في المجموعة: أحب إلي أن يتم/ إذا كان الأكرياء يحبسون الناس.
والأمير وغيره سواء، وإنما ذلك اختلاف من قوله:

وقيل إن الفرق بين ذلك، إن الأمير السير إليه، وهو القاصد للإقامة، والخارج إلى بئر عميرة ليست الإقامة إليه، بل خرج على النفاذ.
ولو عكس هذا لكان أصوب؛ لأن الأمير إليه السير، وعادته الخروج عازمًا على السفر، والآخر ليس إليه السير، وإنما يريد الأكرياء، فهو كمن واعد قومًا للسفر وهو لا يريد إلا بسيرهم، فإنه يتم.
قال ابن القاسم عن مالك: وإذا قدم من سفره/ فنزل من مدينته على ميل أو ميلين ليقيم حتى يدخل ليلًا فإنه يقصر، إلا أن يقرب جدًا ولم يحد القرب، قال: وإنما يحد في هذا أهل العراق.
قال أشهب وابن/ نافع عن مالك في المسافر إذا رجع إلى أهله: فإنه يقصر حتى يدنوا من البيوت مثل الميل ونحوه فيتم الصلاة.
ومن كتاب ابن المواز: ومن خرج مسافرًا ثم نزل على قدر أميال، ثم بدا له في الرجعة، ثم لم يبرح حتى رجعت نيته إلى السفر في الوقت، ثم حضرت الصلاة فليتم حتى يبرز عن ذلك الموضع، ولو شيعهم رجل وهو يريد الرجعة فقدموه يصلي بهم قبل أن يفترقوا فلم يدخل في الصلاة حتى نوى السفر وعزم عليه فليتم حتى يبرز عن ذلك الموضع.

م وإنما قال ذلك؛ لأن الأصل الإقامة والسفر فرع طارئ عليه فوجب أن يرجع إلى الأصل بالنية ولا ينتقل عنه إلا بالفعل، وهو الظعن.
ومن المدونة قال مالك: ومن واعد قومًا للسفر ليمر بهم وبينه وبين موضعه ما لا تقصر في مثله الصلاة أو تقدمهم حتى يلحقوه، فإن كان عازمًا على السفر على كل حال خرج القوم الذين واعدهم أم لا، فليقصر إذا برز عن قريته، وإن كان لا يخرج إلا بخروجهم فليتم حتى يبرز عن موضعهم، في المبسوط: وعن الموضع الذي يلحقونه فيه.
فصل - 4 - [في قصر المسافر بحرًا]: قال مالك: ويقصر المسافر في البحر إن نوى مسيرة يوم تام.
قال عبد الملك في المجموعة: وإن توجه إلى سفر فيه بر وبحر فإن كان في أقصاه باتصال البحر مع البر ما يقصر فيه الصلاة قصر إذا برز.
قال ابن المواز: وإذا كان ليس بينه وبين البحر ما تقصر فيه الصلاة، فانظر: فإن كان

المركب لا يبرح إلا بالريح، فلا يقصر حتى يركب ويبرز عن موضع قلع منه بالريح - يريد - إذا كان في سفره من ذلك الموضع ما تقصر فيه الصلاة.
قال ابن المواز: وإن كان يخرج بالريح وبالقذف فليقصر حين يبرز عن قريته.
ومن المدونة قال مالك: ويقصر النواتيه وإن كان معهم الأهل والولد.
وقاله سالم بن عبد الله.
قال مالك: ولو ردته الريح إلى الموضع الذي خرج منه فليتم فيه ما حسبته الريح حتى يظعن ثانية.
قال سحنون: هذا إن كان له وطنًا، وإلا قصر فيه أبدًا إلا أن ينوي/ إقامة أربعة أيام.
وإن لم يكن له وطنًا إلا أنه كان نوى فيه إقامة أربعة أيام فأكثر، فكان يتم فيه، ثم خرج فردته الريح إليه فهذا يدخل فيه اختلاف.
قول مالك في الذي أقام بمكة بضعة عشر يومًا فأوطنها ثم خرج ليعتمر من الجحفة ثم يعود إلى مكة فيقيم بها اليوم واليومين، فقال مالك: مرة يتم في يوميه، ثم رجع

