الجامع لمسائل المدونةصفحات 121-160

كتاب الزكاة الأول

صفحات 121-160

وراجعا لم يؤخذ منه شيء؛ لأنها سلعة باعها بيده، قال ابن القاسم: وإن إكراها بالمدينة راجعا إلى الشام أخذ منه عشر الكراء بالمدينة.
وقال أشهب في المجموعة: لا شيء عليه؛ لأن ذلك غلة.
وقال ابن حبيب بضد قول ابن القاسم انه إذا أكرى من الشام إلى المدينة أخذ منه عشر الكراء بالمدينة؛ لأنه بها تم كرازه فهو كعرض قدم به معه فإنه يؤخذ منه عشرة، قال: ولو أكراها راجعا لم يكن عليه شيء كعرض قدم به فأخذ منه عشرة ثم باع بعد ذلك واشترى فإنه لا يؤخذ نه شيء.
م: ولو قال: إذا أكراها راجعا إلى بلده لم يكن عليه شيء؛ لأنه إنما تم كراؤه ببلده فهو كعرض قدم به إلى بلده فلا يؤخذ منه شيء لكان قياسا واحدا.
م: وقول ابن القاسم أحسن؛ لأنه لو كان مسلما وأكرى إبله بالشام إلى المدينة أو غيرها وانتقد الكراء وبلغ المكنزي غايته ثم حل حول من يوم انتقد الكراء أوجب عليه زكاته إن كان نصابا باتفاق فدل أنه ملك ما انتقد من يوم انتقده، وعلى قياس قول ابن حبيب إنما يكون حوله من يوم بلوغه الغاية ، لانه بها تم كراؤه، وهذا لا يقوله أحد.
م: وقيل في الذمي: يُفض الكراء على قدر مسيرة في ارضه وما بعدها فما سار في بلاده سقط عنه وما سار في غيرها أخذ منه، قال بعض المتأخرين: ويختلف على هذا إذا أسلم في سلعة ليقيضها في غير بلده هل يراعى موضع أو موضع القبض.

فصل 5 - في عبيد أهل الذمة إذا ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا تجر عبيد أهل الذمة أخذ منهم العشر كما يؤخذ من . فصل 6 - في ما يؤخذ من أهل الذمة إذا تجروا إلى المدينة أو مكة قال مالك في المجموعة في أهل الذمة يتجرون إلى المدينة أو مكة بالطعام قال: يؤخذ منهم نصف العشر من الحنطة والزيت خفف ذلك عنهم عمر، وإنما خفف عنهم عمر في حملهم الحنطة والزيت إلى المدينة ومكة خاصة وكذلك ما كان بأعراض المدينة من القرى ليكثر حملهم ذلك إليها، فكان يأخذ منهم في القطنية العشر.
وفي كتاب ابن سحتون قال ابن نافع عن مالك: يؤخذ منهم من الزيت والطعام العشر تجروا إلى المدينة أو مكة أو غيرها، وإنما أخذ منهم عمر نصف العشر في الحنطة والزيت ليكثر الحمل إلى المدينة ومكة، وقد أغنى الله عز وجل المدينة وغيرها.
وقال ابن نافع: لا يؤخذ منهم بهذين البلدين غلا نصف العشر كما فعل عمر وإن استغنوا اليوم عن ذلك، ورواه أيضا عن مالك.
فصل 7 - فيما يؤخذ من الحربيين إذا نزلوا عندنا التجارة ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا نزل أهل الحرب بتجارة أخذ منهم اصالحوا عليه في سلعهم ليس في ذلك عشرة ولا غيره.

وقال ابن نافع: وقاله ابن حبيب، وروى علي بن زياد عن مالك: أن عليهم العشر.
قال في «المجموعة»: يؤخذ منهم مثل ما يؤخذ من تجار أهل الذمة.
وقال أشهب في «المجموعة: إن نزلوا على غير مقاطعة على شيء فلا يزاد عليهم فوق العشر.
وروى ذلك أنس بن مالك، وقاله ابن القاسم في «كتاب محمد».
وقال فيه أصبغ: إن كانوا معروفين بالنزول قبل ذلك على العشر فلم يقل لهم حتى باعوا فلا يزاد عليهم.
وقال ابن القاسم في «المجموعة»: إذا نزلوا على دنانير أو دراهم لم يحل بينهم وبين رقيقهم.
قال مالك: وإن كان على العشر حيل بينهم وبين وطء الإماء حتى يبيعوا.
وقال ابن حبيب: الوالي شريك معهم في جميع ما معهم حتى يأخذ منهم جزءه الذي صالحهم به، ويعقل عليهم جميع ما معهم، ويحال بينهم وبين وطء إمائهم حتى يقاسمهم ما بأيديهم إن كان مما ينقسم، وإن كان مما لا ينقسم بيع كله وأخذ الوالي جزءه من الثمن وخلى لهم بقيته، إن شاؤوا باعو منا أو رجعوا به.
قال مالك في كتاب ابن المواز: وليس للوالي مقاسمتهم رقيقاً ولا غيره حتى يبيعوا.
قال فيه وفي «المجموعة»: ولو لم يبيعوا ورجعوا فليؤدوا العشر من ذلك ويقاسموا

ويخرجوا بما بقي لهم ويطئون ويصنعون ما شاءوا فحيث ما نزلوا من بلاد المسلمين فلا يؤخذ منهم شيء؛ لأنه قد أخذ ذلك منه مرة وليسوا كأهل الذمة في هذا.
وقال أشهب: إن لهم الرجوع بسلعهم إلى موضع آخر ولا يؤخذ منهم شيء إلا أن يشترط عليهم شرط فيعمل عليه.
فصل 8 - إذا نزل أهل الحرب عندنا على أن يقاسمهم الإمام ما بأيديهم قال ابن القاسم: وإذا نزل أهل الحرب على أن يقاسمهم ما بأيديهم فلا يكون لهم أن يطئوا ولا يبيعوا حتى يقاسموا فإذا قوسموا أخذوا ما صار لهم فلهم فيه الوطء والبيع والخروج به حيث شاءوا، وقاله سحنون عن ابن القاسم، وقال عنه: ولو جزأهم عشرة عشرة على أن يختار الإمام من كل عشرة واحدا فلا بأس بذلك.
ابن المواز: وقال أصبغ: ولا أرى أن يتركوا يدوروا إلى سواحل الإسلام لبيع ولا لشراء إلا الموضع الذي نزلوه وغن لم يبيعوا؛ لأن ذلك عورة وتفتيش لموضع العورة ولا ينبغي أن ينزلوا إلا بموضع المجتمع وبموضع تؤمن غرتهم فيه ولا يدوروا أزقة موضع نزلوه إلا الأسواق والطرق الواضحة لحوائجهم، غير أن لهم الأمان في

