قال ابن القاسم: وليس من وجد برأس المال عيباً بعد مدة كمن فارق صاحبه قبل أن يقبض رأس المال وأقام شهراً ثم جاء يطلب راس المال؛ لأن السلم إليه هاهنا إن رضي بما انتقد أو الزيوف والرصاص كان ذلك له وثبت السلم عليه.
قال: وإذا ردها عليك فقلت له سأبدلها لك بعد يوم أو يومين جاز؛ لأن مالكاً أجاز تأخير رأس مال السلم العين بشرط إلى يومين أو ثلاثة لا أكثر، وإن قلت له سأبدلها لك إلى شهر أو شهرين لم يجز؛ إذ لا يصلح أن يشترط تأخير رأس مال السلم شهراً أو شهرين فكذلك هذا، وإن قلت له حين ردها عليك ما دفعت إليك إلا جياداً، فالقول قولك وتحلف ما أعطيته إلا جياداً في علمك ولا تعرفها من دراهمك إلا أن تكون إنما أخذها منك
على أن يريها فالقول قوله مع يمينه وعليك بدلها له.
قال أشهب: القول قول الدافع في الوجوه كلها.
قال: أبو إسحاق: إلا أن يحقق الدافع أنها ليست من دراهمه فليحلف على البت، فإن نكل حلف قابضها على البت؛ لأنه موقن.
[الباب العاشر]
فيمن أمر رجلاً له عليه دين أن يسلمه له في طعام أو غيره
[فصل 1 - في تأخير الدين على نفع
أو زيادة أو الوضع منه على تعجيله]
(ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدين بالدين) (وعن ما جر من السلف نفعاً) فمنه التأخير بدين على نفع أو ميادة، أو الوضع منه على تعجيله، فما جرى من هذا أو شبهه بين المتعاملين حرم.
[فصل 2 - في صرف الدين ثمناً لسلم]
قال مالك: فيمن له على رجل مال فقال له: أسلمه لي في طعام أو عرض، أنه لا يجوز حتى يقبضه منه ويبرأ من التهمة ثم
يرجعه إليه بعد ذلك إن شاء.
قال ابن القاسم: لأنه يخاف أن يكون تأخيره سلفاً جر منفعة أو يعطيه من عنده، فيدخله فسخ الدين في الدين.
قال في كتاب الصرف: فإن قبضت في غريمك ديناً فلا تعده له في مكانك سلماً في طعام أو غيره، ويكره ذلك بحد ثانه.
م وهذا بخلاف وما لو قال له: أسلمه لي إلى غيرك، هذا إن قبضه منه ثم أعاده إليه في الوقت جاز.
م والفرق بينهما أن الذي قبض منه دينه ثم أعاده إليه في الوقت حين أعاده إليه سلماً أنهما يتهمان أن يكونا أضمرا على ذلك.
فيعد دفعه للمال لغواً وقد رجع إليه ماله، وحصل م فعلهما أن الدين الذي عليه فسخه في غيره.
م وأما الذي أمره أن يسلمه إلى غيره، إنما اتهمه أن المال لم يكن عنده فأخره لكي يشتري له به سلعة فهو سلف جر منفعة، وأما إذا قبضه منه فليس هاهنا تأخير يعد سلفاً، إنما أمره أن يشتري له بمال قبضه منه فهو جائز.
[فصل 3 - فيمن كان له على رجل مال
فأمره أن يشتري له به سلعة]
ومن المدونة: قال مالك: وإن قاله له: اشتر لي به سلعة نقداً؛ فإن كان الآمر والمأمور حاضرين جاز ذلك، إذ لا تأخير في ذلك يفسده.
قال مالك: وإن كانا غائبين لم يجز.
يريد: لأن المأمور غائب عن الآمر، والدين باق في ذمته، وقد لا يشتري له إلا إلى أيام، فيعد ذلك سلفاً جر منفعة.
م عند ابن القاسم يجوز إن كان حاضراً البلد وإن لم يكن حاضراً عند الشراء.
قال ابن أبي زمنين: قال ابن جعفر: قال ابن القاسم: وإن كان غائباً في بلد آخر لم يجز أن يأمره بشراء سلعة بدينه الذي له عليه إلا أن يوكل وكيلاً في ذلك البلد يقبضها منه.
قال: ولو ادعى المأمور أنه اشتراها فتلف ما اشترى، فإن كان الآمر أو وكيله معه في البلد فالقول قول المأمور، لقد اشترى وتكون المصيبة من الآمر، وإن كان الآمر ليس معه في البلد ولا وكيله، فإن أقام المأمور بينة على الشراء، كان القول قوله في التلف، وإلا فهو ضامن.
وفي المستخرجة فيمن له على رجل دين فأمره أن يشتري
له به سلعة أو عبداً وهو في بلد آخر، فلما قدم قال: إني تشتريه وهلكت السلعة أو أبق العبد، فالمصيبة من الآمر.
