الجامع لمسائل المدونةصفحات 443-476

كتاب السلم الثالث

صفحات 443-476

كان له أخذها، وإن أخذ فيها لحماً فقد أخذه من شاته المذبوحة وهي بجلدها، فيدخله التفاضل بين اللحم.
[فصل 3 - في بيع لحم الأنعام بالخيل وسائر الدواب] ومن المدونة: قال مالك ولا بأس بلحم الأنعام بالخيل وسائر الدواب نقداً أو مؤجلاً؛ لأنها لا تؤكل لحومها.
قال ابن القاسم: وأما لحوم الأنعام بالهر والضبع والثعلب فمكروه لاختلاف الصحابة في أكلها، ومالك يكره أكلها من غير تحريم، قال ولا بأس بالجراد بالطير، وليس هو لحم، ويجوز واحد من الجراد باثنين من الحوت يداً بيد.
وأجاز أشهب التفاضل فيه، وجعله كحكم الخضر لا حكم المدخرات من الأطعمة.
فصل [4 - في بيع اللبن وما يشتق منه بالشاة اللبون وكذلك إذا كان مع اللبن عرض أو دراهم هل يباع الشاة اللبون والدجاج بالبيض وغيرها؟] قال مالك: ولا بأس بشاة لبون بلبن أو بسمن أو بزبد أو بجبن أو بحالوم يداً بيد، ولا ينبغي إلا أجلن أيهما عجلت.

هذا معنى ما في المدونة.
وكذلك في العتبية قال ابن القاسم: عن مالك لا خير في الشاة اللبون باللبن إلى أجل أيهما عجل أو أخر صاحبه.
وقال سحنون: الذي عرفناه وقاله [لي] ابن القاسم غير مرة اللبن بالشاة اللبون إلى أجل لا بأس به وهو عندي أحسن.
م يريد لأنه يسلم من بيع الشيء بما يخرج منه، إذ لا يخرج من اللبن إلى أجل شاة.
قال سحنون: وأما الشاة اللبون باللبن إلى أجل فلم يختلف فيه قوله أنه حرام لا يجوز وقاله أصبغ.
ووجه حرامه؛ أن قبض الشاة واللبن الذي يحلبه منها في كل يوم على أن يدفع لبناً مؤجلاً فهو شاة ولبن بلبن إلى أجل، وإذا كان بيعها باللبن يداً بيد فهو إنما دفع لبناً في شاة فلا يراعى ما في ضروعها.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو كان مع اللبن المعجل أو السمن أو الجبن عرض أو دراهم لم يجز إلا أن يكون يداً بيد.

قال مالك: ولا بأس بشاة لا لبن فيها بلبن أو سمن إلى أجل وإن كان يمكن أن يكون في الشاة لبن إلى ذلك الأجل.
م والفرق بين هذه وبين الشاة واللبون باللبن إلى أجل أن الشاة اللبون اللبن فيها يتحقق بحلبه في يومه أو غده، فيدخله اللبن باللبن إلى أجل، وهذه لا لبن فيها اليوم، وقد يمكن أن لا يكون لها لبن إلى ذلك الأجل، فلا يمنع بيعاً جائزاً لأمر يكون أو لا يكون، وهذا أصلهم.
قال في المستخرجة: وكذلك الدجاجة البياضة لا بأس بها بالبيض يداً بيد، فلا يجوز إلى أجل، وإن لم تكن بياضة، فلا بأس بها بالبيض إلى أجل، وإن كانت تبيض قبل الأجل.
وروى عنه أبو زيد في جامع العيوب أنه لا بأس بالدجاجة البياضة بالبيض إلى أجل، وكذلك روى البرقي عن أشهب في كتاب محمد أنه أجاز شاة حلوباً بلبن إلى أجل، قال: ولا يصلح لبن معجل بشاة مؤجلة.

م ووجه هذا فلأنه إنما دفع شاة وأخذ لبناً فلا يراعى ما في ضروعها كما جوزوه يداً بيد، ولو راعوا ذلك لدخله في يد بيد التفاضل في اللبن وذلك لا يجوز.
ووجه قوله أنه لا يصلح لبن معجل في شاة لبون إلى أجل فلأنه دفع لبناً، فقبض فيه شاة يحلب منها في يومه وغده لبناً، فقد باع لبناً بشاة ولبن إلى أجل، وكما لو دفع إليه مع الشاة لبناً فيدخله التفاضل في اللبن والطعام بالطعام إلى أجل.
م وما تقدم أصوب.
قال ابن أبي زمنين: رأيت كثيراً من أهل العلم قالوا: إنما جاز بيع النخل التي لا تمر فيها بالتمر إلى أجل، يكون للنخل فيه تمر قبله، والدجاجة غير البياضة بالبيض إلى أجل، يكون للدجاجة قبله بيض، والشاة غير اللبون باللبن إلى أجل، يكون للشاة قبله لبن؛ لأن هذا لا تقع فيه المزابنة في المبيع نفسه كما يقع في الكتاب بثوب كتان إلى أجل يعمل فيه من ذلك الكتان ثوب وفي الشعير وبالقصيل إلى أجل بعيد يمكن أن يكون منه قصيل.
قال: وهذا الذي قاله من جيد العلم فافهمه.

