[الباب الأول]
فيمن ابتاع أرضا فزرعها أو نخلا فأثمرت عنده أو كان ذلك فيها ثم قام شفيع أو مستحق وحكم الغلة في ذلك
[فصل 1 - الشفعة في الأرض بعد زراعتها وفي النخيل بعد طلعها]
قال مالك رحمه الله: ومن اشترى شقصاً من أرض فزرعها فللشفيع أخذها بالشفعة ولا كراء له والزرع للزارع، ولو غرسها المبتاع شجرا أو نخلا فإما أدى الشفيع قيمة ذلك قائما مع ثمن الأرض وإلا فلا شفعة له.
قال: ومن ابتاع أرضاً فزرعها ثم استحقها رجل فلا شيء له من الزرع ولا كراء له إلا أن يقوم في إبان الزراعة فيكون له كراء مثلها، وإن استحق نصف الأرض خاصة واستشفع فله كراء ما استحق إن قام في إبان الزراعة على ما وصفنا، ولا كراء له فيما استشفع.
م: يريد لأن نصف الأرض المستحق قد كان في ملكه قبل أن يزرع، والذي أخذ بالشفعة لم تجب له إلا بعد أخذه وقد زرعها المشتري وهي في ملكه فافترقا.
[قال] ابن المواز: فإن كان حين استحق نصف الأرض خاصة واستشفع ولم يبرز الزرع من الأرض فهو كالطلع، وللشفيع أخذه مع الأرض بالثمن وبقيمة ما أنفق في البذر والعلاج، وكذلك النخل إذا اشتراها فأنفق وسقى حتى صار فيها طلع ولم تؤبر، فعلى الشفيع مع الثمن قيمة ما أنفق.
[قال] ابن المواز: ولا يأخذ الشفيع الأرض إلا بزرعها ولا النخل إلا بما فيها من الطلع؛ لأن الشفعة يبع من البيوع، فلا يحل لمن باع ذلك أن يستثني حبسه لنفسه.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: إذا أراد الشفيع أن يأخذ بالشفعة فليأخذها بما فيها من البذر بالثمن الذي وقع على الشقص وبقيمة الزرع على الرجاء والخوف وإلا فلا شفعة له، فإن كان قد بدأ الزرع من الأرض فلا شفعة فيه ولا يحل.
قال ابن المواز: بل يأخذها الشفيع إذا لم يبرز زرعها بالثمن، وبقيمة ما أنفق في البذر والعلاج.
ولقد كلم أشهب في جوابه حتى قال: لو قال قائل في ذلك ليس له أن يأخذ إلا بالثمن وبقيمة ما أنفق لم يكن به بأس، وهو أقيس القولين، وإنما استحسنت ما
قلت لك؛ لأنه ربما كان الذي أنفق عينا.
قال ابن عبدوس: قال سحنون: والزرع مخالف لطلع النخل؛ لأن من زرع أرضا ثم استحقت قبل ظهوره فالزرع لزارعه.
يريد: ولو استحقت النخل وفيها طلع فهو للمستحق.
قال: وابن القاسم يرى الأخذ بالشفعة كالاستحقاق؛ لأنه جعل الثمرة وإن أبرزت للشفيع كالاستحقاق، وإذا أخذ الأرض بالشفعة فلا شيء له في البذر كالمستحق.
وأشهب يرى الأخذ بالشفعة كالبيع، فالبذر للشفيع؛ لأنه لا يستثني في البيع.
[فصل 2 - الشفعة لمن استحق نصف الأرض بعد بيعها بزرعها الأخضر]
ومن المدونة قال مالك: ومن ابتاع أرضا بزرعها الاخضر فاستحق رجل نصف الأرض خاصة واستشفع، فالبيع في النصف المستحق باطل، في نصف الزرع؛ لانفراده بلا أرض، ويرد البائع مصف الثمن ويصير له نصف الزرع، وللمستحق نصف الأرض ثم أبدي الشفيع بالخيار في نصف الأرض الباقي، فإن أحب أخذه بالشفعة ولم يكن له في نصف الزرع شفعة فذلك له، فإذا أخذ رجع الزرع كله إلى بائعه.
[قال] ابن المواز: ويأخذ نصف الأرض.
بما قابله من الثمن بقيمتها من قيمة نصف الزرع على غرره يوم الصفقة، فإن أخذ نصف الأرض بالشفعة كما وصفنا رجع
الزرع كله للبائع الذي زرعه؛ لأنه صغير لا يحل بيعه بلا أرض، ويرد البائع الثمن كله إلى المشتري إلا ما أخذ المشتري من الشفيع في نصف الأرض، وعلى البائع للمستحق كراء نصف الأرض المستحق دونا ما أخذ بالشفعة إذا استحق في إبان الزراعة.
م: وأنكر بعض الفقهاء القرويين قوله: ورجع الزرع كله للبائع.
وقال: للمشتري أن يتماسك بنصف الزرع الذي قابل النصف المأخوذ منه بالشفعة؛ لأنه لم ينتقض فيه البيع؛ لأن الأخذ بالشفعة كبيع مبتدأ.
م: وهو صواب.
م: والذي قال ابن المواز من أن الزرع كله يرجع للبائع مثبت في كتاب الشفعة من المختلطة، ووجه هذا القول أن الأخذ بالشفعة فيه ضرب من الاستحقاق إذ تؤخذ وإن كره المبتاع، فاحتاط للتحريم وجعله كالاستحقاق، ألا ترى أن ابن القاسم جعل الثمرة وإن أبرت للشفيع كالاستحقاق.
وأما أشهب فيرى الثمرة المأبورة للمبتاع دون الشفيع كالبيع، وكذلك يكون له الزرع في مسألتنا على مذهبه وبالله التوفيق.
[فصل 3 - في تخيير المبتاع بين الرد أو التماسك بنصف الأرض والزرع]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن لم يستشفع خير المبتاع بين رد ما بقي في يديه من الصفقة وأخذ جميع الثمن؛ لأنه قد استحق من صفقته ما له بال، وعليه قيمة الضرر، وبين أن يتماسك بنصف الأرض ونصف الزرع ويرجع بنصف الثمن.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: المشتري يبدأ بالتخيير، فإن تماسك ففيه الشفعة.