إلى أنه يقصر، وكذلك هذا، والله أعلم.
[فصل - 5 - في من سافر ثم رجع قبل أن يبلغ المسافة هل يقصر؟] قال مالك: ومن خرج مسافرًا تقصر في مثله الصلاة، فسار ما لا يقصر في مثله الصلاة، ثم رجع إلى بيته في حاجة بدت له فليتم في رجوعه حتى يبرز ثانية، وقيل: يقصر ما لم يدخل بيوت القرية.
فوجه قول مالك: فلأن رجوعه سفر غير الخروج، فلا يضاف إليه، ولو جاز هذا القصر من خرج إلى مسافة بريدين، إذا كان نيته أن يرجع من ساعته ولا يقيم، وهذا لا يقوله أحد.
ووجه الثانية: فلأن رجوعه إنما كان لحاجته لا كسرًا عن سفره/ الأول، فهو عليه ما لم يدخل وطنه فوجب أن/ يقصر.
والأول أبين لما قدمنا، والله أعلم.
فصل - 6 -: [من خرج في طلب حاجة متى يقصر]: ومن المدونة قال مالك: ومن خرج في طلب آبق له أو حاجة فقيل له: هي بين يديك على بريدين فمشى كذلك أيامًا ولا يدري غاية سفره، فليتم

في سفره، ويقصر في رجوعه إذا كان أربعة برد فأكثر.
ومن غير الأم واختلف أصحابنا المتأخرون إذا كان لما بلغ هذا الذي خرج في طلب آبق على رأس برد، فأراد الرجوع، فقيل له: إن حاجتك في موضع كذا على بريدين بين يديك أو عن يمينك أو عن شمالك، فقال: أنا أبلغ ذلك الموضع، ثم أتمادى منه إلى داري على كل حال وجدته أو لم أجده، فذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يقصر حتى يرجع من الموضع الذي أخبر أن العبد فيه؛ لأنه لا يضاف مسيره إلى رجوعه.
وظهر لي ولغيري من أصحابنا أنه يقصر من رأس أربعة برد؛ لأنه قد نوى الرجوع، وقال: أنا آخذ في رجوعي من الموضع الذي ذكر له أن العبد فيه، فهو كالراجع، وكما لو أخذ من ذلك الموضع لوعر في طريقه الأولى أو/ لحاجة غير الآبق فهو كمبتدئ سفرًا من ذلك الموضع، وكالذي يريد سفرًا إلى جهة قبلة بلده فذكر أن له حاجة على بريدين، في دبور بلده، فقال: أخرج إلى هذه الحاجة في دبور بلدي، ثم أرجع إلى طريقي، ولا أدخل مدينتي، ثم أتمادى

إلى تمام سفري، أنه يقصر من حين يبرز عن قريته، فكذلك الذي بلغ رأس أربعة برد فقال: أنا أبلغ موضع كذا ثم أتمادى منه إلى داري لا فرق بينهما، والله أعلم.
[فصل - 7 - في من يدور في القرى هل يقصر؟]: ومن المدونة قال مالك: ومن خرج يدور في القرى وفي دورانه أربعة برد قصر.
قال ابن القاسم: والسعاة مثله.
قال مالك: ومن خرج إلى مكة ونوى أن يسير يومًا ويقيم يومًا قصر من حين خرج من بيته حتى يأتي مكة.
ومن العتبية قال سحنون: وإن نوى أن يسير يومًا ويقيم أربعة أيام، فهذا يقصر في مسيره، ويتم في مقامه، وكذلك عنه في المجموعة في من خرج ينوي أن يسير ثلاثين ميلًا أو عشرين ميلًا ثم يقيم أربعة أيام، ثم يمشي مثل ذلك، ثم يقيم أربعة أيام أنه يقصر من حين يخرج في مسيره، ويتم في مقامه، وقاله ابن الماجشون.
وذكر ابن المواز

