مال والمسكين الذي لا شئ له.
م: وكذلك قال عبد الوهاب، قال: وقال الشافعي بضد ذلك.
قال: وإنما قلنا أن المسكين أحوج؛ لأن الإسمين مأخوذان من العدم إلا أن المسكنة عبارة عما زاد علي ذلك من شدة الحاجة التي كسبته الخضوع والاستكانة، ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾
يريد: أن الحاجة بلغت به الى أن لصق بالتراب من غير حائل، وما يذكرونه من قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ يقابل بما وجد من تسمية الواجد لليسير أنه فقير وهو قول الشاعر:
أما الفقير الذي كانت حلوبته... وفق العيال فلم يترك له سبد
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: وأحب الأصناف الى أن يجعل فيه الزكاة وأرجأ للأجر في الفقراء والمساكين إلا أن يكون عدو قد أطل فالغزو بها أفضل
[فصل 3 - الصنف الثالث: العامل على الزكاة]
وإذا كان العامل مدياناً فلا يأخذ منها لأنه غارم إلا أن يعطيه السلطان بالإجتهاد.
ومن كتاب ابن المواز قال: ولا ينبغي للعامل على الصدقة أن يأكل منها ولا يستنفق إذا كان الإمام غير عدل، وإن كان عدلاً فلا بأس بذلك، وإنما يفرض للعامل عليها بقدر شخوصه وعنائه.
ولا يعطي من صدقة الفطر من يحرمها وليعط من غيرها.
قال ابن القاسم: ولا يستعمل على الصدقة عبد ولا نصراني فإن فات ذلك أخذ منهما ما أخذاه وأعطيا من غير الصدقة بقدر عنائهما.
محمد: من حيث يعطي العمال والولاة وذلك من الفيء.
وكره مالك أن يرزق القضاة والعمال من الزكاة إلا العامل عليها وحده.
[فصل 3 - قسم الزكاة إنما يكون على وجه الاجتهاد من الإمام]
ومن المدونة قال مالك: وإنما تقسم الزكاة على الاجتهاد في الأصناف ويؤثر الأحوج.
قال مالك: ومن لم يجد إلا صنفاً واحداً ممن ذكر الله في كتابه أجزاه أن يجعل زكاته فيهم، وقاله علي، وابن عباس.
قال عبد الوهاب: ولأنه لما لم يتعين عليه فرض/ جميع الصنف الواحد بل جاز [143/ب] أن يقتصر منه الواحد والاثنين والثلاثة فكذلك لا يتعين عليه فرض جميع الأصناف.
قال مالك: وإن وجد الأصناف كلها آثر أهل الحاجة منهم وليس في ذلك قسم مسمى.
[فصل 4 - الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم]
قال الشعبي: لم يبق من المؤلفة قلوبهم أحد إنما كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما استخلف أبو بكر انقطعت الرشا.
قال ابن أبي زمنين: يعني بالرشا ما كانوا يعطون، فأول من قطع ذلك عنهم عمر بن الخطاب.
قال ابن حبيب: المؤلفة قلوبهم: رجال كان لهم شرف في الجاهلية ومبتدأ
الإسلام بعضهم من قريش وبعضهم من العرب كان النبي صلى الله عليه وسلم يستأنف الرجل منهم بكثرة العطاء من الفيء ليرغب بذلك في الإسلام فيسلم من وارءه من قومه بإسلامه ثم جعل الله تعالى لهم سهماً في الزكاة أيضاً فلم يزل جارياً عليهم حتى ولي عمر وكثر المسلمون فقطعه عنهم عمر، وكلمه في ذلك أبو سفيان بن حرب وكان منهم فقال لهم عمر رضي الله عنه: فقد أغنى الله عنك وعن أصحابك وأعز الإسلام وأهله فلا حق لك في صدقات المسلمين، وأنت تعد فيهم كرجل منهم.
قال عبد الوهاب: المؤلفة قلوبهم: قوم كانوا في صدر الإسلام يظهرون فيدفع إليهم شيء من الصدقة لينكف غيرهم بإنكفافهم.
وقال بعض أصحابنا: هم قوم مسلمون يرى الإمام أن يستألفهم ليقوى الإسلامفي قلوبهم ويتألفوا في النصيحة للمسلمين.
والأول أصح، وقد سقطت الحاجة اليهم في هذا الوقت، فإن دعت حاجة اليهم في بعض الأوقات جاز أن يرد سهمهم.