أنفسهم وأموالهم في بلاد الإسلام أجمع حتى يفارقوا دار الإسلام كلها.
فصل 9 - في الحربي ينزل بلاد المسلمين ومعه دنانير عين فيشتري بها تجارة أو معه سبائك ذهب فيضربها دنانير ثم يخرج بذلك إلى بلده قال ابن المواز: وإن كان مع الحربي دنانير عين فابتاع بها تجارة ليتجهز بها إلى بلده أو معه سبائك ذهب فضربها دنانير وخرج بها أو غزلا حاجه وخرج به فأما في قول ابن القاسم فإنه يرى في ذلك كله العشر أو ما نزل عليه مثل ما جاء به من تجارة؛ لأنه يرى عليه إن بدا له فيما نزل به من تجارة فأراد ردها العشر بخلاف الذمي عنده، وأما أشهب فيراه كالذمي لا يؤخذ منه شيء فيما وصفته إلا أن يشتري تجارة؛ لأنه لا يرى عليه في تجارته شيئا حتى يبيع.
قال ابن المواز: فأما الذمي فلا شيء عليه في الذهب التي ضربها دنانير أو ما حاك من الثياب وإن جلب ذلك من أفق إلى أفق وإن خرج بذلك معه إلى بلده، زاد في موضع آخر: إلا عشر الأجرة التي دفع في الضرب والصياغة والحياكة وهذا في الذمي يدخل غير بلده، وجعل أشهب الحربي مثله.

[وقال ابن القاسم: يؤخذ من الحربي عشر ذلك معمولاً.
قال أبو محمد: انظر قوله: «معمولاً».
م: وإذا قدم بفضة استأجر على ضربها وكانت ألف درهم ضرب له تسعمائة، وأما من ينظر ما به الأجر يضربها لهم أو يبيع منافعه في ضرب مائة، ولو قدم بثياب فاستأجر على صبغها وهي مائة صبغ له منهت تسعون، فإن لم ينظر في ذلك حتى ضرب الألف وصبغ المائة أخذ منه قيمة ذلك الجزء الذي كان يستحق المسلمون ويعشر أيضاً ذلك العشر، فإن باع أو اشترى بعد ذلك في ذلك البلد بذلك المال لم يؤخذ منه شيء، وإن خرج إلى أفق آخر أخذ منه أيضاً واختلف إذا رجع إلى بلده لتجارة هل يؤخذ منه شيء أم لا؟ فقال مالك: في «المجموعة»: يؤخذ منه.
وقال في «مختصر بن عبد الحكم»: لا يؤخذ منه شيء وإن دخل حربي أو ذمي بدنانير فصرفها بدراهم أخذ منه عشر الدراهم، وكذلك بدراهم فصرفها بدنانير.
ابن المواز: وأما ما حاكه الذمي ببلده فلا شيء عليه.

[الباب الثالث عشر]

جامع ما جاء في الجزية

قال الله تعالى في الكتابيين: "حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون" وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب».
وقد أخذها صلى الله عليه وسلم من مجوس هجر، وأخذها عثمان من البربر، وقد جرى من هذا في كتاب الجهاد.
قال ابن القاسم وغيره: تؤخذ الجزية ممن دان بغير دين الإسلام بدين يقر عليه أهل الكتاب أو غيرهم ومن نصارى العرب، وتؤخذ من نصارى بني تغلب ولا تضاعف عليهم.
قلت: أرأيت نصارى بني تغلب أيؤخذ منهم في جزيتهم الصدقة مضاعفة؟]

قال: ما سمعت ذلك ولو كانت تؤخذ منهم كذلك ما جهلناه.
قال أبو إسحاق: وإنما أراد أن يسمى ما يؤخذ منهم صدقة ولا يمسى جزية ويضعفون ذلك لتزول عنهم الذلة بصرف اسم الجزية فأنكر ذلك؛ لأن الله تعالى أراد إذلالهم، وقال: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) قال: فألزمهم الصغار والذلة، فلو سميت صدقة صاروا كالمسلمين الذين تؤخذ منهم الصدقة.
ابن وهب: وإن عمر بن عبد العزيز قال لنصارى كلب وتغلب: "لا نأخذ منكم الصدقة وعليكم الجزية" فقالوا: أتجعلنا كالعبيد؟ فقال: "لا نأخذ منكم إلا الجزية" فتوفي عمر وهو على ذلك.
فصل 3 - في مقدار الجزية ومن كتاب ابن المواز: ولا يزاد في الجزية على ما فرض عمر بن الخطاب أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهما على أهل الورق وإن كثر يسرهم، قال ابن القاسم: ولا ينقص من ذلك.

واحتج مالك بقول عمر بن الخطاب: "وقد فرضت لكم الفرائض وسنت لكم السنن".
قال عبد الوهاب: لأن عمر فرضها على هذا المقدار بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه أحد بل صوبوا رأيه إلا أن يضعف عنها أحد فيخفف عنه، وكذلك قال أسبغ ومحمد: يخفف عمن لا يقدر، وقد كتب عمر بن عبد العزيز أن يخفف عن جماجمهم فإن احتاجوا فاطرحوها عنهم، فإن احتاجوا فأنفقوا عليهم وأسلفوهم من بيت المال.
قال مالك: وتوضع عن أهل الذمة ضيافة ثلاثة أيام التي جعل عليهم عمر؛ لأنه لم يوف لهم بما ينبغي من الذمة.
قال سحنون: وقد كان فرض عليهم عمر أرزاق المسلمين من الحنطة مدان على كل نفس في الشهر مع ثلاثة أقساط زيت ممن كان من أهل الشام والجزيرة.
وأما أهل مصر فاردب من حنطة كل شهر ولا أدري كم من الودك والعسل وكسوة كان يكسوها عمر للناس وعلى أن يضيفوا من مر بهم من أهل الإسلام ثلاثة أيام.

[وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعاً كل شهر على كل رجل وكسوة معروفة لا أعرف قدرها يكسوها عمر للناس.
ومن «كتاب ابن القرطي»: فإن منع أهل الذمة الجزية قوتلوا وسبوا ولا تؤخذ من رهبان أهل الذمة [جزية].
قال مطرف وابن الماجشون: وهذا في مبتدأ حملها وأما من ترهب بعد أن ضربت عليه وأخذت منه فإنها لا تزول عنه، وكذلك قال مالك.
وأما رهبان الكنائس فلم ينه عن قتلهم ولا توضع الجزية عنهم وهم الشمامسة الذين قال فيهم الصديق: «وستجد قوماً فحصوا عن أوساط رؤوسهم فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف».
ومن «المدونة»: قال مالك: ولا جزية على نصراني أعتقه مسلم، ولو جعلت عليه الجزية كان العتق أضر به وقاله علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- والشعبي وقال: ذمته ذمة مولاه.
قال ابن القاسم: فإن أعتقه ذمي كان على العبد المعتق الجزية كما يؤخذ من عبيد

النصارى إذا تجروا في بلاد المسلمين العشر.
قال أشهب: وبلغني أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال في النصراني: يعتق لا جزية عليه، ولم يفسر من أعتقه.
قال في «كتاب محمد»: قلت: لمالك: فإن أعتقه نصراني؟ قال: لا أدري.
قال أشهب: وأنا أرى ألا جزية عليه.
وقال ابن حبيب: في النصراني يعتقه مسلم: قد اختلف فيه وأحب إلي أن تؤخذ منهم الجزية صغاراً لهم.
م: ووجه هذا: فلأنه حر نصراني، فوجب أن تكون عليه الجزية، أصله الذمي، ولا وجه لقول أشهب، والقياس قول ابن القاسم.
ومن طريق الأثر عن علي وغيره ولا مخالف له من الصحابة ولأن ذمته ذمة مولاه وقيل: «إن مولى القوم منهم».
يريد: في الحرمة، فحرمة كل معتق كحرمة مولاه، وذمته ذمة مولاه.
ومن «المدونة»: قال ابن القاسم: وإذا لم تؤخذ من الذمي الجزية سنة حتى أسلم فلا يؤخذ منه شيء، لأن مالكاً قال في أهل حصن هو دنوا ثلاث سنين على أن يعطوا كل سنة شيئاً معلوماً فأعطوهم سنة واحدة ثم أسلموا: إنه يوضع عنهم ما بقي عليهم ولا يؤخذ منهم شيء.
قال ابن القاسم: والمال الذي هو دنوا عليه مثل الجزية].

قال: وبلغني أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله أن يضعوا الجزية عمن أسلم من أهل الجزية حتى يسلمون، قال مالك: وهي السنة التي لا اختلف فيها.
قال مالك: وإذا أسلم أحد من أهل الصلح سقطت الجزية عنه وعن أرضه وكانت أرضه له.
قال: وإن كان من أهل العنوه لم تكن أرضه له ولا ماله ولا داره وسقطت الجزية عنه.
ابن وهب: وقاله عمر بن الخطاب، وابن شهاب.
م: يريد: ماله الذي اكتسبه قبل الفتح، قال أبو محمد: وأما ما أكتسبه بعد الفتح فأسلم فإنه له، قاله مالك.
ابن وهب: وكان ابن عمر، وابن عباس ومالك، وغيره يكرهون بيع أرض العنوه.

[الباب: الرابع عشر]

فيمن امتنع من أداء زكاته أو أخرجها قبل وجوبها، أو أكره على ذلك.

والزكاة فريضة، ومن امتنع من أدائها أخذت منه كرهاً، فإن امتنع وكانت له منعة قوتل، وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "ولو منعوني عقالاً لجادلتهم عليه".
قال ابن وهب عن مالك في قول الصديق: "ولو منعوني عقالاً" قال: هو الفريضة من الإبل.
ابن وهب: وهو البعير، وقيل: سعاية عام، واحتج لذلك بقول الشاعر: سعى عقالاً لم يترك لنا سيداً... فكيف أو قد سعى عمرو عقالين وقيل: إنما عنى بالعقال ما يعقل به البعير، وقد يكون هذا من أبي بكر رضي الله عنه على طريق المبالغة.

[م: وهو الذي أراد والله أعلم.
قال مالك: فإذا علم الإمام من أحد أنه لا يؤدي الزكاة فليأخذها منه كرهاً.
قال أشهب في «المجموعة»: ويحسن أدبه إن كان الوالي يقسمها، وإن كان على غير ذلك فلا يعرض له.
قال في «كتاب ابن القرظي»: وإن عرف بمنعها ولم يظهر له مال سجن، وإن كانوا أهل بلد قوتلوا، ولا يقاتلوا في منع زكاة الفطر.
قال مالك في «العتبية»: و «الموطأ»: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله في رجل منع زكاة ماله: أن دعه، فندم الرجل وأداها فقبلها منه عمر.
ومن «المدونة»: وإذا غلب خوارج على أهل بلد أعواماً فلم يؤدوا زكاة مواشيهم فليأخذهم الإمام العدل إن ظهر عليهم بزكاة ما تقدم للحرث والماشية وغيرها.
قال أشهب: إلا أن يقولوا قد أدينا ما قبلنا فلا يأخذهم إلا بزكاة عام ظهوره عليهم، لأنهم متأولون بخلاف الهارب.