م كأنه يريد أن النخل المعجل والدجاجة والشاة ليس هي نفس ما يخرج منها؛ لأن ذلك غيرها منه لذهاب عينه فيه، إلا ترى أن لو عجل الثوب في الكتان لجاز، إذ لا يخرج منه كتان، وليس هو بعض ذلك الثوب، وكذلك القصيل المعجل ليس هو نفس الشعير الذي يعطيه والله أعلم.
[فصل 5 - في بيع الشاة اللبون بالطعام وبيع الصوف بشاة موصوفة] ومن المدونة: قال مالك رحمه الله: وأما شاة لبون بطعام إلا أجل فجائز؛ لأنه لا يخرج ذلك منها.
قال: ويجوز شراء شاة عليها جزة صوف كاملة بجزة صوف.
م يريد نقداً ولا يجوز إلا أجل كشاة لبون بلبن إلى أجل.
قال في المستخرجة: فإن لم يكن للشاة صوف فباعها بصوف إلى أجل، فإن كان أجلاً قريباً لا يكون للشاة فيه صوف فلا بأس به، وإن كان أجلاً يكون لها فيه صوف فلا خير فيه.
قال: وكذلك لا يصلح للرجل أن يبيع نخلاً بثمر إلى أجل يثمر النخل فيه.
وأجاز في كراء الدور من المدونة بيع النخل بثمر إلى أجل يثمر النخل إليه كشاة لا لبن فيها بلبن إلى أجل يصير للشاة فيه لبن.

م والفرق عندي على ما في المستخرجة بين الشاة بالصوف والنخل بالتمر وبين الشاة باللبن والدجاجة بالبيض، أن الشاة بالصوف لابد أن يكون للشاة إن حييت صوف إلى ذلك الأجل، لأنه نبات، وكذلك النخلة لا بد أن يكون فيها ثمرة، والشاة باللبن والدجاجة بالبيض قد يخلف ذلك فيهما وليس أمنه كأمن الصوف، والثمرة والصوف آمن.
[فصل 6 - في بيع زريعة البطيخ والقصيل والتبن والقرط والشعير والبرسيم] قال في المستخرجة: ولا خير في زريعة البطيخ بالبطيخ إلى أجل يكون فيه من الزريعة بطيخ، ولا بالبطيخ بزريعته إلى أجل أيهما عجلت لم يجز.
م يريد لأن في البطيخ زريعة يكون منها البطيخ إلى ذلك الأجل.
قال مالك: وأما الكرات بزريعته إلى أجل فلا بأس به.
-يريد لأنه ليس فيه زريعة- ولا خير في زريعة الكرات نقداً بالكرات إلى أجل ولا بأس بذلك كله يداً بيد.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا بأس بالقصيل والتبن بالشعير نقداً، والقرط الأخضر واليابس بزريعته نقداً، ويجوز قصيل يقصله نقداً بشعير إلى أجل، ولا خير في شعير نقداً بقصيل إلى أجل إلا أن أجل لا يصير الشعير فيه قصيلاً ويكون مضموناً بصفته حزماً أو أحمالاً لا فدادين.

قال: وإن بعت حب قضب أو غيره إلى أجل فلا تقبض في ثمنه شيئاً مما ينبت ذلك الحب، وهذا إذا تأخر إلى أجل بنيت من ذلك الحب قضب، ولو كان شراؤه نقداً أو إلى أجل قريب لا ينبت فيه من الحب قضب جاز، وكذلك كتان بثوب كتان، أو صوف بثوب صوف أو نحاس بتور نحاس لا بأس بذلك كله نقداً ولا يجوز إلى أجل يعمل فيه من الكتان والصوف ثوب.

[الباب الثامن]

جامع ما يجوز من بيع الطعام بالطعام متساوياً أو متفاضلاً

[الفصل 1 - في ذكر الأجناس الربوية وعلة الربا فيه] قال النبي -صلى الله عليه وسلم- «البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح رباً إلا هاء وهاء مثلاً بمثل فمن زاد أو استزاد فقد أربا».
فلم يذكر في الحديث إلا المدخرات، ولما ذكر أعلى الأقوات هو البر، وأدنى المؤتدمات وهو الملح، ألحق العلماء بذلك ما لم يسم من قوت أو إدام مما يشبهها في تحريم التفاضل في الجنس الواحد من المدخرات بما سمى، وكان أظهر العلل في المسميات أنها اقوات مدخرات، وقد نهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- المصدق أن يبادل الجمع من التمر بالجنيب متفاضلاً، فلما لم يجز ذلك في الجنسين منه وهما اسمان إلا أنهما في الخلقة والنفع مشتبهان، كان كذلك ما أشبهه من الطعام، وليس إفراد الشعير بالذكر مما يمنع أن يكون له حكم البر لما ذكرنا، وقد قال الله عز وجل ﴿مِنَ الضَّانِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: 143]، وقد جمع المسلمون بينهما في الزكاة، وما روى في حديث عبادة «بيعوا القمح بالشعير كيف شئتم» قيل أنه فتياً من لفظ من نقل الحديث، وكذلك روي ملخصاً،

وهذا السلت منفرد باسم، وقد حكم له بحكم الشعير من خالفنا، وكذلك العلس بالبر وقد حكم له بكحكم البر.
قال عبد الوهاب التحريم عندنا يتعلق بمعاني هذه المسميات دون أعيانها، خلافاً لداود ونفاة القياس في قصرهم ذلك عليها دون غيرها من الأرز الذرة والدخن والزبيب وغير ذلك، ودليلنا قوله عز وجل ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:275]، والربا الزيادة فيا للغة، ونهيه -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمقل وقوله «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد» وقوله «لا تبيعوا الذهب بالذهب -إلى أن قال- حتى الملح».

