ومن المدونة قال ابن القاسم: وإنما شبه مالك البيض بجنين الحرّة، فلو ضرب رجل بطن امرأة فألقت جنيناً ميتاً أو حياً وهو يضطرب فمات قبل أن يستهل صارخاً فليس عليه إلا عشر دية أمه، ولا قسامة فيه، وإن استهل صارخاً ففيه الدية كاملة بقسامة، فعلى الجنين فقس البيض في كل ما يرد عليك منه.
وقال ابن نافع في العتبية: لا آخذ بقول مالك في بيض النّعام، وآخذ فيه بما ذكر عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم: «في كل بيضة صيام يوم».
وقال ابن وهب في كسر بيض النعامة: إن كان فيها فرخ آخذ فيه بقول مالك، وإن كان ماءً فعليه طعام مسكين، أو صيام يوم، كالحُرَّة تُسقط ماءً، أو ما أشبهه.
قال أبو محمد: يريد: فلا غُرَّة فيه.
ومن المدونة: قال: وإذا شوى المحرم بيض النعام لم يصلح أكله لا لحلال ولا لحرام، وكذلك لو كسره وأخرج جزاءه لم يصلح أكله بعد ذلك لأحد.
قال: وإن أفسد وكر طير لا بيض فيه ولا فراخ فلا شيء عليه، وإن كان فيه بيض أو فراخ فالجزاء عليه في الفراخ، وعليه في البيض مثل ما على المحرم في الفراخ؛ لأنه عرّض البيض للهلاك.
قال أبو محمد: أراه يريد: لاحتمال أن يكون البيض تفقص ثم يهلك بعد ذلك لقفس العش.
وفي رواية أخرى عن ابن القاسم: إذا أفسد الوكر وفيه فراخ أو بيض فعليه في البيض ما يكون على المحرم في البيض، وفي الفراخ ما يكون على المحرم في الفراخ.
وفي رواية الدباغ: فعليه في البيض ما على المحرم في الفراخ والبيض.
م: وجه هذا: أنه لما احتمل أن يفسد البيض قبل أن يقفص، واحتمل أن يقفص ثم يهلك بفقد العش ولم يدر كيف فساده جعل عليه كلا الأمرين احتياطاً.
قال: وإذا ضرب مُحْرِم بطن عنز من الظباء فألقت جنيناً ميتاً وسلمت الأم فعليه في الجنين عُشْرُ قيمة أمّه، ولو ماتت العنز بعد ذلك، كان عليه في الجنين عُشْرُ ثمن أمّه، وفي العنز الجزاء كاملاً، ولو استهل الجنين صارخاً، ثمّ مات وماتت أمه، كان عليه جزاء الجنين، وجزاء أمه كاملاً، كقول مالك فيمن ضرب بطن أمه خطأ فألقت جنيناً ميتاً ثم ماتت بعده كان في الجنين عشر دية أمه وفي المرأة الدية كاملة / تحمل ذلك كله العاقلة، ولو استهل الجنين صارخاً ثم مات وماتت أمه كان فيهما على العاقلة
ديتان بقسامة.
قال مالك: ويحكم في صغار كل شيء أصابه المحرم من الصيد والطير والوحش مثل ما يحكم في كباره من جزاء أو إطعام أو غيره.
قال ابن القاسم: كمساواة الحرّ الصغير للكبير في ديته.
ومن قتل فيلاً فعليه جزاؤه بدنة من البدن العظام الخراسانية التي لها سنامان، فإن لم توجد فعليه قيمته طعاماً، قاله ابن ميسر، وقيل: ليس للفيل مثل، وإنما يطعم بقدر وزنه من الطعام لقيمته، لأن ذلك رُبما كَثُر بغلاء عظامه وأنيابه.
وفي كتاب ابن حبيب عن ربيعة في الفيل الوحشي: بدنة.
وقال عطاء في محرم أصاب قرداً أنه يحكم عليه فيه.
[الباب السادس]
جامع القول في الحكمين في جزاء الصيد
[فصل 1 - التحكيم يكون من اثنين عالمين بأحكام الصيد، وتعتبر العدالة فيهما]
قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾.
قال مالك: وإذا أصاب المحرم صيداً حكم فيه حكمان كما قال الله تعالى، ولا يكونا إلاّ عدلين فقهين، ويجوز أن يكونا دون الإمام، ولا يكتفيا في الجزاء بما روي، وليبتدئا بالاجتهاد، ولا يخرجا باجتهادهما عن آثار من مضى.
