استرخصته فزدني فزاده، فلا شيء على الشفيع من الزيادة.
قال أشهب: وللمبتاع أن يرجع على البائع بما زاده بعد أن يحلف ما زاده إلا فراراً من الشفعة، وإلا فلا رجوع له.
[قال] ابن المواز: وقال عبد الملك مثلهما في الوضيعة، وأما في زيادة المشتري للبائع، فقال: يجب ذلك على الشفيع، فإن شاء أخذ بما زيد أو سلم، ولايتهم المشتري أن يزيد إلا لصلاح البيع.
[فصل 4 - الشفعة في الشقص المقسوم بين الشريكين]
ومن المدونة قال مالك: ومن اشترى شقصاً من دار له شفيع غائب فقاسم الشريك ثم جاء الشفيع، فله نقض القسم وأخذه؛ إذ لو باعه المشتري كان للشفيع رد بيعه.
وقاله ابن القاسم وأشهب في المجموعة.
قال أشهب: وإنه ليأخذ بالقلب أن ليس له رد القسم؛ لأنهم قاسموا من يجوز قسمه.
وقال سحنون: يمضي القسم وللشفيع أخذ ما وقع للمبتاع في القسم بالشفعة.
م: وإنما كان له نقض القسم على قول ابن القاسم؛ لأنها شفعة وجبت له قبل القسم، وأما لو قاسمه هذا البائع ثم باع لم تكن له شفعة؛ لانقطاعها بالقسم قبل البيع.
[فصل 5 - الشفعة في الشقص بعد بناء المسجد أو هبته أو التصدق به]
ومن المدونة قال مالك: ولو بنى فيه المشتري بعد القسم مسجداً فللشفيع أخذه وهدم المسجد، ولو وهب المبتاع ما اشترى من الدار أو تصدق به كان للشفيع إذا قدم نقض ذلك ودفع الثمن للموهوب أو المتصدق عليه؛ لأن الواهب علم أن له شفيعاًً، وكأنه وهبه الثمن بخلاف الاستحقاق.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: الثمن للواهب أو المتصدق به كالاستحقاق.
[قال] ابن المواز: وهذا أحب إلينا؛ لأنه بالبيع يأخذ فهو يفسخ ما بعده.
وقاله سحنون؛ إذ عليه يكتب العهدة ولو جعلته للموهوب لجعلت عليه العهدة.
[فصل 6 - الشفعة في الشقص تتداوله الملاك]
ومن المدونة قال مالك: ومن ابتاع شقصاً ثم باعه فتداولته الأملاك فللشفيع أخذه أي صفقة شاء وينقض ما بعدها، وإن شاء أخذه بالبيع الآخر وثبتت البيوع كلها، وكذلك إن بيع الشقص على المبتاع في دين عليه لغرمائه في حياته أو بعد وفاته، فللشفيع الأخذ بالبيع الأول وينقض الثاني وإن شاء أخذ بالثاني.
قال أشهب: فإن تبايعه ثلاثة فأخذها من الأول، كتب عهدته عليه ودفع من ثمن الشقص إلى الثالث ما اشتراه به؛ لأنه يقول: لا أدفع الشقص حتى أقبض ما دفعت، ويدفع فضلاً إن كان إلى الأول، وإن فضل للثالث مما اشتراه به شيء رجع به على الثاني وليس الثالث حبسه حتى يدفع إليه بقية ثمنه، ثم يرجع الثاني على الأول بتمام ما اشترى به الشقص منه، وإن أخذها من الثاني فعهدته عليه ويثبت بيع الأول ويدفع من ثمن الشقص إلى الثالث ما اشتراه به ويدفع فضلاً إن كان للثاني، وإن فضل الثالث ما اشترى به الشقص شيء رجع به على الثاني ولا
تراجع بين الأول والثاني؛ لتمام بيعهما، وإن أخذها من الثالث كتب عهدته عليه وتم ما قبل ذلك من بيع.
[فصل 7 - الإقالة في الشفعة، وعلى من تكون العهدة]
ومن المدونة قال مالك: ومن اشترى شقصاً ثم استقال منه، فللشفيع الشفعة بعهدة البيع وتبطل الإقالة وليس له أخذها بعهدة الإقالة.
والإقالة عند مالك: بيع حادث في كل الأشياء إلا في هذا، وإن في هذا، وإن سلم الشفيع شفعته صحت الإقالة.
[قال] ابن المواز: وقاله مالك وأصحابه.
قال أشهب: وسواء كان للبائع هو المستقيل أو المشتري أنه لا يأخذ الشفيع إلا من المشتري وعليه يكتب عهدته.
[قال] ابن المواز: لأنه ينزل أمره أنه هرب من العهدة فلذلك تثبت عليه.
[قال] ابن المواز: وإذا سلم الشفيع شفعته ثم تقابل المتبايعان، كان للشفيع الشفعة بعهدة الإقالة من البائع ويصير بيعاً حادثاً؛ لزوال التهمة، مثل: ما لو تولاه غيره لكان للشفيع الشفعة على من شاء منهما.
قال أشهب: وكذلك لو تقابلا بزيادة أو نقصان قبل تسليم الشفيع، فله الشفعة على أيهما شاء منهما.
قال أشهب: والقياس عندي إذا استقال البائع المشتري فأقاله بغير زيادة ولا نقصان وقبل تسليم الشفيع شفعته أن يأخذ من أيهما شاء، ولو قاله قائل: لم أعبه، ولكن الاستحسان أن لا تكون له شفعة إلا على المشتري؛ لفراره من العهدة، وبه أخذ محمد بن حبيب.
قال مطرف وابن الماجشون: إن رأى أن التقايل بينهما كان لقطع الشفعة، فالإقالة باطلة وللشفيع الشفعة بعهدة الشراء، وإن رأى أنها على وجه الصحة وإرادة الإقالة فهو بيع حادث، وللشفيع الشفعة بأي البيعتين شاء.
وذكر عبد الوهاب: أن مالكاً اختلف قوله على من تكون العهدة، فقال مرة: تكون على المشتري وتبطل الإقالة، وقال أيضاً: هو بالخيار إن شاء كتبها على البائع وإن شاء كتبها على المشتري.