[فصل 5 - الصنف الخامس: الرقاب]
وقوله: في الرقاب: هي الرقبة يشتريها الإمام فيعتقها من الزكاة وولاؤها للمسلمين.
[فصل 6 - الصنف السادس: الغارم]
والغارمون هم: الذين أدانوا في غير سفه ولا فساد ولا يجدون وفاء ولا قضاء، أو يكون معهم أموال بإزاء ديونهم، فإن لم يكن معهم أموال فهم فقراء غارمون فيعطون بالوصفين.
[فصل 7 - الصنف السابع: سبيل الله]
وفي سبيل الله: الغزو والجهاد، يدفع من الصدقة الى المجاهدين ما ينفقونه في غزوهم أغنياء كانوا أو فقراء.
ويشتري الإمام من بعض الصدقة خيلاً أو سلاحاً وينقده لم يغزوا به.
وحكي عن ابن حنبل أن في سبيل الله يعني: الحجاج.
ودليلنا: أن كل موضع ذكر في سبيل الله فالمراد به الغزو والجهاد فكذلك هذا هنا.
[فصل 8 - الصنف الثامن: ابن السبيل]
وابن السبيل: الغريب المنقطع يدفع اليه قدر كفايته وإن كان غنياً ببلده ولا يلزمه ردها إذا صدر الى بلده.
ومن المدونة قال مالك: ومن له دار وخادم لا فضل في ثمنها عن سواهما أعطى الزكاة، فإن كان فيهما فضل عن سواهما لم يعط منها شيء.
قال المغيرة: إن كان يفضل من الثمن عشرون ديناراً لم يعط وإلا أعطي على
الاجتهاد ثم لا يبلغ ما يعطي مع ما يفضل له ما يجب فيه الزكاة.
قال عروة بن الزبير: لا بأس أن يعطي الواحد من عشرة دراهم الى مئة درهم، وقال ابن حبيب، قال: وذلك بقدر تعففه وحاجته، ويعطي من الطعام المدين وأكثر.
ومن المدونة: وقال عمر بن عبد العزيز: لا بأس أن يعطي منها من له الدار والخادم والفرس.
قال مالك: ويعطي منها من له أربعون درهماً إن كان أهلاً لذلك لكثرة عيال ونحوه.
قال مالك: ورب رجل يكون له أربعون درهماً وهو أهل أن يعطي من الزكاة تكون عياله عشرة، فتكون الأربعون له كلا شيء.
ولا يعطي منها من معه ألف وعليه ألفان وله دار وخادم تسويان ألفين، قال: ولو أدى الألف في دينه وليس في الدار والخادم فضل عن سواهما مما يغنيه أعطى وكان من الفقراء ومن الغارمين.
وقال أشهب: وإن كان فيهما فضل عن دار وخادم يغنيانه قدر الألف الدين، أعطى وكان من الغارمين.
قال مالك: ويؤثر في الزكاة أهل الحاجة، قال ابن القاسم: ولا يرضخ لغيرهم ممن لا يستحق الزكاة، قال: ولا يرفع الإمام من جميع الزكاة شيئاً إلى بيت المال ولينفذها بموضع جبيت فيه وإن لم يجد في الموضع من يفرقها عليه أو فضل/ عنهم شيء نقل ذلك [144/أ] إلى أقرب البلدان إليه.
قال مالك: وقد بعث عمر بن عبد العزيز ابن زراره مصدقاً باليمامة فكتب إليه في أول سنة أن أقسم نصفها ثم كتب إليه في السنة الثانية أن أقسمها كلها ولا تحبس منها شيئاً.
قال ابن المواز: قال أشهب: وتأولنا ما فعل عمر أنه لم يكن لهم من الحاجة أول عام كحاجتهم في الثاني.
ومن المدونة قال مالك: وبلغني أن طاووساً بعث مصدقاً فأعطى رزقه من بيت المال فوضعه في كوة في منزله فلما رجع سألوه: أين ما أخذت من الصدقة؟ قال: قسمته كله، قالوا: فالذي أعطيناك؟ قال: هاهو ذا في بيتي فذهبوا فأخذوه.
قال ابن القاسم: وبلغني أن عمر بن الخطاب بعث معاذ بن جبل مصدقاً فلم يأت بشيء.
قال مالك: وجه قسمه المال: أن ينظر الوالي إلى البلد الذي جبي فيه هذا المال فإن كانت البلدان متكافئة في الحال آثر أهل ذلك البلد الذي جبي فيه هذا المال فقسم عليهم وآثر الفقراء على الأغنياء ولم يخرج منها الى غيرهم إلا أن تفضل عنهم فضلة فتخرج إلى غيرهم.