فجعل الملح غاية لما ابتدأ به، وقد ذكر البر، فدل على أن ما بينهما في حكمهما فإذا ثبت أن هذه المسميات معللة وأن التحريم متعلق بمعانيها، فالعلة عندنا أنها مأكورة مدخرة للعيش غالباً.
وقال أبو حنيفة العلة الكيل والوزن مع الجنس.
وقال الشافعي العلة كونه مطعوماً جنساً.
ودليلناً نصه -صلى الله عليه وسلم- على البر وما ذكر معه ليفيد معنى لا يعلم مع عدمه، فلو أراد مجرد الأكل على ما يقوله الشافعي لاكتفى بالأكل دون النص على كل واحد منهما، إذ الأكل يجمعها، وكذلك لو أراد الكيل لكان يكتفي أن ينص على واحد منهما إذ الكيل متساوٍ في جميعها.
وعلى قولنا لا يخلو نصه على كل واحد منها من فائدة، فنصه على البر ليفيد كل مقتات تعم الحاجة إليه، وتقوم الأبدان بتناوله، ونصه على الشعير ليبين مشاركته البر في ذلك وأنه يكون قوتاً في حال الاضطرار

إليه، فنبه به على الذرة والدخن وغيرهما، ونصه على التمر لينبه به على كل حلاوة مدخرة غالباً كالعسل والزبيب والسكر وما في معناه، ونصه على الملح تنبيه على أن ما أصلح المقتات من المأكولات في حكمها كالأبازير وما في معناها، فبان صحة ما اخترناه، ولأن التفاضل يحرم عندنا في قليل المنصوص عليه وكثيره، وعند أبي حنيفة لا يحرم إلا فيما يتأتى كيله فيجوز عندهم الكف من الحنطة بالكفين والعموم يمنعه، لأن كل جنس حرم التفاضل في كثيره حرم في قليله كالذهب والفضة، ولأن علتهم فاسدة؛ لأنها ترفع الأصل الذي انتزعت منه وهو عموم الخبز في منع التفاضل، والعلة إذا عادت لمخالفة أصلها وجب فسادها.
[الفصل 2 - في عد القمح والشعير والسلت جنساً واحداً وأحكام التفاضل في الدقيق والخبر] ومن المدونة قال مالك: والقمح والشعير والسلت هذه الثلاثة هي نوع واحد.

[قال] ابن المواز: قال ذلك العلماء وعمل به الصحابة منهم سعد ابن أبي وقاص وابن معيقيب الدوسي وعبد الرحمن بن الأسود.
قال ابن حبيب: ويجمع مع البر والشعير والسلت العلس وهي صنف واحد في الزكاة، وفي تحريم التفاضل في بيع بعضها ببعض أو دقيق أحدهما بالآخر أو بدقيقه، ولا يجوز فيها جزاف بجزاف ولا جزاف بمكيل، وخبز جميعها صنف واحد لا يجوز مثلاً بمثل إلا تحريراً لا وزناً.
قال ابن المواز: يتحرى دقيق ذلك، وكذلك رطب الخبز بيابسة، يتحرى دقيقهما.
قال أشهب: والأرز والذرة والدخن أصناف حبه ودقيقه، فإذا صار

خبزاً تقاربت منافعه وحرم فيه التفاضل، وكذلك خبز قمح أو شعير أو سلت بخبز أرز أو ذرة أو دخن لا تفاضل فيه، فأما خبز شيء من ذلك بخبز شيء من القطنية، فذلك صنفان يجوز متفاضلاً، وخبز القطنية كلها صنف لا يجوز فيها التفاضل لتقارب المنافع.
[قال] ابن المواز: وهذا أحب إلينا من قول ابن القاسم الذي جعل خبز القطنية ودقيقها مختلفاً مثل حبها، قال: إلا البسيلة والجلبان فهما صنف.
وكذلك اللوبيا والحمص.
قال: وسويق القطنية كلها صنف لا يجوز التفاضل بين سويق عدس وسويق حمص أو فول لتقارب منافعه.
م وكل خبز أصله مختلف فلم يجز فيه التفاضل، فانظر فإن كان الأصل يجوز فيه التفاضل كخبز قمح وخبز أرز، فإنما يراعى فيه وزن الخبزين لا تماثل الدقيقين، وإن كان الأصل لا يجوز فيه التفاضل كخبز قمح وخبز شعير، فإنما يراعى تماصل الدقيقين وكذلك خبز القطنية على القول الذي جعلها أصنافاً يراعى تماثل الخبزين، وعلى القول الذي جعلها صنفاً واحداً يراعى تماثل الدقيقين، قاله بعض فقهائنا وهو حسن.

قال: ولا يجوز أن يباع خبز لا يجوز في أصله التفاضل بمثله وزناً بوزن، وخفف ذلك لأهل البيوت يستقرضون الخبز بالوزن؛ لأن ذلك باب معروف، وتقع فيه الضرورة، وتحري الدقيق يصعب.
قال محمد: ومن سأل رجلاً أن يبدل له طعاماً بأجود منه يداً بيد، فإن كان على المعروف ليس بشرط لازم كالبيع إذا قال نعم لزمه، لكن إذا شاء تم ذلك وإن شاء رد ما أخذ، فذلك جائز إذا كان مثل الكيل [سواء] وكان يداً بيد.
م جعلوا ذلك بخلاف العروض والبيع في الإيجاب لئلا يشبه البيع في الإيجاب، فيحرم والله أعلم.
[فصل 3 - في بيع اللبن بعضه ببعض وبيعه بالسمن والسمن بالزبد وغير ذلك] ومن المدونة: قال مالك رحمه الله: ولبن الإبل والبقر والغنم صنف واحد لا يجوز فيه التفاضل ولا يجوز إلا مثلاً بمثل يداً بيد، كلحومها.
قال: ويجوز بيع لبن الغنم الحليب وفيه زبدة بلبن مضروب قد أخرج زبدة أو بلبن اللقاح، لأنه لا زبد فيه مثلاً بمثل كما جاز بيعه دقيق بقمح مثلاً بمثل، وللقمح ريع بعد طحنه، ولا يجوز التفاضل في شيء منذ ذلك.
قال: ويجوز السمن بلبن قد أخرج زبده، وأما بلبن فيه زبدة فلا يجوز، إذا لا يجوز الزبد بالسمن لا متساوياً ولا متفاضلاً لما فيه من المزابنة وهو