قال في كتاب ابن المواز: ويحكم في كل شيء من الصيد يصيبه المحرم، صغيره وكبيره، الجراد فما فوقه حكمان، فإن كفّر قبل الحكمين أعاد بهما.
قال عنه أشهب: ولا يكتفيا في الجراد، أو النعامة، أو البقرة فما دون ذلك بالذي جاء في ذلك حتى يؤتنف فيه الحكم، ولا يخرجا عن آثار من مضى.
قيل لمالك: فإن أصاب صيداً فأفتاه مفتٍ بما جاء في ذلك؟
قال: لا يُجتزى في ذلك إلاّ بحكمين، وقال أيضاً: لا: حتى يكون معه غيره، ولو كان في جرادة، وهذا في كل صيد، إلاّ حمام مكة فإن فيه شاة، لا يحتاج فيه إلى حكمين.
قال ابن المواز: وأحب إلينا أن يكون الحكمان في مجلس واحد من أن يكون واحداً بعد واحد، وليس فيما دون الظبي من جميع الأشياء إلا الطعام أو الصيام إلاّ في حمام مكة والحرم.
وتوقف ابن القاسم في حمام الحرم.
وفي الضب اختلاف، روى ابن وهب عن مالك أن فيه شاة، وروى ابن القاسم قيمته طعاماً أو عدل ذلك صياماً، وكذلك الثعلب.
ومن المدونة: وإن حكما فاختلفا، ابتدأ الحكم فيه غيرهما حتى يجتمعا على أمر واحد، وإن أخطأ خطأً بيناً فحكما بشاة فيما فيه بدنة أو بقرة، أو ببدنة فيما شاة انتفض حكمهما ويؤتنف الحكم فيه، والمحكوم عليه مخيّر إنْ شاء أن يحكما عليه بالجزاء من النعم فحكما به فأصابا فأراد بعد حكمهما أن يرجع إلى الطعام أو الصيام فحكما عليه به هما أو غيرهما فذلك له.
قال مالك: ولا يحكم في جزاء الصيد إلا بالجذع من الضأن والثني مما سواه، وما لم يبلغ جزاؤه ذلك ففيه طعام أو صيام.
قال: ولا يحكم بجفرة، ولا بعناق، ولا بدون المُسِن.
ومن المستخرجة: قال ابن وهب: ومن السنة أن يخير الحكمان من أصاب الصَّيد كما خيره الله تعالى في أن يخرج هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مسكين أو عدل ذلك صياماً، فإن اختار الهدي حكما عليه بما يريانه نظيراً لما أصاب من الصيد ما بينهما وبين أن يكون عدل ذلك شاة، لأنها أدنى الهدي، وما لم يبلغ عدله شاة حكما فيه بالطعام بخبراته في أن يُطعم ذلك للمساكين، أو يصوم مكان كل مد يوماً.
ومن المدونة: وإن أراد أن يحكما عليه بالطعام فليقوّما الصيد نفسه حياً بطعام، ولا يقوما جزاءه من النهم، ولو قوما الصيد بدراهم، ثم اشتريا بها طعاماً رجوت أن يكون واسعاً، ولكن تقويمه بالطعام أصوب، ثم إن شاء الصيام، نظر كم ذلك الطعام بمد النبي صلى الله عليه وسلم، فيصوم لكل مُد يوماً، وإن جاز ذلك شهرين أو ثلاثة.
قال: وإن كان في الطعام كسر مُدّ فأحب إليّ أن يصوم لكسر المد يوماً.
قال مالك: ويقوم الصيد على حاله التي كان عليها حين أصابه ولا ينظر إلى فراهته ولا إلى جماله ولكن إلى ما يسوى من الطعام بغير فراهة ولا جمال.
وكذلك البازي إذا أصابه، والفارِه وغير الفارِه سواء.
ويقوّم الصيد بالحنطة، وإن قوّم بشعير، أو تمر أجزأ إذا كان ذلك طعام ذلك الموضع، ويتصدق على كل مسكين من ذلك مدًّا، مُدًّا بمد النبي صلى الله عليه وسلم مصل الحِنطة.
قال: ولا يُطعِم بمُدّ هشام إلا في كفارة الظهار وحده.