قال: وإن بلغه عن بعض البلدان أن سنة وحاجة نزلت بهم فليعط الإمام أهل ذلك البلدان الذي جبي فيه ذلك المال منه ويوجه جله الى الموضع المحتاج.
قال مالك: والصدقات في القسم كالزكاة، ولو بلغ رجلاً من غير أهل المدينة عن أهل المدينة حاجة فبعث اليهم من زكاة ماله كان ذلك صواباً.
[فصل 9 - تستحب الإستنابة في إخراج الزكاة عند خوف الرياء، والإسراء في إخراجها أفضل]
قال مالك: ولا يعجبني أن يلي أحد قسم صدقته خوف المحمدة والثناء وعمل السر أفضل ولكن يدفع ذلك إلى رجل يثق به فيقسمه فإن وليها هو فلا يعطيها لأحد ممن تلزمه تفقته.
قال ابن المواز: قيل لمالك: إن بعض الناس يقولون: هي فريضة فلا بأس أن يعلن بها قال: ليس كما قالوا، وقد قال تعالى: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
[فصل 10 - في إعطاء الأقارب الذين لا تلزمه نفقتهم من الزكاة]
ومن المدونة قال مالك: فأما من لا تلزمه نفقته من قرابته فلا يعجبني أن يلي هو إعطاءهم ولا بأس أن يعطيهم من يلي تفرقتها بغير أمره كما يعطي غيرهم إن كانوا لها أهلاً.
قال ابن عباس وغيره: إن أعطى قرابته من زكاته على الصحة كما يعطي غيرهم أجزأه، وكرهه ابن المسبب وغيره، وأكثر شأن فيه الكراهية لخوف المحمدة ولو صح ذلك عندنا لم أر به بأساً.
ابن حبيب: وروى مطرف عن مالك أنه لا بأس أن يعطي قرابته من الزكاة إذا لم يعط من يعول، قال: ورأيت مالكاً يعطي قرابته من زكاته.
وحدثني الخزامي عن الواقدي عن ابن أبي ذئب أنه قال للقاسم: فيمن أضع زكاتي؟ قال: في أقاربك الذين لا تعول، فإن لم يكونوا فجيرانك، فإن لم يكونوا فصديقك المحتاج.
وروى ذلك عن ابن عباس والنخعي والحسن في إعطاء من لا يعول من قرابته.
قال الواقدي عن مالك وابن أبي ذئب، والثوري والنعمان وأبي يوسف: إن
أفضل من وضعت فيه زكاتك أهل رحمك الذين لا تعول.
قال ابن حبيب: وله أن يوسع عليهم إذا كان فيهم التعفف والصلاح.
قال عبد الوهاب: ويكره له دفع جميع زكاته إليهم فإن فعل جاز.
قال ابن حبيب: وإن أعطى من في نفقته وعياله وهم من قرابته أو غيرهم ممن ينفق عليهم تطوعاً لم ينبغ فإن فعل جهلاً فقد أساء ولا يضمن إذا لم يقطع بذلك عن نفسه نفقته، وقاله مطرف عن مالك، وإن قطع بذلك نفقتهم لم يجزئه.
[فصل 11 - في إعطاء المرأة زوجها من زكاتها]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا تعطي المرأة زوجها من زكاتها.
قال أشهب: أكره ذلك، فإن أعطته ولم يرد ذلك عليها فيما يلزمه من نفقتها أجزأها وإن رد ذلك إليها فيما يلزمه لم تجزئها.
ابن حبيب: قال مالك: لا يجزي المرأة أن تعطي لزوجها من زكاتها.
وقال ابن أبي ذئب، وسفيان، وأهل المشرق يجزئها، وتوسط ابن حبيب/ قولاً [144/ب] كقول أشهب.
[فصل 12 - لو اشترى من زكاته رقبة فأعتقها ليكون الولاء له، فهل تجزئه عن زكاته؟]
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يبتاع الإمام من الزكاة رقاباً يعتقهم وولاؤهم للمسلمين وهو قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وكذلك من ولى صدقة نفسه لا بأس أن يشتري منها رقبة فيعتقها كما يعتق الوالي وولاؤها للمسلمين.
قال ابن القاسم: فإن أعتقها عن نفسه لم يجزئه وعليه الزكاة ثانية؛ لأن الولاء له.