وحجة ابن القاسم أنه ليس بيع خيار بل هو بيع بتل وجبت فيه الشفعة، وهو كعيب يرضى به الشفيع فهو المبدأ.
[قال] أبو محمد: وقال سحنون: ينتقص البيع كله؛ لأنه لما ثبت الاستحقاق كان كمبتاع الأرض من رجل ومن آخر زرعا لم يبد صلاحه في صفقة واحدة ففسدت كلها.
قال ابن المواز: فإن لم يستحق نصف الأرض إلا بعد يبس الزرع فهذا لا يفسخ بيع الزرع لا فيما استحق ولا فيما استشفع، ويكون الزرع كله للمشتري؛ لأنه يحل بيعه لو انفرد.
قال ابن المواز: وإن استحق نصف الأرض ونصف الزرع الأخضر فله الشفعة في الأرض والزرع بل ليس له أن يأخذها إلا بزرعها.
وقال أشهب: وهو كآلة الحائط ورقيقه وبئره لو بيع مفردا لم تكن فيه شفعة، وإذا بيع مع الحائط ففيه الشفعة، وكذلك الزرع.
قال: وليس لمن قال غير هذا صواب، ورواه عن مالك.
قال ابن المواز: ولم يختلف ابن القاسم وأشهب في هذا إذا كان اشتراؤه الأرض بعد أن برز الزرع من الأرض وبعد إبان الثمرة أن الشفعة في الجميع ولم يختلف أيضا إذا كان اشتراؤه قبل أن يبرز الزرع وقبل أن تؤبر الثمرة أن ذلك للشفيع، ويغرم الثمن والنفقة.
قال ابن المواز: فإن كره المشتري ببقية الصفقة لكثرة ما استحق.
قال ابن القاسم: يبدأ بتخيير الشفيع، فإن لم يستشفع فالخيار للمشتري.
وأشهب يبدأ بتخيير المشتري، فإن تماسك ففيه الشفعة.
قال ابن عبدوس: وأنكر سحنون قول أشهب أن في الزرع الشفعة، كآلة الحائط وهي لو انفردت لم تكن فيها شفعة.
وقال: يقول ابن القاسم: أنه لا شفعة في الزرع.
قال سحنون: والزرع بخلاف آلة الحائط؛ لأن آلة الحائط ورقيقه وبئره من مصالحه وما به يقوم، وليس الزرع مما تقوم به الأرض، وأما الثمرة إذا بيعت مع الرقاب وقد أبر ثمرها أو أزهى فالشفعة في الجميع؛ إذ لو بيعت الثمرة وحدها كان فيها الشفعة؛ وليس الشفعة فيها مع النخل؛ لأن فيها منفعة للنخل كما ذكرنا، وأيضاً فيها غذاء للنخل؛ لأن فيها منفعة للنخل لكن لما ذكرنا، وهي أيضا فيها غداء للنخل ونفع لها فكأنها منها، فإذا يبست زال ذلك منها وزالت عنها الشفعة.
قال ابن المواز: فإن كان الزرع يوم الشراء لم يبرز من الأرض فلم يأت الشفيع حتى بدأ وبرز كله إلا أنه اخضر لم يبس بعد.
قال: قد اختلف في هذا الأصل ابن القاسم وأشهب وقاساه جميعا بثمرة النخل إذا اشتريت قبل الإبار فلم يأت الشفيع حتى أبرت أو أزهت.
فقال ابن القاسم: الشفعة في الثمرة مع الأصل بالثمن والنفقة وكذلك الزرع.
وقال أشهب: لا شفعة في الثمرة ولا في الزرع؛ لأن الشفعة بيع من البيوع وقد جعلها الرسول عليه السلام للبائع إلا أت يشترطها المبتاع.
[فصل 4 - الشفعة فيمن ابتاع أرضا دون زرعها ثم ابتاع الزرع بعد ذلك]
ومن المدونة قال: ومن ابتاع أرضا ذات زرع أخضر دون زرعها ثم ابتاع الزرع في صفقة أخرى، أو ابتاع الجميع في صفقة ثم استحق رجل جميع الأرض خاصة بطل البيع في الزرع؛ لانفراده، وإنما أجيز بيعه أخضر مع أرضه في صفقة أو بيعه بعد ابتياعه الأرض فيبقيه فيها ويحل محل البائع ثم له بيع الأرض دون الزرع ولا يبطل البيع في الزرع؛ لأن شراءه للأرض لم ينتقض، وفي الاستحقاق قد انتقض.
[الشفعة في الثمرة فصل 5 - حكم المزهية قبل قسمتها]
وإذا كان بين قوم ثمر في شجرة قد أزهى فباع أحدهم حصته منه قبل قسمته والأصل لهم أو بأيديهم في مساقاة أو حبس.
فاستحسن مالك لشركائه فيه الشفعة ما لم ييبس قبل قيام الشفيع أو تباع وهي يابسة، وقال: ما علمت أن أحدا قاله قبلي.
[قال] ابن المواز: وقاله ابن القاسم وأشهب، ورواه عبد الملك عن مالك ولم يأخذ به.
قال محمد: والصواب عندنا أن الشفعة في الثمرة ما لم تيبس ما كان الأصل مشاعا،
كبئر الحائط وحديده وآلته ورقيقه ودوابه ففي ذلك الشفعة إذا بيع وحده، وإن بقي في الحائط ما يستغني به مادام الحائط مشاعا لم يقسم.
م: ووجه قول عبد الملك قوله عليه السلام "فإذا وقعت الحدود فلا شفعة" فعلقها بما ينقسم من الأراضي؛ ولأن الشفعة فيما يدوم فيه الضرر وذلك معدوم في الثمار، فكانت كالعروض اعتبارا بما يبس منها.
م: والفرق عند ابن القاسم بين ما يبس من الثمار وبين بئر النخل وحديده وآلته أن ذلك مما يدوم فيه الضرر، والثمار إذا يبست أن جذاذها انتفاء ضررها، فكانت كالعروض وهو الفرق بينها وبين ما لم ييبس منها؛ لأن ضرر ما لم ييبس دائم، والضرر هو الأصل في الشفعة.
قال أشهب: ولو باعا حائطهما وبقيت الثمرة لهما فباع أحدهما مصابه من الثمرة فلا شفعة لشريكه فيها؛ لأنه لا شركة بينهما في الأصل.
[قال] ابن المواز: ولو لم يبيعا الأصل وباعا الثمرة من رجلين فباع أحدهما نصيبه من الثمرة ففيها الشفعة.
قال ابن القاسم وأشهب: لأنهما يقومان مقام صاحبي الأصل، وكذلك لو أن الأصل لرجل وباع الثمرة من رجلين لكانت الشفعة بين المشتريين في الثمرة دون صاحب الأصل.
[فصل 6 - الشفعة في الزرع بعد يبسه]
ومن الشفعة قال مالك: وأما الزرع يبيع أحدهم حصته منه بعد يبسه فلا شفعة فيه، وهو لا يباع حتى ييبس، وكل ما بيع من سائر الثمار مما فيه الشفعة قبل يبسه مثل التين والعنب وما ييبس في شجره فبيع بعد اليبس في شجره فلا شفعة فيه، كالزرع كما لا جائحة فيه حينئذ ولا في الزرع.
[فصل 7 - في استحقاق من ابتاع نخلا]
ومن ابتاع نخلا لا ثمر فيها، أو فيها ثمر لم يؤبر، ثم استحق رجل نصفها واستشفع، فإن قام يوم البيع أخذ النصف بملكه والنصف الآخر بشفعته بنصف الثمن، ويرجع المبتاع على بائعه بنصف الثمن، وإن لم يقم حتى عمل وأبرت وفيها الآن بلح أو فيها ثمر قد أزهت ولم تيبس فكما ذكرنا، ويأخذ الأصل بثمره، وعليه للمبتاع قيمة ما سقى وعالج فيما استحق واستشفع، وإن لم يستشفع فذلك عليه فيما استحق فقط، فإن أبى أن يغرم ذلك فيما استحق فليس له أن يأخذه وليرجع إن شاء بالثمن على البائع ويجيز البيع، فإن قام بعد اليبس في الثمرة أو جدادها لم يكن له في الثمرة شفعة، كما لو بيعت الثمرة حينئذ، ويأخذ نصف الأصول بالشفعة بنصف الثمن، ولا
يحط عنه للثمن شيء إذ لم يقع لها يوم البيع من الثمن حصة.
[قال] ابن المواز: وإذا أخذ نصف النخل باستحقاقه لم يكن له من الثمرة التي فيها أيضا شيء؛ لأنها لم يبست صارت غلة حدثت عند المبتاع، ولا شيء عليه مما أنفقه المبتاع في السقي وغيره؛ لأنه لم يصر للمستحق من الثمرة شيء، وقال ابن القاسم.
وقال أشهب مثله فيما استحق خاصة.
ومن المدونة: وقال بعض المدنيين: إذا قام الشفيع وقد أبرت الثمرة فهي للمبتاع دونه، وأباه مالك.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب مثله: أنها للمبتاع دونه، وقد بلغني ذلك عن مالك.
قال أشهب: وهو عندي صواب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من باع نخلا وفيها ثمرة قد أبرت فثمرها للبائع"، وإنما الشفعة بيع جديد، وإن قال الشفيع: أنا أشترطها للحديث إلا أن يشترطها المبتاع قيل له: إنما ذلك بطوع البائع.
[فصل 8 - في شفعة من اشترط الثمرة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا ابتاع النخل والثمرة مأبورة أو مزهية فاشترطها المبتاع ثم استحق رجل نصفها واستشفع، فله نصف النخل ونصف الثمرة باستحقاقه.
قال ابن المواز: جدت أو لم تجد يبست أو لم تيبس.
وإن بيعت فله نصف الثمن إلا أن تكون قائمة بيد مشتريها فيكون مخيراً بين أخذ نصفها أو أخذ ثمنه من البائع، وإن باعها مشتريها أو أكلها فهو مخير إن شاء أخذ الثمن الذي باعها به مشتري الرقاب أو الثمن الذي باعها به مشتريها، أو أغرمه مثلها إن أكلها، فإن لم يعرف كيلها أغرمه قيمتها ورجع مشتريها على بائعها منه بما دفع إليه من الثمن ورجع مشتري الرقاب على المستحق بالنفقة في السقي والعلاج وهو النصف من ذلك كله، فإن كانت أكثر من قيمة الثمرة أو من ثمنها لم يأخذ شيئاً من ذلك إلا بغرم النفقة، أو يسلم ويأخذ ثمن شقصه من بائعه.
قال ابن القاسم وأشهب: والقول قول المشتري فيما ادعى من النفقة في السقي والعلاج مع يمينه ما لم يتبين كذبه.
[فصل 9 - فيمن أخذ النصف باستحقاقه]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أخذ النصف باستحقاقه كما وصفنا رجع المبتاع بنصف الثمن على بائعه، فإن شاء المستحق الشفعة في النصف الثاني فذلك له ويكون له أخذ الثمرة بالشفعة مع الأصل ما لم تجد أو تيبس، ويغرم قيمة العلاج أيضا، وإن قام بعد اليبس أو الجداد فلا شفعة له في الثمرة، كما لو بيعت حينئذ ويأخذ الأصل بشفعته بحصته من الثمن بقيمته من قيمة الثمرة يوم الصفقة؛ لأن الثمرة وقع لها حصة من الثمن.
قال ابن المواز: اختلف قول ابن القاسم في ذلك، فقال مرة: له الشفعة في الثمرة ما لم تجد أو تيبس، فإن جدت صغيرة أو كبيرة أو يبست ولم تجد فلا حق للشفيع فيها مثل ما قال في المدونة.
[قال] ابن المواز: ورواه عن مالك، وقاله عبد الملك إلا أن عبد الملك لم ير على الشفيع فيما سقى المبتاع وعالج نفقة.
وقال ابن القاسم مرة أخرى: له الشفعة في الثمرة وإن يبست وجدت، وإن فاتت رد مثلها إن عرف كيلها.
قال ابن المواز: وإن لم يعرف كيلها، أو جدها وهي صغيرة ولم تطب لم يرد قيمتها ولا ثمنها؛ إذ لا شفعة في الأثمان، ولكن يأخذ الأصل بالشفعة بحصته من الثمن بفض الثمن على قيمة الأصل وقيمة الثمرة ناب الأصل أخذه به، ورواه أيضا عن مالك.