كالرطب بالتمر، لأن الزبد ينقص إذا ذوب، كما ينقص الرطب إذا يبس، فإن قيل فلم لا يكون كالقمح بالدقيق يجوز مثلاً بمثل؟ قيل ليس في القمح بالدقيق رطب إذا يبس نقص، وإنما للقمح ريع إذا طحن، كما أن ريعه أكثر من ريع الشعير إذا طحن، وقد أجاز الصحابة القمح بالشعير مثلاً بمثل فالدقيق بالقمح مثله.
قال: أو إسحاق: وأما الجبن بالمضروب ففيه اختلاف، فمن أجازه فعنده أنه لا يمكن أن يخرج من المضروب جبن بحال، ومن كرهه أمكن أن يخرج منه الإقط عنده، والجبن بالإقط لا يجوز التفاضل فيه.
قال مالك: ولا خير في زيت زيتون [كان] مما يخرج منه الزيت أم لا.
م لأنه لا بد أن يكون فيه زيت، فيدخله التفاضل.
قال مالك: وكذلك لا خير في الجلجلان بزيته، ولا في العصير بالعنب ولا في النبيذ بالتمر، ولا خير في رُب القصب بالقصب الحلو، ولا خير في

رب التمر بالتمر ولا في البسر بالتمر إلا أن يدخل ذلك إبزار وما أشبهه، كاللحم المطبوخ إذا دخله الإبزار، فيصير صنعة تبيح التفاضل فيه، وصنعة رب التمر أن يطبخ فيخرج ربه فهو إذا منعقد.
وأجاز البان بحب البان لما يدخله من الصنعة.
قال في كتاب محمد: لا يجوز القصب الحلو بعسله ولا يرب عسله، ولا عسله برب عسله إلا أن يدخل ربه إبزار، فيصير صنعة تبيح التفاضل فيه.
[فصل 4 - في الخل بالخل والسويق بالدقيق والحنطة والخبر بالحنطة وغيرها] ومن المدونة: قال ولا يجوز خل بخل العنب إلا مثلاً بمثل، وكذلك نبيذهما، ولا يجوز متفاضلاً لاتفاق المنافع في ذلك، بخلاف زيت الزيتون وزيت الفجل وزيت الجلجلان لاختلاف نفعهما، قال: وأما التمر والعنب يخلهما بجائز لطول أمر الخل والحاجة إليه.

[قال] ابن المواز: قال أشهب عن مالك وخل التمر بنبيذه أبعد شأناً من الخبز بالحنطة.
قال ابن القاسم في العتبية: ولا يصلح خل التمر بنبيذه متفاضلاً لتقارب منافعه، ولا خل التمر بنبيذ الزبيب متفاضلاً.
وفي كتاب أبي الفرج أن نبيذ التمر ونبيذ الزبيب صنفان.
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بالسويق بالدقيق أو بالحنطة متفاضلاً للصنعة في ذلك، وكذلك سويق السلت والشعير لا بأس به بالحنطة متفاضلاً.
اقال في كتاب محمد: ولا تصلح الحريرة بالسويق إلا مثلاً بمثل.
قال الأبهري: الحريرة جليل السويق.
قال أبو إسحاق: وأما السويق بالخبز فلم أر فيه رواية وينبغي أن يكون التفاضل فيه جائزاً لاختلاف منافعه.

ومن المدونة: ولا بأس بالخبز بالعجين أو بالدقيق أو بالحنطة متفاضلاً؛ لأن الخبز قد غيرته الصنعة.
قال ابن القاسم: فأما عجين بحنطة أو بدقيق فلا خير فيه؛ لأن الصنعة لم تغيره.
قال ابن المواز: يريد متفاضلاً، وأما على التحري فجائز وقاله كله مالك.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ويجوز القمح بدقيقه أو بدقيق شعير أو سلت مثلاً بمثل، ولا يجوز التفاضل في أحدهما بدقيق الآخر.
قال أبو إسحاق: غير أنه لا يقتضي من سلم للاختلاف فيه.
م وقد رأيت في المستخرجة جواز اقتضائه من سلم عن ابن القاسم من رواية عيسى.
قال: ومن له عليك مئة إردب من قمح من بيع فأخذ تسعين قمحاً وعشرة شعيراً أو دقيقاً، فإن حل الأجل لذلك جائز.
قال مالك في كتاب محمد: ذلك جائز متساوياً، وإن كان للحنطة ريع، وهذه السمراء أكثر دقيقاً من البيض، وهي بها مثلاً بمثل جائزة.
قال ابن المواز: وعبد العزيز بن أبي سلمة يرى أن طحينة صنعة تبيح التفاضل فيهما.
وقال مكحول: لا يجوز الدقيق بالقمح على حال.
وقال ابن الماجشون في