ابن المواز: وقال أشهب: يجزئه وإن أعتقها عن نفسه ويكون ولاؤها للمسلمين كمن أمر من يعتق عنه عبده أو يذبح عنه أضحيته ففعل ذلك عن نفسه.
م: ولو كان له عبد يملكه فقال: هو حرّ عني وولاؤه للمسلمين لم يجزي قولاً واحداً.
[فصل 13 - المكاتب هل يُعطي من الزكاة ما يتم به عتقه؟ وهل يُفك منها الأسير؟]
ومن المدونة: قال مالك: ولا يعجبني أن يعان بها مكاتب، ولم يبلغني أن أبا بكر، ولا عمر ولا عثمان، ولا أحداً ممن اقتدي به فعل ذلك.
قال في المجموعة في قوله سبحانه: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ قال: المكاتب لا يقوى فيؤدي عنه.
قال عنه ابن القاسم وابن نافع يؤدي عنه ما يعتق به.
ومن كتاب محمد: وكره مالك أن يعطي مكاتب من الزكاة وإن كان يتم به عتقه، ولا عبد ليعتق ولم يبلغني أن أبا بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا أحداً من الأئمة فعل ذلك، ولقد فعل ذلك ببلدنا، فأنكرت ذلك على من فعله.
قال أصبغ: فإن فعل فعل فليعد أحب اليّ ولا أوجبه للإختلاف فيه.
قال ابن حبيب: وروى مطرف عن مالك أنه لا بأس أن يفك منها المكاتبين وأن يفك منها الرقاب مثل أن يعطي منها من له عبد على أن يعتقه وإن كان ولاؤه للمعتق فذلك جائز، وكذلك رقبة بعضها حر فلا بأس أن يشتري مارق منها فتتم حريه.
قال مطرف: وإن جعل منها في مكاتب لا يتم عتقه أو في رقبة لا يتم عتقها فلا يحزئه.
وقال بقول مطرف ابن الماجشون، وأصبع، وخالفاً ابن القاسم.
قال أصبع: ولا يفك الأسير من الزكاة فإن فعل لم يجزئه.
ابن الحبيب: بل يجزئه، لأنها رقبة قد ملكت بملك الرق فهي تخرج من رقّ الى عتق بل ذلك أحق وأولى من فكاك الرقاب التي بأيدينا.
قال أصبع في العتبية: ومن ابتاع مدبراً أو مكاتباً من الزكاة فأعتقه، فعلى قول مالك الأول: لا يجزئه ويرد، وعلى قوله الآخر: لا يرد ويجزئه، ولو أبدلها كان أحب الي من غير إيجاب.
[فصل 14 - الغازي يعطي وإن كان ملياً، وابن السبيل لا يعطي إذا كان معه ما يكفيه]
ومن المدونه: قال مالك: ويعطي منها ابن السبيل إذا احتاج، وإن كان غنياً ببلده، وهو مثل الغازي في سبيل الله يعطي منا وإن كان غنياً، قال: والحاج هو ابن السبيل وإن كان غنيا.
وقال عيسى ابن دينار: إن كان مع الغازي في غزوة ما يغنيه وهو غني ببلده فلا يأخذ منها.
وقال ابن القاسم: يأخذ منها وإن كان معه ما يكفيه وهو غني ببلده.
ابن المواز: وقال عنه أصبع: يعطي منها ابن السبيل والغازي وإن كانا غنيين بموضعهما ومعهما ما يكفيهما ولا أحب لهما أن يقبلا ذلك فإن قبلا فلا بأس به.
قال أصبغ: أما الغازي فلا بأس أن يعطي وإن كان ملياً وهو له فرض، وأما ابن فلا يعطي إذا كان معه ما يكفيه، لأنه حينئذ لا يعد من أبناء السبيل.
قال ابن القاسم: وابن السبيل: هو الذي في غيره بلده وقد فرغت نفقته وليس معه ما يتحمل به الى بلده وإن كان في غزو ولا تجارة فهو ابن السبيل كائناً من كان من المسلمين.
[فصل 15 - في الغني الذي يحل اخذ الزكاة]
ومن المدونة: وقد قال النبي صل الله عليه وسلم ((لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسه، فذكر الغازي والعامل عليها، والغارم، ومن ابتاعها بماله وغنياً اهدي إليه منها جاره المسكين)).
] فصل 16 - من هم ذووا القربى الذين لا تحل لهم الصدقة؟ [
ابن المواز: وقال ابن القاسم في الحديث الذي جاء: ((لا تحل الصدق لآل محمد)) انما ذلك في الزكاه وليس في التطوع وإنما هم بنو هاشم أنفسهم.
