الجامع لمسائل المدونةصفحات 470-509

كتاب الشهادة الثاني

صفحات 470-509

[الباب الأول]

جامع القول في الإيمان والنكول عنها

[الفصل 1 - فيمن تجب عليه اليمين] روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «على المدعي البينة»، ولا خلاف في ذلك.
وقال عليه السلام: «وعلى المدعى عليه اليمين»، وقال في حديث ثالث: «بينتك أو يمينه» وروي أنه عليه السلام رد اليمين على الطالب في الحقوق، وردها شريح

والشعبي.
وفي حديث القسامة دليل أنه لا يقضي بالنكول دون اليمين، وقد وافقنا في هذا مخالفنا، ولا فرق بينه وبين سائر الدعاوي، ومن ذلك رد اليمين في اللعان.
وفي كتاب ابن سحنون، قال سحنون: قال مالك وأصحابه: لا يجب الحق بنكول المدعى عليه عن اليمين حتى يرد اليمين على المدعي فيحلف، ولم يختلف في ذلك أهل المدينة، وبه حكم أئمتهم.
[الفصل 2 - في اليمين مع الشاهد] ومن المدونة قال مالك: ومن أقام شاهداً على رجل أنه تكفل له بما له على فلان، حلف مع شاهده واستحق الكفالة قبله؛ لأن الكفالة بالمال إنما هي مال مثل الجرح الذي لا قصاص فيه، إنما هو مال.
قال: ويحاص من قضى له في دينه بشاهد ويمين مع من قضى له بشاهدين.
قال مالك: وإذا أقام الطالب شاهداً وأبى أن يحلف معه فله يمين المطلوب، فإن نكل المطلوب غرم ولا يرد اليمين على الطالب؛ لأنه هو ردها.
وفي كتاب الديات: إذا أقام شاهداً، وأبى أن يحلف معه، ورد اليمين على المطلوب، ثم بدا له أن يحلف، فليس ذلك له.

وفي كتاب ابن سحنون والمجموعة: ولو رد اليمين على المطلوب فحلف وبرئ ثم أقام الطالب شاهدين بعد ذلك قضي له بهما.
قال ابن المواز: ولو كان إنما أصاب شاهداً آخر فليؤتنف الحكم له، ولا يضم إلى الأول، وإنما له أن يحلف معه، أو يرد اليمين ثانية؛ لأن اليمين الأولى إنما أسقط بها المطلوب الشاهد الأول.
وقال أحمد بن ميسر: ولا ترد اليمين على المطلوب ثانية؛ لأنه قد حلف عليه مرة.
وقال سحنون عن ابن القاسم وابن كنانة أنه إذا وجد شاهداً آخر فلا يحلف معه؛ لأنه ترك موضع حقه بالنكول.
قال ابن المواز: ولو كان إنما أقام شاهداً واحداً فيما لا يحلف معه من عتق أو طلاق أو حد فحلف المطلوب، ثم وجد الطالب شاهداً آخر فإنه يضمه إلى الأول، ويقضي بهما؛ لأنه منع أولاً من اليمين فلم يكن له نكول يسقط به شاهده، وهو كصغير أقام شاهداً فحلف مطلوبه وأخر، ثم وجد شاهداً آخر، فإنه يحكم بهما.
قال ابن سحنون: قال ابن كنانة عن مالك: وكذا من أقام شاهداً بحق عند القاضي وكان ممن لا يرى الحكم بالشاهد واليمين، فلم يحكم له بشيء، ثم وجد بعد شاهداً آخر، فإنه يقضي له بحقه، ونحوه في كتاب الأقضية.
[الفصل 3 - في المطلوب يحلف ثم يجد الطالب بينة] ومن المدونة قال مالك: ومن كان بينه وبين رجل خلطة فادعى عليه بحق له واستحلفه فإن حلف برئ، وإن نكل لم يقض عليه الإمام للطالب حتى يرد اليمين عليه، فإن جهل المطلوب أن يسأله ردها فعليه أن يعلمه بذلك، ولا يقضي حتى يردها، فإن نكل

الطالب فلا شيء له، وإذا حلف المطلوب، ثم وجد الطالب بينة، فإن لم يكن علم بها قضى له بها.
قال ابن الماجشون في الواضحة: كانت يوم حلفه حاضرة أو غائبة بعد أن يحلف بالله العظيم أن ما علم بها.
ومن المدونة: وإن استحلفه عالماً ببينته تاركاً لها، وهي حاضرة أو غائبة، فلا حق له، وإن قدمت بينته.
وكذلك عن مالك في كتاب ابن سحنون.
وروى عنه ابن وهب أن عمر بن الخطاب اختصم إليه يهودي يدعي على مسلم، فدعاه بالبينة، فقال: ما تحضرني اليوم بينة، فأحلف له المطلوب، ثم جاءه المدعي بعد ذلك بالبينة، فقضى له بها.
وقال: البينة العادلة أحب إلي من اليمين الفاجرة.
وقاله شريح ومكحول والليث.
م/ واستحسن بعض فقهائنا القرويين إن كان أمر البينة يطول عند القضاة، ويشتد على الخصم ذلك، أن له أن يحلف خصمه، لعله ينكل فيستغني عن التكلف في ذلك، فإن حلف له كان له القيام ببينته، كما إذا كانت بينته غائبة بعيدة الغيبة، أن له أن يقوم بها إذا

قدمت بعد أن حلف خصمه.
وقال مالك فيه وفي العتبية من رواية أشهب فيمن قضى ديناً عليه، وأشهد بينة على القضاء، ثم طولب به، فقال: قد دفعته إليك بشهادة فلان، فأحلف فحلف له، وأراد أن يقيم البينة أنه قضاه، قال: ذلك له، ويسمع منه قال ابن سحنون: قال ابن نافع عن مالك: فإذا حلفه وبينته حاضرة، وهو عالم بها، فله القيام بها بعد ذلك.
وقاله أشهب في غير كتاب.
ومن كتاب ابن حبيب قال أصبغ: ولو حلف المطلوب فنكل، فردت اليمين على المدعي، فحلف وأخذ، ثم وجد المدعى عليه بينة تشهد ببراءته من ذلك الحق فليقم بها، ويبرأ ويرجع إلى ما أخذ منه فيأخذه، ولو أن المدعي حين ردت عليه اليمين نكل، فلم يقض له بشيء لنكوله، ثم وجد بينة على دعواه، فإنه يأخذ ببينته.
قال أصبغ: وهذا الذي لا أعرف غيره من قول أصحابنا.
وقال به ابن حبيب، وهو أشبه بقول عمر بن الخطاب: البينة العادلة أحب إلي من اليمين الفاجرة.
قال مطرف وابن الماجشون: ولو حلف المطلوب فحلف وبرئ، ثم وجد المدعي شاهداً فلا يحلف معه، ولا يقضي له هاهنا إلا بشاهدين؛ لأنه لا يسقط يميناً قد درئ بها حق، بيمينه مع شاهده، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.

ومن المدونة قال مالك: وإن قال الطالب للإمام بينتي غائبة فأحلفه لي، فإذا قدمت بينتي قمت بها، نظر الإمام في ذلك، فإن كانت بينته بعيدة الغيبة، وخاف تطاول الأمر وذهاب الغريم، أحلفه له، وكان له القيام ببينته إذا قدمت، وإن كانت بينته قريبة الغيبة على مثل اليومين والثلاثة، لم يحلفه إلا على إسقاطها.