خلافه، وأنه تراعى مسافته إلى الموضع الذي نوى فيه الإقامة، وجعله كوطنه، فإن كان بين كل موضعين أقل من أربعة برد أتم ولم يقصر.
وقول سحنون أولى؛ لأنه لما نوى في أول سفره أن يسير كذلك فهو مسافر إلى غاية القصر حقيقة، ولا يضره تخلل الإقامة، كما أن من نوى أن يصوم في سنة يومًا بعد أربعة أيام أنه يجزئه التبييت في أول ليلة، ولا يضره تخلل الفطر، ويصير حكمه حكم الصوم المتصل، فلذلك هذا حكمه حكم السفر المتصل، ولا يضره تخلل الإقامة، وليس نية الإقامة، كدخوله وطنه؛ لأن دخوله وطنًا له يوجب عليه الإتمام، وإن لم ينو الإقامة، وإقامته في غير وطنه لا يوجب ذلك عليه إلا بنية إقامة أربعة أيام، فهو أضعف من وطنه.
فصل - 8 -: [لا يقصر إلا في سفر يجوز له الخروج فيه] ومن المدونة قال مالك: ومن/ خرج يريد الصيد على مسيرة أربعة برد قصر الصلاة، إن كان ذلك عيشه.
قال ابن القاسم: فإن خرج/ متلذذًا، فلم أره يستحب له قصر الصلاة.
وقال: أنا لا آمره بالخروج، فكيف آمره بقصر الصلاة؟.

قال ابن شعبان: فإن قصر المتلذذ للصيد لم يعد للاختلاف فيه؛ لأن الصيد مباح، وقد أجاز ابن عبد الحكم الصيد للهو.
قال ابن حبيب: إنما يقصر في سفر يجوز له الخروج فيه غير باغ ولا عاد، فأما من خرج باغيًا أو عاديًا أو/ قاطعًا للرحم أو طالبًا لإثم، فلا يجوز له القصر، كما لا يباح له الأكل من الميتة عند الضرورة.
والذي قال ابن حبيب: هو المذهب، إلا قوله لا يباح له أكل الميتة عند الضرورة، والصواب أن له أكلها لإحياء نفسه.
وقد قال الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) وليس في ترك الأكل إلا ذهاب نفسه، وهذه معصية أخرى.
ومن حجة من منعه أنه قادر على استحداث التوبة، فيجوز له الأكل.
وقد ذهب أبو حنيفة إلى أن له القصر، كما أن له أكل الميتة إذا

اضطر إليها، ففرق له بعض أصحابنا بأن قال: إن الله تعالى قد فرض عليه إحياء نفسه مع القدرة على ذلك من غير أن يتلف بها نفسًا أخرى حرمتها كحرمة نفسه، وإذا كان الأمر على هذا فكأنه توجه عليه فرضان: أحدهما النزوع عما هو عليه من المضي والسعي في معصية الله، والآخر: إحياء نفسه حتى يتناول ما يرد به رمقه فأمر بالأمرين جميعًا، فإن فعلهما فهو المراد، وإن فعل أحدهما لم نأمره بتركه من أجل أنه لم يفعل الآخر، وهذا كمن أمر بترك الزنا وشرب الخمر فأقلع عن أحدهما، فلا يجوز أن يقال له: لا تترك هذا حتى تترك الآخر، بل يقال له: أنت ممدوح على ترك ما تركت، ومذموم على ما أقمت عليه، وإنما لم يجز له الفطر والقصر عندنا؛ لأنهما رخصتان معينتان على السفر، فلا يباحا للعاصي، فيكونا عونًا له على المعصية، فيصير ممنوعًا من سفر معانًا عليه، وهذا تناقض.

م ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، فلما لم يصحح سفره عليه السلام عاصيًا لم يصح أن يفطر أو يقصر فيه.
فصل - 9 -: [في المسافر ينوي الإقامة] ومن المدونة قال مالك: وإذا أجمع المسافر في بر أو بحر على مقام أربعة أيام بلياليهن أتم الصلاة، وصام حتى يظعن من مكانه.
قال ابن الماجشون وسحنون: إذا دخل في بعض النهار، فإن نوى إقامة عشرين صلاة أتم، وقال ابن القاسم في العتبية: يلغي يوم دخوله، ولا يحسبه.
هذا أصل مختلف فيه في العدد والأيمان، فهذا على ذلك، والقياس البناء على بعض اليوم، والاحتياط أن يلغي بعض اليوم، ويبتدئ الذي يليه من أوله.
قال عيسى عن ابن القاسم: وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام ثم قصر أعاد أبدًا، وكذلك في كتاب ابن سحنون، وأنكر سحنون قول من قال: يعيد في الوقت.
ومن المدونة قال مالك: وإذا صلى مسافر ركعة ثم نوى الإمام

الإقامة شفعها وسلم، وكانت نافلة، وابتدأ صلاة مقيم.
وإن نوى الإقامة بعد تمامها لم أر عليه الإعادة واجبة، وإن أعاد فحسن، وأحب إلي أن يعيد.
ابن المواز: وإذا نسي المسافر القصر حتى بقي من النهار ركعة فصلى الركعة وغربت الشمس، ثم نوى الإقامة بعد خروج الوقت فإن صلاته تبطل، ويبتدئ صلاة مقيم.
وقال أصبغ: يبتدئ صلاة سفر؛ لأنه نوى الإقامة بعد خروج الوقت فكأنه يقضي ما فاته.
قال محمد: ولو ابتدأها/ بعد ما غربت الشمس لم تضره نية الإقامة، وليتماد فيها سفرية، ولو أغمي عليه فيها فلابد من قضائها، ولو أحرم بها قبل الغروب، ثم أغمي عليه فيها بعد الغروب لسقطت عنه.
ويجب على قوله في المسافر ألا تسقط عنه؛ لأنه إنما أغمي عليه بعد خروج الوقت.
قال أصبغ في امرأة صلت ركعة من العصر، ثم غربت الشمس فحاضت،

فإنها تسقط عنها إعادتها.
ويجب على قوله في المسافر أن يقضيها.
وقال سحنون في المسافر: يتمادى، ولا يضره ما نوى بعد خروج الوقت، وكذلك الحائض تقضيها؛ لأنها حاضت بعد خروج الوقت.
قال مالك في المجموعة: وإذا نوى الإمام الإقامة بطلت صلاته وصلاة من خلفه، ثم قال: يستخلف من يتم بالقوم، وينصرف هو فيبتدئ صلاة مقيم.
قال ابن القاسم ف يالعتبية: وإن نوى الإقامة بعد أن صلى ركعة وخلفه مقيمون فليقدم من يتم بهم، ويقطع هو صلاته، وإن كان خلفه مسافرون ومقيمون، فإن قدم مسافرًا سلم هو والمسافرون من ركعتين، وأتم المقيمون لأنفسهم بقية صلاتهم.
كما كانوا يفعلون مع إمامهم.
قال ابن القاسم: فإن قدم حضريًا صلى بهم ركعة بقية صلاة الإمام