وقد وقت الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم للزكاة وقتاً لا يتجاوز عنه وهو الحول في العين والماشية، ويوم الحصاد في الحرث.
قال عبد الوهاب: فلا يجوز إخراج زكاة قبل وجوبها [خلافاً] لأبي حنيفة والشافعي، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول».
ولأنه تقديم للزكاة قبل وجوبها كما لو قدمها لحولين أو ثلاثة، ولأنها أحد الأركان الخمسة التي بني الإسلام عليها فتقديمها قبل وجوبها لا يسقط الفرض، أصله الصلاة والصوم والحج.
قال مالك فيمن عجل زكاته من عين أو حرث أو ماشية قبل وقتها لسنة أو سنتين: لم يجز.
قال مالك: في زكاة العين: إلا أن يكون قبل الحول بيسير فلا بأس به، وأحب إلي أن لا يفعل حتى يحول عليه الحول.
ابن المواز وقاله أشهب، ورواه عن مالك والليث: أنه إذا أخرجها قبل محلها لم]

تجزه، واحتجا بالصلاة.
قال ابن المواز: لا تجزئه إلا ما كان قبل الحول بيوم أو يومين والفضل ألا يفعل.
وقال ابن حبيب عن من لقي من أصحاب مالك: لا تجزئه إلا فيما قرب مثل خمسة أيام أو عشرة.
وقال عيسى عن ابن القاسم: لا أحب له أم يفعل إلا بأمر قريب وأرى الشهر قريبا على تزحيف وكره.
م: والقياس رواية أشهب أنه لا يجزي قبل محلها كالصلاة، وما عداه استحسان.
ومن المدونة: قال: وأو عجل زكاة الماشية لعامين لم تجزه وأخذه المصدق بزكاة ما يجد عنده، وإذا أداها قبل أن يتقارب لم تجزه كمن صلى قبل الوقت فلا تجزئه.
ابن وهب ابن المواز: قال ابن وهب عن مالك: وإن أخذها منه الساعي قبل محلها جبراً لم تجزه، وقال ابن القاسم: إن أخذه بزكاة زرعه بعد ما يبس أو بزكاة غنمه أو ماله قبل محله فإن كان بقرب محلها أجزأه، والزرع أبينه.

ومن المدونة قال مالك: وإن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين.
ابن وهب: وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تخرج زكاة الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى.

[الباب الخامس عشر]

[في دفع الزكاة إلى الإمام العدل وغير العدل

قال مالك: وإذا كان الإمام يعدل لم يسع أحد أن يفرق زكاة ماله الناض ولا غيره، وليدفع الزكاة إلى الإمام.
ابن المواز: قال أشهب: وذلك إذا كان الإمام عدلاً يقسمها على العدل بغير تفريط ولا ضيعة ولا يحبسها عن أهلها ولم يحدث فيها شيئاً.
قال غيره: قبل القسم، وإن كان غير ما شرطت لك فلا تدفعها إليه إن خفي لك ذلك.
وإن دفعها إلى غير العدل، وهو يقدر أن يخفيها عنه فلا تجزئه وليخرجها ثانية إلا أن يأخذها منه كرهاً فعسى أن تجزئه، وأحب إلي أن يعيد احتياطاً، ولا أرى له على هذا القول أن ينتظره في حرث ولا ماشية، وليس عليه بواجب أن يأخذ به وأرجو أن يكون في سعة إن شاء الله.
قال مالك وابن القاسم: وإن طلب بها فقال: أخرجتها، فإن كان الإمام عدلاً مثل عمر بن عبد العزيز فلا يقبل منه، وقال أشهب: يقبل منه إن كان صالحاً، وإن كان متهماً بمنع الزكاة فلا يقبل منه، وإن كان الإمام غير عدل فليصدقه ولا أراه بفاعل.
ومن «المدونة»: قال مالك: وأما زكاة الماشية وما أنبتت الأرض فإن الإمام يبعث في ذلك.
قال ابن المواز: وإنما يبعث الإمام في المواشي والحبوب لتعذر الحمل، لئلا يشق على أهلها حمل ذلك وجلبه فيكلفوا ما ليس عليهم فيظلمون.
قال مالك: إلا أن يكونوا ممن لا ترد عليهم السعاة لبعدهم فعليهم أن يجلبوا ما عليهم إلى المدينة،

وإن كانوا ضعافاً أو يصطلحوا على قيمتها، ولم ير بأخذ القيمة في مثل هذا بأساً.
قال عنه أشهب: فإن اختلفوا في القيمة سئل أهل الصلاح كيف كان العمل عندهم [فيه] فيعمل عليه.
ومن «المدونة»: قال ابن القاسم: وإذا غلب خوارج على بلد أعواماً فأخذوا من الناس الزكاة والجزية ثم قوتلوا، لم يؤخذ ذلك من الناس ثانية وأجزأ ما أخذوا، وقاله أبو سعيد الخدري، وسعد بن مالك، وأبو هريرة، وابن عمر وغيرهم.
قال في «كتاب ابن المواز»: وكذلك قوم غلبوا على البلاد وأخذوا الزكاة ثم غلبهم السلطان وأخرجهم منها، فلا يأخذ من الناس الزكاة ثانية، وهم مثل الخوارج وقد رأيت].

مالكاً يقرب بعضهم إذا أخذوها عند محلها، وقد كان ابن عمر يدفع زكاة ماله إلى من غلب على المدينة عن أمراء الفتنة، وأحب إلينا أن يدفع إليهم أن استطاع ويخرج ذلك إلى من فرضها الله دون أهل الجور والخلاف.