[قال] ابن المواز: وهذا أحب قولي ابن القاسم إلينا.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: في هذا له الثمرة وإن فاتت بالجداد يابسة أو رطبة أو ثمنها إن باعها أو قيمتها إن أكلها مشتري الرقاب، كما قال في الاستحقاق لم يفرق بينهما.
قال محمد: وإنما قال يأخذ فيما استحق نصف الثمرة يبست أو جدت، إنما معنى ذلك إذا أبرت الثمرة والأصل بيد المستحق أو بيد المغصوب، وأما إذا كان التعدي عليه بالبيع قبل الإبار فلا حق له في الثمرة إذا جدت أو يبست.
[فصل 10 - فيمن ابتاع نخلا ثم فلس]
ومن المدونة قال ابن القاسم: فأما من ابتاع نخلا لا ثمر فيها أو فيها ثمر قد أبر أو لم يؤبر، ثم فلس وفي النخل ثمر حل بيعها، فالبائع أحق بالأصل والثمرة ما لم تجد إلا أن يعطيه الغرماء الثمن بخلاف الشفيع.
[فصل 11 - فيمن ابتاع نخلا بزرعها الأخضر واستحقت بعد طيبه]
ومن ابتاع أرضا بزرعها الأخضر ثم قام شفيعه بهد طيبه، فإنما له الشفعة في الأرض دون الزرع بما ينوبها من الثمن بقيمتها من قيمة الزرع على غرره يوم الصفقة؛ لأن الزرع وقع له حصة من الثمن في الصفقة، وليس كنخل بيعت وفيها ثمر لم يؤبر ثم قام شفيع بعد يبس الثمرة، هذا لا شيء له في الثمرة ولا ينقص لذلك من الثمن شيء؛ لأن الثمرة لم يقع لها حصة من الثمن في الصفقة؛ لأن النخل إذا بيعت وفيها طلع لم يؤبر فاستثناه البائع لم يجز استثناؤه، والأرض إذا بيعت وفيها زرع لم يبد صلاحه كان الزرع للبائع فافترقا ولو كانت الثمرة يوم البيع مأبورة وقام بعد يبسها لسقط عنه حصاصها من الثمن، فظهور الزرع من الأرض كإبار الثمرة في النخل في هذا، وفي أن ذلك للبائع إلا أن يشترطه المبتاع فيصير له بالإشتراط حصة من الثمن ولم يكن للشفيع في الزرع شفعة؛ لأنه غير ولادة وليس له منه شيء، والثمرة ولادة، وللشفيع نصفها، فإذا قام قبل يبسها كانت له الشفعة.
[فصل 12 - حكم الشفعة في النخل إذا اغتلت سنين]
ومن ابتاع نخلا لا ثمر فيها فاغتلها سنين، فلا شيء للشفيع إن قام من الغلة.
قال: ولا يبيعها مرابحة حتى يبين، كقول مالك في الثياب والحيوان إذا حالت أسواقها عنده لم يبعها مرابحة حتى يبين.
[فصل 13 - فيمن ابتاع وديا صغارا بعد أن صارت بواسق]
ومن ابتاع وديا صغارا ثم قام شفيع بعد أن صارت بواسق، فإنه يأخذها ويدفع إلى المبتاع قيمة ما عمل.
يريد: بأنه كان غائبا.
قال سحنون: لا شيء عليه إذ ليس بعين قائمة كالصغير يكبر ثم يستحق.
قال ابن المواز: وله الثمرة إن لم تيبس وعليه قيمة السقي والعلاج، وإن استغلها سنين فإنما على الشفيع السقي في السنة التي قدم فيها إن لم تيبس الثمرة ووجبت له شفعته وبالله التوفيق.
[الباب الثاني]
في الشفعة في الرحاء والحمام والأنذر والماء ومن اشترى أرضا: هل يدخل في البيع ما فيها من زرع أو نخل؟
[فصل 1 - الشفعة في الرحاء]
قال مالك: ولا شفعة في الأرحية.
قال ابن القاسم: وليست من البناء، وهي كحجر ملقى، ولو بيعت معها الأرض أو البيت الذي نصب فيها، ففيها الشفعة دون الرحى بحصة ذلك، وسواء أجراها الماء أو الدواب.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب وعبد الملك: إن نصبوها في أرضهم ففيها الشفعة وإن نصبوها في غير أرضهم فلا شفعة فيها، باع أحدهم حصته من الرحى أو حصته منها ومن البيت.
قال أشهب ورحى الماء والدواب سواء إذا نصباها فيما يملكان، وإن باع أحدهما مصابته فلشريكه الشفعة وإن شاء فسخ بيعه، إلا أن يدعوه البائع إلى المقاسمة
فلا يفسخ حتى يقاسمه، فإن صار موضع الرحى للبائع جاز بيعه وإن صار لشريكه انتقض بيعه.
قال: ولم يصب من قال: لا شفعة في الرحى ولم يجعله كالبنيان، ولهي عندنا في البنيان أثبت من الأبواب التي إذا شاء قلعها بغير هدم وإن شاء ردها بغير مؤنة، ثم فيها الشفعة إن بيعت مع الدار أو وحدها، وأن الشفعة لتكون في حديد الحائط ورقيقه فكيف لا تكون في الرحى.
قال ابن المواز: وبه أقول.
[فصل 2 - الشفعة في الحمام]
ومن المدونة: قال مالك: في الحمام الشفعة.
قال ابن المواز: ولهو أحق أن تكون فيه الشفعة من الدور والأرضين لما في قسم ذلك من الضرر، وقاله مالك وأصحابه أجمع.
قال ابن الماجشون في غير كتاب محمد: أبى مالك من الشفعة في الحمام من قبل أنه لا ينقسم إلا بتحويله عن أن يكون حماما، وأنا أرى فيه الشفعة.
قال عبد الوهاب: اختلف قوله في الحمام وفي العقار الذي لا ينقسم، فقال: لا
شفعة في ذلك، وقال: فيه الشفعة، فوجه المنع قوله صلى الله عليه وسلم: "الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة فيه" فأحال على اعتبار المقسوم؛ ولأن كل مبيع لا ينقسم لا تدخله الشفعة كالثوب والعبد، ووجه إثباتها فلأنها مما تقع فيها الحدود، ويجب فيها القسم؛ لقوله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ فذلك مبني على وجوب القسمة؛ لأن الشفعة تبع للقسمة في الإثبات والمنع.
[فصل 3 - الشفعة في الأندر]:
ومن العتبية قال سحنون: ولا شفعة في الأندر وهو كالأفنية لا شفعة فيها.
وروى عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب أنه قال: إذا كانت نفقة الأندر بينهما ففيها الشفعة لا شك، كغيره من البقاع.
قال أشهب: الشفعة فيه كان أندرا أو غير أندر، كان قليلاً أو كثيراً إذا كان ملكاً لهما.
[فصل 4 - الشفعة في البئر والنهر والعين]
ومن المدونة: قال مالك: ولا شفعة في بئر لا بياض لها ولا نخل لها وإن سقى بها زرع أو نخل، والنهر والعين مثله.
قال ابن القاسم ولم يختلف في هذا قول مالك في هذا قط.
قال مالك: ولو كان لهذه البئر أرض أو نخل لم تقسم، فباع أحدهما حصته من البئر أو العين خاصة ففيه الشفعة، بخلاف بيعه لمشاع البئر بعد قسم الأرض، ولا بأس بشراء شرب يوم أو يومين أو شهر أو شهرين يسقي زرعه به في أرضه دون شراء أصل العين.
قال مالك: فإن غار الماء أو نقص قدر ثلث الشرب الذي ابتاع وضع عنه
كحوائج الثمار.
قال ابن القاسم: وأنا أرى أنه مثل ما أصاب الثمرة من قبل الماء، فإنه يوضع عنه إن نقص شربه ما عليه فيه ضرر بين وإن كان أقل من الثلث، إلا ما قل مما لا خطب له فلا يوضع لذلك شيء، وقاله سحنون.
[فصل 5 - فيمن اشترى أرضاً فيها زرع لمن يكون الزرع؟]
قال ابن القاسم: ومن ابتاع أرضاً فيها زرع، فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، وأما من ابتاع أرضاً ولم يذكر شجرها فهي داخلة في البيع كبناء الدار إلا أن يقول البائع: أبيعك الأرض بلا شجر.
[فصل 6 - فيمن تصدق بأرض فيها شجر ولم يذكرها]
وقد قال مالك فيمن تصدق بالأرض ولم يذكر الشجر أو تصدق بالشجر ولم يذكر الأرض أن الأرض داخلة مع الشجر في الصدقة، وكذلك البيع.
ومسألة من اشترى أرضاً بعبد فاستحق نصف الأرض قد تقدمت في باب قبل هذا.
[الباب الثالث]
فيمن اشترى نخلاً أو نقضاً على القلع وكيف إن ابتاع الأرض قبل ذلك أو بعده
[فصل 1 - فيمن اشترى نخلاً على القلع ثم استحق آخر نصف جميع ذلك]
قال ابن القاسم: ومن ابتاع نخلاً ليقلعها ثم ابتاع الأرض فأقر النخل فيها ثم استحق رجل نصف جميع ذلك، فله أخذ نصف النخل والأرض بالشفعة بنصف ثمنها لا بالقيمة في أحدهما، وليس للمبتاع حجة في النخل أنه ابتاعها للقلع؛ لأن المستحق قد صار شريكاً له في جميع النخل، فإن لم يستشفع خير المبتاع بين التماسك بما بقي أو رده.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: له الشفعة في الأرض وحدها دون النخل؛ لأنها اشتريت على القلع.
قال ابن عبدوس: قال سحنون: إنما يقال أولاً للمستحق: أنت بخير في أن تجيز بيع نصيبك أو تأخذ الثمن من شريكك ثم لا حجة للمبتاع؛ لأن صفقته سلمت له، فإن لم يجز بيع نصيبه أخذه، ورجع المبتاع على البائع بنصف الثمن، ثم ينظر إلى النخل فإن تفاضل جنسها من صيحاني وبرني أو صغير أو كبير وشبهه
فالبيع يفسخ في نصف البائع؛ لأنه لما باع النخل على القلع صار بيعاً مجهولاً لا يعرف ماذا يقع له في القسم؛ لأن الأرض تقسم مع النخل فيقع في نصيبه كثير من النخل مع قليل من الأرض أو قليل من النخل مع كثير من الأرض للكرم والدناءة، فأما إن كانت النخل والأرض لا تختلف حتى تقسم قسماً معتدلاً فالبيع جائز في نصيب البائع، ثم يبدأ المشتري بالخيار في قول أشهب في رد ما بقي في يديه أو حبسه، فإن أمسكه فللشفيع الشفعة في الأرض والنخل بنصف الثمن.
كما قال مالك في الشفعة في الشقص وإن كانت الأرض لغيرهما.
وقال ابن القاسم: يبدأ الشفيع في التخيير في أن يأخذ أو يسلم.
[فصل 2 - فيمن اشترى عرصة شقص على نقض البنيان]
ومن المدونة: قال ابن القاسم فيمن اشترى عرصة شقص من دار وفيها بنيان على أن النقض لرب الدار، ثم اشترى بعد ذلك النقض، أو اشترى النقض أولاً ثم
اشترى العرصة بعد ذلك، فقام شفيع يعني: استحق النصف واستشفع قال: فله أخذ العرصة والنقض جميعاً بشفعته، يأخذ العرصة بالثمن والنقض بقيمته قائماً.
وقال في كتاب محمد: إذا اشترى نخلاً أو نقضاً على القلع ثم اشترى الأرض فأقر ذلك فيها، ثم استحق رجل نصف الجميع فله الشفعة فيها بنصف ثمن الجميع.
قال أصبغ: وإلى هذا رجع ابن القاسم وعليه ثبت.
وكان أشهب يرى له الشفعة في الأرض ولا يراها في النخل ولا في البناء.
قال ابن المواز: وقول ابن القاسم هو الصواب وعليه أصحابنا؛ لأن المشتري قد صار كأنه اشترى ذلك جملة واحدة ولولا ذلك لفسخ.