ووجه هذا لأن الشفعة تجب بالصفقتين، فبأي ذلك شاء أخذها منه.
[فصل 8 - الشفعة في شقص خولع أو تزوج به]
ومن المدونة: وإذا اشترت المرأة شقصاً فخالعت به، فإن شاء الشفيع أخذه وتكون عهدته على الزوجة فليأخذه بالثمن الذي اشترته به، وإن شاء كتب عهدته على الزوج فليأخذه منه بقيمته يوم أوقع الخلع، فإن أخذه من الزوجة بالثمن رجع عليها الزوج بقيمته يوم الخلع.
وكذلك قال مالك في الذي يشتري شقصاً فتزوج به إن شاء الشفيع كتب عهدته على الزوج أخذه بالثمن ورجعت عليه زوجته بقيمته يوم وقع النكاح به، وإن شاء الشفيع أخذه من الزوجة بقيمته يوم وقع النكاح وكتب عهدته عليها.
وبعد هذا باب فيه إيعاب هذا.
[الباب الثالث عشر]
في تأجيل الأخذ بالشفعة وفي الأخذ وفي الثمن وفي انهدام الشقص بعد الأخذ والقضاء على الغائب والوكالة فيها
[فصل 1 - تأجيل الأخذ بالشفعة]
قلت: فمن أراد الأخذ بالشفعة ولم يحضره الثمن أيتلوم له الأيام؟
قال: قال مالك: رأيت القضاة عندنا يؤخرون الأخذ بالشفعة في النقد اليوم واليومين.
واستحسنه مالك وأخذ به.
قال ابن المواز: إنما يؤخر هكذا إذا أخذ بشفعته، فأما إذا أوقعه الإمام ليأخذ بشفعته، فقال: أخروني اليومين والثلاثة لأنظر في ذلك، فليس له ذلك، ويقال له: تأخذ أنت بشفعتك الآن في مقامك وإلا فلا شفعة لك، وقاله أشهب في المجموعة.
وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: يؤخره السلطان اليومين والثلاثة ليستشير وينظر.
[قال] ابن المواز: وإن أوقفه غير السلطان فذلك بيده وإليه حتى يوقفه السلطان، وإن أخذ بالشفعة وطلب التأخير بالثمن فأخره السلطان اليومين والثلاثة فلم يأت به إلى ذلك الأجل، فالمشتري أحق بها.
قال محمد عن أشهب وهو في العتبية عن ابن القاسم: وإذا طلب التأخير بعد الأخذ فأخر، ثم يبدو له ويأبى المشتري أن يقيله فلأخذ قد لزم الشفيع، وإن لم يكن له مال بيع عليه حظه الذي استشفع فيه وحظه الأول حتى يتم المشتري جميع حقه، ولا يقال: إلا أن يرضى المشتري أن يقيله.
[فصل 2 - في ضمان الشقص إذا انهدم قبل القبض]
ومن المدونة قال مالك: وإذا أخذ الشفيع الشقص بالشفعة فلم يقبضه حتى انهدمت الدار، فضمان الشقص من الشفيع، وكذلك في البيوع ما أصاب الدار بعد الصفقة وقبل القبض فمن المشتري في قول مالك.
[فصل 3 - الشفعة في غيبة المبتاع]
ويقضي للشفيع بالشفعة في غيبة المبتاع كالقضاء عليه، ويكون على حجته إذا قدم، وكذلك من اشترى شقصاً من دار لرجل غائب، كان للشفيع الأخذ بالشفعة.
[فصل 4 - الوكالة في أخذ الشفعة]
ولك أن توكل بأخذ الشفعة غبت أو حضرت، ولا يلزمك تسليم الوكيل إلا أن تفوض إليه في الأخذ أو الترك، ولو أقر الوكيل أنك تسلمتها فهو كالشاهد يحلف معه المبتاع، فإن نكل حلفت أنت وأخذت، فإن أقام الوكيل بينة أن فلاناً الغائب وكله على طلب الشفعة في هذه الدار مكن من ذلك.
[الباب الرابع عشر]
ما يحدث بالشقص من هدم أو بناء ولمن ثمن الهبة في الاستحقاق
[فصل 1 - الشفعة في الشقص يحدث فيه النقص]
قال مالك: والقضاء في الشفعة أن المبتاع لا يضمن الشفيع ما حدث عنده في الشقص من هدم أو حرق أو غرق.
قال ابن القاسم: أو ما غار من عين أو بئر، ولا يحط الشفيع لذلك من الثمن شيئاً، فإما أخذ بجميع الثمن أو ترك.
قال مالك: وكذلك لو هدم المبتاع البناء ليبنيه أو ليوسع فيه، فإما أخذ ذلك الشفيع مهدوماً مع ما نقصه بجميع الثمن أو ترك.
م: وإذا استحق نصفها وطلب أخذ بقيتها بالشفعة، فله أخذ النصف المستحق مهدوماً ونصف نصفه، وأخذ النصف الآخر بنقصه مهدوماً
بالشفعة بنصف جميع الثمن إن شاء، ولا يحط عنه للهدم شيء، ولو تلف النقض بأمر من الله عز وجل لم يكن عليه للنصف المستحق شيء؛ لأنه لم يتعد وأخذ النصف المستشفع فيه بنصف الثمن لا يحط عنه لتلف النقض شيء؛ لأنه لم يأخذ فيه شيئاً.
وكذلك إن وهب النقض فهلك عند الموهوب بأمر من الله تعالى لم يضمن ذلك المبتاع الواهب ولا الموهوب وأخذ الشفيع بنصف جميع الثمن.
م: قال بعض الفقهاء: كما قالوا فيما ولدت الجارية المغصوبة فوهبه الغاصب فمات عند الموهوب فلا ضمان على واحد منهما.
وإن باع النقض وكان قائماً، فالأحسن من الأقاويل: أنه لا شفعة له إلا بأن ينقص بيع النقض ويأخذه؛ إذ هو قادر على ذلك وليس له أن يأخذ العرصة بما ينوبها من الثمن مع وجود النقض إن رضي المشتري بذلك؛ لأنه يصير آخذاً للعرصة بثمن مجهول وليس بمضطر إلى ذلك لما كان قادراً على أخذ النقض.