[الباب الثاني]

ما يوجب الإيمان من خلطة أو ظنة أو غيرها

[الفصل 1 - إيجاب اليمين بالخلطة] قال مالك: ولا يلزم المدعى عليه يمين حتى يكون بينه وبين المدعي خلطة.
وهكذا فعل عمر بن عبد العزيز، وقاله السبعة من فقهاء التابعين.
قال سحنون: حدثني ابن نافع عن حسين بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، إذا كان بينهما خلطة».
قال سحنون: ولا تجب اليمين عندنا إلا بخلطة، أو يكون المدعي مريضاً؛ لأنه أقرب ما يكون إلى الصدق، أو يكون المدعى عليه متهماً غير مأمون فيما ادعى عليه، فإن اليمين تعلق بالمتهم، وتكون مثل الخلطة.
واحتج بقول مالك في التي ادعت أن فلاناً استكرهها، أنه إن كان ممن لا يشار إليه بذلك حدت، وإن كان ممن يشار إليه بذلك، نظر فيه الإمام؛ لأن التهمة توجب ما توجب الخلطة.
قال أصبغ: خمسة عليهم الإيمان بلا خلطة، الصانع، والمتهم بالسرقة،

والرجل يقول عند موته أن لي عند فلان ديناً، والرجل يمرض في الرفقة فيدعي أنه دفع ماله لرجل وإن كان المدعى عليه عدلاً، وكذلك من ادعى عليه رجل غريب نزل في مدينة أنه استودعه مالاً.
فصل [2 - في الخلطة التي توجب اليمين] ومن العتبية قال أصبغ: قيل لابن القاسم: ما الخلطة التي توجب اليمين؟ قال: يسالفه ويبايعه ويشتري منه مراراً، فإن تقابضا في ذلك الثمن والسلعة وتفاصلا قبل التفرق فهي خلطة، فأما إن اشترى منه مرة ثم يأتي فيبيعه، فليس له بذلك يمين حتى يبايعه مراراً.
وقاله سحنون.
قال: ولا تكون الخلطة إلا بالبيع والشراء بينهما، ولو ادعى أهل السوق بعضهم على بعض لم يكن ذلك خلطة حتى يقع البيع بينهما.
قال: وكذلك القوم يجتمعون في المسجد للصلاة والأنس والحديث، فليس هذا كله خلطة توجب اليمين في الدعوى.
قال يحيى بن عمر: وأما الصناع فعليهم اليمين لمن ادعى عليهم في صناعتهم، وإن لم يأت بخلطة؛ لأنهم منصوبون للناس.
قال ابن المواز: ومن ادعى على رجل بحق، فأنكر أن يكون جرت بينهما مخالطة، ولا بينة له على الخلطة.
قال: لا يمين له عليه حتى يقر بمخالطته، أو يقيم المدعى بينة بمخالطته، وكذلك إن ادعى عليه كفالة، فلا يحلفه إن لم يكن بينهما مخالطة.
قال: وإن أقام المدعي بالخطلة شاهداً حلف المدعي، وثبتت الخلطة، ثم يحلف حينئذ المدعى عليه.
وقال ابن كنانة في المجموعة: شهادة رجل واحد وامرأة واحدة توجب اليمين أنه خليطه.
وروى ابن القاسم عن مالك فيمن أقام شهوداً عدولاً على رجل بحق، فأقام

الرجل بينة أنهم معادون له، فسقطت شهادتهم، فهم كمن لم يشهدوا، وكأنه رأى أن لا يحلف، وكذلك عنه في العتبية.
وقال سحنون فيها: لا يحلف.
ومن سماع عيسى قال مالك: كل من شهد فردت شهادته؛ لأنه متهم أو غير عدل، فلا يمين على المشهود عليه.
قال أبو بكر بن محمد: وقد قيل يحلف.
قال ابن المواز: إذا سقطت الدعوى بسقوط البينة فلا يمين له عليه.
قال أشهب: وكذلك في سائر البينات إذا كذب بعضهم بعضاً، واستووا في العدالة، وإذا كانت بينهما خلطة فانقطعت، لم يحلف إلا بخلطة مؤتنفة.
قال ابن حبيب: تفسير الخلطة أن تشهد له بينة أنه كانت بينهما مخالطة وملابسة في حق لا يعلمون له انقضاء.
[الفصل 3 - ما يراعى فيه الخلطة] م/: واختلف فقهاؤنا المتأخرون فيما يراعى فيه الخلطة فقال بعض مشايخنا، وحكاه عن ابن مناس، وقاله غير واحد من القرويين إنما تراعى الخلطة فيما يتعلق بالذمم من الحقوق والأشياء المستهلكة، وأما الأشياء المعينة يقع التداعي فيها بينهما فاليمين واجبة في ذلك من غير خلطة، وعلى هذا جرت مسائل المدونة أنه لم يراع في الأشياء المعينة

خلطة، من ذلك مسألة كتاب الشفعة إذا أنكر المشتري الشراء وادعاه البائع، قال: يتحالفان.
ومن كتاب السرقة: إذا ادعى السارق شراء الشيء الذي سرقه، قال: يحلف له ربه أنه ما باع، وكذلك في كتاب القذف إذا ادعى شراء الأمة التي شهد عليه بوطئها من ربها قال يحلف له السيد، ولم يذكر في ذلك كله خلطة.
ووجه ذلك أن الحديث ورد مجملاً "على المدعى عليه اليمين" فحكم العلماء بالخلطة في الأشياء المتعلقة بالذمة استحساناً، وإبقاء ما سواه على أصله؛ لظاهر الحديث في إيجاب اليمين على المدعى عليه، والله أعلم.
قال بعض مشايخنا من أهل بلدنا: لا تجب اليمين إلا بخلطة في الأشياء المعينة وغيرها، إلا في مثل أن يعرض الرجل سلعته في السوق للبيع، فيأتي رجل فيقول له: قد بعتها مني.
فمثل هذا تجب له يمينه من غير خلطة؛ لأنه عرضها لما ادعى عليه فيه، فصارت تهمة توجب عليه اليمين.
م/: وهذا القول أشبه بالمذهب لما رواه علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إذا كانت بينهما خلطة» فهو على عمومه في المعين وفي غير المعين.

وكذلك ما روي عن عمر بن عبد العزيز في هذا كله، والفقهاء السبعة، أنهم رأوا الخلطة بين المتداعين مجملاً من غير تفصيل.
[الفصل 4 - وجه مراعاة الخلطة] ومن طريق النظر أن الخلطة إنما جعلت للضرورة التي تلحق الناس بالإيمان؛ لأن الإقدام على اليمين يشق ويصعب على أهل المروءات والديانات، وذوي الأقدار من الرجال والنساء، وهي على النساء عندنا أشد حتى أن أكثر هؤلاء يبذل ما ادعى عليه فيه افتداء من يمينه.
وقد فعله عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر افتديا من اليمين فيما ادعى عليهما، ولا شك في صدقهما وكذب من ادعى عليهما، فلو وجبت اليمين لمجرد الدعوى في المعينات من غير سبب يقارنها لأضر ذلك بالناس، لاسيما أهل المروءات والديانات، وتسلط عليهم بدعاويهم الدناءة.
فإذا علم أن بينهما خلطة قويت الدعوى، ووجب قبولها، ولزمت اليمين.
وعند أبي حنيفة والشافعي أن المدعي عليه يحلف على كل وجه.
واحتجوا بقوله عليه السلام: «البينة على المدعى، واليمين على المدعى عليه» فعم،