قال عنه أصبغ: وإن أعطي رجل أحداً منهم / زكاته لم تجزئه، ولم ير بأساً أن يعطي لمواليهم.
قيل فما جاء: ((إن مولي القوم منهم))، قال: قد جاء: ((وابن الأخت منهم)) يريد: تضعيفاً للحديث.
قال أصبع: وتفسير مولي القوم منهم يريد: في الحرمة والبر، مثل ((أنت ومالك لأبيك)) إنما ذلك في البر والطواعية لا في الأثرة والقضاء.
قال: ولما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ نادي النبي صلى الله عليه وسلم وسلم بأعلى
صوته: «يا آل قصي يا آل غالب، يا آل عبد مناف، يا فاطمة بنت رسول الله، يا صفية عمة رسول الله: إعملوا لما عند الله فإني لست أملك لكم من الله شيئاً»، فبين بمناداته عشيرته الأقربين.
قال أصبغ: ولا يعجبني أن يعطوا صدقة التطوع أيضاً لخوف أن يقع عليها اسم صدقة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لآل محمد» ولا بأس لهم بالصلة من الفيء لأن لهم سهم ذي القربى، وقد اختلف الناس في ذوي القربى فقيل: هم آل محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: بل قريش كلها، وقال ابن عباس: نحن هم، يعني آل محمد، وقد أبى ذلك علينا قومنا.
وعلى قول ابن عباس رأي أهل العلم، وليس لهم سهم معلوم كما قال بعض الناس «خمس الخمس» ولكن يبدأ بهم حتى تسد حاجتهم ويكتفوا وإن كان أقل من خمس الخمس، وقاله ابن عباس.
قال ابن حبيب: آل محمد الذين لا تحل لهم الصدقة: بنو هاشم فمن دونهم من بني عبد المطلب وبني بنيهم ومن تناسل منهم إلى اليوم وليس يدخل في آل محمد من كان فوق بني هاشم من بني عبد مناف وبني قصي أو غيرهم، ويدخل في ذلك مواليهم، لأن موالي القوم منهم، وكذلك فسر لي مطرف، وابن الماجشون وقاله ابن نافع.
وخالفهم ابن القاسم في وجهين: في الموالي، وفي صدقة التطوع، فقال: إنما ذلك فيهم أنفسهم وليس في مواليهم، وإنما ذلك في الصدقة المفروضة وليس في صدقة التطوع.
وذلك عندي وهم من ابن القاسم لما جاء في ذلك من الآثار، ولمفارقة أصحاب مالك في ذلك، ثم ذكر ابن حبيب الآثار في ذلك واحتج بها.
[فصل 17 - الزكاة لا تعطى إلا لمؤمن حر]
ومن المدونة قال مالك: ولا يعطى من الزكاة لمجوسي أو ذمي أو عابد وثن أو لعبد ولا يعطى منها ومن جميع الكفارات إلا لمؤمن حر كما لا يعتق منها إلا عبد مؤمن.
م: قيل: فإن غرّه عبد فقال: إني حر فأعطاه من زكاته فأفات ذلك، فقال بعض أصحابنا: إن في ذلك نظر هل يكون في رقبته كالجناية، لأنه غره أو يكون في ذمته لأن هذا متطوع بالدفع؟
م: والصواب أنها جناية في رقبته لأنه لم يتطوع له إلا لما أعلمه أنه حر وغره فلا يجب أن يختلف في ذلك.
[فصل 18 - في إعطاء أهل الأهواء من الزكاة]
ابن المواز: قال أصبع: لا يعجبني أن يعطي منها لأحد من أهل الأهواء إلا الهوى الخفيف، وفي العتبية عن ابن القاسم: إن احتاجوا أعطوا منها، وهم من المسلمين يرثون ويورثون.
[فصل 19 - لا تعطى الزكاة إلا لمن سمى الله في كتابه]
م: من المدونة: قال مالك: ولا يعطى منها في كفن ميت، أو بناء مسجد، لأن الصدقة إنما هي لمن سمى الله عز وجل من الفقراء والمساكين وغيرهم، لا للأموات أو بناء المساجد.
[فصل 20 - لا يجوز إخراج العرض والطعام عن الورق أو الذهب؛ لأنه من باب إخراج القيمة]
قال مالك: ولا يعطي فيما لزمه من زكاة العين عرضاً أو طعاماً، وقد كره غير واحد اشتراء صدقته منهم عمر بن الخطاب، وابن عمر، وجابر بن عبد الله.
