وقال مالك فيمن لم يجد هدياً فتصدق بثمنه فلا يجزيه.
ومن دفع الهدى حياً إلى المساكين بعد أن بلغ محله وأمرهم بنحره ورجع إلى بلده لا فاستحيوه فعليه بدله، كان واجباً أو تطوعاً، وإنما يجزئه: أن يدفعه إليهم بعد أن ينحره.
[فصل 15 - في المتمتع إذا لم يجد الهدي]
وقال مالك في المتمتع إن لم يجد الهدي: فليصم الثلاثة أيان في الحج من يوم يُحْرِم إلى يوم عرفة، وقال أيضاً: يصومها قبل يوم عرفة، فإن لم يفعل صام أيام منى، ثم له وطء أهله في ليالي أيام صيامه بمنى.
قيل لمالك: أيصوم السبعة إذا رجع إلى مكة؟ قال: إذا رجع إلى أهله أجب إلىّ إلاّ أن يقيم بمكة ويجزئه إن صام في طريقه.
قال مالك: فإن نسي الثلاثة حتى صام السبعة؟ قال: فإن وجد هدياً فأحب إلىّ أن يهدي وإلا صام.
قال أصبغ: يعيد حتى يجعل السبعة بعد الثلاثة.
م: لعله يريد: أن يعيد صوم سبعة أيام ويحتسب من السبعة الأولى بثلاثة كمن قدم السور قبل أم القرآن فإنما يعيد السورة، وكمن أطعم في كفارة الصوم ثلاثين مسكينًا مُدَّين مُدَّين فإنه يجزئه أن يطعم ثلاثين غيرهم مُدّاً مُدّاً ويحتسب بمد مما أطعم الأولين.
قال مالك: ويصوم القارن ثلاثة في الحج مثل المتمتع، ولا يجوز له أن يؤخر رجاء أن يجد هديًا، وأحبَ إليّ أن يؤخر إلى عشر ذي الحجة، أو بعده إن رجى هديًا، فإن لم يرج ذلك فليصم.
[الباب السادس]
في تقديم الناس أثقالهم من منى إلى مكة ووقت العمرة
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يقدم الناس أثقالهم من منى إلى مكة.
وقال مالك: وإذا رجع الناس من منى نزلوا بأبطح مكة وهو معروف حيث المقبرة فيصلّوا فيه الظهر والمغرب والعشاء ثم يدخلون مكة بعد العشاء أول الليل، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحب إلي أن يفعل ذلك الأئمة.
واستحب مالك لمن يقتدي به أن لا يدع النزول بالأبطح، ووسع لمن لا يقتدي به في ترك / النزول به وكان يفتي به سراً، ويفتي في العلانية بالنزول في الأبطح لجمي الناس.
قال مالك: ومن أدركه وقت شيء من هذه الصفوات قبل أن يأتي أبطح مكة صلاها.
فصل [في وقت العمرة]
قال مالك: وتجوز العمرة في أيام السنة كلها إلا الحاج فيكره لهم أن يعتمروا حتى تغيب الشمس من آخر أيام الرمي، وكذلك من تعجل في يومين أو خرج حين زالت الشمس من آخر أيام الرمي.
قال ابن القاسم: وإنما سألنا مالكاً عن ذلك حين رأينا من يفعل ذلك ويزعم أن بعض الناس أفتاهم بذلك.
وقال ابن القاسم: ومن أحرم من الحاج بعمرة في أيام الرمي لم تلزمه إلا أن يحرم بعد أن تم رميه من آخر أيام الرمي وحل من إفاضته فيلزمه.
قال ابن المواز: إلا أنه لا يحل منها إلا بعد مغيب الشمس، وقال ابن القاسم، وإحلاله منها قبل ذلك باطل وهو على إحرامه، وإن وطء بعد ذلك الإحلال أفسد عمرته ويقضيها بعد تمامها ويهدي.
ومن المدونة: ومن لم يكن حاجًا من أهل الآفاق فجائز أن يعتمر في أيام التشريق؛ لأنه ليس من الحاج وإنما إحلاله منها بعد أيام منى.
قال ابن القاسم: وسواء عندي كان إحلاله منها بعد أيام منى أو في أيام منى.
قال مالك: والعمرة في السنة إنما هي مرة واحدة، ولو اعتمر بعدها لزمته، كانت الأولى من أشهر الحج أم لا، أراد الحج أم لا، أراد الحج من عامه ذلك أم لا.
قال ابن المواز: وأرجو أن لا يكون بالعمرة مرتين في السنة بأساً، وقد اعتمرت عائشة رضي الله عنها مرتين في عام واحد، فلعله ابن عمر، وابن المنكدر.
وكرهت عائشة عمرتين في شهر، وكرهه القاسم بن محمد.
وفرطت عائشة في العمرة سبع سنين فقضتها في عام واحد.
وروى عن علي في كل شهر مرة.
قال ابن حبيب: ولم ير مطرف بأساً بالعمرة مراراً في السنة.
وقال غير ابن حبيب: وإنما اختار مالك العمرة في السنة مرة استناناً بالنبي صلى الله عليهم وسلم لأنه اعتمر ثلاث في كل عام مرة.
وقد كره كثير من السلف العمرة في السنة مرتين.
قال مالك: العمر في ذي الحجة أفضل منها قبل الحج في أشهر الحج، ولا بأس أن يعتمر الصرورة قبل أن يحج، وقد اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحج.