الباب: السادس عشر]

فيمن حلت زكاته وهو مسافر وإخراج الزكاة من بلد إلى بلد

قال مالك: ومن سافر بتجارة وهو مدير وله ناض ببلده فحال عليه الحول وهو في سفره ببلد آخر فليزك عما معه وعما خلف ببلده، / وكذلك إن خلف ماله كله ببلده إلا أن يخاف الحاجة ولا قوت معه فليؤخر ذلك حتى يقدم بلده، فإن وجد من يسلفه زكاته حيث هو فليتسلف ويخرج زكاته أحب إلي، وقد كان يقول يقسم في بلاده.
وقال أشهب: إذا كان ماله ببلده وكان يقسم في بلاده عاجلاً عند حولها وشبه ذلك فلا يقسمها في سفره، وتأخير ذلك إلى بلده أفضل إلا أن يكون بموضع هو به في سفره حاجة ملحة ونازلة شديدة فليزك هناك أحب إلي إذا كان يجد ذلك، إلا أن يخاف أن يؤدى عنه ببلده فليس ذلك عليه.

[وقال بعض المتأخرين: وهذا إذا كان سفره مما يعود منه قبل وجوب الزكاة فعاقه عن ذلك أمر، وإن كان سفره مما يعلم أنه لا يعود منه حتى يحول عليه الحول فعليه أن يوكل من يخرج عنه عند حوله، فأما إن لم يفعل ذلك كان متعدياً وتصير الزكاة في ذمته، وإذا صارت في ذمته وجب عليه أن يخرجها الآن، وإن كان محتاجاً على أحد قولي مالك أن المراعاة موضع المالك، وكذلك على القول بجواز نقلها، وأما على قول سحنون فيؤخر حتى يصل إلى بلده.
فصل قال مالك: والعمل في الصدقة أن لا تخرج من موضع وجبت فيه، كانت عين أو حرث أو ماشية إلا أن تفضل عنهم فضلة فتجعل في أقرب البلدان إليهم، وإن بلغه عن بعض أهل البلدان أن سنة وحاجة نزلت بهم فنقل ذلك إليهم جل تلك الصدقة، رأيت ذلك صواباً؛ لأن المسلمين أسوة فيما بينهم إذا نزلت الحاجة.
ولو بلغ رجل من [غير] أهل المدينة عن أهل المدينة حاجة فبعث إليهم من زكاة ماله كان ذلك صواباً.
قال ابن القاسم في غير «المدونة»: وإذا نقل الإمام زكاة بلد إلى بلد أخرى فلا يتكارى عليه من الفيء، وليبع ذلك ويشتري مثله بالموضع الذي يريد قسمته فيه.
وقال في موضع آخر: عن مالك: أنه يتكارى عليه من الفيء ولا يبيعه.
قال ابن حبيب في مثل هذا: أو يعطى أجر حملها منها لا على من أخذت منه.
قال سحنون: ومن أخرج زكاته إلى غير قريته وبقريته فقراء لم تجزئه.
قال أبو بكر بن اللباد: هذا استحسان وهي تجزئه، وفي باب قسم الزكاة إيعاب هذا.

وقال ابن الماجشون في «ثمانية أبي زيد»: يقسم في الموضع الذي أخذت منه الزكاة سهم الفقراء والمساكين، وأما الستة الأسهم فتقسم بأمر الإمام في أمهات البلاد التي فيها الأئمة.
قال بعض المتأخرين: القياس إذا كانوا فقراء بين الأغنياء أن لا تنقل عنهم زكاتهم فيكلفوا أن يطلبوا زكاة قوم آخرين في بلاد أخرى، أو يقيموا على خصاصة أو يكلف من هو بينهم من الأغنياء مواساتهم.
في زكاة المعادن

[الباب السابع عشر]

جامع ما جاء في زكاة المعادن

وقد أقطع النبي صلى الله عليه وسلم لبلال بن الحارث معادن القبلية.
قال ربيعة: فما يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة.
قال مالك وأشهب: ولما كان ما يخرج من المعدن يعتمل كما يعتمل الزرع وينبت كنباته كان مثله في تعجيل زكاته، كما قال الله سبحانه في الزرع: (وآتوا حقه يوم حصاده) وأخذ منه حينئذ ربع العشر؛ لأنها زكاة الذهب والفضة].

قال ابن القاسم: ولا زكاة فيما يخرج من المعدن من ذهب أو فضة حتى يبلغ وزن ذلك عشرين ديناراً من الذهب أو مائتي درهم من الفضة، مثل الزرع لا يؤخذ منه شيء حتى يبلغ خمسة أوسق فيأخذ منه فما زاد فبحسابه فكذلك المعدن، ثم كلما اتصل بعد ذلك خروجه مما قل أو كثر أخذ منه ربع عشره.
[فصل 3 - هل تضم القائمة التي حال حولها لها يكمل بها نصاباً من المعدن؟] قال عبد الوهاب: وإن خرج منه دون النصاب، وعنده مال حل حوله إذا ضمه إلى ما يخرج من المعدن كان نصابا فليزك الجميع ما كان بيده وما خرج من المعدن؛ لأن شرط وجوب الزكاة قد وجد فيهما فوجب ضمهما، ثم يزكي ما يخرج بعد ذلك من قليل أو كثير.
م: وهذا خلاف للمدونة، ودليلنا: أنه يلزم على هذا أن لو خرج له من المعدن عشرة دنانير ثم انقطع ذلك النيل وابتدأ آخر فخرج له منه عشرة أخرى والعشرة الأولى بيده أن يضيف ذلك ويزكى؛ لأنه يقول: لو كان له عشرة دنانير حل حولها لأضافها إلى هذه التي خرجت له أخيراً وزكى، فإضافتها إلى المعدنية الأولى أولى وهذا خلاف لقول مالك.

[فصل 3 - في الواجب في الندرة] ومن المدونة قبل مالك: إلا أن يتقطع ذلك النيل ويأتتف نيلاً آخر فيكون كابتدائه، وهذا كله فيما يتكلف بعمل، فأما الندرة وهي ما يندر من ذهب أو فضة أو الذهب يوجد فيه نابتاً فما لم يكن فيه كبير عمل أو نيل بعمل يسير ففيه الخمس، وما نيل من ذلك يتكلف ومؤنه ففيه الزكاة.
أشهب: وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز، وقاله أبو الزناد.
ومن كتاب ابن سحنون: قال سحنون عن ابن نافع عن مالك في الندرة تخرج من المعدن ليس فيها إلا الزكاة، وإنما الخمس في الركاز وهو دفن الجاهلية، وبه آخذ سحنون.
م: وهذا هو القياس، لأنه مال معدن نصابا لم يتملك/ قبل ذلك فوجب أن

[تكون فيه الزكاة بخلاف الركاز.
ووجه الأولى: أنه لم يكن فيه كلفة كالمال الموضوع، فأشبه الركاز، وظاهر هذا القول أنه يؤخذ منه الخمس، وإن كان أقل من عشرين ديناراً كالركاز.
ولو قال قائل: لا يكون ندره ولا يؤخذ منه الخمس حتى يكون نصاباً لم أعبه لأنه مال معدن، وقد قال: ليس في المعدن زكاة حتى يبلغ عشرين ديناراً، فهو على عمومه، يكون وجه هذا: أنه ثقل فيما يؤخذ منه لقلة مؤنته، فجعل فيه الخمس زكاة ذهب الركاز، وفيما ينل بمؤنة وتعب جعل زكاة الذهب غير الركاز ربع العشر كما فعل فيما يسقى من الزرع بالسواني نصف العشر لمؤنته وفيما يسقى سيحاً أو بعلاً العشر لخفة مؤنته، ثم لا يوجد من ذلك شيء في الوجهين حتى يكون نصاباً، فكذلك هذا، والله أعلم.
قال سحنون: وإذا أصاب في نيل المعدن مائة درهم ثم انقطع وابتدأ العمل فأخرج مائة أخرى، فلا يضم ذلك بعضه إلى بعض كزرع ائتنفه بعد حصاده الأول.
قال: ولو].

أن له أربع معادن أو أقطعها لم يضم ما يصيب في كل واحد منها إلى باقيها ولا يزكى إلا عن مائتي درهم فأكثر من كل معدن، وكل معدن كسنة مؤتنفه في الزرع، وليس كزرع في مواضع يضم بعضه إلى بعض إذا زرع في عام واحد.
وقال محمد بن مسلمة: يضم بعضها إلى بعض ويزكى الجميع كالزرع.
م: وهذا أقيس.
[فصل 5 - هل يشترط في زكاة المعدن ما يشترط في الزكاة من حرية المالك له وإسلامه؟] ومن الواضحة: قال ابن الماجشون: والشركاء في المعدن كالواحد، والعبد كالحر، والذمي كالمسلم، وذو الدين كمن لا دين له، كالركاز يجده من ذكرنا، وكذلك ذكر عنه سحنون.
وقال سحنون: لا زكاة فيه إلا على حر مسلم كحكم الزكاة، وقاله المغيرة.
قال سحنون: والشريكان فيه كشريكي الزرع.

[فصل 6 - الدين لا يسقط زكاة المعدن، ومصارف زكاة المعدن في مصارف الزكاة] ومن المدونة قال مالك: ولا يسقط الدين زكاة المعدن كالزرع.
قال ابن القاسم: ويفرق زكاته على الفقراء كالزكاة لا كالفيء.
[فصل 7 - المعدن حكمه للإمام إلا ما ظهر منه في أرض الصلح فهو لأهل الصلح] قال مالك: وللإمام إقطاع المعادن لمن رأى ويقبض زكاتها، وكذلك ما ظهر من المعادن في أرض العرب أو أرض البربر فالإمام يليها ويقطعها لمن رأى ويأخذ زكاتها، وكذلك ما ظهر منها بأرض العنوه فهو للإمام؛ لأن الأرض ليست للذين أخذوها عنوة.
وأما ما ظهر منها في أرض الصلح فهو لأهل الصلح، لهم أن يمنعوا الناس أن يعملوا فيها أو يأذنوا لهم دون الإمام.
قال ابن القاسم في المستخرجة: فأما إن أسلم الصلحي فإنه يرجع أمر المعدن الذي ظهر في أرضه إلى الإمام.
قال أبو محمد: وفي كتاب ابن المواز وأحسبه لمالك أنه إن أسلم أهل الصلح فأرضهم وما ظهر لهم فيها من معدن لهم دون السلطان، وكذلك ما كان لهم فيها من معدن قديم.
قال ابن المواز: وإذا أسلم أهل الصلح فلابد من الزكاة في معادنهم، وكذلك من عاملهم فيها من مسلم قبل إسلامهم فعليه الزكاة كما لو زرع في أرضهم بكراء.

[فصل 8 - في موضع المعدن] ومن الواضحة قال: والمعادن على وجهين: فمعادن في فيافى أرض العرب، وأرض العنوه، وأرض الصلح، فذلك للسلطان يأذن فيها لمن يشاء ويقطعها لمن أحب ما عاش أو إلى وقت بوقته ويأخذ منها الزكاة، وللذي أقطعت له معاملة الناس فيها على ما يحل من غير بيع، وللإمام أن يحولها من رجل إلى رجل ولا يجوز له أن يقطعها عطية تمليك للأبد، كما لا تقطع أرض العنوه تمليكاً لكن قطيعة إمتاع والأرض للمسلمين فهذا وجه، والوجه الآخر: ما ظهر منها في الأرض التي صارت ملكا للناس من جبالهم وأرضهم المعتمرة فلا حكم للإمام في هذه، ولا يزيل ملك ربها عنها ظهور المعدن فيها كانت أرض صلح أو عنوة أو من أرض العرب، وهي لمن ظهرت في أرضه، له أن يعامل الناس فيها على ما يجوز وفيها الزكاة، وهذا تفسير من لقيت من أصحاب مالك.
أبو محمد: انظر قوله: عنوة أراه فيما مدن من المدائن وأحيي من الموات.
وقال ابن نافع وسحنون: إنما ينظر الإمام في الفيافي التي كالأموات، وأما من ظهر له / له في أرض يملكها أو في خطته معدن فهو له، وليس للإمام عليه سبيل.
قال ابن نافع: وما ظهر منها في أرض الصلح فهو لأهل الصلح، ومعادن القبلية لم تكن خطة لأحد، وإنما كانت بفلاة.
وقال يحيي عن ابن القاسم في العتبية: ما ظهر من معدن في أرض رجل خاصة،