ولم يعتبروا مخالطة، وقالا: ولو أنا لم نقبل دعواه، ولم نوجب له اليمين إلا بعد الخلطة، لأدى ذلك إلى تضييع حقوق الناس، ولكلف كل من يريد معاملة مشقة الإشهاد.
فالجواب أن القصد منه في الحديث إبانة من تكون البينة في جانبه، واليمين في حيزه.
م/ وقد روينا نحن حديثاً مفسراً أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر إذا كان بينهما خلطة، فهو يقضي على المجمل.
وقاله علي بن أبي طالب، وهو إمام صاحب لا مخالف له.
وقاله عمر بن عبد العزيز والسبعة من فقهاء التابعين.
وأما ما ذكروه من تضييع حقوق الناس، وتكليف مشقة الإشهاد، فالمشقة التي تلحق المدعى عليه أشد؛ لذهاب ماله بالافتداء من اليمين، وهو لا يستطيع التحرز من الدعوى، كما يستطيع المدعي التحرز من ذهاب ماله بالإشهاد، وترك ما ندبه الله إليه من الإشهاد فوجب أن يغلظ عليه.
م/: وبعض هذا الكلام لعبد الوهاب، وبالله التوفيق.

[الفصل 5 - مراعاة الخلطة في دعوى الكفالة والدين والغصب والاستكراه] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن ادعى قبل رجل كفالة، ولا خلطة بينهما، فلا يمين عليه.
وقد قال مالك فيمن باع سلعة من رجلين، وقبض من أحدهما حصته، ثم لقي الآخر فقال له: قد دفعت إلى صاحبي ليدفع إليك، فسأل صاحبه فأنكر، فأراد يمينه، فلم ير مالك هذه خلطة توجب اليمين.
قال بعض فقهاء القرويين: إنما لم يحلفه مالك؛ لأنه إنما قال له: إن الذي اشترى معك قال لي: إنه دفع إليك ما لي عليه لتوصله إلي؛ فهذا لا ينبغي أن يحلفه، ولو كان بينه وبينه خلطة؛ لأن ما ادعى عليه لم يثبت أن المشتري معه قاله، ولو ثبت أن المشتري قال ذلك لانبغى أن يحلفه، ولو لم تكن بينهما خلطة.
وقد وقع في كتاب محمد أن هذه خلطة، ولم يحلفه لهذا المعنى الذي ذكرنا، وفي هذا الذي ذكر نظر؛ لأنه إذا لم يكن بينه وبين المشتري خلطة إلا هذا الشراء لم يكن للبائع منهما على هذا يمين.
فقول المشتري معه أنه دفع إليه حصته من الثمن ليوصله إلى البائع منهما، كما لو ادعى عليه المشتري معه أنه دفع إليه حصته من الثمن ليوصله إلى البائع منهما؛ لأن شراءهما جميعاً هذه السلعة ليست بخلطة توجب بينهما اليمين في

الدعاوى فانظر.
قال: والمعتبر في دعوى الكفالة أن يكون بين مدعي الدين وبين من ادعى الكفالة خلطة، وإن لم تكن بين المدعي والمدعى عليه الدين خلطة؛ لأن الذي له الدين يقول: إنما وثقت بمبايعة من لا أعرف بكفالتك أنت فله عليه اليمين.
ومن ادعى قبل رجل ديناً أو غصباً أو استهلاكاً في متاع، فإن عرف بمخالطته في معاملة، أو علمت تهمة فيما ادعى عليه من التعدي والغصب نظر فيه الإمام.
فإما أحلفه، أو أخذ له كفيلاً حتى يأتي بالبينة، فإن لم تعلم خلطته أو تهمته فيما ذكر لم يعرض له السلطان.
وقد قال مالك في امرأة دعت أن فلاناً استكرهها، أنه إن كان ممن لا يشار إليه بذلك حدت، وإن كان ممن يشار إليه نظر فيه الإمام.

[الباب الثالث]

جامع دعوى النكاح والطلاق والعتق والنسب والملك وغير ذلك

[الفصل 1 - في دعوى النكاح] قال ابن القاسم: ومن ادعى نكاح امرأة وأنكرت، فلا يمين عليها، كما لو ادعت امرأة أن زوجها طلقها لم يكن عليه يمين.
ولو أقام مدعي النكاح شاهداً لم يكن على المرأة يمين، ولا تحبس له، ولا يثبت النكاح إلا بشاهدين.
قال بعض القرويين: وقد وقع في كتاب محمد أنها تحلف، ولم يذكر لو أقامت عليه شاهداً واحداً هل تحلف ويكون لها نصف الصداق؛ لأن إنكاره كالطلاق منه، وقد اختلف فيمن أقامت عليه شاهداً، أو أقام عليها شاهداً بعد الموت: فابن القاسم يقول: يحلف ويرث.
وأشهب يقول: لا يصح الميراث إلا بعد ثبات النكاح، والنكاح لا يثبت إلا بشاهدين.
قيل: إنما يحلف الزوج إذا لم يورث بقرابة أو ولاء، كالولاء إذا لم يكن له وارث بنسب أو ولاء غير هذا الذي أقام شاهداً.
[الفصل 2 - دعوى الطلاق] وأما إن ادعت المرأة أن زوجها طلقها لم يحلف الزوج، إلا أن تقيم المرأة شاهداً أو امرأتين ممن تجوز شهادتهم لها في الحقوق فليحلف الزوج.
قال مالك: ويحال بينها وبينه حتى يحلف أو يطلق، فإن نكل طلقت عليه مكانها، واعتدت من يوم الطلاق.

وروي عنه أنه يحبس أبداً حتى يحلف أو يطلق.
وري عنه إذا طال سجنه دين وترك والطول سنة.
وبه أخذ ابن القاسم.
[الفصل 3 - دعوى العتق] قال مالك: وإذا ادعى عبد على سيده أنه أعتقه فلا يمين له عليه، ولو جاز هذا للنساء والعبيد لم يشأ عبد إلا حلف سيده ولا امرأة إلا حلفت زوجها كل يوم.
وإن أقام العبد شاهداً أو امرأتين ممن تقبلان في الحقوق مثل ألا تكونا من الأمهات والبنات والأخوات، أو ممن هو منها بظنه، فإنه لا يحلف العبد ولا المرأة، ولكن يحلف السيد والزوج، فإن نكل السيد عق العبد ثم رجع.
فقال: يسجن أبداً حتى يحلف.
ثم قال: إن طال سجنه دين وترك، والطول سنة كما قلنا في دعوى المرأة في الطلاق.
ومن العتبية قال مالك في العبد أو الأمة يذكر أنه حر الأصل، ويذكر أن له بينة غائبة، فلا يقبل ذلك منه إلا أن يأتي بوجه يشبه الحق، مثل شاهد عدل، فليؤمر السيد أن يكف عن خدمة العبد، ووطء الأمة، إن كان مأموناً، وإلا جعلت بيد امرأة، ويضرب لها وللعبد أجل شهرين أو ثلاثة ليأتيا بمنافعهما، والنفقة على المشتري، ولا يردا على البائع بقولهما، ولا يلزمهما شيء من النفقة في استبراء ذلك.
فإن صح ما قالا رجع بالثمن فقط على البائع.