[الباب السابع]
جامع القول في المحصر بعدو أو مريض
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
فقيل: إن هذا إحصار مرض، ولو كان حصار العدو لقال: "حصرتم"، ومن قال إنه حصار العدو فلا حجة له بأهل الحديبية؛ لأن ما كان معهم من الهي لم يكونوا ساقوه لما عرض من حصر العدو فهو هدي قد نفذ ووجب لقوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ فلم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بهدي لحصرهم.
وقال أشهب في المحصر بعدو إنه يهدي.
وقال ابن القاسم: لا يهدي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر من لم يكن معه هدي عام الحديبية أن يهدي.
قال ذلك: جابر بن عبد الله.
قال مالك: والمحصر بعدو غالب، أو فتنة في حج، أو عمرة يتربص ما رجى كشف ذلك، فإذا أيس أن يصل إلى البيت فليحل بموضعه حيث كان من البلاد في الحرم أو غيره، ولا هدي عليه إلا أن يكون معه هدي فينحره هناك، ويحلق أو يقصر، ويرجع إلى بلده.
م: لأن النبي صلى الله عليه فعل ذلك عام الحديبية.
قال عبد الوهاب: وإنما كان لا هدي عليه: خلافًا لأبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه تحلل مأذون له فيه بغير تفريط فيه وخفيف ذلك عنه كما خفف عنه التحلل من الإحرام.
قال مالك في المدونة: ولا قضاء عليه لحج ولا عمرة إلا أن يكون صرورة فلا يجزئه ذلك من حجة الإسلام، وعليه حجة الإسلام من قابل.
م: قال عبد الوهاب: وإنما قال: لا قضاء عليه خلافًا لأبي حنيفة؛ لأنه ممنوع من فعل المناسك بيد غالبة فلم يلزمه قضاء / أصله إحرام العبد بغير إذن سيده؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم تحلل هو وأصحابه ولم يأمر أحداً منهم بالقضاء ولا روي عنهم أنهم قضوا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أخر حلاق رأسه حتى رجع إلى بلده حلق ولا
دم عليه.
قال ابن القاسم في موضع آخر في المحصر بعدو قبل أن تمضي أيام الحج لا يكون محصراً حتى يفوته الحج أو يصير إن خلي لم يدرك الحج فيما بقي من الأيام فيكون محصراً ويحل مكانه ولا ينتظر ذهاب الحج.
م: وهذا والأول سواء، ومعنى قوله: إذا يئس أن يصل: معناه: فيفوت الحج، أو إن خلي لم يدركه، وقاله بعض شيوخنا.
وقال غيره: بل ذلك اختلاف قول، والأول أبين.
قال بعض شيوخنا: والريح إذا تعذر على أصحاب السفن ليس هو كحصار العدو، وهو مثل المرض لأنهم يقدرون على الخروج في البر فيمضون لحجهم.
فصل [1 - فيمن أحصر بعد أن وقف بعرفة]
قال ابن القاسم: ومن أحصر بعد أن وقف بعرفة، قال سحنون: يريد: أحْصر بمرض، وكذلك لمالك في كتاب ابن حبيب أنَه أُحْصر بمرض.
قال أبو محمد: يريد: وتم وقوفه إلى غروب الشمس فقد تم حجه، ويجزئه من حجة الإسلام، ولا يحله إلا طواف الإفاضة، وعليه لجميع ما فاته من رمي الجمار، والمبيت بالمزدلفة، وبمنى هدي واحد، كمن ترك ذلك ناسياً حتى زالت أيام منى.
قال ابن المواز: ولو كان بعدو لم يهد.
م: وقع في كتاب ابن المواز عن ابن القاسم في هذه المسألة في موضع: أنه أحصر بمرض، وفي موضع آخر: أنه بعدو، وحكي عن أبي محمد أنه قال: قوله بعدو: أصوب، ويكون عليه هدي واحد لجميع ما فاته.
وأما المصدود بعدو قبل وقوفه بعرفة فإنه يحل ولا دم عليه عند ابن القاسم.
والفرق بينهما: أن المصدود بعدو بعد وقوفه بعرفة يجزئه من حجة الإسلام، يريد: إذا رجع فطاف للإفاضة ويرجع حلالًا إلاّ من النساء والصيد والطيب، قال أبو محمد: والمصدود بعدو قبل وقوفه بعرفة لا يجزئه من حجة الإسلام فافترقا.
ومن المدونة: قال ابن القاسم وإذا أحرم مكي بالحج من مكة أو دخل مكة معتمرًا ففرغ من عمرته ثم أحرم بالحج من مكة فأحصر قال سحنون بمرض - حتى فاته الحج فلابد له من الحل ويعمل على العمرة ويحج قابلًا ويهدي.
قال ابن المواز: وأما من دخل مفردًا بالحج أو قارناً ثم فاته الحج بعد أن طاف وسعى أو قبل فلا يخرج إلى الحل لأنه منه دخل بذلك الإحرام الذي يفسخه في عمرة فيحل بأن يطوف ويسعى ثانية ويحلق، وإنما يخرج إلى الحل من دخل أولاً بعمرة ثم قرن في الحرم أو بمكة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك من تمتع فأحرم بالحج من مكة، ثم فاته الحج فإنه يخرج إلى الحل ويعمل فيما بقي عليه ما يعمل المعتمر ويحل.
قال: والمحصر بمرض إذا فاته الحج لا يقطع التلبية حتى يدخل أوائل الحرم ولا يحله من إحرامه إلا البيت وإن تطاول ذلك به سنين ويقيم حتى يصح ويفسخ ذلك في عمرة.