أو أرض ذمي من أهل العنوه أو أرض موات فالأمر في ذلك كله إلى الإمام إلا ما ظهر منها في أرض الصلح فهي لأهل الصلح يوفى لهم بعهدهم.
م: وتلخيص هذا الاختلاف: أن المعادن على ثلاثة أقسام: ما ظهر منها في أرض العرب أو البربر أو العنوه فالإمام يليها ويقطعها لمن رأى، ولا خلاف في ذلك، وما ظهر منها في أرض الصلح، فقيل: الأمر فيه لأهل الصلح، وقيل للإمام، وما ظهر منها في أرض رجل، فقيل أمره للرجل، وقيل أمره للإمام.
[فصل 9 - معادن غير الذهب والفضة لا زكاة فيها ولا خمس] ومن المدونة قال مالك: وأما معادن النحاس والرصاص والزرنيخ والحديد وشبه ذلك فلا زكاة فيها.
قال أشهب: وقد أخطأ من جعل في ذلك زكاة أو خمساً لأنه ليس بركاز.

[الباب: الثامن عشر]

جامع القول في الركاز

[فصل 1 - الواجب في الركاز، ودليله] قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وفي الركاز الخمس" فعم، فوجب على واجده خمسه وإن كان قليلا لعموم الحديث؛ ولأنه مال الكفار فكان فيه الخمس كالغنائم.
قال مالك: وما وجد في أرض العرب كأرض اليمن والحجاز وفيافي الأرض من ركاز ذهب أو فضة فهو لمن وجده وعليه فيه الخمس بخلاف ما وجد في أرض الصلح أو العنوه وسواء كان قليلا أو كثيرا وإن نقص عن مائتي درهم، أصابه غني أو فقير، أو مديان، ولا يسع الفقير أن يذهب بجميعه لموضع فقره.
قال ابن المواز: وكذلك إن أصابه ذمي فعليه فيه الخمس، ووقع في كتاب محمد أن العبيد إذا اجتمعوا فغنموا أو النصارى فلا يخمس ما وجدوا.

قال سحنون: قال ابن نافع: أصيب في بلد عنوة أو صلح أو أرض العرب، أصابه حر أو عبد أو امرأة، فهو لمن وجده، وعليه الخمس.
قال عيلي عن مالك: من وجد ركازاً في موضع اشتراه أو في منزل غيره فهو لر المنزل دون من أصابه، وقال ابن نافع: بل هو لمن وجده وعليه فيه الخمس.
قال ابن حبيب: الركاز دفن الجاهلية خاصة، والكنز يقع على دفن الجاهلية ودفن الإسلام، فدفن الإسلام فيه التعريف، قال عبد الوهاب: كما يعرف باللقطة عاما ثم يتصرف فيه إن اختار بشرط الضمان لصاحبه.
قال ابن الحبيب: وفي دفن الجاهلية الخمس، وباقية لمن وجده، كان في أرض العرب أو أرض عنوه أو صلح، قاله مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع، وأصبغ، ورواه ابن وهب عن علي بن أبي طالب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والليث، وفرق ابن القاسم فيه بين أرض العرب وأرض الصلح والعنوه ببلاغ عن مالك، واحتج بالسفطين اللذين ردهما عمر وذلك شيء يسير، قال في العتيبة: وليس ذلك بركاز.
[فصل 3 - في صفة الركاز، والفرق بينه وبين المعدن] ومن المدونة قال مال: وما نيل من دفن الجاهلية بعمل أو بغير عمل فهو

سواء، وقال أيضا في موضع آخر: سمعت أهل العلم يقولون في الركاز إنما هو دفن الجاهلية ما لم يطلب بمال أو يتكلف فيه كبير عمل، فأما ما طلب بمال أو تكلف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطئ مرة فليس بركاز وهو الأمر عندنا.
م: يريد بقوله في الذي يصاب مرة ويخطأ مرة هو المعدن لا دفن الجاهلية، وإنما أراد أن يبين صورة الركاز وصورة المعدن كذلك فسره بعض العلماء.
[فصل 3 - في الركاز يوجد في أرض الصلح أو في أرض العنوه أو في بلد الحرب] وفي المدونة قال مالك: وما وجد من ركاز بأرض الصلح فهو للذين صالحوا على أرضهم ولا يخمس ولا يؤخذ منهم شيء، قال سحنون: ويكون لأهل تلك القرية دون الإقليم، قال مالك: وإن وجد في دار أحدهم فهو لجميعهم إلا أن يجده رب الدار وهو من أهل الصلح فهو له إلا أن يكون رب الدار ليس من أهل الصلح فيكون ذلك لأهل الصلح دونه.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: إن وجده رجل في أرض الصلح في دار صلحي فهو لرب الدار ولا خمس عليه فيه.
قال أبو إسحاق: وهذا يؤيد قول مالك: أن من ملك ظاهر الأرض ملك ما في داخلها من ركاز ومعدن وكذلك من أشتراها.
وقد اختلف أصحابنها فيمن اشترى أرضاً فوجد فيها عمراً أو صخراً من الأولين

فهو على ما ذكرناه وبالله التوفيق.
ومن المدونة: قال: وما أصيب في أرض العنوه من ركاز فهو لجميع من افتتحها، وليس هو لمن وجده دونهم وفيه الخمس ويقسم خمسة في مواضع الخمس، قال ابن القاسم: وهو بين؛ /لأن ما في داخلها بمنزلة ما في خارجها فهو لجميع أهل تلك البلاد ويخمس، وقد قال عمر بن الخطاب في السفطين الذين وجدوا في كنز النخيرجان حين قدم بهما عليه فأراد أن يقسمهما بالمدينة فرأى عمر أن الملائكة تدفع في صدره عنهما في المنام فقال: ما أرى هذا يصلح فردهما إلى الجيش الذين أصابوه وأمر أن يباعا ويعطيا للمقاتلة والعيال، وقد كان ذانك السفطين كنزاً دل عليه بعدما فتحت البلاد وسكن الناس واتخذوا الأهلين.
قال مالك: ومن وجد ببلد الحرب ركازاً فهو لجميع الجيش الذين معه لأنه إنما نال ذلك بهم، قال في كتاب ابن المواز: ويخمس ويكون خمسة من سائر خمس غنائمهم.
وبالله التوفيق.
قال فيه أشهب: إن وجد كنز في أرض الصلح فكان الكنز مما يجوز أن يكون لهم فإنه يعرف به، وإن كان مما لا يجوز أن يكون لهم ولا لمن يرثوه عنهم وهو لقوم لا ذمة لهم لمن وجده ويخمس، قال: وإن كانت أرض عنوة فكان مما يجوز أن يكون لهم فهو للذين افتتحوا البلاد إلا الخمس فهو فيء وإن لم يعرف القوم فهو للمسلمين عامة وخمسه