قال بعض شيوخنا القرويين: إذا قال له اشتريتها فضاعت فظاهر ما في السلم الثاني أنه لا يقبل منه؛ لأنه اشترط فيه إذا اكتال الطعام ببينة ثم قال ضاع: فإنما أبرأه منه لقيام البينة، وفي المستخرجة: أن القول قوله ويحلف، وهو ظاهر ما في كتاب الوكالات في مسألة اللؤلؤ أنه يصدق أنه اشتراه، وإن لم يقم له بينة على هذا، فجعل ما في المدونة على قولين في هذا، ولا فرق بين ما يزيله على ذمته ولا بين ما يجب له أن يشغل به ذمة غيره، فهذا على قولين عنده فاعلم ذلك.
قال مالك: وإن كتبت إلى رجل يشتري لك سلعة بذهب من عنده ففعل وبعث بها إليك، وكتب إليك أن تشتري له بذلك الذهب سلعة من موضعك، وتبعث بها إليه، فلا بأس به وهذا من المعروف.
قال ابن القاسم في كتاب الوكالات: وهذه والمسألة الأولى في القياس سواء، ولكن أجازها إذا كان أصلها معروفاً.
قال مالك: ولو كان لك على رجل دين فكتبت إليه أن يشتري لك به شيئاً احتجت إليه فلا خير فيه إلا أن توكل بذلك وكيلاً.
يريد: وكيلاً يقبض له السلعة.
قال ابن أبي سلمة: كل شيء كان لك على غريم كان نقداً فلم تقضبه أو إلا أجل فحل الأجل أو لم يحل فأخرته عنه وزادك عليه شيئاً قل أو كثر فهو رباً ولا تبعه منه بشيء ولو بوضعية من سعر الناس وتؤخره عنه، فإن ذلك ربا إلا أن ينقدك يداً بيد مثل الصرف، وبالله التوفيق.
[الباب الحادي عشر]
في الاقتضاء من ثمن الطعام طعاماً أو أسلم في طعام وأخذ من ثمنه طعاماً
[فصل 1 - في الاقتضاء من ثمن الطعام طعاماً]
ولما كان الاقتضاء من ثمن الطعام طعاماً ذريعة إلى إجازة الطعام بالطعام إلا أجل، ويصير الثمن محللاً لم يجز كالذرائع في بيوع الآجال حماية لحمى الله تعالى، وحمى الله دينه، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الشبهات، وشبهها بالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وأما الأخذ من الطعام من بيع بعد حلوله طعاماً يخالفه، فيدخله أيضاً بيعه قبل قبضه، وقد نُهي عنه، وأما إن أخذه من صنفه فيعد ذلك بدلاً فهو جائز.
قال مالك: ومن أسلم في محمولة فلما حل الأجل أخذ منه سمراء مثل مكيلتها لم يكن به بأس.
قال ابن القاسم: وأما إن بعت محمولة بثمن إلى أجل، فأخذت بالثمن بعد الأجل سمراء أو شعيراً أو سلتاً مثل كيل المحمولة لم يجز.
والفرق بينهما أنك في سلمك في الطعام إنما كان لك عليه عند حلول الأجل سمراء، فأعطاك بها مثل مكيلتها بيضاء، فيعد ذلك بدلاً يداً بيد، والذي باع المحمولة بالدنانير إلى أجل، هو إذا ألغى الدنانير وأخذ بها سمراء، صح من فعلهما أنه دفع بيضاء إن كان عليه بيضاء فأخذ بها بعد الأجل سمراء فهو غير جائز وأما إن أخذ بخلاف الصنف فهو بيع طعام بطعام يخالفه إلى أجل.
وكذلك التمر العجوة والصيحاني والبرني والزبيب أحمره وأسوده بمنزلة ما وصفنا من الحنطة وألوانها، أنه لا يجوز لمن باع طعاماً أن يقبل في ثمنه شيئاً من الطعام كان من صنفه أو من غير صنفه إلا أن تأخذ منه بثمن طعامك
بعد الأجل طعاماً مثل طعامك الذي بعت منه صفة وكيلاً، إن محمولة فمحمولة وإن سمراء فسمراء فهو جائز، وهي إقالة.
قال ابن المواز: قال مالك: وأما إن ابتعت من غير غريمك طعاماً يخالف طعامك بمثل ثمن طعامك جاز أن يحيله بالثمن عليه.
قال في السلم الثالث: ولو أحلت على ثمن ذلك الطعام من له عليك مثل ذلك الثمن من بيع سلعة أو من قرض لم يجز للمحال به أن يأخذ منه من الطعام إلا ما جاز لك.