م: والفرق بين المحصر بعدو أنه يحل مكانه، والمحصر بمرض لا يحله من إحرامه إلا البيت وإن تطاول ذلك به سنينًا: لأن الواجب على من أحرم بحج أو عمرة إتمام ما دخل فيه لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، إلا أن يأتي ما لا يمكن الوصول معه إلى البيت وهو خوف العدو فيحل مكانه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فأما المرض ونحوه فإنه يمكنه معه الوصول إلى البيت، لأن المرض لا يحول بينه وبين الذهاب إلى البيت كما يحول العدو بينه وبين البيت.
ولأن خوف العدو يرفعه ورجوعه عنه، ولا يرفع المرض تحلله، فلا فائدة فيه، وهو إن احتاج إلى دواء فيه طيب، أو إلى حلق، أو لباس فعل ذلك وافتدى، فوجب لذلك إلا يحلله إلا البيت، وقد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
قيل: محل الشعائر من الإحرام وغيره من شعائر الحج والخروج منها بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، فكان ذلك مفارقاً لإحصار العدو.
وبالله التوفيق.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن تمادى مرضه إلى حج قابل فمضى على إحرامه الأول وحج به أجزأه من حجة الإسلام ولا دم عليه.
قال: وإذا كان مع المحصر بمرض هدي حبسه حتى يصح فينطلق به معه إلا أن يصيبه من ذلك مرض فتطاول عليه ويخاف على الهدي فليبعث به ينحر بمكة ويقيم هو على إحرامه، فإذا صح مضى، ولا يحل دون البيت، وعليه إذا حل وقد فاته الحج هدي آخر مع حجة القضاء، ولا يجزي عنه هدية الذي بعث به.
قال مالك: ولو لم يبعث به ما أجزأه ذلك الهدي الذي وجب عليه من فوات الحج.
م: لأن ذلك الهدي قد كان أوجبه هدياً فلا يجزئه لما فاته، ويجب عليه في المستقبل.
قال مالك: ومن دخل مكة مفرداً بالحج فطاف وسعى، ثم خرج إلى الطائف / في حاجة له قبل أيام الموسم، ثم أحصر بمرض، أو كان لما دخل مكة وطاف وسعى بين الصفا والمروة أحصر بمكة ولم يحضر الموسم مع الناس لم يجزه الطواف الأول والسعي من إحصاره، ولا يحل إلا بطواف وسعي مؤتنفين، وكذلك من أحصر بمرض ففاته الحج وقدم مكة فطاف فعليه أن يسعى ولا يحل أحد ممن احصر بمرض إلا بعد السعي ثم يحلق.
وانحصر بمرض إذا أصابه أذى فلحق فلينحر الأذى حيث أحب.
قال ابن القاسم: كنت عند مالك سنة خمس وستين ومائة فسئل عن قوم اتهموا بدم وهم محرمون فحبسوا بالمدينة فقال: لا يحلهم إلا البيت ولا يزالوا محرمين في حبسهم حتى يقتلوا أو يخلوا فيحلون بالبيت.
م: وهذا بحصار العدو أشبه منه بإحصار المرض، ولو قاله قايل لم أعبه.
قال ابن القصار: هؤلاء إما أن يكونوا حُبِسُوا بحق فمن قبلهم أوتوا فهم مفرطون فذلك كالفوات، وإن كانوا مظلومين فلا أعرف فيهم نصاً فيحتمل أن يحلو من إحرامهم ولا قضاء عليهم، كمن منعه العدو، وهذا هو القياس.
ويحتمل أن يكون الفرق بينهم وبين حصر العدو من وجهين:
أحدهما: إن هذا قد حصر حصراً خاصاً لم يعدم معه ما هو شرط في وجوب الحج وهو سلوك الطريق لأن الطريق مسلوكة.
والوجه الثاني: إن الحصر إذا كان خاصًا فليس في إيجاب القضاء مشقة شديدة، وإذا كان عامًا ففي إيجاب القضاء مشقة شديدة فلم يجب فيه القضاء.
م: والصواب عندي: أنهم إن حبسوا بظلم أنهم بحصار العدو أشبه؛ لأنه حبس من قبل آدمي، وإن حبسوا بحق فمن قبلهم أوتوا فهم كالمفرطين حين فاتهم الحج فيجب عليهم القضاء، وهو معنى قول مالك، والله أعلم.
فصل [3 - فيمن أخذ مالًا ليحج به عن ميت فصده عن البيت عدو]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أخذ مالاً ليحج به عن ميت فصدّه عن البيت عدو، فإن كان أخذه على البلاغ ردّ ما فضل عن نفقته ذاهباً ورجعاً.
وإن كان أجيراً كان له من الأجر بحساب مسيره إلى الموضع الذي صدّ فيه ورد ما بقي.
قال مالك: ولو مات الأجير في الطريق فإنه يحاسب، فيكون له من الأجر بقدر ما بلغ من الطريق ويردّ ما فضل.
قال ابن حبيب: وإن أحصر الأجير بمرض فنفقته على نفسه ما أقام مريضاً حتى يصل إلى البيت.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أُحْصِر صاحب البلاغ بمرض فلا شيء عليه وله نفقته من مال الميت ما أقام مريضاً، وإن أقام إلى حج قابل أجزأ ذلك عن الميت، وإن لم يقم إلى حج قابل وقوي على الذهاب قبل ذلك إلى البيت فله نفقته.
قال ابن حبيب: وإن مات في الطريق فله ما أنفق إلى أن مات أنفق قليلاً أو كثيراً.