الأول ثم أشار إليهم أن اجلسوا، ثم أتم هو وحده وسلم هو والسفريون، ثم أتم المقيمون بعد سلامه.
قال عيسى: أحب إليّ أن ينتقض عليهم أجمع.
قال ابن القاسم: وإذا استخلف هذا الخارج فلا يضيف ركعة ويجعلها نافلة، بمنزلة ما لو كان وحده، وليدخل معهم، فيتم بقية الصلاة، وتجزئه.
وقال عيسى: بل يبتدئ هو وهم أحب إلي.
أما قوله: إذا نوى الإقامة وخلفه مقيمون فليقدم من يتم بهم فصواب؛ لأنه لم يختلف على المأمومين شيء من أمرهم؛ لأنهم دخلوا على الإتمام فهم عليه، فيصلي بهم المستخلف بقية صلاة الأول، ثم يشير إليهم أن اجلسوا، ثم يتم هو لنفسه ويسلم ويتم المقيمون لأنفسهم أفذاذًا بعد سلامه،

وأما قوله: وإن كان خلفه مقيمون ومسافرون فقدم مسافرًا فصواب أيضًا؛ لأن خليفته كهو، فلم يتغير عليهم شيء من أمرهم، وأما إن قدم حضريًا، فقول عيسى أبين؛ لأنه قد حصل للمسافرين في هذه الصلاة إمامان مسافر ومقيم، وحكمهم في الصلاة خلف كل واحد منهم مختلف، فإن أتموا خلف الثاني، فقد خالفوا ما دخلوا عليه وخالفوا فعل الأول، وإن لم يتموا فقد خالفوا فعل الثاني، والمسافر إذا أدرك خلف المقيم ركعة لزمه الإتمام؛ ولأنه إمامهم في هذه الركعة المستخلف عليه لو فسدت عليه لفسدت عليهم، فلذلك قال عيسى: أحب إليّ أن تنتقض عليهم صلاتهم.
ووجه قول ابن القاسم: أن صلاتهم قد انعقدت على حالة الأول، وإنما هذا الثاني يفعل بهم بقية عمل الأول، ثم يشير إليهم بالجلوس ليتم هو ما كان يلزمه، ويسلم بهم، ويتم الحضريون بعد سلامه، كما كانوا يفعلون مع الأول.
وأما قوله: إذا استخلف هذا الخارج فليدخل معهم، ويتم بقية الصلاة، وتجزئه - يريد - أنه يقطع ما كان فيه، ويدخل بإحرام جديد، ويتمادى مع الإمام، فإذا سلم الإمام أتم هذا بقية صلاته، وتجزئه.
[فصل - 10 - في من دخل مكة فأقام بها ثم ينوي العمرة والبقاء بمكة يومين هل يقصر؟] ومن المدونة قال مالك: ومن دخل مكة فأقام بها بضعة عشر يومًا فأوطنها، ثم بدا له أن يخرج ليعتمر من الجحفة، ثم يعود إلى مكة ويقيم بها اليوم واليومين، ثم يخرج منها فليتم الصلاة في يومه ويوميه؛ لأن مكة كانت له وطنًا، ثم قال:

يقصر.
قال ابن القاسم: وهو أحب إليّ.
فوجه قوله يتم؛ لأنه لما أوطنها وأتم الصلاة بها صار له حكم الوطن، فكأنه رجع إلى وطنه، ووجه قوله: يقصر؛ لأنها ليست كوطنه في الحقيقة، وإنما أتم بالسنة لما نوى من الإقامة، وأما وطنه فلا يحتاج إذا رجع إليه إلى نية الإقامة، فما كان لا يتم فيه إلا بنية أضعف مما يتم فيه بغير نية، وقد سافر من ذلك الموضع سفر إقصار، فإذا رجع إليه فهو على نية سفره حتى ينوي إقامة أربعة أيام أيضًا، ولو كان اعتماره من الجعرانة والتنعيم أو ما لا تقصر فيه الصلاة، ثم رجع إلى مكة ونوى أن يقيم بها اليوم واليومين لأتم في ذلك بلا اختلاف من قوله؛ لأنه على نيته الأولى في الإتمام، فلا يزيلها إلا بخروجه إلى سفر الإقصار.
[فصل - 11 - في حكم المسافر يمر بقرية له فيها أهل وولد] ومن المدونة قال مالك: وإذا مر المسافر بقرية فيها أهله وولده فأقام