م: فإن قيل: فإن عرف ما ينوب النقض من الثمن وما ينوب العرصة.
قيل: لا يلزم ذلك بائع النقض؛ لأنه يقول: إنما رضيت ببيع النقض برخص من الثمن رغبة في بقاء الأصل بيدي، فلا يلزمه ذلك إلا أن يرضى بذلك فيجوز، ويصير كمن أرضاه على أن يأخذ بعض مال له فيه الشفعة وسلم بعضه، فأما لو قال المستحق: أنا أجيز بيع نصيبي من الأنقاض في النصف الذي قد استحقه وأخذ النصف الآخر مع نصف العرصة بالشفعة لكان للمشتري الخيار في النصف المستحق من الأنقاض.
فإن قيل: فلم كان للمشتري الخيار وهو لو استحق عليه نصف الأنقاض لم يكن له خيار؟
قيل له: لأن المستحق هاهنا قادر على إجازة بيع جملة ما استحق وما استشفع أو أخذ جملتها، فليس له أن يأخذ بعضها دون بعض، كمن استحق جملة سلع بيعت، فقال: أنا أجيز بيع نصفها وأرد النصف، لم يكن له ذلك، إلا على قولة لأصبغ أن ذلك له، ولأشهب نحوها.
[فصل 2 - الشفعة فيما لو هدم المبتاع ثم بنى]
ومن المدونة قال: ولو هدم المبتاع ثم بنى، قيل للشفيع: خذ بجميع الثمن وقيمة ما عمر فيها.
قال أشهب: يوم القيام، وله قيمة النقض الأول منقوضاً يوم الشراء بحسب كم قيمة العرصة بلا بناء، وكم قيمة النقض مهدوماً، ثم يقسم الثمن على ذلك، فإن وقع منه للنقض نصفه أو ثلثه فهو الذي يحسب للشفيع على المشتري، ويحط عنه من الثمن، ويغرم ما بقي مع قيمة البناء قائماً.
[قال] ابن المواز: وهو قول مالك وأصحابه.
م: وإنما قال: يغرم الشفيع قيمة العمارة يوم القيام؛ لأن المبتاع هو الذي أحدث البناء، وهو غير متعد فيه، والأخذ بالشفعة كالاشتراء، فعلى الشفيع قيمته يوم أخذه بشفعته، وإنما حسب للشفيع على المبتاع قيمة النقض مهدوماً يوم الشراء؛ لأنه لم يكن في هدمه متعدياً، فكأنه اشتراه مع العرصة مهدوماً ثم بنى به وهو في ملكه وضمانه، فوجب أن يأخذ العرصة بقيمتها من قيمة النقض من الثمن يوم الشراء كما لو اشتراها مع عرص.
قال مالك: فإن لم يفعل فلا شفعة له.
قيل لابن المواز: وكيف يمكن أن يحدث بناء في مشاع؟
قال: يكون قد اشترى الجميع وأنفق وبنى وغرس، ثم استحق رجل نصف ذلك مشاعاً، أو يكون شريك البائع غائباً فرفع المشتري إلى السلطان يطلب القسم،
والقسم على الغائب جائز، فيقسم السلطان للمبتاع حقه بعد الاستقصاء وضرب الجل ثم لا يبطل ذلك شفعة الغائب.
[فصل 3 - الشفعة فيما لو استحق نصف الدار بعد هدمه وبنائه]
ومن المدونة: -وقال في باب بعد هذا- ومن ابتاع داراً فهدمها وبناها ثم استحق رجل نصفها واستشفع، فإن دفع إليه في حصة الشفعة قيمة نصف بنائه وإلا لا شفعة له، ويقال له: في النصف الذي استحق، ادفع إليه قيمة نصف بنائه يوم القيام أيضاً، فإن أبى قيل للآخر: ادفع إليه نصف قيمة الأرض بغير بنيان إن كان قد هدم جميع بنيانها.
م: يريد ويرى النقض الأول بغير انتفاعه، وأما لو بناها بنقضها لحسب للمستحق نصف قيمة ما سلم من نقض الدار مطروحاً يوم بنائه؛ لأنه لم يكن عليه في هدمه تعد ولا ضمان لما ذهب منه، وهو في ضمان المستحق إلى حين إفاتة المبتاع بالبناء.
قال ابن القاسم: فإن أبيا كانا شريكين بقيمة ما لكل واحد منهما.
[قال] ابن المواز: وإذا صارا شريكين في النصف المستحق بما ذكرنا فله نصف النصف الآخر بالشفعة إن شاء بنصف الثمن وبنصف قيمة ما بنى قائماً.
يريد: يوم الحكم.
[قال] ابن المواز: فتكون الدار بينهما؛ لأنه لما شاركه في نصفه الذي استحقه فقد احتبس نصف النصف المستحق، فله من شفعته بقدر ما أخذ في الاستحقاق ويحسب على المستحق فيما أخذ منه بالشفعة قيمة ربع بعض الدار منقوضاً يوم الشراء؛ لأنه قد
أدى للمشتري قيمة ذلك مبنياً مع نقضه.
م: ولو كان لما قيل للمشتري: ادفع إليه نصف قيمة عرصته فدفعها، فأراد المستحق أخذ النصف الثاني بالشفعة، فله ذلك على قول من رأى أنه إذا باع ما يستشفع به فلا يسقط ذلك شفعته، وليس له ذلك على قول من قال: إذا باع سقطت شفعته.
[فصل 4 - الشفعة فيما لو استحق نصف الدار بعد فوات النقض]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اشترى داراً فهدمها وباع النقض، ثم استحق رجل نصفها وقد فات النقض عند مبتاعه، فإن المستحق إن لم يجز البيع في نصيبه أخذ نصفها ونصف ثمن النقض باستحقاقه، ثم إن شاء أخذ بقيمتها بالشفعة، فإن أخذه قسم نصف ثمن الدار على قيمة نصف ثمن الأرض وقيمة نصف الشقص منقوضاً يوم الصفقة.