قيل: أيقوم الصيد بشيء من القطاني، أو بزبيب، أو أقط، وهو عيش أهل ذلك الموضع الذي أصاب فيه الصيد؟
قال: يجزئ فيه ما يجزئ في كفارة الأيمان، ولا يجزئ فيه مالا يجزئ في كفارة الأيمان.
م: ونقلها أبو محمد: وأما القطنية فلا، ويجزئ فيه من الحبوب ما يجزئ في كفارة الأيمان.
وفي كتاب ابن حبيب: أنّ القطنية لا تجزي في كفارة اليمين، ولا في زكاة الفطر.
وقال أشهب في كتبه: لا بأس أن يخرج في تقويم الصيد، وفي كفّارة اليمين من القطنية إذا كان هو معاشه وقوت عياله.
م: وفي كتاب الزكاة اختلاف الرواية في جواز ذلك في زكاة الفطر.
ومن المدونة: قال: ولو قوّم عليه الصيد بطعام، فأعطى المساكين قيمة الطعام دراهم أو عرضًا لم يجزه، ككفارة الأيمان.
وإن حكم عليه في الجزاء بثلاثين مدًّا فأطعم عشرين مسكينًا ولم يجد عشرة تمام الثلاثين، فله أن يدع الجزاء، ولا يجزئه أن يصوم مكان العشرة، وإنما هو إطعام كله، أو صيام كله، كالظهار، وكفارة الأيمان.
م: يريد: يدع بقية الطعام حتى يجد المساكين وإلا أسقط ما أطعم ورجع إلى الصيام.
[فصل 3 - لزوم التحكيم فيما حكم فيه الصحابة وفيما لم تحكم]
قال عبد الوهاب: وإنما قلنا إن التحكيم يلزم فيما حكمت فيه الصحابة وفيما لم تحكم، خلافًا للشافعي في قوله: إنه يكتفي فيما حكمت فيه الصحابة بما تقدم الحكم به، لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فعمّ.
وإنما قلنا أن ليس به أن يخرج شيئًا من ذلك بنفسه دون التحكيم، ولا يكتفي بأقل من اثنين؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؛ ولأن عمر بن الخطاب دعى عبد الرحمن بن عوف ليحكم معه على رجل قتل صيدًا وهو
محرم، وكذلك دعى كعبًا في قضية أخرى، ولأنه عدد مشترط بالنص، كالحكمين في النشوز.
[فصل 3 - لا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين]
ولا يكون القاتل أحد الحكمين، خلافًا للشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فخاطب بذلك من يلزمه التحكيم، فاقتضى أن يكون الحكمان غير المحكوم عليه، كما قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فاقتضى أن يكون الشاهدان غير المشهود عليه.
ولأنّ الجزاء بدل من المتلف، فلم يرجع فيه إلى أمانة المتلف كتقويم سائر المتلفات.
[فصل [4 - كفارة قتل الصيد على التخيير]
وإنما قلنا إن كفارة قتل الصيد على التخيير، والمحكوم عليه مخير خلافًا لما يحكي عن ابن عباس وغيره من أنها على الترتيب، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، وأو: موضوعها التخيير إذا وردت أمرًا، أو إباحة جنس.
ولأن صفتها ها هنا كهي في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، ومفهومها في ذلك الموضع التخيير، فكذلك مسئلتنا./ [209/ أ]
[فصل 5 - إذا اختار الهدي فلابدّ فيه من الإشعار والتقليد ويرسل من الحل إلى مكة وينحر ويتصدق به فيها]
وإنما قلنا إن اختار المثل أن يكون هدْيًا لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾.
ولا بد أن يُساق من الحل إلى الحرم، خلافًا لأبي حنيفة، والشافعي في أنه إذا اشتراه من الحرم ونحوه أجزأه عندهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ساق هدْيه من الحل إلى
الحرم، وكان فعله بيانًا للمناسك.
[فصل 6 - ما لا يبلغ مثله هدْيًا ففيه حكومة]
م: وإنما قلنا إنّ ما لا يبلغ مثله هدْيًا ففيه حكومة، وهي مثل قيمة لحمه؛ لأنّ هذا سبيل سائر المتلفات أنّ المراعاة فيما له مثل وجوب مثله، فإن عدم المثل فالقيمة مقامه.