م: فإن دفع عرضاً عن عين فإنه يرجع ذلك على المدفوع اليه، فإن فات بيده فلا شيء عليه، لأن هذا سلطه عليه، وذلك إذا أعلمه أنه من زكاته وإن لم يُبين أنه من زكاته فيحمل على أنه تطوع فلا يرجع عليه بشيء فات أم لم يفت.
[فصل 21 - الزكاة لا تحتسب في دين على فقير]
قال مالك: ومن كان له دين على فقير فلا يعجبني أن يحسبه عليه صاحبه في زكاته، قال غيره: لأنه تاوي ولا قيمة له، أو له قيمة دون.
[فصل 22 - من وجد ركازاً وله قرابة فقراء لا تلزمه نفقتهم هل يعطيهم خمسة؟]
قال ابن القاسم: ومن أصاب ركازاً وله قرابة فقراء لا تلزمه نفقتهم/ لم يخصهم [145/ب] بخمسة ولكن يعطيهم كما يعطي غيرهم من الفقراء إن كان لا يدفع به مذمة ولا يجر به محمدة إلا على وجه الاجتهاد، وأما ولد أو والد فلا يعجبني أن يعطيهم وإن كانوا فقراء، لأن نفقتهم تلزمه فغيرهم من الفقراء ممن لا يجد من ينفق عليه أحق به لأنه إذا أعطاهم دفع نفقتهم تلزمه فغيرهم من الفقراء ممن لا يجد من ينفق عليه أحق به لأنه إذا أعطاهم دفع نفقتهم عن نفسه وإن كانوا أغنياء فغيرهم أحق بذلك منهم.
وقال غيرهم إذا أعطاهم كما يعطي غيرهم من الأباعد بغير إيثار جاز، لأن الخمس فيء ليس هو مثل الصدقة التي لا تحل لغنى، والفيء يحل للغني والفقير إلا أن الفقير يؤثر على الغني، وقد قال مالك: إذا كان رجل فقير له أب مليء لا يناله رفقه فلا بأس أن يعطي من الزكاة، وقال ابن القاسم: وإن كان يناله رفقه فغيره ممن لا يناله رفق أحد أولى أن يؤثر.
[الباب: الواحد والعشرون]
جامع ما جاء في قسم الفيء
قال ابن حبيب: مال الله الذي جعله رزقاً لعباده المؤمنين مالان، فمال جعله الله رزقاً للفقراء وحرمه الأغنياء من عين أو حرث أو ماشية أو معدن أو زكاة فطر، ومال ساوي فيه بين الأغنياء والفقراء وهو الفيء من خمس، وجزية أهل العنوة، وأهل الصلح، وخراج أرضهم، وما صولح عليه الحربيون، وما يؤخذ من تجارهم، وتجار أهل الذمة، وخمس الركاز.
ومن المدونة: قال مالك: ويفضل بعض الناس على بعض في الفيء يبدأ بأهل الحاجة حتى يغنوا منه.
قال: وجزية جماجم أهل الذمة، وخراج الأرضين ما كان منها عنوة أو صلحا فهو عند مالك جزية والجزية عنده فيء.
قال مالك: ويعطي هذا الفيء أهل كل بلد افتتحوها عنوة، أو صالحوا عليها، فيقسم عليهم ويبدأ بفقراتهم حتى يغنوا، ولا يخرج الى غيرهم إلا أن ينزل بقوم حاجة فينقل إليهم منه، بعد أن يعطي أهلها.
يريد: ما يغنيهم على وجه النظر والاجتهاد، وكذلك كتب عمر؛ ألا يخرج من فيء قوم إلى غيرهم.
وأخذ مالك بما كتب عمر الى عمار بن ياسر وصاحبيه إذ ولاهم العراق وقسم لأحدهم نصف شاة، وللآخرين ربعاً، ربعاً، وكان في كتابه اليهم: "إنما مثلي ومثلكم في هذا المال كما قال الله تعالى في ولي اليتيم: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾
قال مالك: ومن أوصى بنفقة في سبيل الله بدي بأهل الحاجة إليهم.
قال مالك: ويبدأ بالفقراء في هذا الفيء فإن فضل بعد غنائهم شيء كان بين الناس كلهم بالسواء عربيهم ومولاهم.