يريد: صفقة شرائه، ثم أخذ نصف الأرض بما ينوبها، ولا ينظر إلى ثمن ما باعها به، وأما ما قابل النقض من الثمن فلا شفعة فيه لفواته وثمنه للمبتاع.
وقال ابن المواز: وإن باع النقض وقبض ثمنه، فللمستحق أخذ نصف الدار بالشفعة بجميع ثمن النصف إلا أن يحسب له على المشتري للشفيع في الثمن الأقل مما وصل إليه من نصف ثمن النقض أو من قيمته ملغي من الثمن أجمع بعد قبض الثمن على الأرض،
والنقض ملغي يوم الصفقة؛ لأن المبتاع يقول: ليس لك علي في ثمن النقض شفعة فتكون أحق به، وإنما لك أخذ النقض إن وجدته قائماً، فإن فات فلك قيمة ما بيع عليه من الثمن، وإن شاء قال: مالك علي فيه إلا ما صار إلي من ثمنه؛ إذ هو أقل من قيمته؛ لأني لو حابيت في ثمنه لم يكن لك علي إلا ما صار إلي من ثمنه واتبع أنت بالمحاباة مشتريه، وإن لم يصل إلي من ثمنه شيء أو وهبته لم ينقص من ثمن الشقص شيء، وأما في النصف المستحق فله ثمن النقض على بائعه قل أو كثر.
م: وقو ل ابن القاسم أبين؛ لأن الأنقاض لما هدمت كانت كعرض اشترى مع العرصة وهو لو باع العرض المشترى مع العرصة لم ينظر إلى ثمنه وكان له أخذ العرصة بما ينوبها من الثمن من قيمتها من قيمة العرصة، فكذلك حكم النقض، والله أعلم.
[فصل 5 - في شفعة النقض ولما يفت]
ومن المدونة: ولو وجد المستحق النقض لم يبع، أو وجده قد بيع وهو حاضر عند مبتاعه لم يفت، فله أخذ نصفه مع نصف العرصة بالاستحقاق وباقيها بالشفعة، ولا يضمن المبتاع في الوجهين لهدمه شيئاً.
[قال] ابن المواز: وليس للشفيع أن يجيز بيع النقض ويأخذ ثمنه من بائعه مع نصف العرصة بشفعته بنصف الثمن؛ لأنه لا شفعة له في الثمن، كان الثمن عرضاً أو عيناً، وفي العين أشد وأحرم، وكيف يحكم له بثمن ما لم يملكه قط ولم يضمنه بشفعته، ولا يكون للشفيع أن يسلم بعض الصفقة ويأخذ بعضها فهذا يريد أن يأخذ الأصل ويسلم النقض.
قال ابن المواز: ولو أخذ نصف الدار باستحقاقه وسلم شفعته في النصف الثاني لكان لمستحق الشفعة في النقض؛ لأنه صار شريكاً للمبتاع فيما باع من النقض أو من العرصة، فلشريكه فيه الشفعة.
[قال] ابن المواز: وقد روى أشهب أن المستحق إذا أخذ نصف الدار بالشفعة
أن له أن يأخذ ثمن ما بيع من النقض قل أو كثر، فإن كان أكثر من ثمن نصف الدار كما يأخذه عما استحقه، وهو وهم لم يصوبه أحد من أصحابه.
[فصل 6 - فيما لو أبى الشفيع أخذ ما استحق من الدار مهدوماً، أو هدمه أجنبي]
ومن المدونة: وإن أبى أن يأخذ ما استحق من الدار مهدوماً، قيل له: فارجع على البائع بالثمن الذي باع به حصتك إن أحببت، وإن هدم الدار أجنبي تعدياً وأتلف النقض فلم يقم عليه المبتاع حتى قام المستحق فاستشفع، فله الشفعة فيما بقي من حصته بالتقويم كما لو باعه المبتاع ينظر ما قيمتها بلا بناء وما قيمة البناء مهدوماً، فيقسم الثمن على ذلك، فيأخذ العرصة بحصتها من الثمن بشفعته، ثم يتبع المشتري الهادم بنصف قيمة ما هدم فكان له، ويتبعه المستحق بمثل ذلك.
يريد: يتبعانه جميعاً بما بين قيمة الدار مهدومة وقيمتها صحيحة، وهذا بخلاف ما انهدم بأمر من الله تعالى، لأن المتعدي هاهنا ضامن فجرى مجرى البيع.
وقال بعض الفقهاء: لا يشبه ذلك البيع؛ لأنه في البيع إنما باع النقض مهدوماً وما أحدثه من الهدم فلا يضمنه، ولا يحسب عليه فيه شيء، والجاني هاهنا متعد في الهدم، فهو يتبع بما هدم قائماً، فكيف يربح المشتري.
م: وما قاله ابن القاسم فهو جار على مذهبه؛ لأنه يقول إذا باعه بمائة وكان ما يقع عليه من الثمن في النقض خمسين لم يكن عليه إلا ذلك، ويربح الخمسين، فكذلك إذا كان يأخذ في قيمة الهدم من الهادم مائة ويخص قيمته مهدوماً من الثمن خمسون، أن ذلك له كالبيع.
وقال ابن المواز: إذا لم يقدر على الهادم فلا يأخذ الشفيع إلا بجميع الثمن كالهدم من السماء.
م: وهذا بين؛ لأنه إذا لم يقدر على الأخذ منه فلا نفع يصل إلى المشتري من ذلك، فهو كالهدم من الله تعالى.
وهذا لا يخالفه ابن القاسم؛ لأن ابن القاسم إنما قال: فلم يأخذ المشتري فيه ثمناً حتى استحق هذا نصف الدار، فظاهر كلامه أنه ممن يقدر على الأخذ منه، فلما استحق هذا وجب أن يطالبه كل واحد منهما بماله قبله، فأشبه ما يأخذ المشتري من الثمن في البيع.
[فصل 7 - الشفعة فيما لو ترك المبتاع قيمة ما هدم]
ومن المدونة قال: ولو كان المبتاع قد ترك للهادم قيمة ما هدم فللمستحق طلب الهادم بنصف قيمة ذلك من النصف المستحق، ويسقط عنه حصة المبتاع، وإن كان الهادم عديماً أتبعه المستحق دون المبتاع.