ولأن الناس قائلان: معتبر للقيمة في سائر الصيد، ومقتصر بها على ما لا مثل له من النعم، فقد تضمن ذلك الإجماع.
وإنما قلنا إن اختار التكفير بالإطعام قوّم الصيد نفسه بالطعام، لا المثل، خلافًا
للشافعي في أنه يقوّم المِثْل، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾، وظاهره أن يكون الإطعام جزاء عن المقتول ومعتبر به دون المثل، ولأن المتْلَف هو الصيد دون المثل، فوجب أن يكون هو المقوّم كسائر المتْلَفات.
[فصل 7 - في صفة التقويم]
وإنما اخترنا أن يقوم الصيد بالطعام دون الدراهم؛ لأن الطعام بدل من الصيد، فوجب أن يقع به التقويم.
وإنما يقوم بالدراهم: إذا كانت هي المأخوذة في القيمة، وهذا هو الاختيار.
فإنْ قوم الصيد بدراهم ثم اشترى بها طعامًا جاز؛ لأن ذلك يؤول إلى معرفة القيمة من الطعام.
وإنما قلنا يصوم لكسر المدّ يومًا؛ لأن إسقاط الصوم غير جائز، وتبعيضه غير ممكن، فلم يبق إلا جبره بالإكمال، كالأَيْمَان في القَسَامة.
[فصل 8 - في موضع التقويم]
وإنما قلنا يقوم في الموضع الذي قتل فيه الصيد بغالب طعام ذلك الموضع إلاّ أن يكون موضعًا لا طعام فيه ولا قيمة فيعدل إلى أقرب المواضع إليه؛ لأنه لا يوصل إلى معرفة القيمة بأكثر من ذلك.
وإنما قلنا يطعم لكل مسكين مدًّا اعتبارًا بسائر الكفارات.
وفدية الأذى ليست بكفارة، إنما هي فدية مخصوصة بتقدير.
[فصل 9 - إن اختار الصيام صام عن كل مد يومًا]
وإنما قلنا إن اختار الصوم صام لكل مُدّ يومًا.
وقال أبو حنيفة: يصوم لكل مُدّين يومًا.
ودليلنا: اعتبارًا بكفارة الفطر في رمضان؛ لأنه صيام بدل عن إطعام وجب لحرمة عبادة، ولا تدخل عليه كفارة الظهار؛ لأنه ليس لحرمة عبادة، ولا فدية أذى.
[فصل 10 - الواجب في الصيد مثله من النعم أو مقاربه في الخلقة والصورة]
ومن المدونة: قلت: فهل يبلغ بشيء من جزاء الصيد هدْيين؟ قال: ليس من الصيد شيء إلا وله نظير من النعم.
قال: وإن أصاب صيدًا نظيره من الإبل فقال: أحكموا عليّ من النعم ما يكون مثل البعير أو مثل قيمته، فلا يحكم عليه إلا بنظير ما أصاب، إنْ كان من الإبل فمن الإبل، وإن كان من البقر فمن البقر، وإن كان من الغنم فمن الغنم، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، وإنما ينظر إلى مثله في نحوه وعظمه.
قال عبد الوهاب: وإنما قلنا يحكم عليه بمثله لا بقيمته، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه مضمون بالقيمة، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، ففيه أدلة: أحدها: إنّ إطلاق المماثلة من النعم يقتضي الخِلْقَة في هذا النوع دون غيره.
والثاني: قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وهذا كناية عائدة على الجزاء وهو المثل من النعم، ولا ذكر للقيمة في الظاهر.
وأوجب أن يكون نفس الشيء المحكوم به هديًا بالغ الكعبة، وهذا لا يمكن في القيمة.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «والضبع صيد وفيها كبش إذا أصابها المحرم»، ففيه أيضًا أدلة: أحدها: أنه عين الواجب فيها وهو الكبش، وعند المخالف أن الواجب القيمة.
والثاني: أنه جعل فيها جزاءً مقدرًا، وعندهم لا يتقدر؛ لأنه يزيد وينقص باختلاف القيمة.
ولأنه إجماع الصحابة: عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وعائشة، ومعاوية رضوان الله عليهم،
ولا مخالف لهم؛ ولأنه حيوان يخرج في كفارة، فوجب أن لا يكون على وجه القيمة كإعتاق الرقبة.