عندهم، ولو صلاة واحدة أتم، وإن لم يكن له بها غير عبيده وبقره وجواريه، ولا أهل له بها ولا ولد قصر الصلاة إلا أن ينوي إقامة أربعة أيام.
قال ابن القاسم: وإن هلك أهله وبقي ولده فمحملها عند مالك إن كانت له مسكنًا، وإلا قصر.
قال ابن حبيب: وإن كان له بها أم ولد أو سرية يسكن إليها أتم.
ومن كتاب ابن المواز: وإن لم يكن مسكنه، ولكنه نكح بها، فلا يتم بها حتى يبني بأهله، وتلزمه السكنى.
قال: وإذا خرج وفي طريقه قرية له بها أهل ونوى دخولها، فإن كان بينه وبينها أربعة برد قصر إليها، وإلا أتم، ثم ينظر في بقية سفره منها، فإن كان في المسافتين منتهى أربعة برد فأكثر قصر الصلاة، وإلا أتم، فإذا رجع ولم ينو دخولها قصر إذا كان بين المسافتين أربعة برد فأكثر.

قال: ولو خرج أولا وهي على أقل من أربعة برد ونوى دخولها لزمه الإتمام، ثم لمَّا حاذها بدا له فترك دخولها فلينظر بقية سفره من حينئذ، فإن كان أربعة برد قصر إذا ظعن من مكانه ذلك لا قبل الظعن منه.
يريد؛ لأنه الساعة يصير مسافرًا، وكأنه خارج من وطنه، قال: ولو كانت مسافة قريته أربعة برد قصر، وإن لم يظعن من مكانه كان في باقي سفره أربعة برد أو أقل؛ لأنه لا يجب عليه الإتمام إلا بدخول تلك القرية، فمتى لم يدخلها بقي على ما كان عليه من الإقصار.
قال: ولو شقها مارًا ولم ينزلها لراعيت بقية سفره فلا يقصر، إلا أن تبقى أربعة برد.
قال: ولو لم يكن له بها أهل إلا أنه نوى المقام بها أربعة أيام ثم خرج مكانه فالجواب سواء.
قال: ولو أنه إذا نوى المقام بها فأتم، ثم خرج إلى بقية سفره وفيه أربعة برد، فلما سار عنها ميلين رجع إليها في حاجة

فليقتصر هذا في رجوعه وفي دخوله حتى ينوي المقام بها ما يتم فيه الصلاة، إلا أن يكون بها أهله.
وهذا الذي أخذ به من اختلاف قول مالك في هذا، وبه أخذ ابن القاسم وأصبغ.
يريد الاختلاف الذي جرى لمالك في مسألة مكة.
فصل - 12 -: [في من نسي صلاة سفر فذكرها في حضر أو العكس] ومن المدونة قال مالك: ومن نسي صلاة سفر فذكرها بعد ذهاب وقتها في حضر صلاها ركعتين كما كانت وجبت عليه، وكذلك إن ذكر صلاة حضر قد ذهب وقتها، فذكرها في سفر صلاها أربعًا كما وجبت عليه.
قال: وإذا خرج لسفر أو دخل منه في وقت صلاة فوقته في الظهر والعصر إلى الغروب، وفي العشائين إلى طلوع الفجر، فإن خرج ولم يكن صلاها وفي الوقت ما يسع إحدى الصلاتين وركعة من الأخرى صلاهما سفريتين،