فصل [3 - في خروج المرأة إلى الحج]
ومن المدونة قال مالك: وتحج المرأة مع وليها فإن أبى أو لم يكن لها ولي ووجدت من تخرج معه من رجال أو نساء مأمونين فلتخرج.
م: إنما قال ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تسافر المرأة سفر يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم منها»، والضيعة نصيبها أو كما قال: فإذا لم يكن لها ذو محرم فوجدت رجالاً ونساء مأمونين فقد أمنت مما يخاف عليها كأنها مع ذي محرم.
[الباب الثامن]
جامع القول في الوصية بالحج
قال أبو محمد: ولما لم يأت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا عن سلف الأمة أن أحداً صلى عن أحد حيّ أو ميت كان الحج عنهما ضعيفاً إذ فيه صلاة وعمل بدون سيما في الفريضة.
والقائلة للنبي صلى الله عليه وسلم: إن فريضة الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة فأذن لها أن تحج عنه ليس بأصل لهذا؛ لأن أباها لم تكن وجبت عليه الفريضة قط، والآخر: إنما يحج عن من وجبت عليه مرة مع احتمال سؤالها أنه بعد موت أبيها، وفي غيره من الأحاديث تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أذن أن يحج عن قد مات.
قال مالك: ولا ينبغي أن يحج أحد حي زمن، أو غيره، ولا أن يتطوع به عن ميت، صرورة كان المحجوج عنه أم لا، / ويتطوع عنه بغير ذلك أحب إلي،
يهدي عنه، أو يتصدق، أو يعتق.
قال في كتاب ابن المواز: وهذه دار الهجر لم يبلغنا أن أحداً فيها منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم حج عن أحد ولا أمر بذلك ولا أذن فيه.
قال فيه وفي المدونة: إلا أن يوصى به فينفذ عنه من ثلثه.
قال عبد الوهاب: وقال الشافعي: يلزم الحج عنه من رأس ماله أوصى به أولم يوص إذا مات قبل أن يحج.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ معناه: أن يحجوا البيت، وذلك ممتنع بعد الموت، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من مات قبل أن يحج فليمت إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً»، فلو لزم الحج عنه من ماله لم يغلظه هذا التغليظ، ولأنها عبادة على البدن، فلم يلزم أداؤها عنه في المال كالصلاة؛ ولأنها عباد تدخلها الكفارتان فلم تلزم بعد الموت كالصيام.
قال أشهب: وإذا دفع رجل صحيح إلى رجل ليحج عنه لزمهما ذلك، وإنما يكر بدء فإذا نزل لم يرد لما فيه من الاختلاف.
قال عبد الوهاب: وتصح الإجازة عندنا على الحج خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنها عبادة تتعلق بالمال، وتصح النيابة فيها، فيصح أخذ الأجرة عليها، ولأنه لما صحت النيابة فيها بغير أجر جازت بالأجر، وقياساً على أخذ الأجر على القضاء وبناء القناطر والمساجد.
قال ابن وهب: يحج عن الأبوين، أو عن ولده، أو عن أخيه، أو عن غيرهم من القرابة القريبة.
قال أبو محمد: يريد: عن الموتى تطوّعاً.
قال ابن حبيب: وقد جاءت الرخصة في ذلك في الحج عن الكبير الذي لا منهض فيه ولا يحج، أو عن من مات ولم يحج أن جائزاً لابنه أن يحج عنه وإن لم
يوص ويجزئه إن شاء الله، والله أوسع بعباده وأحق بالتجاوز.
ومن المدونة: قال مالك: وإن أوصى رجل أن يحج عنه فليحج عنه من قد حج عن نفسه أحبّ إليّ، قال ابن القاسم: فإن جهلوا فاستأجروا من لم يحج أجزأه عنه، وكذلك إن أوصى بعمرة أنفذ أيضاً.
ابن المواز: وقال أشهب: لا بأس أن يستأجر له صرورة ممن لا يجد السبيل إلى الحج، فأما من يجد السبيل إليه فلا ينبغي أن يعان على ذلك، فإن أحجّوه عنه أساءوا ويجزئه.
قال عبد الوهاب: وإنما كره أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه لقوله صلى الله عليه وسلم للذي سمعه يحرم عن غيره: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة».
فإن حج عن غيره كانت لمن حج عنه، خلافاً للشافعي في قوله: إنها تنقلب فتكون له دون من أحرم عنه.
ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم للتي سألته أن تحج عن أبيها، فقال: «أرأيت لو كان على أبيك
دين فقضيتيه أكان ينفع؟» قالت: نعم، فقال: «فكذلك هذا»، ولم يشترط أن تكون قد حجت عن نفسها.
ولأن بقاء الفرض عليه لا يمنعه أن يتطوع، أصله إذا صام تطوعاً وعليه قضاء رمضان، ولأنه إذا أحرم من غيره لم ينقلب عن نفسه، أصله إذا كان قد حج.
ابن المواز: وقال مالك في امرأة أوصت أن يحج عنها إن حمل ذلك ثلثها، فإن لم يحمل أعتق به رقبة، فحمل ثلثها الحج، قال: أرى أن يعتق عنها ولا يحج.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أخذ مالاً ليحج به عن ميت من بعض الآفاق فاعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة لم يجزيء ذلك عن الميت، وعليه أن يحج أخرى عن الميت كما استؤجر.
م: وحكي عن بعض شيوخنا أنه قال: ويلزمه أن يحج عنه من الموضع الذي استؤجر فيه لا من الميقات؛ لأنه لما اعتمر عن نفسه فكأنه إنما خرج لذلك.