الواضحة: وإنما أجازه مالك فيما قال فيما بين الجيران والرفقاء، فأما ما كثر مما يدخله التكايس وتدعو إليه الرغبة في المعاملة فكرهه ونهى عنه، لما فيه من الريع إذا طحن.
[فصل 5 - في مقلو الحنطة بيابسها ومبلولها بيابسها] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ويجوز مقلو الحنطة بيابسها ومبلولها بدقيقها متفاضلاً، وقد غمزه مالك حتى يطحن المقلو، فيجوز مقلو الأرز بيابسه ومبلوله مثلاً بمثل ومفاضلاً.
قال مالك: ولا يجوز فريك الحنطة الرطبة بالحنطة اليابسة للنهي عن الرطب باليابس لما يدخله من المزابنة قال: ولا يجوز الحنطة المبلولة للنهي عن الرطب باليابس لما يدخله من المزابنة قال: ولا يجوز الحنطة المبلولة بالحنطة اليابسة أو المبلولة ولا بالشعير ولا بالسلت، ولا متفاضلاً ولا متساوياً.
قال: ويجوز مبلول حنطة أو شعير أو سلت بجميع يابس القطاني أو بارز أو دخن أو سمسم، ما خلا الحنطة والشعير والسلت متساوياً متفاضلاً، ويجوز مبلول الأرز بغيره من سائر القطاني والحبوب متفاضلاً يداً بيد، ولا يجوز الأرز المبلول بالأرز المبلول أو اليابس، فأما المبلول من القطنية بيابس من صنف منها فجائز على أول قول مالك فيها أنها أصناف مختلفة في البيع يجوز التفاضل فيها.
وبه أخذ ابن القاسم ولا يجوز ذلك في قول مالك الآخر الذي رجع إليه فجعلها صنفاً واحداً وكره التفاضل فيها.

[قال] ابن المواز: والذي ثبت عليه مالك وقاله أصحابه أن القطاني أصناف يجوز بيع أحدها بصاحبه متفاضلاً إلا اللوبيا والحمص فإنهما صنف وكذلك البسيلة مع الجلبان صنف، لا يصلح التفاضل بينهما.
قلت: ولم أنت تجمع بين القطنية كلها في الزكاة؟ قال: كما جمعت الذهب والورث في الزكاة وهما مفترقان في البيع.
[فصل 6 - في مبلول العدس بيابسة] ومن المدونة: ولا يجوز مبلول العدس بيابسه أو مبلوله كالحنطة؛ لأن البلل يختلف، ويكون بعضه أشد انتفاخاً من بعض.
م وإنما منع من المبلول بالمبلول وأجاز العفن بالعفن إذا تساويا؛ لأن المبلول إذا جف اختلف إذ قد يكون بعضه أشد انتفاخاً من بعض، والعفن إذا تساوى في عفنه لم يختلف بعد ذلك كما يختلف في المبلول.

[فصل 7 - في بيع اللحم الطري باليابس والني بالمطبوخ والمشوي والقديد والصير بلحم الحيتان] [ومن المدونة]: ولا خير في اللحم الني الغريض بقديد يابس أو مشوي، لا متساوياً ولا متفاضلاً وإن تحرى إذ لا يحاط بتحريه.
قال ابن القاسم: وإلى هذا رجع مالك، وهو أحب قوليه إلى بعد أن كان أجازه -يعني تحرياً- ثم رجع عنه.
ولا يجوز لحم طري بلحم مالح أو بممقور أو بمنكسوذ -وهو لحم مالح- ولا طري السمك بمالحها لا متساوياً ولا متفاضلاً ولا يتحرى.
إذ لا يستطاع ذلك، ولا خير في يابس القديد بمشوي اللحم وإن تحرى لاختلاف التيبيس فيه، ولا بأس بلحم مطبوخ بقديد يبسته الشمس أو بلحم غريض أو بمشوي على النار بلا صنعة متساوياً ومتفاضلاً، وأما المشوي في المقلا مع خل وزيت

وتابل وربما كانت له مرقة فله حكم المطبوخ، فلا يباع بمطبوخ يريد متفاضلاً -ولا بأس به متساوياً وتحرياً- ولا بأس به بالنيء على كل حال.
م حكي لنا عن أبي محمد أنه قال في المطبوخ بالمطبوخ يتحرى اللحمان وما معهما من المرق، لأن المرق من اللحم، قال: وكذلك الهريسة بالهريسة.
وقال غيره: إنما يتحرى اللحم خاصة حيث كان نيئاً ولا يلتفت إليه بعد ذلك ولا إلى ما معه من المرق، وكما يتحرى في الخبز بالخبز ما دخل في ذلك من الدقيق، ولا يراعى أعيان الخبز.
م قال بعض أصحابنا: ولم يذكروا هل يراعى اللحمان هل هي مما يجوز التفاضل فيه أم لا؟ قال والذي يظهر لي أن ذلك لا يراعى؛ لأنه صار مطبوخاً كله لتقارب منفعته، فهو كصنف واحد، يدل على ذلك قولهم أنه لا يجوز التفاضل في خبز الأرز بخبز القمح، لأنه خبز كله، وإن كان أصله يجوز فيه التفاضل.
م وظاهر قولهم خلاف هذا، لا سيما في قول من قال يتحرى اللحمان، ويلزم على هذا أن لا يجوز حوت مشوي بلحم مشوي إلا مثلاً بمثل، ولا يجوز حوت مسلوق بلحم مسلوق إلا مثلاً بمثل، وكذلك المملحين، وهذا عندي بين أنه يجوز فيه التفاضل لأنهما صنفان، فكذلك إذا كانا مطبوخين، والخبز بخلاف ذلك؛ لأنه جمعة الاسم وتقاربت المنفعة، وهذا مختلف منافعه والله أعلم.

ومن المدونة قال: والمطبوخ كله صنف وإن اختلفت صفة طبخه كقليه بعسل وآخر بخل أو لبن فلا يجوز فيه التفاضل.
ولا خير في شاة مذبوحة بشاة مذبوحة إلا مثلاً بمثل تحرياً إن قدر على تحريمها في جلودهما قبل السلخ قال ابن أبي زمنين: وينبغي على أصولهم أن لا يجوز حتى يستثنى كل واحد منهما جلد شاته وإلا فهو لحم وسلعة بلحم وسلعة وهذا أيضاً إذا كان في موضع يجوز فيه استثناء الجلد.
ومن المدونة: قال وما أضيف إلى اللحم من شحم وكبد وكرش وقلب ورثة وطحال وكلى وخصاء وكراع ورأس وشبهه، فله حكم اللحم فيما ذكرنا، ولا يجوز باللحم ولا بعضه ببعض إلا مثلاً بمثل، ولا بأس بأكل الطحال، ولا يجوز رأس برأسين إلا أن يكون رأس كبير يساويه في التحري والوزن رأسان صغيران فيجوز، ولا خير في الصير بلحم الحيتان متفاضلاً، ولا صغار الحيتان بكبارها متفاضلاً.

[فصل 8 - في البقول والفواكه بعضها ببعض وكذلك البيض] قال مالك: وكل طعام أو إدام يدخر فلا يجوز فيه التفاضل بصنفه وإن كان يداً بيد، وأما ما لا يدخر من ذلك مثل رطب الفواكه كالتفاح والرمان والموز والخوخ -وإن ادخر- وكذلك جميع الخضر والبقول فلا بأس بصنف من ذلك كله بصنفه أو بخلافه يداً بيد متفاضلاً.
قال ابن حبيب: واللوز والجوز والجلوز والفستق والصنوبر وأنواع الفاكهة كلها التي تدخر.
يريد كل واحد منها صنف على حدته، لا يجوز فيه التفاضل، ولا يجوز إلا مثلاً بمثل يداً بيد، وإن اختلف الصنفان جاز التفاضل فيه، ولا بأس بقفيز زبيب بقفيزين تيناً أو قفيز من الوز بقفيزين جوزاً.
قال ابن حبيب وابن المواز والزفيزف وعيون البقر والتفاح من رطب الفواكه وإن يبس بعضه ليس بالغالب، ولا ييبس لأصل معاش بل

ليتداوى به فله حكم رطب الفواكه، ولا بأس بالتفاضل في رطبه برطبه ويابسه بيابسه وكذلك الموز.
قال مالك: ولا بأس بحامض الرمان بحلوه متفاضلاً، ولا يجوز في العنب التفاضل بعضه ببعض وإن كان أحدهما لا يتزبب وكذل التين وأحدهما لا ييبس ويحكم فيه بالأغلب من أمره.
قال مالك: والثوم والبصل بخلاف البقول، والغالب فيهما أن ذلك ييبس ويدخر فلا يصلح التفاضل في رطبه ولا يابسه.
قال ابن المواز: وبيض الطير كله صنف واحد لا يصلح إلا مثلاً بمثل على التحري حتى يكون قدراً واحداً، وأجاز بيضه ببيضتين، وكذلك بيض النعام ببيض الدجاج جائز تحرياً حتى يكون قدراً واحداً.
قال ابن المواز: بعد أن يستثني صاحب بيض النعام قشره، لأن له قدراً من الثمن، فيصير البيض بالبيض بينهما فضل.
[فصل 9 - في السكر بالسكر والصبرة بالصبرة والإردب بالإردب] ومن المدونة: قال: ولا يجوز السكر بالسكر متفاضلاً قال: ولا يجوز صبره قمح بصبرة شعير، ولا يجوز إلا كيلاً مثلاً بمثل، ولا يجوز تحرياً.

يريد وكذلك كلما أصله الكيل لا يجوز فيه التحري إذ لا يفقد الكيل ولو بالحفنة.
ومن العتبية: وأما ما أصله الوزن فيجوز فيه التحري مثل اللحم والخبز والبيض، يجوز بعضه ببعض تحرياً.
قال ابن القاسم: وذلك إذا بلغه التحري ولم يكثر حتى لا يستطاع تحريه.
م وهذا إذا لم يحضرهما ميزان.
يؤيد ذلك قولهم لا يجوز ذلك فيما يكال، إذا لا يفقد فيه الكيل ولا بالحفنة، قال: وكل صنف من طعام أو غيره يجوز فهي التفاضل بصنفه فلا بأس بقسمته على التحري، كان مما يكال أو يوزن أم لا.
[قال] ابن المواز: قال مالك: ما يكال أو يعد من طعام أو غيره فال يقسم تحرياً وما لا يمكن فيه إلا الوزن فيقسم تحرياً ويباع بعضه ببعض تحرياً مثل اللحم والخبز والحيتان.
ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ولا يجوز إردب من حنطة وإردب من شعير بمثلهما ولا مد من حنطة ومد من دقيق بمثلهما كانت