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم: وسواء كان المتعدي عديماً أو موسراً فإنه يحسب للشفيع على المشتري قيمة النقض كما لو باعه.
قال: وقال أيضاً ابن القاسم: إن هدمها أجنبي تعدياً فليتبعه مستحق نصفها بنصف قيمة الهدم، وإن أخذ بالشفعة أخذ بنصف جميع الثمن، ولا يحط عنه للهدم بشيء.
[قال] ابن المواز: وهو أحب إلينا، وكذلك لو ترك المبتاع للهادم قيمة ما هدم، أو وجده عديماً فتركه، ثم جاء الشفيع لم يكن له أن يأخذ الشقص المهدوم إلا بنصف الثمن لا ينقص للهدم شيء؛ لأنه لم ينتفع ولكنه أمر نزل به مغلوباً مثل الحرق والغرق وشبهه، فمتى ما أخذ من المتعدي شيئاً كان ذلك للشفيع.
وذكر ابن المواز القول الأول عن ابن القاسم في كتاب الغصب.
قال محمد: وإنما ذلك إذا كان المتعدي موسراً يقدر المشتري على أخذ ما وجب له عليه، فأما من لا يقدر على أخذ ذلك منه فهو بمنزلة ما هلك بأمر من الله، فلا
يأخذ ذلك بالشفعة إلا بالثمن كله، فإما إن كان مليئاً فللشفيع أن يحسب على المشتري قدر قيمة ذلك نقضاً يوم الشراء من قيمة العرصة من الثمن، ويتبع المشتري الهادم بقيمة ذلك قائماً يوم هدمه بالغاً ما بلغ.
وقد جعله ابن القاسم مثل بيعه للنقض؛ لأنه قد وجب له على المتعدي شيء يرجع به، فهو بخلاف ما هلك بأمر من الله، وذلك في المليء.
وقال أشهب في المجموعة: إذا هدمها رجل بيد المبتاع ظلماً، فللمستحق أن يأخذ من المبتاع نصف ما ابتاع مهدوماً ولا شيء له في الهدم، ويأخذ بقية الدار بالشفعة.
يريد: نصف جميع الثمن.
قال: ويتبع هو الهادم بما بين قيمة الدار مهدومة وقيمتها مبنية، وإن لم يستشفع اتبعه هو والمبتاع بذلك.
وأنكر سحنون قول ابن القاسم إذ جعله كالبيع، وقال: يقول أشهب هذا.
[فصل 8 - فيمن استحق داراً وهب لرجل قد هدمها، وجارية استحقت بحرية]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اشترى داراً فوهبها لرجل فهدمها، أو وهب نقضها لرجل فهدمه، ثم استحق رجل نصفها فلا شيء له على الهادم فيما هدم وهو كالمشتري، ولو وهب الدار مبتاعها لرجل، ثم استحق رجل نصفها وأخذ باقيها بالشفعة، فثمن النصف المستشفع للواهب، بخلاف من وهب شقصاً ابتاعه وهو يعلم أن له شفيعاً هذا ثمنه للموهوب إذا أخذه الشفيع.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: بل الثمن للواهب في الوجهين كالاستحقاق، وقد تقدم هذا.
قال ابن القاسم: ومن وهب لرجل أمة فاستحقت بحرية، أو أنها مسروقة، فما رجع به من ثمنها فللواهب أو لورثته دون الموهوب.
[الباب الخامس عشر]
في الشفعة في البيع الفاسد والولية فيه
[فصل 1 - هل في البيع الفاسد شفعة؟]
قال مالك: ويفسخ البيع الفاسد في الدور وغيره إذا لم يفت ولا شفعة فيه، ولو علم به بعد أخذ الشفيع فسخ بيع الشفعة والبيع الأول؛ لأن الشفيع دخل مدخل المشتري.
وكذلك لو باعها المبتاع من غيره بيعاً فاسداً لرد البيع الأول والآخر جميعاً إلا أن يفوت، ويجب في ذلك القيمة فلا يرد.
ومن كتاب ابن المواز: فإن لم يفسخ بيع الشفعة حتى فاتت بيد الشفيع بما يفوت به الربع في البيع الفاسد، فرجع البائع على المشتري بقيمته يوم قبضه لزم الشفيع ما لزم المشتري من تلك القيمة إلا أن تكون أكثر مما أخذ به الشفيع، فالشفيع مخير إن شاء رد الشفعة وإن شاء تماسك بها بتلك القيمة ما بلغت.
[فصل 2 - في فوات الشقص قبل أخذ الشفيع]
قال: وإن كان فوات الشقص عند المشتري قبل أخذ الشفيع ثم أخذه الشفيع ثم ترادا البائع والمبتاع القيمة انتقضت الشفعة بكل حال، وخير الشفيع إن شاء أخذه بالقيمة التي رجع المشتري إليها ما بلغت وإن شاء سلم.
قال ابن المواز: بل ذلك سواء فات عند المشتري قبل أن يأخذ الشفيع بالثمن الأول، أو لم يفت حتى أخذه الشفيع فقد لزم الشفيع أخذه بما ترادا به إلا أن يكون أكثر فيكون مخيراً بين أن يرده أو يأخذه بذلك.
م: وقال بعض فقهاء القرويين: إن فات الشقص عند المشتري قبل أخذ الشفيع أخذ بالقيمة، فإن لم يعلم وأخذه بالبيع الفاسد رد ذلك إلا أن يفوت عند الأخذ بالشفعة، فيكون عليه الأقل من قيمته يوم قبضه هو، أو القيمة التي وجبت على المشتري؛ لأنه لا يقدر على رده لفواته عنده.
قال: فإن قال: فإني لا آخذ بالشفعة، رد قيمة ما قبض، وإن أخذه بالشفعة أخذ بمثل القيمة التي وجبت على المشتري ولو كان أخذه بالشفعة قبل فوات ففاته عنده كان عليه الأقل كما تقدم.