في، قال سحنون: يسلك بأربعة أخماسه مسلك اللقطة فيتصدق بها على مساكين تلك البلدة إن كانوت من بقايا الذين افتتحوها، وإن كانوا ابتنوا غيرها رأى فيها الإمام رأيه.
قال أشهب: وإن كان الكنز مما لا يكون لأهل هذه العنوه ولا لورثتهم فهو لمن وجده وفيه الخمس.
م: فالركاز على مذهب ابن القاسم على أربعة أقسام: ما وجد منه في أرض العرب وفيافى الأرض فهو لمن وجده وفيه الخمس، وما وجد بأرض الصلح فهو للذين صالحوا على أرضهم ولا يخمس وما وجد العنوة فهو لجميع من افتتحها وفيه الخمس، وما وجد بأرض الحرب فهو لجميع الجيش وفيه الخمس.
وابن نافع يرى أنه في جميع ذلك لمن وجده وفيه الخمس.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وما أصيب في دفن الجاهلية من الجوهر والزبرجد والحديد والرصاص والنحاس واللؤلؤ والياقوت وجميع الجوهر فقد قال مالك مرة فيه الخمس ثم قال: لا خمس فيه، ثم قال آخر ما فارقناه أن فيه الخمس، وبه أقول، ولم يختلف قوله قط فيها أصيب من ذهب أو فضة أنه ركاز وفيه الخمس.
ابن المواز: قال أشهب: لا أكره حفرها ونبشهم منها وسلبهم ما فيها من مال أو حرز أو ثوب وفيه الخمس، وليس حرمتهم موتى بأعظم منها وهم أحياء، وهو مأجور في فعل ذلك بالأحياء منهم، قال سحنون: قال ابن القاسم عن مالك وليس بضيق إن فعله

أحد ولكني أكرهه.
م: واختلف في وجه كراهية مالك لذلك فذكر عن أبي محمد انه قال: إنما كره الطلب في القبور الجاهلية وحفرها خوفاً أن يصادف قبر نبي أو رجل صالح، وحكي عن أبي القابسي أنه قال: إنما كره ذلك الحديث الذي جاء: ((لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا وأنتم باكون فان لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم))، فلا ينبغي أن يدخل عليهم إلا للاعتبار والبكاء، وأما لطلب الدنيا واللهو فلا.
م: وهذا أحسن.

[الباب: التاسع عشر]

في زكاة الجوهر والعنبر واللؤلؤ وزكاة الخضر والفواكه

روي أن ابن عباس قال: ((لا زكاة في العنبر إنما هو شيء دسره البحر.
قال ابن القاسم: وليس في الجوهر، واللؤلؤ، والعنبر زكاة، قال: ومن حال الحول على الفلوس عنده قيمتها مئتا درهم فلا زكاة عليه فيها، وهذا مما لا اختلاف فيه، إلا أن يكون مديراً فيقومها كالعرض، قال / وسالت مالكاً: هل تباع الفلوس بالدنانير والدراهم نظره، أو يباع فلس بفلسين؟ فقال: أكره ذلك وليس بمنزله الذهب والورق في الكراهة.
فصل] في زكاة الخضر والفواكه [ روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس في الخضر زكاة))،وقاله عمر بن الخطاب وعلي وغيرهما.

قال أبو محمد: ولم يأت أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء أخذوا من الخضر زكاة واتصل العمل بذلك فكانت الفواكه مثلها إذ ليس ذلك من أصل المعايش المقتاتة، وهذا قول مالك وأصحابه ومن اتبعهم إلا ابن حبيب فانه قال في الثمار التي لها أصول في الزكاة مدخره أو غير مدخره.
ومن المدونة قال مالك: وليس في الخضر كلها والبقل والقضب والفرط والقصيل والبطيخ والقتاء وما أشبه ذلك زكاة ولا في أثمان ذلك حتى يحول عليه الحول من يوم تقبض.
قال مالك: وكذلك التفاح، والرمان والسفرجل، قال في موضع آخر: ولا في الجوز، واللوز، والتين، وما يبس ويدخر من الفواكه زكاة إلا في

العنب، والتمر، والزيتون، والحب، والقطنية، وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً فاخذ من الحتطة والشعير والتمر والزبيب ولم يأخذ من الخضر.
قال ابن وهب: وقال علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو ابن العاص وغير واحد من العلماء ومالك والليث ليس في التوابل والزعفران والكرسف والعصفر زكاة.

[الباب: العشرون]

جامع ما جاء في قسم الزكاة

قال الله تبارك وتعالي: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ فعلمنها مواضيعها، ولو كان ذلك قسمه مجزأة لكان للعامل عليها الثمن ولم يرجع سهم المؤلفة لانقطاعهم، علي بقيه الأصناف، ولا خلاف في ذلك.
] فصل 1 - الصف الأول والثاني: الفقير والمسكين [ ومن المجموعة روي علي بن زياد عن مالك قال: الفقير والمسكين المذكران في الصدقة مفترقان.
وقال عنه المغيرة: الفقير: الذي يحرم الرزق، والمسكين الذي لا يجد غني يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسال الناس.
قال ابن حبيب: سمعت محمد بن سلام يقول: الذي له علقة من

جارٍ التحميل