م: والذي أرى: أنه إن رجع فأحرم من ميقات الميت فإنه يجزئه؛ لأنه منه تعدى فأحرم عن نفسه، وكان الواجب عليه أن يحرم منه عن من استأجره فإذا رجع فأحرم منه عنه فلم ينقصه مما شرط عليه.
وقد قال مالك في كتاب محمد فيمن شرط عليه أن لا يقدم قبل الحج عمر فقدن عمرة وتمتع فذلك يجزي عنه ولا حجة عليه.
وقال ابن القاسم: عليه أن يوفيهم ما شرطوا أو يرد عليهم ما قبض منهم، ثم رجع إلى قول مالك أن يجزي عنه.
قال في الأسدية: إن اعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة أجزأه إلا أن يشترط عليه أن يحرم عنه من أفق من الآفاق أو من المواقيت فليرجع ثانية.
وقال في العتبية: سواء اشترطوا عليه أن يُحرِم عنه من ذي الحليفة أو لم يشترطوا، وأراه ضامناً للحج؛ لأن من استؤجر على الحج عن ميت فعليه أن يحرم من ميقات الميت.
قال ابن المواز: إذا كان خروجه عن الميت وأحرم عن الميت من الميقات أجزأ ذلك، وإن حج عن الميت من مكة فعليه البدل.
ومن المدونة قال: ولو قرن ونوى بالعمرة عن نفسه، والحج عن الميت ضمن المال؛ لأنه أشرك في عملهم غير ما أمروه به، وعليه دم القران.
قال ابن المواز: رجع ابن القاسم عن قوله يرد المال، وقال: يضمن حتى يحج ثانية.
م: وحكي عن أبي الحسن بن القابسي أنه قال: الفرق بين هذه المسألة وبين
المسألة التي اعتمر فيها عن نفسه وحج عن الميت من مكة على قوله في هذه يرد المال؛ لأن الذي يحج عن الميت من مكة قد حج عن الميت لا شك فيه، وإنما أخطأ في العمل حين أحرم من مكة فأمر بالعودة، والذي قرن خائن؛ لأن القران إنما هو في القلب، فيقال له: أنت قد خنت في نّيتك فلا يبقى المال بيدك حين ظهرنا على خيانتك وفساد عملك.
وقال ابن حبيب: إذا أخذ المال على البلاغ فقرن أو تمتع فقد أساء ولا يضمن وعليه في ماله هدي.
ولو اعتمر عن نفسه، ثم حج عن الميت، أو قرن ينوي العمرة فقط عن نفسه لضمن المال في الوجهين.
م: فصار في الذي اعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة ثلاثة أقوال: قول: إنه يجزئه، وقول: إنه يعيد عن الميت، وقول: إنه يضمن المال.
وإن قرن ونوى بالعمرة عن نفسه فقولان: قول: إنه يضمن المال، وقول: إنه يعبد عن الميت.
قال ابن المواز: روى أبو زيد عن ابن القاسم أنه قال في الذين جهلوا فاستأجروا صرورة ممن لا يجد السبيل لحج ونوى بالحجة عن نفسه وعن الميت فإنه يجزئه عن نفسه، ويعيد عن الميت.
وروى عنه أصبغ: أنه لا يجزئه عن واحد منهما، وقاله أصبغ، وليرجع ثانية الميت، وبه أخذ محمد.
قال ابن القاسم: وإن استؤجر لحج عن ميت فوطأ في الحج فليرد النفقة ويتم ما هو
فيه من ماله ويحج ثانية للفساد من ماله ويهدي، ثم يحج عن الميت بتلك النفقة إن شاء الورثة، وإن شاءوا استأجروا غيره، وقالوا أشهب.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا أفسد حجه بإصابة أهله فعليه القضاء بحجة صحيحة من ماله، وسواء استؤجر عليها، أو أخذ المال على البلاغ.
م: وهذا يجري على اختلافهم فيمن أفسد حجة القضاء، أو أفسد يوماً من قضاء رمضان.
قال في العتبية: وإن كان إنما أصابه أمر من الله تعالى ليس من قبله مثل أن يمرض أو ينكسر فإنه يقضي ذلك الحج عن الميت أحبّ إلي، وسواء كان استؤجر مقاطعة، أو أخذ المال على البلاغ.
وكذلك الذي يحصر حتى يفوته الحج أو يختفي عليه الهلال حتى يفوته الحج.
وقال ابن القاسم في كتاب ابن المواز في الذي يحصر عن الميت بعدوّ: أنه إن أخذ المال على البلاغ فله نفقته حتى يحل بموضعه وحتى يرجع، ويرد ما فضل، وإن كان أجيراً حوسب وكان له من الأجر بقدر مسيره وردّ ما فضل وهو رأيي.
وقال مالك في أجير الحج يموت في الطريق فإنه يحاسب بقدر ما سار ويرد ما فضل.
قلت: فإن أحصر بمرض؟
قال: إن أخذ المال على البلاغ فله نفقته ما أقام مريضاً في مال الميت وإن أقام إلى حج قابل ويجزئ ذلك عن الميت، وذلك إن لم يقدر على الذهاب إلى البيت، وإن قدر أن يذهب إليه فليذهب حتى يحل بعمرة ولابد له من ذلك وله نفقته، وكذلك إذا أغمى عليه حتى فاته الحج.
ابن المواز: وإن أخذ المال على الإجارة فذلك لازم له أبداً.