م: وهذا خلاف ما تقدم لابن المواز، وهذا أبين؛ لأن الأخذ بالشفعة كالشراء، فإذا فات عند الشفيع لزمته القيمة يوم قبضها، فإن كانت أكثر قال: أنا آخذ بما لزم المشتري.
[فصل 3 - الشفعة فيما لو لم يفسخ البيع الفاسد حتى فات]
ومن المدونة: وإذا لم يفسخ البيع الأول حتى فات ولزمت المبتاع قيمته يوم قبضه، ففيه حينئذ الشفعة بتلك القيمة.
[قال] ابن المواز: وليس للشفيع أخذها إلا بعد معرفته بالقيمة التي لزمت المشتري، فإن أوجبها على نفسه قبل معرفته بالقيمة وإن كانت قد وجبت فذلك باطل.
[فصل 4 - بم يفوت الربع بالبيع الفاسد]
ومن المدونة: ويفيت الربع في البيع الفاسد البناء والهدم والغرس وبناء البيوت وعطب الغرس، وليس تغير سوق الرباع فوتاً، ولا أعرف أن تغير البناء فوت، أو طول المدة السنتين والثلاث فوت.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: حوالة الأسواق في الرباع فوت مثل غيرها من الأشياء.
[فصل 5 - في شفعة الدار إذا فاتت]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا فاتت الدار ببناء زاده المبتاع فيها لم يأخذها الشفيع حتى يدفع إلى المبتاع قيمة ما أنفق مع القيمة التي لزمته، وإن انهدمت الدار لم ينقض لشفيع للهدم شيئاً، وقيل له: خذها بجميع القيمة التي لزمت المبتاع أو دع، فذلك فوت أيضاً، وللشفيع الأخذ بثمن البيع الصحيح ويترادان الأولان القيمة.
وكذلك من ابتاع شيئا من جميع الأشياء بيعا فاسدا ثم باعه بيعا صحيحا قبل أن يفوت عنده، ثم البيع الثاني ويترادان الأولان القيمة، وليس للشفيع الأخذ بالبيع الأول الفاسد؛ لأنا نزيل البيع الذي أفاته، ويعود بيعا فاسدا لا يفوت فيه، هذا إذا لم تفت الدار ببناء أو هدم، وأما 'ن فاتت بذلك فليأخذ الشفيع إن شاء
بالثمن الصحيح أو بالقيمة في البيع الفاسد.
يريد: بعد معرفته بتلك القيمة.
قال: وإن لم يفت بهذا، إلا أن المتابعين ترادا القيمة بعد البيع الثاني، فللشفيع أن يأخذ بأي ذلك شاء لتمام البيع بأخذ القيمة، تراداها بقضية أو بغير قضية؛ لأن مبتاع الصحة لو رد ذلك بعيب وجده بعد أن ترادا الأولان القيمة لم يكن للمبتاع الأول ردها على البائع الأول بالبيع الفاسد؛ لأنه بيع قد صح بينهما بأخذ القيمة، ولكن له الرد بالعيب ويأخذ القيمة التي دفع.
وقد قال مالك في المكتري يتعدى الموضع فتتلف الدابة فيغرم القيمة، ثم توجد بحالها فليس لربها أخذها؛ لأنه قد أخذ قيمتها.
قال ابن عبدوس: قال سحنون كيف يكون للمشتري الأول ردها بالعيب على البائع الأول والبيع الأول قد انتقض ووجبت فيه القيمة لفوته، وإنما يجب عليه الرجوع بفضل ما بين القيمتين قيمتها صحيحة وقيمتها معيبة، فيصير على المشتري غرم قيمة ما فات في يده وليس له ردها، كقولهم فيمن تعدى على دابة
رجل فضلت فغرم قيمتها بعد أن وصفها وحلف، ثم وجت على غير ما وصف، فليس لربها أخذها وإنما له تمام القيمة.
[فصل 6 - حكم التولية في البيع الفاسد]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا تجوز التولية في البيع الفاسد ويرد؛ لأن المبتاع إن كان ابتاع على أن أسلف فقد دخل الثاني مدخله.
ولو قال له: هذه السلعة قامت علي بمائة دينار وأنا أبيعكها بذلك كان كاذبا؛ لأنه إن كان اشتراها بمائة على أن أسلفه عشرة دنانير وقيمة السلعة خمسون دينار فلم تقم عليه بمائة، ويخير المبتاع منه في أخذها بمائة أو ردها، فإن فاتت بيده قبل أن يختار لزمه الأقل من قيمتها أو من المائة.
[الباب السادس عشر]
في شفعة من اشترى المديان وبيع الشفعة ووكالة الشفيع على بيع الشقص أو شرائه والتداعي في الدور والكفالة في بيعها
[فصل 1 - فى شفعة المديان]
قال مالك: ومن ابتاع شقصاً فيع فضل، فقام غرماؤه في فلسه أو موته، فللشفيع أخذ الشقص دونهم.
قال مالك: وإذا ترك من أحاط الدين بماله القيام بشفعته فليس لغرمائه أخذها، وذلك إليه أخذ أو سلم.
قال ابن المواز: قال أشهب: وذلك ما لم يفلس، فإذا فلس فلغرمائه أن منعه من أخذ الشفعة إذا كان ذلك نظرا لهم وله، وليس لهم أن يكرهوه على الأخذ
بالشفعة وإن كان فيه فضل كثير ونظر له ولهم، كما لا يعتصر لهم ما وهب لابنه الصغير.
قال أشهب: والقياس أن لا يكون للشفيع أخذها لتباع لغرمائه؛ لأنه إنما يأخذ لغيره، كما ليس له أن يعتصر إذا فلس؛ لأنه إنما يعتصر لغيره.
ولو قاله قائل: لم أعبه ولكني آثرت الاستحسان من قبل أن ورثته يقومون بعد موته مقامه في الأخذ أو الترك، وليس لهم اعتصار ما وهب.
وصوب سحنون قول أشهب الذي قاله: انه القياس في المجموعة واستجاده.
وقال: لأن الشفعة في السنة إنما هي للضرر بالشفيع.
[قال] ابن المواز: قال أشهب: وإذا مات الشفيع ليس لغرمائه أخذ شفعته، وذلك لورثته إن شاءوا أخذوا أو سلموا، فإن أخذها ورثته بمال الميت بيعت عليهم في دين الميت وأخذ الغرماء الثمن والفضل، فإن بقي شيء عن دينهم كان ميراثا، وإن أخذوها بما لهم بيعت أيضا ودفع إلى الورثة رأس مالهم وقضي بالفضل دين الميت، فإن لم يسو إلا رأس المال فأقل لم تبع عليهم.
قال ابن عبدوس: قال سحنون: لمالك فيها تفسير لم يقع عليه أشهب، وكانت تعجب سحنون، ويراها أصلاً حسناً وهي للمغيرة.
قال سحنون: قال مالك: يبدأ بالورثة، فيقال لهم: إن قضيتم الدين فلكم الشفعة؛ لأن الميراث بعد الدين، فإن أبوا وبيع ميراث الميت للدين فلا شفعة لهم؛ لأن الشقص الذي يستشفع به قد بيع ولم يملكوه في حال ولا حلوا محل الميت لتبرئتهم من تركته.
قال المغيرة: ولا شفعة أيضا للغرماء؛ لأنهم لا يملكون الشقص الذي به الشفعة.
[فصل 2 - حكم التنازل عن الشفعة على مال يأخذه]
ومن المدونة قال مالك: وإذا سلم الشفيع الشفعة بعد الشراء على مال أخذه جاز، وإن كان قبل الشراء بطل ورد المال وكان على شفعته.
قال مالك: ومن وجبت له شفعة فأتاه جنبي فقال له: خذها بشفتك ولك مائة دينار أربحك فيها، لم يجز ويرد ذلك إن وقع، ولا يجوز له أن يأخذ شفعته لغيره.
[فصل 3 - حكم بيع الشقص قبل أخذه بالشفعة]
قال مالك: ولا يجوز بيعه للشقص قبل أخذه إياه بشفعته؛ لأنه من بيع ما ليس عنده، وهذا بخلاف تسليمها للمشتري على مال يأخذه منه فذلك جائز؛ لأنه لم يبع
منه شقصا إنما باع منه حقا وجب له.
[فصل 4 - التوكيل في بيع الشقص وشرائه]
قال مالك: ومن وكل رجلا يبيع له شقصا أو يشتريه والوكيل شفيعه ففعل لم يقطع ذلك شفعته.
[قال] ابن المواز: قال أشهب: لأن الشفعة إنما وجبت للوكيل بعد أن باع أو بعد أن اشترى.
[فصل 5 - حكم التداعي في لبدور]
ومن المدونة قال مالك: وإذا كانت دار بيد أحد رجلين فأقام كل واحد منهما بينة أنه ابتاعها من الآخر، قضيت بأعدلهما، فإن تكافأتا بقيت الدار لمن هي بيده.
[قال] ابن المواز: وإن تداعى رجلان شقصا كل واحد يدعي أنه اشتراه من الآخر وهو بيد غيرهما، وأقام كل واحد منهما بينة وكانت شهادتهما في مجلس واحد أو مجلسين ولم يؤرخا وتكافأتا في العدالة سقطتا، وكان الشقص لمن يقر له به
الذي هو بيده، وللشفيع عليه الشفعة، وإن قال الذي هو بيده: لا أدري لمن هو منهما، قسم بينهما وبين أيمانهما، ويأخذ الشفيع من كل واحد منهما النصف بما أقر أنه اشتراه به، فإن نكلا لم يكن لهما من الشقص شيء ولا شفعة فيه، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، فهو لمن حلف ويؤخذ منه بالشفعة، ولو كان بيد أحدهما فهو لمن هو بيده مع يمينه، فإن نكل حلف الآخر وكان الشقص له ويأخذه الشفيع ممن قضي له به، وإن كانت إحداهما أعدل من الأخرى ولم يؤرخا قضي بأعدلهما.
قال أشهب: وإن أرخت إحداهما ولم تؤرخ الأخرى قضي بالتي أرخت، وإن أرختا جميعا قضي بآخرهما تأريخا، ويأخذ الشفيع بأي الثمنين شاء ويكتب عهدته على من شاء أن يأخذ منه، فإن أخذ من الآخر لم يرجع واحد منهما على صاحبه، وإن أخذ من الذي لم يقض له به دفع إلى المقضي له به ما ذكر أنه اشتراه به ودفع فضل ذلك إلى الآخر.
[فصل 6 - الكفالة في بيع الشقص]
ومن الشفعة: ومن ابتاع داراً وأخذ من البائع كفيلا بما أدركه من درك فبنى في الدار ثم استحقت، لم يلزم الكفيل في قيمة البناء شيء، ولكن يقال للمستحق: ادفع
إلى المبتاع قيمة ما بنى، أو خذ قيمة البناء دارك، فإن دفع ذلك وأخذ الدار رجع المبتاع بالثمن على البائع، فإن كان غائبا أو عديما رجع به على الحميل.
[الباب السابع عشر]
في ثمن الشقص يموت أو يرد بعيب أو يستحق قبل أخذ الشفيع أو بعده واختلاف الشفيع والمبتاع في قيمته واستحقاق الشقص أو رده بعيب والرجلين يعي كل واحد أنه باع أو اشترى من الآخر
[فصل 1 - في ثمن الشقص يموت أو يرد بعيب]
قال مالك ومن ابتاع شقصاً من دار بعبد بعينه فمات العبد بيده فمصيبته من بائع الشقص، وللشفيع الأخذ بقيمة العبد وعهدته على المبتاع؛ لأن الشفعة وجبت له بعقد البيع.
قال: فإن أخذ الشفيع بقيمة العبد ثم وجد بائع الشقص بالعبد عيبا، فله رده ويأخذ من المبتاع قيمة الشقص وقد مضى الشقص للشفيع بشفعته، بخلاف البيع الفاسد الذي تبطل فيه الشفعة؛ لأن البيع فسد لعينه، والعيب لو رضيه البائع لتم، وإن استحق العبد قبل قيام الشفيع بطل البيع ولا شفعة في ذلك، وإن استحق بعد أخذ الشفيع فقد مضت الدار للشفيع، ويرجع بائع الشقص على مبتاعه بقيمة الشقص
كاملا كان أكثر مما أخذ فيه من قيمته الشفيع أو أقل، ثم لا تراجع بينه وبين الشفيع؛ إذ الشفعة كبيع ثان.
[قال] ابن المواز: وقاله ابن القاسم وأشهب وأصبغ، وهو أحب ما في ذلك إلي.
[قال] ابن المواز: وقال عبد الملك: ينتقض ما بين الشفيع والمشتري كما انتقض ما بين البائع والمشتري، ثم إن شاء الشفيع أن يأخذ بما حصل بيد البائع مما تراجعا إليه، وإن شاء ترك إن كان قيمة الشقص أكثر أخذ بها إن شاء، وإن كانت قيمته أقل رجع الشفيع بما بقي.
وكذلك عن عبد الملك وسحنون في المجموعة.
م: بيان ذلك إن كان قيمة العبد خمسين فأخذ بها الشفيع، فلما استحق العبد رجع بائع الشقص بقيمة شقصه فكانت ستين، فلا تراجع بينهم عند ابن القاسم؛ لأن أخذ الشفيع تفويت، وكذلك لو كانت قيمة الشقص أربعين.
وعبد الملك يرى: إن كانت قيمة الشقص ستين، فالشفيع مخير إن شاء أدى عشرة تمام قيمة الشقص وإن شاء رد الشقص، وإن كانت قيمة الشقص أربعين استرجع عشرة؛ لأنه كشف الغيب أن قيمته هي ثمنه فيها يجب أن يأخذ الشيع.
[فصل 2 - حكم من ابتاع شقصا بحنطة بعينها]
ومن المدونة قال مالك: من ابتاع شقصا بحنطة بعينها فاستحقت الحنطة قبل أخذ الشفيع، فسخ البيع ولا شفعة في ذلك.
وكذلك إن ابتاع الحنطة بثمن فاستحقت، بطل البيع ورجع على البائع بالثمن، وليس على البائع أن يأتي بمثلها.
قال في رواية الدباغ: وإن كان الاستحقاق بعد أخذ الشفيع مضى ذلك ورجع بائع الشقص على المبتاع بمثل الحنطة.
قال ابن المواز: وهذا غلط بل يرجع بائع الشقص على المبتاع بقيمة الشقص، وقاله سحنون.
[فصل 3 - فيمن ابتاع أرضا بعبد فاستحق النصف]
ومن المدونة: وقال ابن القاسم في باب بعد هذا: ومن ابتاع أرضا بعبد فاستحق نصف الأرض قبل تغير سوق العبد فله رد بقية الأرض وأخذ عبده، فإن شاء المستحق أن يأخذ بقيتها بالشفعة بنصف قيمة العبد فذلك له وعهدته على المبتاع.
يريد: ويرجع المبتاع على البائع بنصف قيمة عبده لضرر الشركة، في قول ابن القاسم، وفي أحد قولي أشهب: يرجع في العبد نفسه.
[فصل 4 - التدليس وأثره في الشفعة]
م: وقال ابن القاسم في العتبية: وإذا ابتاع دار ثم ردها بعيب دلس له به البائع، ثم استحق رجل نصفها بعد أن ردها، فالشفعة له من حساب جميع الثمن.
م: جعل الرد بالعيب كبيع مبتدأ.
وقال أشهب في المجموعة: ومن ابتاع شقصا فوجد به عيبا فأراد رده وطلب الشفيع وأخذه ورضي بعيبه، فللمبتاع رده ولا شفعة للشفيع، وقاله سحنون في
العتبية وفي استحقاق أكثر ما اشترى فهو المقدم في الخيار، فإن اختار التماسك فللشفيع الشفعة.
[فصل 5 - في اختلاف المبتاع والشفيع في القيمة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن ابتاع شقصا من دار بعرض، فاختلف المبتاع من الشفيع في قيمته وقد فات بيد البائع أو لم يفت، فإنما ينظر إلى قيمته يوم الصفقة لا اليوم، فإن كان مستهلكا صدق المبتاع في قيمته مع يمينه، فإن جاء بما لا يشبه صدق الشفيع فيما يشبه، فإن جاء بما لا يشبه وصفه المبتاع وحلف على صفته وأخذ الشفيع بقيمة تلك الصفقة يوم الصفقة أو ترك، فإن نكل المبتاع حلف الشفيع على ما يصف هو وأخذ بقيمة صفته.
قال ابن المواز: إذا هلك العرض وهو ثمن، فأتيا جميعا بما لا يشبه، قيل للمبتاع: احلف ولك أقصى ما لا يتبين فيه كذبك، فإن أبى حلف الشفيع وكان عليه أدنى ما لا يظهر فيه كذبه، فإن نكل نظر، فإن ادعى أنه حضر أو علم الثمن ونكل لم يأخذه إلا بأكثر مما لا يتبين فيه كذب المبتاع، فإن لم يدع العلم فليس
بناكل والمبتاع ناكل، فيكون للشفيع بأقل مما ادعى مما لا يعرف فيه كذبه بعد أن يحلف أنه ما يعلم ما ادعى المشتري.
قال ابن المواز: فإن حلف فأحب إلي أن يحبس المشتري حتى يحلف، وإن ادعى الشفيع العلم ونكل فلا شفعة له.
وروى أشهب وابن وهب عن مالك: أنه إذا هلك العرض فزعم المشتري أن قيمته ألف، وقال البائع أقل، فليحلف المشتري على ما قال، ثم إن شاء الشفيع أخذ بذلك وإلا ترك أن تقوم بينة بخلاف ذلك.
وقال عبد الملك: إذا أبى المشتري أن يحلف، فقد مضت من أصحابنا في هذه قضية، وهي صواب: أن الشفيع يقبض الشقص إن شاء، ويقال للمشتري: متى أثبت حقك بشهادة أو حلفت فلك القيمة من يوم سلمته إلى البائع، وإن قال الشفيع: لا أقبضه لأني لا أدري لعله يكثر فلا بد حينئذ من أن يحلف المشتري على ما يعلمه أو يسجن.