وسأله ابن غانم في العبد يدعي الحرية وأن له بينة بموضع كذا فطلب سيده منه حميلاً والعبد لا يجد ذلك.
قال: إن جاء بلطخ أو شبهة أمكنه من الخروج ليأتي ببينة.
قال في كتاب ابن حبيب: بعد أن يأخذ منه حميلاً لسيده، فإن لم يأت بحميل فاطرحه في السجن، ووكل من يقوم بأمره، واكتب أنت إلى الموضع الذي ذكر العبد أن فيه بينة، وهذا إذا ثبت للسيد ملكه إياه وحوز له، وإن لم يثبت ذلك حيل بينه وبينه؛ لإنكار العبد الرق.
[الفصل 4 - دعوى النسب] ومن المدونة: والأمة تدعي أن سيدها أولدها فهو كدعواها العتق لا يقبل منها إلا أن تقيم الأمة رجلين على إقرار السيد بالوطء، وامرأتين على الولادة، فتصير أم ولد، وثبت نسب ولدها إن كان هو معها، إلا أن يدعي السيد استبراء بعد الوطء.
وإن أقامت شاهدين على إقرار السيد بالوطء وامرأة على الولادة أحلفته، وكذلك لو أقامت شاهداً على إقراره بالوطء وامرأتين على الولادة أحلفته كما يحلف في العتق.
م/: قال بعض القرويين: وقيل: لا يحلف.
قال في المدونة: ولو أقامت شاهداً على إقراره بالوطء وامرأة على الولادة، فلا يمين على السيد.
وقيل: يلزمه اليمين.

م/: وقال بعض فقهاء القرويين: إنها إذا أتت بالولد، وأقامت على إقراره بالوطء امرأتين لم يحتج إلى إقامة امرأتين على الولادة؛ لأن البينة إذا شهدت بإقراره بالوطء صار كمن ثبت أنه وطئ، فإنه يكون القول قولها أنها ولدت هذا الولد.
ولو أقامت رجلين على إقراره بالوطء وأتت بالولد لكان بينا أن يلحق به، وأما امرأتان على إقراره بالوطء فهو كإقراره عند رجل؛ لأن هذا ليس موضع ضرورة فتقبل شهادة المرأتين بغير يمين فانظر.
قال: وإنما أحلفه مع امرأتين على الولادة لعدم الولد؛ لأنها تقول ولدته ومات.
م/: إنما أحلفه في هذا إذا لم يثبت إقراره بالوطء إلا برجل، ولو ثبت برجلين لم يحلفه مع شهادة المرأتين على الولادة.
قال: وقد وقع في ظاهر لفظ الكتاب خلاف ما تأولناه، وهو قوله: ويثبت نسب ولدها منه إن كان معها ولد، وهي قد أقامت رجلين على إقراره بالوطء وامرأتين على الولادة، وهذا أمر لا يجب عليه؛ إذ لو ثبتت الولادة لكان القول قولها.
م/: ولم يذكر قوله: ويثبت نسبه منه إن كان معه ولد على سبيل الشرط، وإنما قال: تكون بشهادة الرجلين على الإقرار بالوطء والمرأتين على الولادة أم ولد إن كان معها ولد ثبت نسبه.
وأما هي فإنها أم ولد كان معها ولد أو لم يكن.
قال: ثم قال في الكتاب: إلا أن يدعي الاستبراء فهذا لا يمكن مع إنكاره الوطء إلا أن

يكون معنى الكلام أنه لم ينكر الوطء دفعة، وإنما أنكر الوطء الكائن منه هذا الولد فلهذا وجه، وإذا حلف ثم وجدت المرأة شاهداً آخر ضمته إلى الشاهد الأول إن كان مقيماً على العدالة يوم شهد الثاني، وإن فسدت أحواله لم يلفق إلى الثاني؛ لأنه اليوم يقع الحكم فينظر في جرحته وعدالته.
ومن المدونة قال مالك: ومن ادعى أن فلاناً والده أو ولده فأنكر فلا يمين له عليه.
م/: معناه أن الولد كبير، ولو كان صغيراً لجاز استلحاقه إذا لم يعرف كذبه.
[الفصل 5 - دعوى الملك] قال ابن القاسم: ومن ادعى على رجل أنه عبده لم يحلفه، وإن جاء بشاهد حلف معه واسترقه.
وقد قال مالك فيمن أعتق عبده، ثم قضي على السيد بدين تقدم على العتق بشاهد أن رب الدين يحلف مع شاهده ويرد العتق، وكذلك مدعي العبد يسترقه بالشاهد مع يمينه.
قال مالك: ولو شهد رجلان على رجل أنه أمرهما أن يزوجاه أو يبتاعا له بيعاً وأنهما فعلاً وهو ينكر لم تجز شهادتهما؛ لأنهما خصمان، ولو أقر لهما بالوكالة وقال: لم تفعلا، وقالا: قد فعلنا لكان القول قولهما.
ولو شهد رجلان على رجل أنه أعتق عبده،

والعبد والسيد ينكران فالعبد حر، وليس له أن يرق نفسه.
ولو رد القاضي شهادتهما عليه بجرحة أو غيرها، ثم اشتراه أحدهما فإنه يعتق عليه حين اشتراه.
وجميع مسائل هذا الباب التي من المدونة قد تقدمت في كتاب العبيد، وكتاب النساء، وهناك زيادة فيها فأغنى عن إعادتها، وبالله التوفيق.

[الباب الرابع]

فيمن ادعى على رجل قذفاً أو عبداً قد مات أو غائباً أو حاضراً أو ما يوقف مما ادعى فيه من حيوان أو ربع أو طعام

[الفصل 1 - فيمن ادعى على رجل حداً أو قصاصاً أو دية] روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» وقال للمدعي: «شاهداك أو يمينه».
وينبغي للحاكم أن يبدأ بالمدعي فيقول له: أنك بينة فإن قال نعم سمعت بينته وقدمت على يمين المدعى عليه، وكذلك فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
قال ابن القاسم: ومن ادعى على رجل حدا، وقدمه إلى القاضي وادعى بينة قريبة يأتي بها في يومه أو في غده أوقفه القاضي ولم يحسبه، ولو أقام الطالب شاهداً حبسه القاضي حتى يأتي بآخر، ولا يؤخذ في هذا كفيل.
ابن حبيب: فإن ثبت ذلك عليه فقال القاذف: لي بينة أنه كما قلت، فإن كانت حاضرة في السوق ونحوه حبسه عنده.
وقال له: أرسل رسولك وراء بينتك، وإن كان

أمداً يطول ضربه الحد ولم يؤخره، يريد إن جاء بالبينة على ما ادعى زالت عنه جرحه الحد وحد المقذوف ونحوه في المدونة.
قال ابن القاسم في المدونة: وكذلك في الجراح وما يكون في الأبدان يحبسه مع الشاهد، ولا يؤخذ به كفيل، ولكن إن ادعى بينة قريبة أوقفه القاضي وسجنه مع الشاهد.
قال في المجموعة: وإن أقام شاهداً بقتل عمد سجن القاتل، فإن زكى الشاهد أقسم معه العصبة، وإن لم يزك الشاهد لم تكن قسامة، ولا يحبس في الخطأ؛ لأن الدية على العاقلة.
قال أشهب: وهو كأحدهم لا حبس عليه ولا على غيره من عاقلته، ولا يؤخذ منه كفيل إلى تزكية الشاهد.
وقال سحنون: وكيف لا يؤخذ منه كفيل وهو يحتاج أن تقع البينة على عينه أنه فعل ذلك.
م/: إنما يصح كلام سحنون إذا طلب المدعي إثبات الشهادة عليه، وأما إلى أن يزكي الشاهد فلا معنى لحضوره؛ لأن الشاهد قد عرفه وشهد عليه.
م/: والذي أرى إذا طلب إثبات الشهادة عليه، فإن كان معروفاً مشهوراً لم يؤخذ عليه كفيل، وإلا أخذ.