وقد قال عمر في خطبته: " أيها الناس: إني عملت عملاً، وإن أبقيت إلى قابل لألحقن أسفل الناس بأعلاهم"، وقال عمر أيضاً: " ما من أحد من المسلمين إلا وله في
هذا المال حق أعطيه أو منعه حتى لو كان راعياً أو راعية بعدن " وأعجب مالكاً هذا الحديث.
ابن المواز: قال ابن عبد الحكيم: كان الصديق يساوي بين الناس في القسم فكلم فيه وذكر أنه حق للمهاجرين والأنصار، فقال: إنما تلك فضائل وسوابق عملوها لله فثوابهم على الله، وأما المعاش فالناس فيه أسوة، قال ابن عبد الحكيم: وهو أحب الينا، وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جيوشه فلم يفضل أحداً على أحد، وقاله على بن أبي طالب، وقد فضل عمر بن الخطاب في القسم وكان بعطي الرجل على قدر بلائه، وسابقته، ثم قال بعد ذلك: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لقسمت ذلك
قسماً واحداً، ولئن بقيت إلى قابل لألحقن الأسفل بالأعلى".
قال ابن عبد الحكم:/ وأول ما يبدأ به من هذا المال سد الثغور، والتحرز من العدو، ثم يقسم ما بقى قسمين: قسم للذرية والعيالات، وقسم للمجاهدين، يريد: المقاتلة البالغين، وأما ابن دون خمسة عشر أو شيخ كبير لا قوة فيه فلا تجعل مع عطاء المقاتلة، وليجعلا في عطاء الذرية، فإن فضل بعد ذلك شيء قسمه بين أهل الإسلام كلهم بالسواء كقسم المقاتلة.
قال ابن المواز: بل يقسم على قدر الحاجة بالاجتهاد، وقاله مالك، وابن القاسم، وأشهب.
قال مالك: يفضل بعض الناس على بعض ويبدأ بأهل الحاجة حتى يغنوا حتى لا يبقى من المال شيء.
وقال ابن حبيب سائغ للإمام العدل أن يفضل في القسم وأن يساوي، وأحب إلي أن يفضل ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذرية أهل السوابق في الإسلام ويلحقوا بآبائهم وإن لم يلحقوا بهم في ذروة الفضل كما ألحق الله سبحانه ذرية أهل الدرجات بهم في جنته وإن لم يكونوا مثلهم في الفضل كما قال الله تعالى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال:
ويفضل أهل العلم والفضل في القسم على من لا فضل عنده ولا علم، ويفضل المجاهدون وأهل النكاية.
ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس أن يعطي منه الوالي للرجل يراه للجائزة أهلا لدين عليه أو غير ذلك، ولا بأس على ذلك الرجل أن يأخذها.
ويعطي منها المنفوس، وقد مر عمر بن الخطاب ليلة فسمع صبياً يبكى، فقال لأهله: مالكم لا ترضعونه؟ فقال أهله: إن عمر لا يفرض للمنفوس حتى يفطم وإنا قد فطمناه، فولى عمر وهو يقول: كدت والذي نفسي بيده أن أقتله ففرض للمنفوس من ذلك اليوم مئة درهم.
قال ابن القاسم: ويبدأ بكل منفوس والده فقير، وكان عمر يقسم للنساء حتى إن كان ليعطيهن المسك قال ابن القاسم: ويبدأ بالفقيرة منهن قبل الغنية قال: وتفسير قول مالك: يساوي بين الناس في هذا الفيء معناه: أن يعطي كل انسان قدر ما يغنيه من صغير أو كبير أو امرأة، وإن فضل بعد غناء أهل الإسلام فضل اجتهد فيه الإمام إن رأى أن يحبسه لنوائب المسلمين حبسه، وإن رأى أن يفرقه على أغنيائهم فرقه، وقال مالك.
ولا يجبر الإمام أحداً على أخذ هذا المال إذا أبى أخذه، وقد كان عمر بن الخطاب يدعو حكيم بن حزام لأخذ عطائه فيأبى ويقول: تركته على عهد من هو خير منك، يريد: النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: عمر: أشهدكم عليه" وإنما تركه حكيم، لأنه سمع من
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن خيراً لأحدكم أن لا يأخذ من أحد شيئاً، قالوا: ولا منك يا رسول الله؟ قال: ولا مني".
فصل [فيما يكون للوالي الأعظم من مال الله]
قال ابن حبيب: قال مالك عن ابن شهاب كان النبي صلى الله عليه وسلم: يأخذ مما أفاء الله عليه نفقته ونفقة أهله سنة ويسلم ما بقي للمسلمين، فلما ولي أبو بكر غدى إلى السوق فقيل له: بالناس، لنظرك في أمورهم حاجة، قال: فمن يسعى على عيالي؟.