فصل [1 - يصح حج المرأة عن الرجل والعكس ولا يجزئ أن يحج عبد أو صبي عن من لم يحج].
قال في كتاب الوصايا: وتحج المرأة الحرة عن الرجل، والرجل الحر عن المرأة، ولا يجزي أن يحج عنه عبد أو صبي أو من فيه علقة رق ويضمن الدافع إليهم إلا أن يظن أن العبد حر، وقد اجتهد ولم يعلم فإنه لا يضمن.
وقال غيره: لا يزول عنه الضمان بجهله به.
قال: وإن أوصى غير الصرورة أن يحج منه عبد أو صبي بمال فذلك نافذ ويدفع إليه ذلك ليحج عنه إن أذن السيد للعبد أو الوصي للصبي وذلك أنه كتطوع أوصى به فهو لو لم يكن صرورة وأوصى بحجة تطوع أنفذت ولم ترد، فهذا مثله، وإن كان على الصبي فيه مشقة أو ضرورة فلا يأذن له فيه وصيه، وكذلك إن لم يستطع، أو كان ليس بنظر له، وذلك كإذنه له في سفر لتجارة.
وقال غيره: لا يجوز للوصي أن يأذن له في هذا.
قال ابن القاسم: فإن لم يأذن له وليه وقف المال لبلوغه، فإن حج به وإلا رجع ميراثاً؛ لأنه قصد التطوع إذا أوصى بحج الصبي والعبد.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ولو كان صرورة حتى يعلم أنه للفريضة لأنفذ ذلك لغيرهما مكانه، ولا ينتظر به عتق العبد ولا بلوغ الصبي، لأن العبد، والصبي ممن احج لهما.
وكذلك إن أوصى بعتق عبد فلم يبعه، فإن كان في واجب / جعل في غيره، وإن كان تطوّعاً عاد ميراثاً بعد الاستيناء والإياس من العبد.
قال ابن القاسم: ولو أوصى الصرورة أن يحج عنه رجل بعينه فأبى ذلك الرجل أن يحج عنه فليحج عنه غيره، بخلاف المتطوع الذي قد حج، هذا إن أبى الرجل رجع المال ميراثاً، كالموصى له بمال فردّه، أو يوصي بشراء عبد بعينه للعتق فلا يبعه ربه.
وقال غيره: لا يرجع ميراثاً، وهو كالصرورة؛ لأن الحج إنما أراد به نفسه، بخلاف الوصية لمسكين بعينه بمال فرده، أو بشراء عبد بعينه للعتق.
وإن أوصى أن يحج عنه وارث بثلثه أنفذ الحج ولم يزد على النفقة والكراء شيئاً، يريد: ذاهباً وراجعاً.
ومن كتاب الحج قال مالك: ومن حج عن ميت فالني تجزئه وإن لم يقل لبيك عن فلان.
ومن حج عن ميت فترك من المناسك شيئاً يجب فيه الدم، فإن كانت الحجة لو كانت عن نفسه أجزأته فهي تجزيء عن الميت.
وكل ما لم يتعمد من ذلك أو فعله لضرورة فوجب به عليه هدي، أو أغمى عليه أيام منى حتى رمى عنه غيره، أو أصابه أذى فأماطه فلزمه فدية، كانت الفدية، والهدي في مال الميت، وهذا كله في أخذه المال على البلاغ، وما وجب في ذلك بتعمده فهو في ماله.
ومن أخذ مالاً ليحج به عن ميت على البلاغ فسقطت منه نفقته رجع من سقطت منه، ونفقته في رجوعه عليهم.
وفي رواية أخرى: عليه، وقال ابن حبيب.
والرّواية: أنها عليهم أحسن، وكذلك ذكر ابن المواز عن ابن القاسم.
قال ابن القاسم: ولو كان في الثلث بقية ما كان عليهم أن يحجوا غيره.
وقال أشهب: عليهم أن يحجوا غيره من بقية الثلث، كالوصية بالعتق يموت العبد بعد أن يشتري قبل العتق فيعتق من بقية الثلث عبد آخر.
ومن المدونة: قال مالك: وإن تمادى هذا الذي سقطت نفقته ولم يرجع فهو متطوع ولا شيء عليهم في ذهابه، قال ابن اللباد: ولا في رجوعه إلى موضع سقوطها منه، وله من ذلك الموضع إلى بلوغه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: إلا أن تسقط نفقته بعد إحرامه فليمض؛ لأنه لما أحرم لم يستطع الرجوع، وينفق في ذهابه ورجوعه ويكون ذلك على الذي دفع إليه المال ليحج به عن الميت.
وقال ابن حبيب: يكون ذلك في مال الميت ذاهباً وراجعاً، فإن لم يكن له مال فعلى من دفع المال إلى هذا الحاج.
وقال ابن شبلون وابن القابسي: الصواب أن يكون المال على الوصي الذي دفع إليه المال على البلاغ؛ لأنه غرر في الدفع إليه على البلاغ وكان الصواب أن يدفعه إليه على الإجارة ولا يكون شيء من ذلك في مال الميت.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو أخذه على الإجارة فسقطت فهو ضامن للحج أحرم أو لم يحرم.
ابن المواز: قال مالك: ومن أخذ مالاً على البلاغ فله أن يُنْفِقَ ما لابد له منه مما يصلحه من الكعك والزيت والخل واللحم المرّة بعد المرّة وشبه ذلك والوطاء واللحاف والثياب، فإذا رجع ردّ ما فضل من ذلك كله.