قال أشهب: وما كان من جراح الخطأ أقل من ثلث الدية فليأخذ به كفيلاً، وما بلغ الثلث فأكثر فذلك على غيره.
[الفصل 2 - فيمن ادعى على رجل عبداً قد مات أو كان غائباً أو حاضراً] ومن المدونة: ومن أقام بينة على عبد قد مات بيد رجل أنه عبده، فلا شيء على الرجل؛ لأنه يقول اشتريت من سوق المسلمين، إلا أن يقيم المدعي بينة أنه غصبه إياه، يريد فيحكم عليه بقيمته يوم غصبه.
قال: ومن ادعى عبداً غائباً بيد رجل، فأقام المدعى عليه بينة أن ذلك العبد عبده، فإن عرفته البينة ووصفته وحلته وثبتت شهادتهم قضيت له به، وهكذا في المتاع والحيوان إذا كان بعينه.
م/: أجاز ابن القاسم أن يقيم البينة على عبد غائب أنه له، إذا وصفته الشهود وحلته أنه يقضي له به، ولم يجز ذلك ابن كنانة.
قال مالك: ومن ادعى عبداً بيد رجل، وأقام شاهداً عدلاً يشهد على القطع أنه عبده، أو أقام بينة يشهدون أنهم سمعوا أن عبداً سرق له مثل ما يدعي وإن لم تكن شهادة قاطعة، وله بينة ببلد آخر فسأل وضع قيمة العبد ليذهب به إلى بينته

لم يكن له ذلك.
[الفصل 3 - فيمن ادعى على رجل ما يمكن إيقاف من حيوان أو ربع أو طعام أو غيره] قال ابن القاسم: فإن قال: أوقفوا العبد حتى أتى ببينتي، لم يكن له ذلك، إلا أن يدعي بينة حاضرة على الحق، أو سماعاً يثبت له دعواه، فإن القاضي يوقف له العبد ويوكل به حتى يأتي ببينته فيما قرب من يوم ونحوه، فإن جاء بشاهد أو سماع وسأل إيقاف العبد ليأتي ببينته، فإن كانت بينة بعيدة، وفي إيقافه ضرر استحلف القاضي المدعى عليه، وسلمه إليه بغير كفيل.
قال سحنون: فإن ادعى شهوداً حضوراً على حقه رأيت أن يوقف له نحو خمسة أيام إلى الجمعة، وهذا التحديد لغير ابن القاسم.
قال أبو محمد: وهو لسحنون، ورأى ابن القاسم أن يوقف له؛ لأن الذي يأتي بشاهد وسماع له وضع القيمة عند مالك والذهاب به إلى بينته فهذا كالإيقاف.
قال مالك: ونفقة العبد في الإيقاف على من يقضي له به.
قال في العتبية: يكون الآن بينهما.
قال يحيى: يعني فإذا حكم به لأحدهما رجع عليه الآخر بما أنفق.

قال غير أبي محمد هو سحنون: إنما يوقف مثل ما يشهد على عينه من الرقيق والحيوان والعروض؛ لأن ذلك يحول أو تزول عينه.
قال ابن القاسم: يوقف ما لا يؤمن تغيره وزواله، وأما المأمون كالرباع مثلاً والعقار وما له الغلة فإنما يوقف وقفاً يمنع من الإحداث فيها، والغلة أبداً للذي هي بيده؛ لأن ضمانها منه حتى يقضى بها للطالب.
قال سحنون: هذا إن كان مبتاعاً أو صارت إليه من مبتاع.
قال ابن القاسم في العتبية: وإن كانت غنماً فرعيها في الإيقاف على ما تصير إليه، وغلتها للذي هي في يده.
قال عيسى: الرعي على من له الغلة.
[الفصل 4 - في إيقاف المطلوب أو أخذ كفيل عنه حتى يحضر المدعي ببينة القريبة على الخلطة] ومن المدونة قال غيره: وإن ادعى عليه ديناً أو شيئاً مستهلكاً وطلب كفيلاً سأله القاضي البينة على الخلطة والمعاملة أو الظنة، فإن ادعى على الخلطة بينة قريبة وكل بالمطلوب حتى يأتي بما يوجب اللطخ ما بينه وبين يوم وشبهه.
قال سحنون في المجموعة: لا أرى هذا، وأين يجد من يوكل بهذا؟ أبداً ولكن يأخذ

منه كفيلاً حتى يأتي بالبينة على الخلطة فيما قرب.
قال بعض فقهاء القرويين: وينبغي على مذهب سحنون إن لم يجد كفيلاً أن يسجن؛ إذ لا يوجد من يوقف معه، ولا يبطل حق الطالب، وقد يكون إذا ترك ذهب فلم يوجد، فلابد من تحمل أحد الضررين.
[الفصل 5 - في المدعي يحضر بينة على الخلطة ويدعي على الحق بينة بعيدة] ومن المدونة: فإن جاء بذلك وادعى على الحق بينة بعيدة استحلف المطلوب وأطلقه بغير كفيل، وإن ادعى قربها أخذه بكفيل بنفسه ليحضره فتشهد البينة على عينه كما يوقف الحيوان والعروض؛ لأنه يحتاج إلى إحضاره لتشهد البينة على عينه.
قال سحنون في المجموعة: وقد يكثر هذا عليه، وهو إذا تم الأجل نظر في أمرهما فيصير قد قدمهما على غيرهما ممن ينظر بينهم على المراتب، وإن ترك أولئك إلى أن يدعوا بهم صارت حمالة إلى غير أجل.
ومن المدونة قال غيره: وأما ما لا يحتاج إلى إحضاره لتشهد البينة عليه فلا يؤخذ فيه كفيل، وإن كانت الدعوى فيما يفسد من اللحم ورطب الفواكه، وقد أقام لطخا أو شاهداً على الحق، وأبى أن يحلف، وادعى بينة قريبة على الحق أجله القاضي لإحضار

شاهدين أو شاهد إن أتى بشاهد قبله، ولم يحلف معه، ما لم يخف فساد ذلك الشيء، فإن جاءه بما ينتفع به، وإلا أسلم ذلك الشيء إلى المطلوب، ونهى المدعي أن يعرض له، فإن كان الطالب قد أقام شاهدين فأوقف القاضي ذلك الشيء ليكشف عنهما، فإن خاف فساده باعه وأوقف ثمنه، فإن زكيت بينة المدعي وهو مبتاع أخذه وودى الثمن الذي قالت بينته كان أقل من ذلك أو أكثر، ويقال للبائع: إذا كان يأخذ أكثر من الثمن الموقوف أنت أعلم بالمخرج عن الزيادة، فإن لم يزكوا أخذ المدعى عليه الثمن الموقوف؛ لأنه عليه بيع نظراً.
ولو ضاع الثمن قبل القضاء أو بعده كان ممن قضى له به.
[الفصل 6 - في أخذ الكفيل على المدعى عليه في حق إذا كان بينه وبين المدعي خلطة] ومن كتاب الحمالة: قال ابن القاسم: ومن كانت بينه وبين رجل خلطة في معاملة فادعى عليه حقاً لم يجب له عليه كفيل بوجه حتى يثبت حقه.
وقال غيره: إذا ثبتت الخلطة بينهما فله عليه كفيل بنفسه ليوقع البينة على عينه.
قال سحنون: وإن لم يجد كفيلاً حبس حتى يستقصى فيه ما كان يؤخذ منه الكفيل، لذلك.
قال ابن القاسم: وإن سأله وكيلاً بالخصومة حتى يقيم البينة عند القاضي لم يلزم المطلوب ذلك إلا أن يشاء؛ لأنا نسمع البينة في غيبة المطلوب.
قال سحنون: إذا كان المشهود عليه معروفاً صنعت البينة في غيبته.

قال ابن القاسم: وإن سأله كفيلاً بالحق حتى يقيم البينة لم يكن له ذلك، إلا أن يقيم شاهداً فله أخذ الكفيل وإلا فلا، إلا أن يدعي بينة يحضرها من السوق أو من بعض القبائل فليوقف القاضي المطلوب عنده لمجيء البينة، فإن جاء بها وإلا خلى سبيله.
ومن المجموعة: قال سحنون: قال غيره: وإن ادعى في عقار فلا يؤخذ به كفيل.
قال سحنون: بل يؤخذ به كفيل؛ لأن الطالب يحتاج إلى إيقاع البينة على خصم حاضر، ومالك يقول: لا يحكم في الرباع على غائب، وآخرون يقولون: إنما يحكم عليه بعد أن يكشف عنه، ويستبرأ أمره، ثم يكون على حجته، فكيف لا يؤخذ في هذا كفيل؟ [الفصل -7] في الرسول أو الوكيل أو الغريم يدفعون بغير إشهاد وكل من دفع إلى غير اليد التي دفعت إليه فعليه البيان.
أصله الوصي.
قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:6].
قال ابن القاسم عن مالك: ومن بعث بمال صلة لرجل أو هبة أو صدقة مع رجل، فقال: قد دفعته إليه، ثم أنكر القابض فعلى الرسول البينة وإلا غرم، وكذلك لو أمره بصدقة على مساكين بأعيانهم، قال ابن القاسم: فإن لم يكونوا بأعيانهم فهو مصدق- يريد- فإن اتهم حلف.
قاله في غير هذا الكتاب.

قال: وإن أمرت غريمك بدفع دينك إلى رجل بعينه، فقال: دفعته إليه، وأنكر القابض لم يبرأ المأمور عند مالك إلا ببينة.
وإن قال القابض: قبضته ثم ضاع مني لم يبرأ الدافع إلا ببينة أنه دفع المال، وكذلك من وكلته على قبض مال بيد رجل فقال: قبضته وضاع مني فلا يبرأ الدافع إلا ببينة، وكذلك لو قال الوكيل: قبضت المال أو قال برئ إلي من المال، لم يبرأ الدافع إلا ببينة أنه دفع المال إليه، أو يأتي الوكيل بالمال إلا أن يكون الوكيل مفوضاً إليه، أو وصياً فهو مصدق، بخلاف وكيل مخصوص.

[الباب الخامس]

في المتداعيين يقيم كل واحد منهما بينة، والقضاء في اختلاف الشهادات والبينات

[الفصل 1 - في المتدعيين في شيء يقيم كل واحد منهما بينة أنه له] روى ابن وهب أن رجلين اختصما إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعير، فجاء كل واحد منهما بشاهدين فقسمه عليه السلام بينهما.
وقاله عدد من الصحابة، وكثير من التابعين إذا لم يكن الشيء بيد أحدهما، واتفقت بيناتهما في العدالة، إلا أن يكون بيد أحدهما فيكون أحق به لزيادة الحوز.
وقالوا في الحيوان: إن الناتج أحق من الحائز، والنسج في الثياب كالنتاج في الحيوان.
قال مالك: ومن كانت بيده دور أو عبيد أو عروض أو دراهم أو دنانير أو غير ذلك من الأشياء، وادعى ذلك رجل آخر، وأقام بينة أن ذلك له.
وأقام من ذلك بيده بينة أنه له قضى بشهادة أعدلهما، وإن كانت أقل عدداً.
فإن تكافأتا في العدالة لا في العدد سقطتا، وبقي الشيء بيد حائزه ويحلف، ولا يقضي بأكثرهما عدداً؛ لأن التكافؤ في العدالة لا في

العدد حتى لو كانت بينة أحدهما رجلين، أو رجلاً وامرأتين فيما تجوز فيه شهادة النساء، وبينة الآخر مائة رجل، واستووا في العدالة كلهم سقطوا، وبقي الشيء بيد حائزه ويحلف، وذلك أن كل بينة قد كذبت الأخرى وجرحتها فسقطتا.
قال غيره: ليس هذا بتجريح، ولكن لما تكافأت البينة صارت كأنهما لم يأتيا بشيء وبقوا على الدعوى.
قال سحنون: ولو كان تجريحاً لم تجز شهادتهما فيما يستقبلون.
[الفصل 2 - في تساوي البينات في العدالة والعدد والاختلاف فيهما] قال ابن حبيب: وروى مطرف وابن الماجشون عن مالك في المتداعيين في شيء يقيم كل واحد منهما بينة، فليقض بأعدل البينتين، وإن هما استويا في العدالة قضى به لأكثرهما عدداً إلا أن يكون هؤلاء كثيراً يكتفي بهم فيما يلتمس من الاستظهار، والآخرون أكثر جداً، فهاهنا لا تراعى الكثرة فإن استويا في العدالة بقي لمن هو بيده.
قال: وإن جاء أحدهما بشاهدين عدلين، والآخر بأربعة أو عشرة من العدول ملنا إلى الكثرة.
وإن أقام أحدهما شاهدين عدلين، وأقام الآخر شاهداً أعدل أهل زمانه، وأراد أن يحلف معه فليقض بالشاهدين.
وكذلك روى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية أنه يقضي بشهادة الشاهدين.
وروى عنه أبو زيد أنه يقضي بالشاهد الأعدل مع يمين الطالب، دون شهادة

الشاهدين وإن كانا عدلين، وبهذا أخذ أصبغ.
وكذلك في كتاب ابن المواز إن أقام أحدهما شاهداً، وأقام الآخر أربعة، فإن كان الواحد أعدل قضيت به مع يمين صاحب الحق، وإن كان في الأربعة اثنان أعدل منه قضيت بهما، وإن كانا مثل عدالة الشاهد حلف صاحب الشاهد وأبطل الشاهدين، وإن كان ذلك الشيء بيد أحدهما بقي له بعد يمينه، ما علم للآخر فيه حقاً، وإن كان بأيديهما حلفا وبقي بأيديهما.
وقال أشهب: إذا لم يكن في أيديهما فهو لصاحب الشاهدين.
وقال أيضاً: يحلف مع الشاهد الأعدل ويكون أحق به.
وعليه أصحاب مالك، وقاله أصبغ.
ومن العتبية قال ابن القاسم: ولو أقام كل واحد منهما بينة لا يعرفهم الإمام فيعدل كل بينة معدلون، فلا يقضي ببينة أعدل المعدلين، وإنما ذلك في الشهادة خاصة، ومثله روى ابن حبيب عن ابن الماجشون.
وقال مطرف: وكان مالك يميل في الشهود والمعدلين إلى من هو أرجح بعدالة أو بكثرة عدد، فإن كان الفريق الواحد من العدلين أعرف بوجه التعديل وأبين عدالة وفضلاً أو أكثر عدداً قضيت بها لمن جاء بها.
م/: وإذا تكافأت البينتان سقطتا، وبقي الشيء بيد حائزه ويحلف، وإنما حلف لأن