قيل: تأخذ من بيت المال ففرضوا له درهمين كل يوم وثوبين فإذا خلقتا أخذ ثوبين مكانهما فرضي وأدخل كل بيضاءٍ وصفراء له في بيت المال فعمل سنتين ونصف فأنفق أربعة آلاف درهم ولم ينقد ماله، ولما ولي عمر لم تكفه درهمان ففرض له أربعة دراهم، فلما فرض للناس الأقوات فرض لنفسه وعياله كذلك، وترك الأربعة دراهم واكتسى من بيت المال، وأخذ عطاءه كما يأخذ أصحابه المهاجرون، ثم ترك ذلك وجعل طعامه من خالص ماله، فلما احتضر أمر بحساب ما وصل إليه من بيت المال فوجد أربعة وثمانون ألفاً فأمر ابنه عبد الله أن يقضيها عنه من صلب ماله فإن لم يف فليستعن فيها
ببني عدي ففعل وباع من ماله مثل ذلك وأتى بها إلى عثمان، فقال له: قد قبلناها منك ووصلناك بها، قال: لا حاجة لي أن تصلني بأمانة عمر، ثم ولي عثمان فكان على منهاج من ولي قبله في النفقه من ماله قصداً وتنزهاً/ ولما ولي علي تنزه أن ينفق من مال المسلمين وكان ينفق من عطائه الذي يأخذ كرجل من المسلمين واشترى قميصاً بثلاثة دراهم وقطع من الكم ما فضل عن اليد ومات وترك سبع مئة درهم بقيت من عطائه، وسار عمر ابن عبد العزيز.
سيرة الصحابة، ورد المظالم رضي الله عنهم أجمعين.
[فصل:
ومن المدونة قال مالك: أتى عمر بمال عظيم من بعض النواحي، قال ابن حبيب: من غنائم جلولا قال يحيى بن سعيد: بلغت الغنائم يوم جلولا ثلاثين ألف ألف، قال مالك في المدونة: فصب ذلك المال في المسجد وبات عليه جماعة من الصحابة منهم عثمان وعلي، وطلحة والزبير، وعبد الرحمن بن عوف،
وسعد بن أبي وقاص، فلما أصبح كشف عنه أنطاع كانت عليه، وكان فيها تيجان، فلما ضربتها الشمس انتقلت فبكى عمر، فقال له عبد الرحمن: ليس هذا حين بكاء إنما هو حين شكر، فقال عمر: ما فتح هذا على قوم قط إلا سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم، ثم قال لابن الأرقم: اكتب لي الناس وأرحني منه، قال فكتبهم، وجاءه بالكتاب، وقال: قد كتبت المهاجرين والأنصار، والمهاجرين من العرب والمعتقين، قال فارجع لعلك تركت رجلاً لم تعرفه، أراد أن لا يترك أحداً، ثم قسمه، فهذا يدلك أنه يقسم لجميع الناس.
قال ابن القاسم: وكتب عمر في زمان الرمادة وكانت ست سنين: من عمر إلى
عمرو بن العاص بمصر واغوثاه واغوثاه واغوثاه، فكتب إليه عمرو: لبيك لبيك لبيك، فكان يبعث إليه بالعير عليها الدقيق في العبى، وكان يقسمها عمر، فيدفع الجمل كما هو لأهل البيت فيقول: كلوا دقيقه والتحفوا العبى وانحروا البعير وائتدموا شحمه وكلوا لحمه، فهذا يدلك أنه ينقل من بلد إلى بلد.
قال ابن القاسم: وقد رأى رجل في منامه في خلافة أبي بكر أن القيامة قد قامت وحشر الناس فنظر إلى عمر بن الخطاب قد فرع الناس ببسطه فقال: بم فضل عمر؟ فقيل: بالخلافة والشهادة وأنه لا يخاف في الله لومة لائم فقصها على عمر بحضرة أبي بكر فانتهره عمر لذكره ذلك بحضرة أبي بكر، فلما ولي عمر الخلافة قال للرجل:
أعد علي الرؤيا فقصها فقال عمر: هذه أولتهن يريد: قد نلتها، ثم قال: وبالشهادة، فقال عمر: وأنى ذلك لي والعرب من حولي، ثم قال: وأنه لا يخاف في الله لومة لائم، فقال عمر: والله ما أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على من دار الحق فأديره.