الحنطتان بيضاء أو أحدهما سمراء والأخرى بيضاء، وهو ذريعة إلى أن يأخذ فضل شعيره في حنطة صاحبه، ويأخذ صاحبه فضل حنطته في شعير صاحبه، وهو على الانفراد جائز.
قال ابن المواز في مدينه من حنطة أو مدين من دقيق بمد من حنطة ومد من دقيق: فإن كان مد الحنطة ومد الدقيق كلاهما أجود أو أردى مما قابلهما، أو أحدهما أجود أو أردى والآخر مثل ما قابلهما فذلك جائز.
قيل لابن المواز: فقد كره مالك مداً من حنطة ومداً من دقيق بمثلهما، وهو مثل ما أجزت من هذا؟ قال: كرهه مالك للذريعة ولا بأس به عندي أن يكون قمح وشعير بمثلهما كيلاً وجودة، أو يتفق القمحان في الجودة وشعير أحدهما أدنى أو أرفع من الآخر، أو اتفق الشعيران خاصة، فأما أن يكون أحدهما أجود مما قابله من بر وشعير والآخر أدنى مما قابله فلا يجوز كما قلنا في المراطلة بالذهبين والفضتين.
قال أحمد بن ميسر: لا يجوز من ذلك شيء ولا يعجبني قول محمد.
م قول محمد أقيس وقول مالك أحوط.
ومن المدونة قال مالك: ولا يجوز مدان من طعام مدخر بمد من صنفه ودراهم أو عرض، وذلك كالذهب بالذهب والفضة بالفضة، لا ينبغي أن يكون معهما أو مع أحدهما عرض أو خلافه من ذهب أو فضة، وكذلك ما يدخر من الطعام ولا يصلح فيه التفال فإنه يجري مجرى الذهب بالذهب والفضة بالفضة فيما ذكرنا.

[الباب التاسع]

في بيع الفلوس بالفلوس والحديد بالحديد وما يجوز فيه الجزاف من ذلك

[الفصل 1 - في بيع الفلوس بالفلوس أو بالنحاس] قال ابن القاسم ولا يصلح الفلوس بالفلوس جزافاً ولا وزناً ولا كيلاً مثلاً بمثل يداً بيد ولا إلى أجل، ولا يجوز إلا عدداً فلساً بفلس يداً بيد، ولا يصلح فلس بفلسين يداً بيد ولا إلى أجل، والفلوس هاهنا في العدد بمنزلة الدنانير والدراهم في الوزن، وإنما كره ذلك مالك في الفلوس ولم يحرمه كتحريم الدنانير والدراهم، ولا خير في بيع رطل فلوس برطلين نحاس يداً بيد، إل لا تباع الفلوس إلا عدداً، وبيعها وزناً أو كيلاً أو جزافاً بعين أو عرض من المخاطرة والقمار، ولا خير في الفلوس بالنحاس إلا أن يتباعد ما بينهما وتكون الفلوس عدداً، وإن كانت الفلوس جزافاً لم يجز شراؤها بشيء.
فصل [2 - ما يجوز فيه الواحد باثنين من صنفه فلا يجوز فيه الجزاف بينهما] قال مالك: وكل شيء يجوز واحد باثنين من صنفه إذا كايله أو راطله أو عادة فلا يجوز الجزاف فيه بينهما، لا منهما ولا من أحدهما ولا أن يكون أحدهما كيلاً ولا وزناً ولا عدداً والآخر جزافاً -؛ لأنه من المزابنة إلا أن يعطي أحدهما أكثر من الذي

يأخذ بشيء كثير فلا بأس به- وإن تقارب ما بينهما لم يجز وإن كان تراباً لأنه مزابنة.
م وقوله لا يجوز الجزاف بينهما يريد إلا فيما قل مما يوزن ولم يحضرهما ميزان فيجوز كما يجوز بيع اللحم باللحم تحرياً؛ لأن ذلك يباع بعضه ببعض جزافاً فلا فرق.
[قال] ابن المواز: قال مالك: لا يباع جزافاً إلا ما يكال أو يوزن إلا الدنانير والدراهم والفلوس وكبار الحيتان، ولا يباع ما يعد من الرقيق والثياب والحيوان وسائر العروض التي لا تكال ولا توزن جزافاً، وقد يكون شيء مما يباع عدداً يباع جزافاً كالجوز والبيض والرمان والفرسك والقثاء والتين والموز والأترج والبطيخ وصغار الحيتان وذلك فيما كثر وشق عدده، فأما ما عظم مما سميناه مما إذا نظره الناظر أحاط بعدده فلا يباع جزافاً.
قال ابن حبيب: وكذلك الطير المذبوح يجوز بيعه جزافاً فيما كثر ولا يجوز فيما قل، وأما الطير حياً في الأقفاص فلا يباع جزافاً، قل أو كثر حتى يعد، لأنه يموج ويلوز ويدخل بعضه تحت بعض فيعمى أمره.

ومن كتاب ابن المواز: ولا بأس ببيع برج الحمام بما فيه جزافاً، ولا أعرف شراءه أجلاً مسمى.
قال ابن القاسم: وإذا باع جميع ما فيه أو باعه بما فيه ونظر إليه وإن لم يعرف عدده جاز.
قال أصبغ: وبعد أن يحيط به بصره وحزره، فرب برج كبير قليل العمارة وصغير عامر.
وما علمت في شيء يباع وزناً يجوز بيعه كيلاً.
قال ابن القاسم: ولا يباع القمح بوزن إلا أن يكون عرف وجه ذلك، قال عيسى عن ابن القاسم: ولا خير في صبرة قمح وعشرة أرادب شعير بدينار، قاله مالك؛ لأنه خطر، ولا يشتري كيلاً مع جزاف من غيره، قال عنه أصبغ من طعام واحد أو من صنفين اتفق السعر أو اختلف، وإن كان المكيل قليلاً مثل إردب أو ويبه، فإني أكرهه، ولا يباع جزاف [كيلاً] وعرض معه، ما كان من شيء لا يباع مع الجزاف ولا يباع جميع ما في الصبرة على الكيل مع العرض؛ لأنه لا يُدرى ما يبلغ كيلها.
قال في كتاب ابن المواز: إلا أن يسمي ما يأخذ من الكيل.
ولا يصلح عدد وجزاف.
قال أصبغ: وأنا اقوله خوف الذريعة للمزابنة استحساناً واتباعاً، وليس بالبين، ولا أعلم من قاله قبله، وقد أجازه أشهب.
قال أصبغ: قلت فطعام واحد في الجودة، وهما صبرتان ابتاعهما في صفقة إيجاباً بسعرين، هذه ثلاثة أرادب بدينار، قال لا خير فيه

إلا أن يسمي بكم من دينار يأخذ من كل واحدة، قال أصبغ: وهذا إغراق وأرجو أن يكون خفيفاً.
م والصواب منعه؛ لأنه مخاطرة إذ لا يدري ايهما أكثر، الغالي أم الرخيص، فإن كان الغالي أكثر غبن المشتري، فقد تخاطرا في ذلك، فلذلك لم يجز.
قال: وما عرف كيله أو وزنه فلا يباع جزافاً، فإن باعه وهو يعلم كيله فالمبتاع مخير في حبسه أو رده.
قال عبد الوهاب: وخالفنا في ذلك أبو حنيفة والشافعي ودليلنا قوله -صلى الله عليه وسلم- «من غشنا فليس منا» وهذا غش؛ لأن المبتاع دخل على أن البائع بمثابته في الجهل بمقدار المبيع، وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال «من علم كيل طعامه فلا يبعه جزافاً حتى يبين ما فيه» وهذا نص.
قال عبد الوهاب: ولو قال البائع إني أعلم كيله فيقول المبتاع رضيت بأخذه جزافاً بكذا لم يجز.
وكذلك في كتاب محمد.

قال عبد الوهاب: لأنه رضي بالمخاطرة وقصدها مع الاستغناء عنها، وذلك مفسد للبيع.
[قال] ابن حبيب: قال ابن المسيب: إذا علمت كيل طعامك ثم اكتلت منه صدراً فلا تبع ما بقي منه جزافاً.
قال ابن حبيب: وذلك إذا عرفت كيل ما بقي على التقدير، فأما إن جهلته بكثرة ما اكتلت منه فذلك جائز.
قال: ولا يباع ما يعرف أحدهما كيله أو وزنه أو عدده جزافاً إلا في القثاء والبطيخ والأترج وما تختلف مقاديره، فلا بأس بذلك.
قال أبو محمد: يريد ابن حبيب: لأن العدد لا يؤدي فيه إلى تعريف لاختلاف مقاديره.
وقال ابن المواز: لا يجوز أن يباع ما يعلم أحد المتبايعين عدده من جميع الأشياء جزافاً لا قثاء ولا غيره، وهو كالعيب يرد به إن شاء ولا يجوز له أن يقول له: املأ لي هذه الغرارة بدينار؛ لأنه جزاف غير مرئي.
ولو ابتاع غراره مملوءة طعاماً جزافاً بدينار، فذلك جائز، فإن قال: فرغها واملأها لي بدينار لم يجز في موضع المكيال.
قال ابن القاسم: وكذلك البيت يشتريه مملوء طعاماً فلا يجوز أن يقول املأه لي ثانية بدينار وكذلك الصبرة إذا اشتراها بدينار فلا يجوز أن تعطيه مثل

كيلها بدينار، كان ذلك في حضر أو سفر.
قال أصبغ: يريد إ ذا كان قبل أن يعرف كيل الصبرة الأولى.
قال ابن حبيب: وكذلك قارورة مملوءة دهناً يجوز شراؤها جزافاً، ولا يجوز أن يقول له املأها لي من هذا الدهن بدينار.
قال في العتبية: ولو وجد عنده سللاً مملوءة تيناً فقال: أنا آخذها منك بكذا واملأها ثانية بدرهم فهو خفيف، بخلاف غرارة القمح، ألا تراه أنه لا يسلم في غرائر قمح، ويسلم في سلال تين؛ لأنه معروف.
م فكذلك عندي هذه القارورة المملوءة بدرهم ويملأها له ثانية بدرهم فهو خفيف؛ لأنه كالمرئي المقدر.
ولو قاله قائل في الغرارة ما بعد ولكنه في القارورة أبين؛ لأنه لا يختلف ملؤها فليس فيه كبير خطر والله أعلم.
والغرر اليسير إذا انضاف إلى أصل جائز جاز بخلاف إذا انفرد

وحده فانظر، وهذا في الغرارة كمن أسلم في طعام وشرط قبضه بمكيال عنده أنه لا يجوز، وأجازه أشهب إن نزل.
[فصل 3 - في بيع الحديد بالحديد والنحاس بالنحاس والرصاص بالرصاص] ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يبيع الحديد بالحديد والنحاس بالنحاس والرصاص بالرصاص متفاضلاً يداً بيد.
قال: وإن بعت من رجل رطل حديد بعينه في بيته ثم افترقتما قبل قبضه ووزنه جاز، ولكل واحد منكما قبض ما ابتاع ولا يكون ذلك ديناً بدين؛ لأنه بعينه، فإن تلف الحديدان أو أحدهما قبل الوزن انتقض البيع ولا شيء لأحدكما على صاحبه، ولو قبض أحدكما شيئاً من الحديد رده.
بلغت تم كتاب السلم الثالث من الجامع بحمد الله وحسن توفيقه والحمد لله وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.

جارٍ التحميل