وإن لم يسع إلا واحدة صلاها سفرية، فهي الآخرة، فيصلي الأولى حضرية والثانية سفرية، وإن خرج بعد زوال وقتهما قضاهما حضريتين، وكذلك في دخوله بهذا المعنى إن دخل لمقدار خمس ركعات صلى الظهر والعصر حضريتين، وإن كان لقدر أربع ركعات إلى ركعة صلى الظهر سفرية، والعصر حضرية، وإن دخل بعد الغروب صلاهما سفريتين، وإن كان قد صلى العصر ونسي الظهر فليبدأ بالظهر في الخروج سفرية، فإن بقي قدر ركعة أعاد العصر سفرية أيضًا، وإلا لم يعدها، وفي الدخول يبدأ بالظهر حضرية، فإن بقي قدر ركعة أعاد العصر حضرية، وإلا لم يعدها، وإن خرج لقدر ركعة، فأكثر من الليل، ولم يصل العشائين، فليصل العشاء الآخرة سفرية، وإن دخل أيضًا لقدر ركعة فأكثر صلاها حضرية؛ لأن المغرب لا تقصر فلا يتغير الحكم صلاها أم لا.
وقد تقدم كثير من هذا المعنى بزيادة فيه في مقادير الأوقات للحائض وغيرها في كتاب الصلاة الأول فأغنى عن إعادته.

فصل - 13 -: [في صلاة المسافر خلف المقيم] ومن المدونة قال مالك: وإذا أدرك المسافر ركعة خلف مقيم أتم، وإن لم يدركها قصر.
قال ابن حبيب: ويبني على إحرامه ذلك صلاة مسافر.
قال مالك: وإذا صلى مقيم خلف مسافر فليتم المقيم بقية صلاته بعد سلام الإمام المسافر؛ لقوله عليه السلام لأهل مكة: «أتموا الصلاة فإنا قوم سفر».
وقال ابن حبيب عن مالك: لا يتم المسافر [لا وحده ولا] خلف المقيم، فإن فعل أعاد في الوقت، إلا في مثل جوامع المدائن وأمهات الحواضر، لا في مساجد عشائرها، ولا في القرى الصغار التي لا يجمعون الجمعة في مسجدهم.
كأنه رأى في هذا القول إن فرض المسافر القصر فلا يتم خلف المقيم، إلا في مثل أمهات الحواضر؛ لإتمام ابن عمر مع إمام مكة.
والصواب الإتمام خلفه، كما كان يفعل ابن عمر؛ ولقوله عليه السلام: «إنما جعل الإمام ليؤتم به».
هذا هو الأصل، وخرج إتمام المقيم خلف المسافر

بالسنة، وبقي ما سواه على أصله؛ ولأن إتمام المقيم خلف المسافر إنما هو بعد سلام الإمام فليس ثم إمام يخالفه بعد، وإذ قصر المسافر خلف المقيم يصير المسافر جالسًا والإمام يصلي، فقد خالف إمامه.
فصل - 14 -: [في المسافر يصلي أربعًا] ومن المدونة قال مالك: ومن صلى في السفر أربعًا أعاد في الوقت، فإن كان في سفر، وهو في وقتها، أعاد ركعتين، فإن ذهب الوقت لم يعد.
قال ابن القاسم: وإن رجع إلى بيته في وقتها أعاد أربعًا.
قال سحنون في كتاب ابنه ومحمد في كتابه: وسواء أتم عامدًا أو جاهلاً أو ناسيًا، فإنه يعيد في الوقت، ولا سجود سهو عليه، ولو كان ذلك عليه لكان عليه في عمده أن يعيد أبدًا، وكذلك قال ابن حبيب عن ابن

القاسم.
قال: وقال مطرف عن مالك: إذا أتم ساهيًا سجد لسهوه، وأجزأته، ولم بعد في وقت ولا غيره.
قال سحنون: وأما إن افتتحها على ركعتين، ثم بدا له فأتمها سهوًا أو عمدًا، فليعد أبدًا؛ لكثرة السهو.
قال ابن المواز: يعيد العامد أبدًا، ويجزئ الساهي سجود سجدتا السهو، وليس كسهو مجتمع عليه.
قال ابن المواز: ولولا أن مالكًا وأصحابه لم يختلفوا في من أتم في السفر أنه إنما يعيد في الوقت لاستحسنت أن يعيد أبدًا؛ لأنها سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.
وقال سحنون: القياس أن يعيد أبدًا.
قال غيره: وإنما لم ير مالك الإعادة عليه أبدًا؛ لقوة اختلاف الصحابة في ذلك.
وقال أبو محمد: والوقت في ذلك النهار كله.

وقال أبو العباس الإبياني: الوقت في ذلك وقت الصلاة المفروضة، والأول أصوب.
ومن المدونة: وقد روى ابن وهب أن عائشة كانت تتم في السفر، وأن عثمان كان يتم في السفر.
قال أبو بكر بن الجهم: قيل لعروة: ما بال عائشة تتم في السفر؟ قال: أراها تأولت ما تأول عثمان.
قال أبو بكر: ويقال: إن الذي تأول عثمان أنه كان يقول: أنا أمير المؤمنين فحيثما كنت من البلاد فأنا في عملي، وقالت عائشة: أنا أم المؤمنين فحيثما كنت فأنا عند ولدي وفي بيتي.
قال ابن حبيب: إنما أتم عثمان بمنى خاصة؛ لأن له بها أرضًا ومالاً، فتأول

أنه غير مسافر.
قال: وحسبت عائشة أن سفرها بعد النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز لها، فأتمت فيه لهذا.
قال غيره: أما ما قيل: إن عائشة رضي الله عنها إنما أتمت؛ لأنها خرجت عاصية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ولغيرها من نسائه في حجة الوداع: «إنما هي هذه ثم ظهور الحصر»، يعني إنما هي هذه الحجة، ثم اجلسن في بيوتكن.
فقد قيل: إنه حديث غير صحيح، لم يدخله إلا من قصد به الطعن على عائشة رضي الله عنها.
وما تقدم من التأويل عليها أولى.
والله أعلم.
ويحتمل أن تكون عائشة وعثمان رضي الله عنهما اختارا الإتمام لما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتم وقصر»، ولحديث أنس «كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من يتم ومنا من يقصر فلا يعيب بعضنا على بعض».

[فصل - 15 - في المسافر يبتدئ صلاته على الإتمام ثم يتم أو العكس] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا افتتح المسافر على الإتمام، ثم بدا له فسلم من ركعتين لم تجزئه صلاته في قول مالك؛ لأن صلاته على أول نيته.
قال مالك: وإذا صلى مسافر بمسافرين فقام من اثنتين فسبحوا به، فتمادى وجهل، فلا يتبعوه، ويقعدوا، ويتشهدوا.
قال ابن القاسم: فإذا

سلم الإمام سلموا بسلامه، ويعيد وحده في الوقت، وكذلك قال مالك.
قال ابن عبدوس: وكان سحنون يفسر ذلك ويقول: إن كان أتم ناسيًا لسفره أو لإقصاره، أو متأولاً وخلفه مقيمون ومسافرون، فإنه يعيد هو ومن أتبعه في الوقت، ويعيد من لم يتبعه أبدًا: ألا ترى أنهم لو سبحوا به حين قام من الركعتين فرجع إليهم وسلم من الركعتين بالمسافرين، وأتم المقيمون أن عليهم أبدًا؛ لأن صلاته على أول نيته، وأما إن حرم على اثنتين فتمادى سهوًا فليسبحوا به إلى وقت لو انتبه وسلم أجزأته، فإن زاد سلموا أفذاذًا، وقدموا من يسلم بهم، ويتم المقيمون لأنفسهم، فصار كإمام أحدث بغلبة.
قال ابن عبدوس: يسبحون به إلى أن يرفع رأسه من الرابعة فحينئذ أبطل على نفسه، وخرج القوم من إمامته، فيسلم المسافرون، ويتم المقيمون وصلاتهم تامة.

جارٍ التحميل