[فصل 3 - في شفعة شقص شائع أو حصة من نخل على القلع]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن ابتاع نقض شقص شائع من رجل أو حصته من نخل على أن يقلع ذلك المبتاع وشريك البائع غائب لم يجز؛ إذ لا يقدر هو ولا البائع على القلع إلا بعد القسم؛ وإذ لو شاء البائع أن يقاسم شريكه النخل خاصة ليقلعها لم يكن له ذلك إلا مع الأرض.
[قال] ابن المواز: ووجه آخر أنه اشترى جذوعاً لا يدري ما يصير له منها؛ إذ لا تقسم إلا بأرضها، فقد يقل عدد ما يصير له لكرم محترثها وموضعها من الأرض وكرمه أو يكثر لرداءة موضعها.
[قال] محمد: ولو كانت النخل تستوي في قسمها لتشابهها في الصفة وتشابه الأرض حتى تقع القسم على عدد واحد لأجزته، وقاله أشهب، ورآه كالغنم والثياب والدواب يبيع أحدهما مصابته.
قال أشهب: ثم لا شفعة في النخل؛ لأنها بيعت على القلع، والقلع لا يكون إلا بعد القسمة، وكأنه وقع بيعها بعد المقاسمة، والقسمة لابد منها، وعليها وقع البيع، ولو أخذها بالشفعة لوجب عليه قلعها كما وجب على مشتريها.
قال أشهب: وكذلك لو اشترى مصابة بائع النخل من الأرض بعد شراء مصابته من النخل لم يجز أيضاً.
[قال] ابن المواز: ويفسخ بيع الأرض والنخل إن كانت غير متشابهة.
[قال] ابن المواز: ولو لم يشتر إلا مصابته من الأرض وحدها لفسخ؛ لأنها لا تقسم إلا مع غيرها، وكل من اشترى شركاً مما يقسم مع غيره لم يجز؛ لأنه يقل مرة
لسبب ما يقسم معه ويكثر مرة إلا أن يشتري جميع حصته من النخل والأرض صفقة واحدة فلا بأس به، وأما صفقة بعد صفقة فكلاهما مفسوخ لأنه غرر.
قال أشهب: إلا أن يكون ذلك متشابهاً في صفتها وقدرها وموضعها فلا بأس به كيف ما كان، فإن اشترى الجميع صفقة بعد صفقة فللشفيع أخذ الأرض بالشفعة فقط وكلف المشتري قسم النخل وقلعها.
قال ابن المواز: لا يعجبني، وأنا أرى إذا اشترى مصابته من النخل قبل الأرض أن له الشفعة في الأرض والنخل وما إن اشترى الأرض دون النخل فله الشفعة في الأرض دون النخل من قبل أن الشفعة في النخل إنما وجبت لشركتهما في الأرض، وإذا باع النخل أولاً فله فيها الشفعة؛ لأنهما بعد شريكان في الأرض أولاً فقد انقطعت شركتهما في الأرض وبقيت النخل بلا أصل فلا شفعة له فيها، وهذا كمن باع مصابته من الحائط والثمرة وبقي البئر والرقيق مشاعاً فلا شفعة له في البئر والرقيق إن بيع بعد ذلك، ولو باع البئر والرقيق قبل ذلك لكانت فيه الشفعة.
قال ابن المواز: وإذا باع مصابته من النخل وهي صفقة واحدة ثم باع مصابته من الأرض وهي- أيضاً- صفة واحدة من مشتري النخل أو غيرة فللشفيع أخذ النخل وحدها ويسلم الأرض أو يأخذ الأرض ويسلم النخل أو يأخذهما جميعاً، فإن أخذ إحداهما فلابد من المقاسمة، وإن أخذ النخل قاسم شريكه النخل والأرض جميعاً، فما صار له بنصفه الذي يملكه أخذه بنخله، وما صار لشريكه قلع عنه نخله وسلم للشريك أرضه، وإن كان إنما أخذ الأرض قسموا النخل وحدها؛ لأنها صفو واحدة، ولولا ذلك لم يجز بيعها بلا أرض فما صار لشريكه كلف قلعه.
وكثير من هذا في كتاب محمد.
[فصل 4 - الشفعة في نقض دار قائم على القلع]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن ابتاع نقض دار على أن يقلعه ثم استحق رجل نصف الدار فللمبتاع رد بقية النقض ولا شفعة فيه للمستحق؛ لأنه بيع على القلع ولم يبع الأرض دون النخل، وأما إن استحق جميع الأرض دون النقض أو كانت نخلاً بيعت على القلع فاستحق رجل الأرض دون النخل كان البيع
تاماً في النقض والنخل وكان للمستحق أخذ ذلك من المبتاع بقيمته مقلوعاً لا بالثمن وليس بمعنى الشفعة ولكن للضرر، وليس للمبتاع أن يمتنع من ذلك؛ لأنه في امتناعه مضار، وإن أبى المستحق من أخذ ذلك بقيمته مقلوعاً قيل للمبتاع: اقلعه.
وأنكر هذا سحنون، وقال: إن كان البائع غصب الأرض حاكمه المستحق للأرض، فإن شاء للمشتري بنقضه، وإن كان بائع الأنقاض مشترياً للأرض أعطاه قيمة الأنقاض قائمة وانتقض البيع فيها وليس لمشتري الأنقاض أن يقول: أنا آخذ بهذه القيمة التي أخذها البائع مني، كمن باع سلعة بمائة دينار ثم باعها من آخر بتسعين فأراد المبتاع الأول أن يأخذها بتسعين فليس له ذلك، وإن قال مستحق الأرض: لا أعطيه قيمة البناء، قيل لبائع النقض: أعطه قيمة أرضه فيحوز بيعه في الأنقاض، فإن أبى كانا شريكين، وينقض بيع المشتري فيما
صار له نصف الأنقاض لمستحق الأرض، ويجوز بيعه فيما صار لبائع الأنقاض إذا صار لمشتري الأنقاض نصف ما اشترى فأكثر، كعروض اشتراها فاستحق بعضها؛ لأن ما أخذه مستحق الأرض بسبب كأنه استحق من المشتري.
[قال [ابن المواز: وقال أشهب: استحقاق المستحق للنصف فسخ لبيع البناء والنخل.
قال: وذلك يرجع إلى ما وصفت لك فيمن اشترى مصابة أحد الشريكين من بناء أو نخل على القلع أن ذلك لا يجوز إذا كانت غير متشابهة.
قال: إلا أن يجيز المستحق البيع فيجوز.
[قال] ابن المواز: لأن الصفقة وقعت بين المتبايعين صحيحة.
قال: ولو كانت النخل متشابهة مما يجوز بيع نصفها على القلع، لزم المشتري ما لم يستحق منها؛ لأن النخل قلعها مأمون ليس فيها من الجهالة فيما يأتي عليه من القلع مثل ما يأتي في هدم البناء.
[فصل 5 - فيمن اكترى أرضاً سنين وغرسها شجراً فانقضت مدتها]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وقد قال مالك فيمن اكترى أرضاً سنين فغرسها شجراً فانقضت المدة، أن لرب الأرض أن يعطيه قيمة الشجر مقلوعاً أو يأمره بقلعها.
[فصل 6 - فيمن بنى أو غرس في أرض يظنها له]
وقال وأما من بنى أو غرس في أرض يظنها له ثم استحقت، فعلى المستحق في هذه قيمة ذلك قائماً للشبهة، فإن أبى دفع إليه الذي عمر قيمة أرضه بغير عمارة
فإن أبيا كانا شريكين هذا بقيمة أرضه وهذا بقيمة شجره، بخلاف المكتري؛ لأنه غرس إلى مدة.
[الباب الرابع]
في الشفعة في الهبة والقضاء فيها
[فصل 1 - لا شفعة في هبة الثواب]
قال مالك: ولا شفعة في هبة الثواب إلا بعد العوض.
[قال] ابن المواز: وقاله مالك وأصحابه.
قال ابن المواز: فإن فاتت الهبة فوتاً تجب فيها القيمة؟
فقال ابن القاسم وعبد الملك: لا شفعة فيها أيضاً حتى يدفع الثواب، أو يقضي به ويعرف.
قال عبد الملك: إذ لعله يقول: لم أرد ثواباً وإن أرى الناس أني أردته فلا ثواب له ولا شفعة في ذلك إلا بعد قبض الثواب والحكم به، ولا قول للشفيع: إنك أردت إبطال شفعتي.
قال: وإذا رأى أن الثواب قبض وكتم، أحلف من بيده الشقص.
وقد قال مالك في رجب تصدق على رجل بشقص، فقال الشفيع: أخاف أن يكون باعه أو أثابه في السر وأظهر الصدقة لقطع شفعتي؟
فقال مالك: إن كان المتصدق عليه ممن لا يتهم لم يحلف، وإن كان ممن يتهم أحلف.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: إذا فاتت فوتاً يمنع بع من اعتصارها وردها فقد وجبت القيمة والشفعة.
قال ابن القاسم: وحوالة الأسواق في الهبة والبيع الفاسد فوت، إلا في الربع قائماً يفيته البناء والهدم والغرس.
وقال أشهب: حوالة الأسواق في الربع فوت في الهبة والبيع الفاسد، وقاله ابن عبد الحكم.
[فصل 2 - في شفعة من وهب أو تصدق على عوض]
ومن المدونة: قال مالك: ومن وهب شقصاً من دار للثواب أو تصدق به على عوض أو أوصى به على عوض فهو بيع وفيه الشفعة، فإن سمى العرض فالشفعة بقيمة العوض إن كان مما له قيمة من العروض أو بمثله في المقدار والصفة إن كان عيناً أو طعاماً أو إداماً كانت الهبة بيد الواهب أو قد دفعها، فإن وهب على عوض يرجوه لم يسمه فلا قيام للشفيع إلا بعد العوض، ولا يجير الموهوب على ثواب إذا لم تتغير الهبة في بدن وللواهب ردها إن لم يثبه الموهوب، فإن أثابه بمثل القيمة لزم الواهب، وإن أثابه أقل لم يلزمه إلا أن يشاء وله أخذ هبته إلا أن تتغير في البدن فلا يأخذها ويقضى على الموهوب بقيمتها يوم قبضها، ويقال للشفيع: خذ الآن أو دع إذا قضى على الموهوب بالقيمة، وإذا تغيرت الهبة في بدن ثم أثاب الواهب
أضعاف قيمتها قبل قيام الشفيع، ثم قام لم يأخذها الشفيع إلا بذلك كالثمن الغالي، وإنما يهب الناس ليعتاضوا أكثر.
[قال] ابن المواز: وقاله عبد الملك.
وقال أشهب: إذا أثابه بعد فوات الهبة أخذها بالأقل من قيمة ذلك أو من قيمة الهبة، وإن أثابه قبل فوتها فلا يأخذها الشفيع إلا بجميع العوض كان أكثر من قيمة الهبة أو أقل.
[قال] ابن المواز: وهو قول جماعتهم في هذا.
م: وقول ابن القاسم أبين؛ لأنه إذا كان له أن يعوضه قبل الفوات فبقيمة الشقص.
واتفقوا إذا عوضه أضعاف القيمة لم يأخذها الشفيع إلا بذلك فكذلك إذا عوضه بعد الفوات أكثر من القيمة، وإن كان له أن يعوضه القيمة فلا فرق بين أن يعوضه قبل الفوات ولا بعده؛ إذ له أن يعوضه القيمة في الوجهين إلا على قول من رأى الهبة في الوجهين إذا لم تفت لم يلزم الواهب أن يأخذ قيمتها وأنه على
هبته ما لم يرض منها، فعلى هذا يجب أن لا يأخذ الشفيع إلا بجميع ما أثابه قبل الفوات؛ لأن الموهوب غير قادر على أخذها إلا بما رضي الواهب، وإذا فاتت أخذها بالأقل لوجوب القيمة.
[فصل 3 - فيمن وهب بغير ثواب فعوض فيه]
ومن المدونة: ومن وهب شقصاً بغير ثواب فعوض فيه.
فقيل: فإن رأى أن الهبة كانت لصدقة أو لصلة رحم فلا شفعة فيها.
[قال] ابن المواز: ولو أثابه- أيضاً- شقصاً له في دار لم يكن في الثواب أيضاً شفعة؛ لأن المثيب دفع شقصه فيما لم يكن يلزمه.
[فصل 4 - فيمن تصدق على رجل بصداقة فأثابه، ثم رجع في صدقته]
قال في كتاب الشفعة وفي كتاب محمد: وقد قال مالك في رجل تصدق على رجل بصدقة فأثابه المتصدق عليه ثم بدى له فرجع في ثوابه وقال: ظننت أنه يلزمني، فليرجع في العوض إن كان قائماً فإن فات فلا شيء له.
[قال] ابن المواز: وكذلك هذا العوض لو كان شقصاً لم تكن فيه شفعة؛ لأن لصاحبه فيه الرجعة ولو بتله لم يرجع فيه بشيء على علم منه أن له الرجعة ما
كانت عليه فيه شفعته.
قال ابن عبد الحكم في المختصر: اختلف قول مالك في الشفعة في الشقص يوهب لغير ثواب؟
فقال مرة: فيه الشفعة، وقال مرة: لا شفعة فيه، ولم يختلف قوله ألا شفعة في الميراث.
م: فوجه قوله أن لا شفعة في الهبة والصدقة اعتباراً بالميراث؛ لأنه انتقال ملك بغير عوض.
ووجه إيجاب الشفعة فيه اعتباراً بالبيع؛ لأنه انتقال ملك باختيار المتعاقدين؛ لأن الضرر يدخل على صاحبه والضرر أصل الشفعة.
م: والأول أصح؛ لأن الحديث إنما ورد في البيع لقوله: "الشفعة في كل شرك في ربع أو حائط لا يحل له أن يبيعه حتى يعرضه على شريكه، فإن باعه فالشريك أحق به بالثمن.
[فصل 5 - الشفعة في الوصية]
ومن المدونة: ومن أوصى أن يباع شقصه من فلان بكذا فلم يقبل، فليس للشفيع أخذه بذلك.
قال سحنون في العتبية: فيمن أوصى ببيع ثلث داره في وصاياه، فباع الوصي ثلثها، فلا شفعة لورثته؛ لأنه كان الميت باع ذلك.
[فصل 6 - في الشفعة المعلقة]
ومن المدونة: قال: ومن قال: اشهدوا أني بعت شقصى من فلان بكذا وكذا إن قبل، فلم يقبل فلا شفعة للشفيع.
[فصل 7 - فيمن وهب شقصاً لابنه الصغير على عوض]
ومن وهب شقصاً من دار هو لابنه الصغير على عوض جاز وفيه الشفعة.
يريد: بعد أن يثاب، ولا تجوز محاباته في قبول الثواب ولا ما وهب أو تصدق به من مال ابنه الصغير، ويرد ذلك كله وإن كان الأب موسراً، بخلاف عتقه في ملاله فإنه يجوز ذلك على الأب ويضمن قيمته في ماله.
قال مالك: وإنما يجوز بيع الأب مال ابنه على وجه النظر.
[فصل 8 - الشفعة في هبة ما اليتيم]
وهبة الوصي لشقص اليتيم كالبيع لربعه لا يجوز ذلك إلا بالنظر لمن يرغب فيه
بثمن كثير مثل ملك يجاوره أو مليء مصاقب، أو ليس في غلته ما يكفيه، أو لوجه نظر فيجوز وفيه الشفعة، وما كان على غير هذا الوجه لم يجز.
[فصل 9 - الشفعة في هبة مال المكاتب والعبد المأذون]
وهبة المكاتب والمأذون على عوض تجوز بلا محاباة وفي ذلك الشفع.
ومن اشترى عبداً فوهبه لرجل ثم استحق، قيل للمستحق: إن شئت فاتبع البائع بالثمن وإلا فاطلب العبد، فإن وجدته أخذته وإلا فلا شيء لك على الواهب.
[الباب الخامس]
في الشفعة بيع الخيار ومن وجبت له شفعة فلم يقم بها حتى باع شقصه أو باع بعض شقصه هل يستشفع فيه بما بقي له؟
[فصل 1 - الشفعة في بيع الخيار]
والقضاء أن الشفعة إنما تجب للشفيع بعد تمام البيع ومعرفة الثمن، فإذا تم عقد البيع وعرف الثمن وجبت الشفعة، نقد الثمن أو لم ينقده، قبض الشقص أو لم يقبضه.
قال مالك: ومن ابتاع شقصاً على أن المشتري أو البائع بالخيار فلا شفعة فيه حتى يتم البيع.
ومن ابتاع شقصاً على خيار له فانهدم، فله رده ولا شيء عليه كما كان له رده وهو قائم ولا شفعة فيه حتى يتم البيع.
ومن ابتاع شقصاً بخيار وله شفيع فباع الشفيع شقصه قبل تمام الخيار بيع بتل فإن تم بيع الخيار فالشفعة لمبتاعه، وإن رده فهو لبائعه.
[قال] ابن حبيب: وقاله مطرف.
م: ووجه هذا أن بيع الخيار لما أمضى فكأنه لم يزل ماضياً لمشتريه من يوم عقد فكانت له الشفعة على مشتري البتل.
فإن قيل: فيجب على هذا الإعتلال أن تكون الشفعة على مشتري الخيار لبائع البتل، لأن بائع البتل يقول: إذا أمضيتم بيع الخيار من يوم عقد، فقد بعت أنا شقصي بعد أن وجبت لي الشفعة.
قيل: ينبغي أن يكون ذلك له على مذهب من رأى أن من باع بعد وجوب الشفعة له أن له الشفعة.
وإنما لم يجعل له ذلك ابن القاسم؛ لأنه يرى أن من باع شقصاً له فلا شفعة له.
فإن قيل: فإذا أسقطت شفعته بنفس بيعه، فلم لا جعلت مشتريه يقوم مقام بائعه فتكون له الشفعة فيما بيع بالخيار.
قيل: لا يلزم ذلك؛ لأنا تقدر أن بائع البتل إذا باع لم يزل مسلماً لشفعة، فصار مشتري الخيار شريكاً لبائع البتل وقد سلم شفعته ببيعه فوجب أن تكون الشفعة لمشتري الخيار على مشتري البتل.