والكراء على البلاغ والإجازة في الكراهية سواء، وأحبّ إلينا أن يؤاجر نفسه بشيء مسمى لأنه إذا مات حوسب بما سار وأخذ من تركته ما بقي وكان هذا أحوط من البلاغ وليس له أن يؤاجر من ماله غيره؛ لأنه شرط عليه أن يحج بنفسه فانفسخ ذلك بموته إلا أن يكون إنما جعله في ذمته.
م: قال بعض شيوخنا: وإذا استؤجر على الحج مطلقاً كان ذلك محمولاً على أنه في ذمته حتى يشترط أنه بعينه يحج.
م: وهذا كقول ابن المواز إذا أكرى منه على أن يحمله إلى بلد كذا على دابة أو سفينة وقد أحضرها ولا يعلم له غيرها أن ذلك في ذمته حتى يقول له: تحملني على دابتك هذه فيكون قد عيّن.
وقال غيره من القرويين في المكري عن الحج: بل ذلك يقتضي التعيين إذا وقع مطلقاً، كمن يؤجر داره، أو نفسه في خدمة أن ذلك على الفور ويقتضي التعيين، واستحسنه بعض أصحابنا.
وحكي عن أبي محمد فيمن استؤجر أن يحج عن ميت ولم يذكر له متى يخرج: أنا إجازة لا تجوز؛ لأن يصير كأنه متى شاء خرج، إلا أن يشترط عليه الشروع فيجوز.
وذكر عن أبي الحسن بن القابسي فيمن دفع إليه مال ليحج به عن ميت فصدّ عن البيت / أو مات في الطريق فأعطي بقدر إجارته إلى ذلك الموضع فإنما يستأجرون للميت مرّة أخرى من ذلك الموضع الذي صد فيه أو مات.
وسئل أبو محمد فيمن استؤجر ليحج عن ميت فصدّ عن الطلوع، فأراد المقام إلى قابل لوفاء ما استؤجر عليه، هل ترى حجه قابلاً مجزئاً عن الميت؟.
فقال: الحج مجزيء عن الميت، وليس ينتهي إلى ما قيل لكم إنه فسخ الدين في الدين إذا لم يعملا عليه، وقد قال أصحابنا: إن عليه الحج ويصير مطلوباً، فكيف بهذا؟ ولكن لو تحاكما لوجبت المحاسبة، فإن لم ينظر في ذلك حتى أجزأ عن الميت.
فصل [3 - في الموصي يسمي قدراً معلوماً ليحج به عنه فتفضل منه فضلة]
ومن أوصى أن يحج عنه بهذه الأربعين ديناراً فدفعوها إلى رجل ليحج على البلاغ ففضلت منها عشرون ديناراً فليرد إلى الورثة ما فضل كمن قال: أعتقوا عني عبد فلان بها فيبيعه بثلاثين.
قال ابن المواز: إذا سمي ما يعطى فذلك كله للموصى له إلا أن يرضى بدونه بعد علمه بالوصية، وهذا إذا قال: يحج عني فلان بهذه الأربعين فدفعوها إليه على البلاغ ففضلت عشرون ديناراً، أو قال: يحج بها رجل فيرضى بدون ذلك بعد علمه بالوصية، فأما إن قال: حجوا بها عني، أو قال: يحج بها عني فها هنا تنفذ كلها في حجتين، أو ثلاث، أو أكثر، ولو جعل ذلك في حجة واحد كان أحسن.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قال: أعطوا فلاناً أربعين ديناراً يحج بها عني فاستأجروه بثلاثين فحج، فالعشرة الفاضلة ميراثاً؛ لأن مالكاً قال فيمن أوصى أن يشتري له غلام بمائة دينار فيعتق فاشتروه بثمانين أن البقية ميراث.
قال ابن المواز: إنما هذا إذا عرف صاحب الغلام والذي يحج بما أوصى له به من الثمن فيرضى بدونه وإلا فالوصية نافذة.
ومن المدونة: قال مالك: ومن دفع إليه رجل أربعة عشر ديناراً يتكارى بها من المدينة من يحج عن ميت فاكترى له بعشرة فليرد الأربعة إلى من دفعها إليه ولا يردها على الذي حج عن الميت.
ابن المواز: قال أشهب فيمن أوصى أن يحج عنه بثلثه ولم يقل حجة واحدة، والثلث كثير، وهو صرورة فليدفع الثلث كله في حجة واحدة، وإن كان غير صرورة فأستحسن أن يدفع الثلث كله في حجة أيضاً، وإن حج به عنه حججاً لم أر بذلك بأساً.
وقال ابن القاسم في العتبية: يعطى الثلث إن كان كثيراً في حجج لرجال يحجون به حججاً.
ابن المواز: قال أشهب: ويحج عن الميت من موضع أوصى كالحالف يحنث إن لم تكن له نّية فليمش من موضع حلف عنه من أمام ذلك إلى مكة ضمنوا وليحجوا عنه من موضع مات.
ومن استؤجر ليحج عن ميت ثم بدى له لما بلغه ذلك من الكراهية فقال ابن القاسم: إن الإجازة تلزمه.
قال ابن القاسم: ومن أوصى أن يحج عنه بمال فلم يوجد من يحج به من مكانه لقلته فليدفع من موضع يوجد، ولو سمى الميت فقال: من الأندلس أو من بلد كذا فلم
يوجد من يحج بها عنه رجعت ميراثاً، وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم في العتيبة أنه فَرَّق بينه إذا سمى وإذا لم يسم.