قال في المستخرجة: وإن كان إنما له عليك ثمن طعام ابتعته منه مخالفاً للطعام الذي بعت من غريمك فلا يجوز له أن يأخذ من غريمك طعاماً كان من صنف طعامك أو مخالفاً له.
م لأن المحال لا يجوز له أن يأخذ من غريمك طعاماً إلا مثل ما يجوز لك أنت أن تأخذه، وهو صنف طعامك، فإذا أخذه كان مخالفاً
للطعام الذي باع منك وهو لا يجوز له أيضاً أن يأخذ غريمك طعاماً منك أو ممن أحلته عليه إلا مثل الذي باع منك، فلذلك لم يجز له أن يأخذ من غريمك طعاماً على حال، ويجوز له أن يأخذ ما عدا الطعام من غرض وغيره، وفي السلم الثاني كثير من هذا.
[فصل 2 - قضاء المحمولة أو السمراء أو الشعير أو السلت بعضها
من بعض أو بالدقيق وكذلك أجناس التمر]
ومن السلم الأول قال: وإن أسلمت إليه في محمولة أو سمراء أو شعيراً أو سلتاً أو أقرضت ذلك فلا بأس أن تأخذ بعض هذه الأصناف قضاء من بعض مثل المكيلة إذا حل الأجل، وهو بدل جائز، وكذلك أجناس التمر.
قال مالك: ولا يجوز ذلك كله قبل محل الأجل في بيع أو قرض.
قال ابن المواز: ويجوز في القرض أن يأخذ قبل الأجل سمراء من سمراء أجود منها مثل المكيلة، إذ له تعجيله أجود، ولا يأخذ أردأ فيصير ضع وتعجل.
ومن المدونة: قال مالك: وإن أسلمت في حنطة فلا تأخذ منه دقيق حنطة، وإن حل الأجل فلا بأس به من قرض بعد محله، وقال أشهب.
قال ابن المواز: قال أشهب: إنما كره ذلك مالك لاختلاف الناس في الدقيق بالقمح متفاضلاً نقداً، فأجازه عبد العزيز ورأى أن الطحن صنعة.
م فيدخله على ذلك بيع الطعام قبل قبضه.
وقال مكحول: لا يجوز قمح بدقيق على حال.
وقال ابن الماجشون عن مالك: إنما يجوز بيع القمح بالدقيق في الشيء اليسير بين أهل الدور، ولا يجوز فيما كثر.
وفي كتاب ابن القصار اختلف قول مالك في بيع الحنطة بالدقيق فقال: لا يجوز إلا مثلاً بمثل: وقال: لا يجوز، قال: وعندي أن قوله يجوز إذا وزناً جميعاً، وقوله: لا يجوز إن كيلا فيكون اختلاف قوله في حالين لا في حال واحدة، قال: ولم يفصل أصحابنا هذا التفصيل وحملوه على الاختلاف في حال واحدة.
قال ابن أبي زمنين: ولا تؤخذ القطاني بعضها من بعض في التسليف لا قبل الأجل ولا بعده؛ لأن كل نوع منها صنف على حده في البيع، ويدخله بيع الطعام قبل قبضه، كذلك قاله ابن حبيب مثل أن يسلم في فول فيأخذ حمصاً، وقاله أصبغ عن ابن القاسم.
[فصل 3 - القضاء في السلم في لحم ذوات الأربع]
من المدونة: قال مالك: وإن أسلمت في لحم ذوات الأربع جاز أن تأخذ لحم بعضها من بعض أو شحمها قضاء عن بعض؛ لأنه بدل وليس هو بيع الطعام قبل قبضه؛ لأنه كله نوع واحد، ألا ترى أن التفاضل لا يجوز فيه، فكأنه أخذ ما أسلف فيه، وإنما يجوز بيع جميع ما ذكرنا من الحنطة والتمر واللحم بعد الأجل من الذي عليه السلم، ولا يجوز بيعه من غيره بنوعه وكيله وصفته، ولا بشيء من الأشياء حتى يقبض، وكلما أسلمت فيه من الأشياء كلها عدا الطعام والشراب على كيل أو عدد أو وزن فجائز بيعه قبل قبضه من غير بائعك بمثل رأس مالك أو أقل أو أكثر أو بما شئت من الأثمان مما يجوز أن يباع به، ولا تبع ذلك السلم من بائعك إلا بمثل الثمن فأقل منه نقداً قبل الأجل أو بعده، إذ لا يتهم أحد في أخذ قليل من كثير، واتقى عبد العزيز أن يأخذ من بائعه فيه أقل من الثمن للذريعة.
قال: ولا يجوز أن يأخذ أكثر وإنما يأخذ مثل رأس ماله وهي إقالة.
وفي السلم الثالث كثير من هذا.
تم كتاب السلم الأول بحمد الله وحسن عونه.
كتاب السلم الثاني