البينتين لما سقطتا كأنها لم تكن، وبقيت الدعوى فوجب اليمين على المنكر؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين».
قال بعض القرويين: اختلف إذا كانت إحدى البينتين أعدل هل يحلف صاحب الأعدل؟ ففي المدونة أنه يحلف في مسألة عفو الأرض مع البينة الأعدل.
واختلف في كثرة العدد هل يرجح به مع استوائهم في العدالة؟ واختلف في شاهد ويمين أو شاهد وامرأتين إذا هم تساووا في العدالة: فابن القاسم يسقطها في التساوي، وأشهب يراه من باب الترجيح، فلم يرد شهادة الشاهدين بشاهد ويمين، ولا بشاهد وامرأتين.
[الفصل 3 - في الترجيح بالحيازة عند تكافؤ البينات] وذهب عبد الملك إلى أن الحائز لا ينتفع ببينة، مثل أن يقيم رجل شاهدين على دار في يد رجل أنها له، وأقام من بيده الدار شاهدين أنها له، أن شاهدي المدعى أولى، وذلك أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر».
فالبينة في جانب المدعي، واليمين في جانب المنكر، فلا ينتفع ببينته التي يقيمها عنده، واختلف إذا كانت الدار بيد ثالث، وأقام رجلان كل واحد بينة أنها له، وتكافأت في العدالة، والذي هي في يده الدار يدعيها لنفسه، فقيل إنها تبقى للذي هي في يده؛ لأن بينة هذين سقطتا بالتكافؤ فكأنها لم تكن، وقيل: تقسم بينهما؛ لأن البينتين قد اتفقا على إسقاط ملك الحائز.

وكذلك اختلف لو أقر بها الحائز لأحدهما، فعلى قولهم أنها تبقى له تكون لمن أقر الحائز أنها له، وعلى القول الآخر لا يقبل إقراره لأحدهما، ولا لغيرهما، كما لا تقبل دعواه لنفسه أنها له.
[الفصل 4 - القضاء في الشيء يدعيه اثنان ولا يجوزه أي واحد منهما] ومن المدونة قال مالك: وإن تداعيا في شيء ليس هو بيد واحد منهما، وأقام كل واحد منهما بينة أنه له، قضى بأعدل الشهود وإن قلوا، وإن تكافؤا في العدالة وكان الذي شهدوا فيه مما يرى الإمام منعهما منه فعل حتى يأتيا ببينة أعدل منهما، وإن كان مما لا ينبغي للإمام أن يقره، ولا يرى أنه لأحدهما قسمة بينهما بعد إيمانهما كشيء لا شهادة لهما فيه.
قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك في القوم يتنازعون عفواً من الأرض، فيأتي هؤلاء ببينة وهؤلاء ببينة، فإنه يقضي في ذلك بأعدل البينتين وإن كانت أقل عدداً، أو يحلف أصحابهما مع شهادتهم، وإن تكافأت البينتان سقطتا، وبقيت الأرض كغيرها من عفو بلاد المسلمين حتى تستحق بأثبت من هذا.
قال ابن القاسم: مثل أن يأتي أحدهما ببينة هي أعدل من الأولى.
وقال ابن القاسم عن مالك في باب آخر: إن كل ما تكافأت فيه البينتان، وليس هو في يد واحد منهما، وكان مما لا يخاف عليه مثل الدور والأرضين ترك حتى يأتي أحدهما

بأعدل مما أتى به صاحبه فيقضي له به، إلا أن يطول الزمان ولا يأتيا بشيء غير ما أتيا به أولاً فإنه يقسم بينهما.
قال ابن القاسم: لأن إبقاء ذلك يؤدي إلى ضرر.
قال مالك: وما كان يخشى تغيره مثل الحيوان والرقيق والعروض والطعام فإنه يستأني به قليلاً، لعل أحدهما يأتي بأثبت مما أتى به صاحبه فيقضي له به، فإن لم يأتيا بشيء وخيف عليه قسم بينهما.
قال ابن القاسم: وكذلك فيما ادعياه من الزرع في أرض رجل لا يدعيه، ولو ادعاه رب الأرض لكان أحق به في تكافؤ بينتهما، ولو كان الزرع في يد أحدهما كان أولى به إذا أقام البينة.
ولو كانت دار بيد رجل يدعيها لنفسه فادعاها رجلان، وأقام كل واحد منهما بينة أنها له، وتكافأت بينتهما فإن الدار تبقى بيد الذي هي في يده.
ومن أقام بينة في دار أنه ابتاعها من فلان، وأنه باعه ما ملك، وأقام من هي في يده بينة أنه يملكها، قضي بأعدلهما، فإن تكافأتا سقطتا، وبقيت الدار بيد حائزها، كما لو ادعاها الذي يزعم هذا أنه ابتاعها منه لقضي بها للحائز عند تكافؤ البينتين، وإن لم تقم للحائز بينة قضي بها للمدعي، إلا أن تكون طالت حيازة الحائز بحال ما وصفنا في الحيازة والمدعي حاضر فذلك قطع لدعواه.

قال أبو محمد: سئلت عمن شهد لرجل استحق ثوباً أنه له قال وأنا بعته منه، فأحبت أنها لا تجوز شهادته؛ لأن من شهد له بشيء أنه يملكه بشرائه إياه من فلان لا تتم الشهادة فيه حتى يقولوا: إن فلاناً البائع علمنا أنه يملكه أو يحوزه حيازة المالك حتى باعه من هذا، وهذا الشاهد البائع لم يثبت ملكه للثوب إلا بقوله.
[الفصل 5 - القضاء بين المدعي والحائز في الشيء يقيم كل منهما البينة عليه] ومن المدونة: وإذا أقام كل واحد من المدعي والحائز بينة على نتاج أو نسج كان ذلك لمن هو بيده عند تكافؤ البينات، ولو أن أمة ليست بيد أحدهما فأتى أحدهما ببينة أنها له لا يعلمون أنها خرجت عن ملكه حتى سرقت له، وأقام آخر بينة أنها له ولدت عنده ولا يعلمون أنها خرجت من عنده بشيء، قضي بها لصاحب الولادة.
قال غيره: وإذا كانت بينة الناتج عدولاً وإن كانت الأخرى أعدل، وليس هذا من التهاتر، ولكن لأنها لما زادت قدم الملك كانت أولى، كما لو شهدت بينة أن هذا ملكها منذ عام، وشهدت بينة الآخر أنه ملكها منذ عامين، فإني أقضي ببينة أبعد التاريخين إن عدلت، وإن كانت الأخرى أعدل.
ولا أبالي بيد من كانت الأمة منهما، إلا أن يحوزها

الأقرب تاريخاً بالوطء والخدمة والادعاء لها بمحضر من الآخر فهذا يقطع دعواه.
م/: ولو أقام أحدهما بينة أنه يملكها منذ ثلاث سنين، وأقام الآخر بينة أنها ولدت عنده منذ سنتين، فهذا تهاتر، ويقضي بأعدل البينتين، فإن تكافأتا سقطتا وبقيت بيد حائزها.
[الفصل 6 - الحكم بين اثنين يدعيان عبداً هو في أيديهما] ومن المجموعة وكتاب ابن سحنون قال أشهب: وإن اختصم رجلان في عبد لا يتكلم، كلاهما يدعيه وهو في أيديهما، فإن لم تكن بينة لهما أو كانت وتكافأت في العدالة، فالعبد بينهما نصفان بعد أيمانهما، وأيهما نكل قضي به لمن حلف.
قال: وإن كان العبد كبيراً يتكلم لم أسأله حتى أسألهما البينة، فإن أقامها أحدهما قضي له به، وكذلك إن أقاما جميعاً بينة وإحداهما أعدل قضي به لصاحب الأعدل، ولم أنظر لقول العبد أني لغيره، فإن تكافأت البينتان أبطلتهما، وجعلت العبد لمن أقر له بالملك، ومتى جاء صاحبه بأعدل قضيت له به، وإن لم يقيما بينة جعلته لمن أقر العبد أنه له بعد أيمانهما أو نكولهما، وأيهما نكل وحلف الآخر قضيت به للحالف، ولم أنظر إلى إقرار العبد.
وزعم النعمان أنه يكون بينهما إن لم يقيما بينة وهذا غلط.
أرأيت لو تعلق هو بهما وقال أنتما عبداي أتقبل قولهما دون أن تقبل قوله؟ [الفصل 7 - القضاء بين اثنين يدعيان شيئاً هو في يد غيرهما] وإن ادعى كل واحد منهما داراً ويقول: إنها في يدي، والدار بيد غيرهما، وأقر أنه أكراها من أحدهما أو استعارها منه، فهي للذي أقر له إلا أن يقيم الآخر بينة فهو أحق بها،

إلا أن يقيم الآخر بينة فيحكم بأعدل البينتين، فإن تكافأتا كانت للمقر له بعد يمينه أنها له ما لأحد فيها حق يعلمه، وإن لم يأتيا ببينة فهي للمقر له بغير يمين على المقر له، والمقر إذا رجع عن إقراره لم يصدق، وإن كان شاهداً فلا يحلف الشاهد مع الشاهد، وإن أقام أحدهما ببينة أنه أكراها من الذي هي في يده، وأقام الآخر بينة أنه أودعها إياه فإن علم أولهما أكرى أو أودع فالحق حقه، وإن لم يعلم ذلك قسمت بينهما نصفين.
قال سحنون: سمعت بعض أصحابنا من أهل الحجاز يقول في الرجلين يدعيان بشيء فيكون بيد أحدهما فيقر الذي هو بيده أنه لرجل آخر، ويبرأ به إليه مثل الدار فيقبضها المقر له بها، ثم يقيم بينة، ويقيم مدعيها بينة، أن الذي هي بيده لا يكون أولى بها؛ لأنها إنما صارت في يده بدعوى المدعي، وإنما يكون أولى بالشيء الذي تسبق حيازته إليه دعوى المدعي.
م/: وهذا خلاف ما تقدم لأشهب.
وسأل ابن حبيب سحنوناً على من حكم عليه بدين فأثبت بينة بعدمه، فأقام الطالب بينة أن له داراً هو بها ساكن وأقامت امرأة الغريم بينة أن الدار لها؟ قال: يقضي بأعدل البينتين، وإن تكافأتا بقيت الدار للزوج وتباع في دينه؛ لأن سكناه أغلب من سكني المرأة، وعليه هو أن يسكنها.

[الفصل 8 - القضاء بين اثنين يدعيان ولاء مولى موت] ابن حبيب قال مطرف وابن الماجشون في مولى مات فادعى ولاءه رجلان كل واحد يدعيه لنفسه، فإن لم يقيما بينة فلا يحلفان ولا يقسمان ماله؛ لأن السلطان يلي الدفع عن هذا المال، والمسلمون وارثوه، وإن أقاما بينة وتكافأتا حلفاً وقسماه بينهما.
قال مطرف: وإن أقام أحدهما بعد ذلك بينة أعدل من بينة الآخر لم يرجع على صاحبه بشيء؛ لأنه حكم مضى.
وقال ابن الماجشون وأصبغ: بل يرجع على صاحبه بما أخذ، وبه أقول.
[الفصل 9 - القضاء بين اثنين يدعيان شيئاً بعضه بيد أحدهما والبعض الآخر بيد خصمه] ابن سحنون: قال أشهب وسحنون في شاة مسلوخة بيد رجل، ورأسها وسقطها بيد رجل آخر، وأقام من هي بيده بينة أن الشاة وسقطها له، وأقام الآخر بينة بمثل ذلك، فليقض بجميع ذلك لأعدلهما بينة، فإن تكافأتا تحالفا، وإن حلفا أو نكلا قضيت لكل واحد منهما بما في يديه، وأيهما نكل قضيت للحالف بالجميع، ولو أقام كل واحد البينة أن الشاة له نتجت عنده فذبحها وسلخها، وإن هذا الجلد والسقط منها، وأن ذلك كله له فالجواب سواء.
[الفصل 10 - القضاء بين أحرار وعبيد يدعون شيئاً هو بأيديهم جميعاً] قال محمد بن عبد الحكم: وإذا كانت دار في يد رجلين وفي يد عبد لأحدهما، وكل

يدعيها فإن كان هذا العبد تاجراً وعليه دين فهي بينهم أثلاثاً، وإن لم يكن تاجراً فهي بين الرجلين نصفان؛ لأن العبد في يد مولاه.
ولو كانت في يد حر وعبدين تاجرين أو غير تاجرين، ثم ادعاها العبدان لسيدهما والحر لنفسه، أو ادعاها كل واحد منهم لنفسه فإنها تقسم بينهم أثلاثاً، ولو كان السيد معهم في الدار وهم غير مأذونين لقسمت بين السيد وبين المدعي لنفسه نصفين، ولم يكن للعبدين يد مع السيد.
[الفصل 11 - القضاء في الشيء يدعيه اثنان ويختلفان في وقت تملكه] ابن سحنون قيل: ولو أن عبداً أقام رجل بينة أن أباه مات وتركه ميراثاً لا يعلمون له وارثاً غيره، وأقام آخر بينة أنه له، قال: يقضي به بينهما نصفين إلا أن يكون في شهادة واحد منهما توقيت فيقضي له به، قيل: فإن أقام الآخر بينة أنه اشتراه من أبي هذا المدعي بكذا وكذا ونقده الثمن، قال: يقضى به للمشتري؛ لأن أباه لو كان حياً قضيت عليه، وكذلك لو كان الآخر أقام بينة أن أبا هذا أصدق هذا العبد أم الآخر، وأن أمه ماتت وتركته ميراثاً له، لا يعلمون لها وارثاً غيره لقضيت له به كالشراء، ولو كان إنما شهدوا له أن أبا الأول تصدق به على الآخر أو وهبه إياه، قال: إن شهد شهود ابن الميت أنه لم يزل في يده حتى مات نظر إلى أعدل البينتين فيقضي بهم، فإن تكافأتا بطلت بينة المتصدق عليه.
وقال أشهب في عبد بيد رجل أقام آخر بينة أنه له قضى له به القاضي، وأقام من هو بيده بينة أنه عبده ولد في ملكه قضى به لصاحب الولادة؛ إذ لو وجدته بيد المقضي له به

جارٍ التحميل