ابن المواز: قال أشهب: بل يتقدم بها إلى بلد يوجد من يحج بها منه يلزم ذلك الورثة.
قال ابن المواز: إن كان صرورة فقول أشهب أحسن، وإن لم يكن صرورة فهو ميراث إذا عرفت عزيمة الميت أنه أراد من موضع سمى.
وقال أصبغ كقول أشهب أن ذلك سواء سمى الميت بلداً أو لم يسم، وليتقدم بها من موضع يبلغ، قال أصبغ إلا أن يستثني الميت ألاّ يحج إلا من البلد الذي ذكره ويعلم ذلك من مذهبه.
فصل [3 - فيمن أوصى أن يمشي عنه في يمين حنث فيها]
ابن المواز: قال مالك فيمن أوصى أن يمشي عنه في يمين حنث فيها فليهد عنه هذيين وإن لم يجد فهدي واحد، ولا يمشي أحد عن أحد.
قيل: فإن أوصى بذلك ولده فوعده الابن أن يمشي عنه؟ قال: فليتم له ما وعده، وكذلك قال ابن القاسم في العتبية إذا أوصى أن يمشى عنه فليهدي عنه هديين، فإن لم يجد فهدي واحد، وقال سحنون: لا يلزمه الهدي إلا أن يوصي به.
قال ابن القاسم: وقال مالك فيمن مشى عن أحد وحج عن نفسه وهو صرورة: أجزأت عنه حجة الفريضة ولم يضره مشيه الذي مشى عن أحد، قال ابن القاسم: لأنه لا يمشي أحد عن أحد بخلاف أن لو مشى عن نفسه وعن حجة الفريضة/ هذا يجزئه مشيه لنذره وعليه حجة الإسلام.
قال ابن القاسم فيمن عليه أن يمشي حافياً وأوصى أن يُسْأل عن يمينه فينفذ عنه ما يلزمه قال: ينظر إلى كفاف النفقة والكراء إلى مكة فيهدي عنه به هدايا.
فصل [4 - الحج واجب على الفور]
ومن المدونة قال مالك: وينبغي للأعزب يفيد مالاً أن يحج به قبل أن يتزوج، وحجه به أولى من قضائه ديناً على أبيه.
م: إنما قال ذلك؛ لأن الحج عندنا على الفور ولا يجوز تأخيره للقادر عليه إلا من عذر.
وقال الشافعي: هو على التراخي فإن شاء فعله وإن شاء تركه طول عمره بشرط العزم على أدائه من غير وقت معين ولا إثم عليه إن مات ولم يحج.
ودليلنا: أن الأمر عندنا على الفور؛ لأن الأمر لما اقتضى إيقاع الفعل، وكان الفعل لابد له من زمان يقع فيه ولا ذكر له في اللفظ بتقديم ولا تأخير وكانت الأفعال تختلف
أحكامها باختلاف أوقاتها فيكون الفعل في وقتٍ طاعة وفي وقتٍ معصية وأجمعوا على أنه إذا وقع في الوقت الأول فقد أُوْقع فلم يثبت ما عداه وقتاً إلا بدليل، ولأن الأمر لما اقتضى الإيقاع ولم يقع للترك ذِكْر، وجب فعله عقيب الأمر، ولأنّ تأخيره لو جاز لم يخل أن يكون إلى غاية أو إلى غير غاية، فإن كان إلى غاية فذلك توقيت وخلاف التراخي، وإن كان لا إلى غاية لم يخل المكلف إذا مات قبل الفعل أن يكون آثما أو غير آثم، وفي القول بأنه آثم وجوب المنع من جواز الترك، وفي القول بأنه غير آثم إخراج الفعل عن الوجوب إلى الندب الذي يكون للمكلف تركه إلى غير غاية ثم لا يأثم إذا كات قبل أن يفعله ولا يعصمه عن هذا إثبات العزم على الإيقاع في المستقبل لأن في ذلك إيجاب لما لم يوجبه الأمر وإسقاط ما أوجبه من العمل.
ولأن أهل اللغة يستحسنون ذم العبد إذا أمره سيده بفعل فتركه وتراخى فيه ولا يذمون السيد على ذمه وضربه له ويعللونه بتراخيه وينسبونه إلى الونى والتقصير وذلك على أنه عندهم على الفور.
ودليلنا في نفس المسألة قوله صلى الله عليه وسلم: «حجوا قبل أن لا تحجوا» وقوله: «من أمكنه الحج ثم مات ولم يحج فليمت إن شاء الله يهودياً أو نصرانياً» هكذا علله
حذَّاق البغداديين.
فصل [5 - هل يلزم الأجير الإشهاد عند إحرامه بأنه أحرم عن فلان؟]
وسئل أبو عمران الفاسي عن الأجراء على الحج هل عليهم أن يشهدوا أنهم أحرموا عن من استأجرهم؟ فقال: ليس ذلك عليهم، قال: فإن لم يشهدوا، وذكروا أنهم قد حجوا عنه قال: يدخل ذلك اختلاف مسألتي كتاب الأكرية فيمن استؤجر على توصيل كتاب إلى موضع فيدعي أنه قد وصله.
فرأى أن هذين القولين يدخلان هذه المسألة.
وذكر عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه قال: يلزمه الإشهاد؛ لأن عرف الناس قد جرى على الإشهاد في ذلك فهو كالشرط عليهم إذ عليه يدخلون بخلاف ما قال ابن القاسم في كتاب الأكرية.
ثم كتاب الحج الثاني من الجامع بحمد الله وعونه، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.