قال: وفي النعامة بدنه بذلك حكمت الصحابة/ رضي الله عنهم لأنها أشبه [209/ ب] شيء بها من بهيمة الأنعام.
وفي حمار الوحشي والأَيْل بقرة؛ لأنها أقرب شبهًا بهما من الإبل والغنم.
وفي الغزال شاة لأنها أشبه بها من الإبل والبقر.
وفي حمام مكة والحرم شاة بذلك حكمت الصحابة.
[فصل 11 - في صغار الصيد مثل ما في كباره]
وفي صغار الصيد مثل ما في كباره، خلافًا للشافعي في قوله: إن في النعامة الكبيرة بدنة، وفي الصغيرة فَصيلاً، وفي حمار الوحش بقرة، وفي سخْلِه عجلاً.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، فلو تركنا وهذا لقلنا مثله في الكبر والصغر والصورة فلما قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ اقتضى ما يتناوله اسم الهدي بحق الإطلاق، وذلك يقتضي الهدي التام لأمرين:
أحدهما: إن الصحابة قالت: إن الهدي بدنة أو بقرة وأدناه شاة، فلما علم اسم الهدي لم يبق هدي إلا ما هذه صفته.
والآخر: إن من قال: علي هدي، لزمه هدي تام لا صغير.
ولأنه حيوان مخرج باسم الكفارة فلم يختلف باختلاف سن المتلف، أصله الرقبة في كفارة القتل، والظهار.
ومن المدونة: قال مالك: ومن ترك من نسكه شيئًا يجب عليه به الدم، وجزاء الصيد أيضًا، فإن ذلك لا يذبح ولا ينحر إلا بمكة أو بمنى إن كان أوقفه بعرفة ولا يخرجه إلى الحل ثانية.
م: وهذا يدل على أن عرفة في الحل.
قال مالك: وإن أراد أن يحكم عليه في الجزاء بالطعام فإنما يحكم عليه في الموضع الذي أصاب الصيد فيه، فإن حكم عليه فيه بالطعام فلا يطعم في غير ذلك المكان.
قال مالك: يحكم عليه بالمدينة ويطعم بمصر!! إنكارًا لمن يفعل ذلك.
قال ابن القاسم: يريد: إن فعل لم يجزه.
قال في كتاب محمد: إلاّ أن يتفق سعراهما فيجزئه.
وإن أصابه بمصر وهو محرم فأطعم بالمدينة أجزأه؛ لأن السعر بالمدينة أغلى.
قال أصبغ: إذا أخرج على سعره بموضعه ذلك أجزأه إن شاء الله حيث ما كان.
قال مالك: وإن أصاب صغيرًا من الصيد قوّم بالطعام كم يسوى الكبير منه؟ وكما يهدي عن صغيره مثل ما يهدي عن كبيره.
ومن المدونة قال مالك: وأما الصيام في الجزاء فحيث ما شاء من البلاد، والنسك كذلك له أن ينسك أو يطعم أو يصوم أين ما شاء من البلاد.
قال: وإن قال: أحكما علي بالجزاء، ففعلا، فله أن يهديه متى شاء، إن شاء أهداه وهو حلال أو حرام، ولكن إن قلده وهو في الحج لم ينحره إلا بمنى، وإنْ قلده وهو معتمر أو بعث به نحر بمكة.
[فصل 12 - كُلُّ ما صغر عن أن يكون له نظير من النعم يُهْدى، فإنه ليس فيه إلا الطعام أو الصيام]
وإن أصاب المحرم اليربوع، أو الضب، أو الأرنب، وشبهه حكم عليه فيه بقيمته طعامًا، وخُيّر المحرم، فإن شاء أطعم كل مسكين مُدًّا، أو صام لكل مدّ يومًا، وقد تقدم أن في حمام مكة والحرم شاة، وأما دُبْسِيّ الحرم وقمريه، فإن كان من الحمام عند الناس ففيه شاة، واليمام مثل الحمام، وأما حمام غير مكة والحرم ففيه حكومة.
قال: وإذا وطئ المحرم ببعيره على ذباب، أو ذر، أو نمل، فليتصدق بشيء من طعام، وكذلك لو تقلب في نومه على جراد، أو ذباب، أو غيره من الصيد، فعليه الكفارة.
ثمّ كتاب الحج الثالث من الجامع لابن يونس، وهو آخر كتاب الحج بحمد الله تعالى وعونه وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم