الجامع لمسائل المدونةصفحات 673-712

كتاب الحج الثالث من الجامع

صفحات 673-712

قال: وإن أصاب أصابعه قروح فاحتاج إلى أن يداويها ولم يصل إلى ذلك إلاّ بقصَ أظفاره فليفتد، كفدية من أماط الشعر من الأذى.
قلت: فإنْ أخذ المحرم من شاربه؟ قال: قال مالك: من نتف شعره أو شعرات يسيرة أطعم شيئاً من طعام، كان جاهلاً، أو ناسياً، وإن نتف من شعره ما أماط به عنه أذى فليفتد.
قال عنه ابن المواز: إذا أخذ من شاربه افتدى.
ابن المواز: وكذلك إن نتف ما يخفف به عن نفسه أذى وإن قل فإنه يفتدي.
ومن المستخرجة: وسئل مالك همّن شأنه أكل أظفار هو شعر لحيته فيفعل ذلك وهو محرم؟ قال: أرى أن يفتدي بصيام أو نسك أو إطعام.
يريد - فيما أظن -: وإن كان مراراً.
ابن المواز: قال مالك: وليس من شأن المحرم والمحرمة النّظر في المرآة، وذلك خِيفة أن يرى شَعَثَاً فيصلحه، وإن نظر فيها فلا شيء عليه، وليستغفر الله.

ومن المدونة: قال ابن القاسم: وما سمعت مالكاً يحدّ فيما دون إماطة الأذى أكثر من حَفْنَة من شيء من الأشياء، وقد قال في قملة أو قملات حَفْنَ من طعام، قال: والحَفْنة عند مالك بيد واحد.
قال مالك: ولا شيء على المحرم فيما انقلع عند وضوءه من لحيته أو شاربه أو رأسه أو أنفه إذا امتخط، وما حلق الإِكَاف والسَّرج في الركوب من ماقه، وهذا خفيف لابدّ للنّاس منه.
قال: وما فعله القارن من إماطة الأذى، أو طيب، أو نقص من حجه فكفارة واحدة تجزئه لا كفارتين.
وقد تقدمت الحجّة في ذلك.
فصل [8 - من فعل شيئاً من ممنوعات الإحرام، ونوى أن يفعله بعد ذلك ويكرره فإنّ الفدية تتحد في ذلك وإن تراخي الثاني عن الأول] وسئل مالك عن محرم لبس قلنسوة أو عمامة لوجع في رأسه ثم نزعها فعاد إليه ذلك الوجع فلبسها؟ قال مالك: الشأن فيه إنْ كان نزعها على البُرْء وتركها فعليه فديتان، وإن نوى حين إن عاد إليه وجعه أعادها فإنّما عليه فدية واحدة.
وإذا وطئ المحرم مرّة بعد مرّة، ولبس الثياب لوجع به مرّة بعد مرّة ونوى أن يلبسها إلى بُرْئة، يخلعها بالليل ويلبسها بالنهار ومضى لذلك عشرة أيام، أو لم يكن به أذى فديتان، وإن نوى حين نزعها إن عاد إليه وجعه أعادها فإنّما عليه كفّارة واحدة فيما وطئ ولبس.

م: يريد: وليس عليه فيما وطئ إلا هدي واحد، وليس عليه فيما لبس إلاّ كفّارة واحدة.
قال ابن القاسم: لأنّه على نّيته في لبسها، وكذلك المعتمر الذي طاف على غير وضوء فلبس الثياب إنّما عليه فدية واحدة؛ لأنه إنّما أراد لبساً واحداً، وما أصاب هذا المحرم من صيد مرّة بعد مرّة، أو تطيّب مرّة بعد مرّة، فعليه لكل صيد جزاؤه، وكذلك الطيب لكل مرّة فدية، إلاّ أن يكون به جرح فتوى أن يتعالج بدواء فيه طيب حتى يبرأ فإنّما عليه فدية واحدة، وإن لم ينو ذلك فلكل مرّة فدية، فإن أصابه رمد فداواه بدواء فيه طِيب مراراً فليس عليه لكل ما داوى به رمده ذلك إلا فدية واحدة، فإن انقطع رمده ذلك ثمّ رمد بعد ذلك فداواه فعليه فدية أخرى؛ لأنّ هذا وجع غير الأول، وكذلك إن كان في جسده قُرْحة فداواها بدواء فيه طيب مراراً فلي عليه إلاّ فدية واحدة إذا أراد أن يدويها حتى يبرأ، فإن ظهرت به قُرْحة أخرى فداواها بذلك الدواء الذي فيه الطيب فعليه كفارة أخرى.
قال مالك: وإن احتاج المحرم في فور واحد إلى لباس أصناف لضرورة، فلبس خُفين، وقلنسوة، وقميصاً وسراويل، ونحوه فإنّما عليه في تلك الثياب كلها كفارة واحدة.
قال مالك: وإن احتاج إلى خفين فلبسهما ثم احتاج بعد ذلك إلى قميص فلبسه فعليه كفّارتان؛ لأن حاجته إلى القميص إنما كانت بعدما وجبت عليه الكفارة في الخفين، وعلى هذا اجتمع أمر الناس.
ابن المواز: قال ابن الماجشون: وغن احتاج المحرم إلى لباس قميص، ثمّ استحدث لباس سراويل مع القميص ففدية واحدة، ولو احتاج أوّلاًً إلى السراويل فلبسه، ثم لبس

قميصاً ففديتان، وأمّا إن لبس قلنسوة، ثمَ بدى له فلبس عمامة أو لبس عمامة ثم نزعها فلبس قلنسو قفدية واحدة في هذا كله.
قال عنه ابن حبيب: وكذلك إن احتاج إلى لباس قميص فلبسه ولم ينو لباس غيره، ثمّ احتاج إلى لباس جبّة فلبسها، ثم احتاج إلى لباس فَرْوٍ فلبسه فليس عليه إلا فدية واحدة، وكذلك لو لبس قلنسوة، ثم احتاج إلى عمامة، ثم إلى التّقيّب والتظلل فعليه فدية واحدة في ذلك كله.
ومن كتاب ابن المواز، والعتيبّة: قال مالك: ولا بأس أن يتّخذ المُحْرِمُ خِرقَة يجعل فيها فرجه عند النوم، وهو بخلاف لفها عليه للمني والبول، هذا يفتدي، فإن استنكحه ففدية واحدة تجزئه إذا استدامه، ولو اعتمر بعد حجه افتدى لذلك فدية ثانية.
قال في كتاب محمد: ولا بأس أن يستظل تحت المحمل، أو يجعل يده على رأسه، أو يستر بيده وجهه من الشمس، وهذا لا يدوم.
وقال سحنون: لا يستظل تحت المحمل وهو سائر.
ابن حبيب: قال ابن الماجشون: ولا بأس أن يستظل المحرم إذا نزل بالأرض، ولا بأس أن يلقي ثوباً على شجرة ويقيل تحته، وليس كالرّاكب والماشي وهو كالنازل بخِبَاءٍ مضروب.
وعن ابن المواز: لا يستظل إذا نزل بأعواد ويجعل عليها كساءً أو غيره ولا محمله.

قال: وإنما وسَع له في الخِبَاءِ والفُسطاط والبيت المبني.
قال يحي بن عمر: لا بأس بذلك كله إذا نزل بالأرض.
ومن المدونة قال: وإن قلم أظفار يده اليمنى اليوم، ثم قلم أظفار يده الأخرى من الغد فعليه فديتان.
قال مالك: وإن لبس الثياب، وتطّيب، وحلق شعر رأسه، وقلّم أظفاره في فور واحد لم يلزمه في ذلك إلا فدية واحدة، وإن فعل ذلك شيئاً بعد شيء ففي كل وجهٍ فدية.
وكذلك قال مالك في مُحْرِمَة أصابتها حُمٌى فتعالجت بأدوية مختلفة فيها طِيب فقال: إن كان ذلك في موضع واحد وكان ذلك قريباً بعضه من بعض فليس عليها لذلك كله إلا فدية واحدة.
قال مالك في كتاب ابن المواز: ولا يَنْبغي أن يفعل المحرم ما فيه الفدية من غير ضرورة ليسارة الفدية عليه، وأنا أعظه عن ذلك فإن فعل فليفتد؟ قال: وإن لبس لغير علّة ثمّ مرض فتركه ثمّ صح فتركه ففدية واحدة تجزئه، ولو لبس لمرض ثم تمادى لبسه / بعد أن صح فلعيه فديتان، وكذلك ذكر ابن حبيب من أوّل المسألة عن ابن الماجشون، وزاد: ولا يُبالي مرض مَرْضَةً ثانية بعد الأولى ثم صح منها وهو عليه أو لم يمرض ثانية فليس عليه إلا فديتان.

الباب الرابع

في تفسير فدية الأذى، وموضع وجوبها

[فصل فدية الأذى على التخيير، له أن يذبحها حيث شاء من البلاد، وله أن يصوم حيث شاء].
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
قال ابن القاسم: وهذه الفدية التي ذكر في إماطة الأذى وما ضارعه من اللباس والطيب وغيره مما يفعله لحاجة لا يحكم فيها الحكمان، ولا يحكم عليه إلا في جزاء الصيد وحده.
قال: والرجل مُخَير في الفِدْية كما قال الله تعالى: ﴿مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، وكذلك الذي يلبس أو يتطيب جَهْلاً من غير أذى يُخير فيما ذكرنا، كما يخير من فعله من أذى.
والنسك شاة يذبحها أين شاء من البلاد.
ابن المواز: في ليلٍ أو نهار، وإن شاء أن يَنْسك ببعير أو بقرة ببلده فذلك له، وفعله علي بن أبي طالب، وله أن يجعله هَدْياً ويُقلٌده ويُشعره ثمّ لا ينحره إذا قلده إلا بمنى أو بمكة إن أدخله من الحلٌ.

وإذا افتدى بشيء قبل أن يفعله ثم فعله لم يجزه.
ومن المدونة: وكذلك الإطعام والصيام حيث شاء من البلاد.
وخلافاً لأبي حنيفة، والشافعي أن النسك لا يكون إلا بمكة، وإليه ذهب ابن الجهم، وخالف في ذلك مالكاً وأصحابه.
وقال الشافعي: وكذلك الإطعام لا يكون إلا بمكة.
والدليل لمالك: أن الله تعالى ونبيه عليه الصلاة والسلام أطلقا ذلك ولم يخصّا به موضعاً، فمن ادّعى خلافه فعليه الدليل.
وقد سمىّ الله تعالى الفدية نسكاً، والجزاء هدْياً، وجعل محل الهدْي مكة، لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، ولم يذكر للفدية محلاً ولا سمّاها هدْياً فأينما ذُبحت أجزأت.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن ذبح نُسك الأذى بمنى أو بمكة لم يكن عليه وقوفها بعرفة ولا خروجها إلى الحل وإن لم يدخلها منه.
قال: والصيام: ثلاثة أيام، والإطعام: ستة مساكين، مدّين مدّين لكل مسكين بِمْدّ النبي صلى الله عليه وسلم.

والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ... الآية﴾، وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله لكعب ابن عجرة: «أتؤذيك هوامّ رأسك؟» فقال: نعم، قال: «إحلق وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، مدّين مدين لكل مسكين، أو نسك بشاة، أيّ ذلك فعلت أجزأ عنك».
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا اختار الإطعام فليطعم ستة مساكين مُدّين مُدين من عَيش أهل ذلك البلد من بُرً أو شعير، ككفّارة اليمين، ولا يجزئه أن يغدّي ويعشي ستة مساكين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمىّ مُدين مُدين، وأجزأ ذلك في كفّارة اليمين؛ لأنها مُدّ مُدّ، والغداء والعشاء أفضل من مُدّمُدّ.

[الباب الخامس]

جامع ما يحرم من الصيد على المحرم، وحكم الجزاء أو الطعام أو الصيام في ذلك، وفي الصيد في حرم مكة أو المدينة

[فصل 1 - لا فرق بين الخطأ والعمد في قتل الصيد في وجوب الجزاء] قال الله سبحانه: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ... الآية﴾، فذكر الكفارة في القتل في أعلى وجوهه ليدل سبحانه أن ما دونه من الخطأ تُكَفّره الكفارة، كما قاله سبحانه في الإماء: «فإذا أحصن فإن أتين بفاحش فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب»، فكان ذكر الجلد في إحصانهنّ الذي هو أعلى يُبَيٌن أنّ ما دون ذلك يجزيء فيه الجلد، وكان قتل الصيد لا يخرج أن يكون ما ذكر فيه دية أو كفّارة لقوله فيه: «أو كفارة طعام مساكين»، فقد سمّاها كفّارة، وقد ذكر الله الكفّارة في قتل المؤمن خطأ، فهذا مثله، وقد ساوينا بين ما ذكر الله تعالى في قتل الصيد العمد وبين ما سكت عنه في الخطأ في تحريم اكله، فكذلك ينبغي أن يستويا في الكفارة.
والله أعلم.
قال الأبهري: فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فلم يوجب على المخطئ شيئاً، وإنما أوجب على العامد.
قيل له: إنما خرج الكلام على الأغلب من فعل الناسي، كما لم يمنع أن تكون

الربيبة التي ليست في الحِجْر مُحرّمه، وإن كان التّحريم إنّما هو في اللفظ في التي في الحِجْر، فكذلك الجزاء يجب في الخطأ وإنْ كان النّص إنما ورد في العمد لاستوائهما فيما ذكرناه من علة الإتلاف.
[فصل 3 - سيد الحرم حرام على الحلال والمحرم، وفيه الجزاء على من يقتله] م: وأباح الله سبحانه للمحرم صيد الماء بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.
وأبان الرسول صلى الله عليه وسلم تحريم الصيد في حرم مكة، وحرم ما بين لابتي المدينة، ونهى عن الصيد فيه، وأباح صلى الله عليه وسلم للمحرم قتل خمس من الدواب:

الكلب العقور، والعقرب، والفأرة، والحِدَأة، والغراب».
قال عبد الوهاب: وقال داود: لا يتعلق الجزاء بحرمة الحرام أصلاً.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ والاسم ينطلق على المحرم والحرام بالإحرام، وبالمكان.
[فصل 3 - هل يجب الجزاء في حرم المدينة؟] قال: وقال ابن أبي ذنب: في حرم المدينة أيضاً الجزاء.
فوجه قول مالك: قوله صلى الله عليه وسلم: «من وجدتموه صاد في حرم المدينة فأوجعوه ضرباً واسلبوه ثيابه»، فلو كان فيه الجزاء لأمر به، ولأنه غير محل للمناسك فلم يتعلق فيه الجزاء، أصله الحِلّ.

ووجه إيجاب الجزاء: قوله صلى الله عليه وسلم: «إن إبراهيم حرم مكة، وإنّي أحرٌم المدينة بمثل ما حرّم إبراهيم مكة ومثله معه لا يختلي خلاها، ولا يُعْضَد شجرها، ولا يُنفّر صيدها».
ولأنه حرم يمنع الاصطياد فيه فيتعلق الجزاء فيه كحرم مكة.
قال: وهذا أقيس عندي مع قول أصحابنا: إنّ المدينة أفضل من مكة وأن الصلاة بمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل من الصلاة بالمسجد الحرام.
م: وقد قال مالك في غير المدونة من رواية أشهب: لم أسمع أنّ فيما قتل في حرم المدينة جزاء، ومن مضى أعلم من بقي، ولو كان هذا لسنّوا فيه دية صيد، وقد صيْدَ بها وقُتِل.
قيل له: فهل يؤكل ما صيد فيه؟ قال: ليس كالذي يُصاد بمك، وإنّي لأكرهه فراجعه، فقال: لا أدري، وما أحبٌ لك أن تسأل عن مثل هذا أحداً.

[فصل 4 - للمحرم أن يقتل السِّباع التي تعدو على الناس وتفترس، جائز له قتلها على كل حال] ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس أن يقتل المُحْرِم سِبَاع الوحش، والنّمور التي تَعْدو وتفترس، يبتدئها وإن لم تبتدئه، ولا شيء عليه في ذلك، لدخول ذلك في اسم الكلب العقور، ولما جاء في حديث أبي سعيد الخدري من قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس على المحرم في قتل الفُوَيسقَة.
والحِدَأة والسَّبُع العادي جناح».
قال عبد الوهاب: فله عندنا قتل السباع العَادية من الوحش، والطير، فيقتل الأسد، والنمر، والفهد، والذئب، ومن الطير: الغراب، والحِدَأَة.
ووافقنا أبو حنيفة في الذئب والكلب العقور، وخالفنا في السبع، والفهد والنّمر وغيرها من السباع.
وقال: من قتلها فعليه جزاؤها.
والحج عليه الأخبار المروية.
وقال: من قتلها فعليه جزاؤها.
والحجة عليه الأخبار المروية.
وقال الشافعي: كل ما لا يؤكل لحمه من الَّيد فلا جزاء فيه إلاّ الضيع.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، وقوله تعالى:

﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
ومن المدونة: قال مالك: ولا يقتل صغار أولاد السِّباع العادّية؛ لأن الصّغار لا تَعْدو ولا تفترس.
ابن المواز: قال أشهب: فإن فعل فعليه الجزاء، وقال أيضاً أشهب: لا جزاء عليه، وقال ابن القاسم.
ويقتل المحرم الفأرة، والحيّة والعقرب صغارهن وكبارهن وإن لم تؤذه.
ومن المدونة: وكره مالك قتل الهر الوحشي، والثعلب، والضبع، فإن فعل فعليه الجزاء إلا أن يبتدئوا فلا شيء عليه فيهم.
وكره له مالك قتل سباع الطير، وغير سباعها، قال: فإن قتل سباع الطير فعليه الجزاء إلاّ الحِدَأة، والغراب فإنه إن قتلهما ولم يبتدياه فلا جزاء عليه لأذاهما إلاّ أن يكونا صغيرين.
قال ابن القاسم / في كتاب محمد: وأحبٌ إليّ أن لا يقتل الغراب والحِدَأة حتى يؤذياه، وإنْ قتلهما قبل أن يؤذياه فلا شيء عليه.
قال ابن القاسم: وإنْ عدى عليه شيء من سباع الطير ويخافها فقتلها فلا جزاء عليه؛ لأنّه لو عدى عليه رجل يريد قتله فدفعه عن نفسه فقتله لم يلزمه شيء.

قال مالك: ولا بأس للمحرم بصيد البحر كله، والأنهار، والبِرَك، والغُدْران، وإن أصاب طيراً من طير الماء فعليه جزاؤه.
قال: ويؤكل صيد البحر الطافي وغير الطافي، والضَّفْدِعُ، وترس الماء من صيد البحر.
قال ابن القاسم: وهذه السلحفاة التي تكون في البراري هي من صيد البّر، إذا ذُكيت أُكلت، ولا تحل إلاّ بالزكاة، ولا يصيدها المحرم.
فصل [5 - يحرم قطع ما ينبت بنفسه من نبات الحرم، ولا جزاء فيه] قال: ولا يقطع أحد من شجر الحرم شيئاً، يبس أو لم يبس، في حرم مكة، أو المدينة، للحديث، فإن فعل فليستغفر الله، ولا جزاء عليه فيه، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، لأنه لو كان فيه جزاء لكان على المحرم بقطع الشجر في الحل.

ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس بقطع ما أنبته الناس في الحرم من الشجر مثل النّخْل، والرُّمان، والفاكهة كلها، والبقْل كله، والكراث، والخس، والسِّلق، وشبهه، والسَّني والإِذْخِر.
م: إنما قال ذلك: لأن ما أنبته الناس أنيساً مثل إنسي الحيوان، فلم يكن بأس بقطعه وأكله، كما لا بأس بذبح الحيوان الإنسي وأَكلِه.
قال: وجائز الرّعي في حرم مكة وحرم المدينة في الحشيش والشَّجر.
قال: وأكره أن يحتش في الحرم حلال أو حرام خيفة قتل الدواب، وكذلك الحرام في الحل، فإن أسلموا من قتل الدواب فلا شيء عليهم، وأكره لهم ذلك.
ومَرَّ الرسول صلى الله عليه وسلم برجل يرعى غنماً له في حرم المدينة وهو يخبط شجرة منها فنهاه عن الخبط، وقال: «هشوا وارعوا».

قال مالك: الهشّ: أن يضع المحجن في الغُصْن فيحركه حتى يقع وَرَقُه.
م: والمحجن: هو المخطاف عندنا، قال مالك: ولا يعضد، ومعنى العضد: الكسر.
فصل [6 - يكره للمحرم ذبح الحمام الوحشي وغير الوحشي] وكره مالك أن يذبح المحرم الحمام الوحشي وغير الوحشي؛ لأن أصله مما يطير، وأكره أن يذبح شيئاً مما يطير ولا الحمام الرومية التي لا تطير وإنما تتخذ للفراخ؛ لأن أصلها مما يطير.
قال: ولا بأس أن يذبح الإوَزّ والدجاج، لأن أصلها مما لا يطير.
م: أما الدجاج فليس لها أصل يطير، وأنا البُرَك، والإِوَز فلها أصل يطير في الوحشية، فينبغي على هذا أن لا يذبحها المحرم.

قال ابن حبيب: كره مالك للمحرم ذبح الحمام المتخذ في البيوت للفراخ، ولم ير فيه جزاء إن فعل.
وكان عطاء لا يرى بذبحه بأساً.
قال: وكره مالك ذبح الحمام الأخضر، وقال: حنسه يمام وله عِرْق في الوحشية.
ابن المواز: قال أصبغ: وما ذبح المحرم من حمام بيته وهو أنيس قفليفده.
ومن المدونة: قال: وما دخل مكة من الحمام الوحشي والإنسي.
م: مما قد صيد في الحل، قال: فجاز للحلال أن يذبحه فيها، كما يجوز للحلال أن يذبح الصيد في الحرام إذا دخل به من الحل؛ لأن شأن أهل مكة في ذلك يطول، وهم محلّون في ديارهم، والمحرم إنما يُقيم محرماً أياماً قلائل.
قال: وما أدركت ممن افتدي به من يكره للحلال ذبح صيد في الحرم قد دخل به من الحل إلاّ عطاء بن أبي رباح، ثم ترك ذلك، وقال: لا بأس به.
م: وقال أبو حنيفة: لا يجوز للحلال أن يذبح صيداً في الحرم قد كان ملكه في الحل.

ودليلنا: أنه لما جاز له إمساكه والتصرف فيه في الحرم باتفاق جاز له ذبحه كالنَّعم؛ ولأن كل من جاز له تملّك صيد بالشّراء والهبة جاز له ذبحه كالحلال، وفارق حرمة الوضع في هذا حرمة الإحرام؛ لأن الإحرام لا يدوم، وحرمة الموضع دائمة فافترقا / كالنكاح، والوطء في ذلك؛ لأن حرمة الإحرام تمنه منهما، وحرمة الموضع لا تمنع لدوامها فرفع حرج ذلك عن الأمة؛ ولأن الشيء اللازم للإنسان لا حكم له، بخلاف المنقطع كالاستحاضة، وسلس البول، والقرحة تسيل ولا تكف، هو في ذلك كله بخلاف المنقطع.
ومن المدونة: قال مالك: وما وقع من الجراد في الحرم فلا يصيده حلال ولا حرام، قال: ولا يُصاد الجراد في حرم المدينة، ونهى عن الصيد في حرم المدينة، لم ير فيما قتل من الصيد في حرمها جزاء.
وقد تقدم هذا.
فصل [7 - التسبب في إتلاف الصيد هل يوجب الضمان إذا أفضى إلى الإتلاف؟] قال ابن القاسم: ولو ضرب محرم فسطاطه فتعلق بأطنابه صيد فعطب، أو حفر بئراً للماء فعطب فيه صيد فلا جزاء عليه، وذلك فعل الصيد بنفسه، كقول مالك فيمن حفر بئراً بموضع يجوز له فمات فيه رجل أنه لا دية فيه رجل أنه لا دية فيه على الحافر.

قال ابن القاسم: وإذا رأى الصيد محرماً ففرغ منه فحضر فمات في حضره فعلى المحرم جزاؤه؛ لأنه نفر من رؤيته.
ابن المواز: وقال أشهب: لا شيء عليه، وقال سحنون، وهو أصوب، لأن ذلك فعل الصيد بنفسه، أصله إذا تعلق بأطناب فسطاطه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن نصب المرحم شرَكاً للذئب والسِّباع مخافة على غنمة ودوابه أو على نفسه فوقع فيه صيد ظبي أو غيره فعطب فيه فعليه جزاؤه؛ لأن مالكاً قال فيمن حفر في منزله بئراً للسارق أو عمل في داره شيئاً ليتلف به السارق فهو ضامن إنْ وقع فيه سارق فمات.
وقال سحنون في الصيد: لا جزاء عليه؛ لأنّه فَعَلَ ما يجوز له فعله، وأمّا السارق ففعل مالا يجوز له.
ابن المواز: وقال أشهب: إن كان موضعاً يتخوّف فيه على الصيد وداه، وإلاّ

فلا شيء عليه.
قال ابن المواز: وهذا أحبٌ إلينا.
فصل [8 - في كون العمد والسهو في الإتلاف سواء في وجوب الجزاء] ومن المدونة: قال مالك: وإذا أمر المحرم عبده أن يرسل صيداً كان معه فظنّ العبد أنّه أمره بذبحه فعلى السيد الجزاء.
قال ابن القاسم: وإن كان العبد مُحْرِماً فعليه الجزاء أيضاً، ولا ينفعه خطؤه.
م: لأنّ الخطأ والعمد عندنا في قتل الصيد سواء.
[فصل 9 - إذا اشترك جماعة محرمون في قتل سيد فعلى كل واحد جزاء كامل] قال ابن القاسم: ولو أمره بذبحه فأطاعه فذبحه، كان عليهما الجزاء جميعاً.
قال: وإذا دلّ على صيد محرماً أو حلالاً فقتله المدلول عليه فليستغفر الله الدّال، ولا شيء عليه.
قال ابن المواز: وقال أشهب: إذا دلّ المُحْرِمُ مُحْرِماً على صيد فقتله فعلى كل واحد منهما جزاؤه، وإن دلّ عليه حلالاً فليستغفر الله الدّال، ولا شيء عليه.

ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن أشار المحرم، أو أمر بقتله فلا شيء عليه إلاّ أن يكون المأمور عبده، فيكون على الآمر جزاء واحداً، وقد أساء، وعلى القاتل الجزاء إن كان مُحْرِماً، وإن كان حلالاً في الحل فلا شيء عليه.
وإذا اجتمع محرمون على قتل صيد، أو اجتمع محلون على قتل صيد في الحرم، أو محل، وحرام قتل صيداً في الحرم، فعلى كل واحد الجزاء كاملاً.
وقال الشافعي: عليهم جزاء واحد.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، وهذا خطاب لكل قاتل في نفسه، ولأنه اشتراك في قتل تجب فيه الكفارة فكانت الكفارة بعدد القاتلين، كقتل الآدمي.
ومن المدونة: قلت: فإن اجتمع مُحْرِمُون على قتل صيد فجرحه كل واحد منهم جرحاً؟ قال: قال مالك: إذا جرح المحرم صيداً فغاب عنه الصيد فعليه جزاؤه.
قال ابن القاسم: وليس في جراح الصيد إذا أيقن أّنها سلمت من ذلك الجرح شيء.

قيل: فإذا سلم الصِّيد بعد الجرح هل يحكم فيه كالحكم في جراح الرجل الحر أم كجراح العبيد ويكون فيه ما نقصه؟ قال: لا أرى فيه شيئاً إذا استيقن أنه سلم.
قال ابن المواز: هذا إذا برأ على غير نقص وإلا ففيه ما بين قيمته صحيحاً وقيمته مجروحاً، وقال ابن القاسم.
وقال بعض علمائنا: وهذا خلاف لما في المختلطة.
م: ويحتمل أن يكون وفاقاً.
ويحتمل قول ابن القاسم: لا شيء عليه إذا استيقن أنه سلم: أي سلم بغير نقص.
والله اعلم.
قال: وقد قال ابن القصَّار: إذا فقأ عين صيد، أو كسر رجله، أو ما أشبه ذلك، فلا شيء عليه؛ لأن الجزاء إنما يجري مجرى الكفارة، فكما لا تجب الكفّارة في أبعاض الآدميين، فكذلك لا تجب في أبعاض الصيد.
قال: وقال المخالف: كل ما أصله مضموم فكل جزء منه مضمون، وإنما ذلك فيما يصح الإبراء منه من حقوق الآدميين.

قال بعض أصحابنا: وهذا الذي ذكر ابن القصّار مثل ما في المختلطة وبخلاف ما قال ابن المواز فاعلمه.
وقال ابن حبيب فيمن رمى صيداً وهو محرم فأصابه فتحامل الصيد حتى غاب عنه فإن أصابه بما يموت بمثله فليوده، فإن وداه، ثم وجده لم يعطب، ثم عطب بعد ذلك فليده ثانية؛ لأن الجزاء الأول كان قبل وجوبه، قال ابن الماجشون.
ومن المدونة: وإذا أمسك مُحرِم صيداً لغير القتل وإنما أراد أن يرسله فقتله حرام فعلى القاتل جزاؤه، وإن قتل حلالٌ فعلى الممسك جزاؤه، لأن قتله من سببه.
وقال سحنون: لا شيء عليه.
م: يريد: ويغرم الحلال للمُمْسِك الأقل من قيمة الصيد أو الجزاء على قول ابن القاسم.
ولا شيء على قول سحنون؛ لأنه لم يُوجب عليه غُرْماً.
قال ابن القاسم: وإن أمسكه لمن يقتله، فإن قتله مُحْرِم فعليهما جزاءان، وإن قتله حلال فعلى المحرم جزاؤه، ولا شيء على الحلال إذا كان في الحل.
ابن المواز: قال أشهب: وإذا أخذ مُحْرِم صيداً فقتله في يده حلال في الحرم فعلى كل واحدٍ منهما جزاؤه، ويغرم الحلال قيمته للمحرم، كان القاتل حراً، أو عبداً، أو صبياً، أو نصرانياً، إلاّ أنه لا جزاء على النصراني.
وإن كان في الحل غرم له قيمته، وعلى المحرم وحده جزاؤه.

قال ابن المواز: وإنما يرى على قاتله لصاحبه القيمة، إلا أن تكون أكثر من الجزاء فلا يلزمه إلاّ الجزاء، لحجة المحرم عليخ إنّي كنت أقدر على السلامة بإطلاقه فعليك ما أدخلت عليّ بقتله، وإن كان في الحرم غرم جزاءً ثانياً.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: إن أحرم وفي بيته صيد فلا شيء عليه فيه ولا يرسله، وإن أحرم وهو بيده، أو يقوده، أو في قفص معه فليرسله ثمّ لا يأخذه حتى يحل.
م: وسواء كان إحرامه من منزله أو من ميقاته بخلاف ما تأوله بعض أصحابنا أنه إن كان إحرامه من منزله وفي بيته صيد فعليه أن يرسله، كما قال في القفص.
م: والفرق بين القفص والبيت: أنّ القفص هو حامل له ومنتقل به فهو كالذي بيده، وما كان في البيت فليس هو بيده وهو مرتحل عنه وغير مصاحب له وهو بخلاف القفص فافترقا.

ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أحرم وبيده صيد فأرسله من يده حلال أو حرام لم يضمن له شيئاً؛ لأن ملكه زال عن الصيد بإحرامه كزوال ملكه عما ندّ له من الصيد وطال زمانه ولحق بالوحش؛ لأنه لو أخذه بعد ذلك أحد لكان له لزوال ملك الأول عنه، وأما إن أخذه بحدثان ما ندّ له فإنه يرده إليه؛ لأن ملكه باقٍ عليه.
قال ابن القاسم: ولأنه لو حبس الصيد بيده حتى يحل لوجب عليه إرساله، وكذلك لو بعث به إلى بيته بعد أن أحرم وهو بيده ثم حل لوجب عليه إرساله.
وقد اختلف الناس في هذا، هل عليه أن يرسله أم لا؟ فقال بعض الناس: يرسله وإن حل من إحرامه، وكأمه صاده وهو حرام.
ورأى بعض الناس أن له حبسه؛ لأنه قد حل.
ولا أخذ به ابن المواز.
وقال أشهب: على الذي أرسله من يده فيمته، وقول ابن القاسم أحب إلينا.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وما صاده في إحرامه فليرسله، فإن لم يفعل حتى أرسله من يده حلال أو حرام لم يضمن له شيئاً؛ لأنه لم يجب له فيه ملك، وإنما فعل ما كان يؤمر الذي صاده أن يفعله.
وإن صاده في إحرامه أو أحرم وهو بيده فأتاه محرم / ليرسله من يده فتنازعاه فقتلاه بينهما فعلى كل واحدٍ منهما جزاؤه.

وإن نازعه حلال فعلى المحرم الجزاء، ولا قيمة له على الحلال، ولا يضمنا له أيضاً الجزاء؛ لأن القتل جاء من قبله حين منعهما من إرساله، يعني: إذا كان في الحل.
قال في العتبية: ولو أمسكا الصيد حتى حلاٌ فأكلاه، فعليهما جزاؤه؛ لأنه قد وجب عليهما إرساله.
قال: وخالفني أشهب فقال: لا شيء عليهما جميعاً.
فصل [10 - يجب الجزاء على من طرد سيداً فأخرجه من الحرم، ويجب على من رمى من الحل إلى الحرم أو بالعكس] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن طرد صيداً فأخرجه من الحرم فعليه جزاؤه.
م: قيل: إنما هذا إذا كان الصيد لا ينجو بنفسه؛ لأنه قد عرضه للقتل، فأما إن كان ينجو بنفسه فلا شيء عليه، سواء أجلاه قريباً أو بعيداً، وقال أشهب، ونحوه لابن القاسم في المدونة.
ومن المدونة: قال مالك: وإنْ رمى صيداً في الحرم من الحل، أو في الحل من الحرم فقتله، فعليه الجزاء.
م: لأن من أصله أن يحرم بالأقل.

قال: وإن رمى صيداً في الحل وهو في الحل فهرب الصيد وتبعته الرمية فأصابته في الحرم فعليه جزاؤه.
وقال أشهب: فيمن رمى صيداً قريباً من الحرم فأصابته الرمية ولم تبلغ مقاتله فتحامل فدخل الحرم فمات فيه، فإنه يؤكل.
ومن المدونة: قال مالك: وإن أرسل كلبه أو بازه قرب الحرم، وهو والصيد جميعاً في الحل فأخذه في الحل فلا شيء عليه، وإن أخذه في الحرم فقتله فيه أو طلبه حتى أدخله الحرم ثم أخرجه منه فقتله في الحل فعليه الجزاء ولا يؤكل.
وقال ابن الماجشون: لا بأس أن يرسل الحلال كلبه من الحرم على ما في الحل، ويؤكل ما أصاب.

م: وهذا خلاف لابن القاسم، وعليه جزاؤه عند ابن القاسم ولا يؤكل، كإرساله سهمه من الحرم على صيد في الحل.
ووجه قول ابن القاسم: فلأن أصل اصطياده وابتدائه من الحرم، فلا يراعى أين أخذه، كالنكاح في العدة، والوطء بعدها أنه يحرم كالوطء فيها.
ووجه قول ابن الماجشون: أن المراعاة تمام الاصطياد فأين ما وقع فله حكمه، وهذا جارٍ على قولهم: ولا يحرم عليه إلاّ الوطء في العدّة.
ومن المدونة: قال: ولو أرسل كلبه، أو بازه على صيد في بعد من الحرم فقتلا الصيد في الحرم أو أدخلاه في الحرم ثم أخرجاه منه فقتلاه في الحل فلا يؤكل، ولا جزاء عليه؛ لأنه لم يُغرّر بالإرسال.
وإن أرسل كلبه على صيد في الحرم فَأَشلاه رجل آخر فأخذ الصيد، فإن انشلى الكلب بإشلاء هذا، فعلى الذي أشلاه الجزاء أيضاً.
وقال أشهب: فلا شيء عليه.
فوجه قول ابن القاسم: فلأن الإشلاء عون للكلب وسبب لأخذ الصيد ومعونة للمرسل، فوجب على كل واحدٍ جزاؤه.
ووجه قول أشهب: فلأن أصل الاصطياد الإرسال فله الحكم.
م: وقول ابن القاسم أبين.
والله أعلم.

قال ابن القاسم: وإن أرسل كلبه على ذئب في الحرم فأخذ صيداً، فعليه الجزاء؛ لأنه سبب أخذه، وكالمغرٌر بقرب الحرم.
ابن المواز: وهو أحب إليّ.
وقال أشهب: لا شيء عليه إلا أن يرسله بحضرة صيد يعرف من موضعه.
م: ووجه هذا: فلأنه فَعَلَ ما يجوز له، كمن أرسل على صيد في بُعْدٍ من الحرم فأخذه في الحرم.
وقول ابن القاسم أبين.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن صاد طيراً فنتفه ثم حبسه حتى نسل فطار فلا شيء عليه.
وقد تقدم أن الجزاء على قاتل الصيد عمداً، أو خطأً، كان أول ما أصابه، أو كان قد أصابه قبل ذلك، وأنه إن أصاب الصيد، والنساء، والطيب مداراً على وجه الإحلال والرفض لإحرامه فعليه لكل صيد أصابه الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
وأما جميع لبسه، وطيبه فكفارة واحدة؛ لأنه فعله على وجه الإحلال والرفض للإحرام، فذلك مساوٍ لصاحبه فإذا اجتمعا فكفارة واحدة كالوضوء لجميع الأحداث.
م: وكذلك لتكرار الجماع كفارة واحدة، أي هدي واحد، مع قضاء

الحج، لاتفاق ذلك في الإيجاب، وجزاء ما أصابه القارن جزاء واحد، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فعم.
فصل [11 - في الحاج يقتل سيداً بعد رمي جمرة العقبة] قال: ومن قتل صيداً في الحل من الحاج بعد رمي جمرة العقبة فعليه الجزاء.
م: لأنه لم يتكامل إحلاله كإصابته إياه قبل الرّمي.
قال: وإن قتله بعد الإفاضة وقبل الحلاق فلا شيء عليه لتكامل إحلاله، وبقاء الحلاق خفيف في كل شيء.
قال: وكذلك المعتمر إن أصاب صيداً في الحل فيما بين طوافه وسعيه، فعليه الجزاء، وأمّا بعد السعي وقبل الحلاق فلا جزاء عليه.
فصل [13 - لا يجوز ذبح المحرم للصيد، وإذا ذبحه فلا يحل له ولا لغير الأكل منه] قال مالك: وما ذبح المحرم من الصيد بيده، أو صاد بكلبه، أو بازه فأدّى جزاءه فلا يأكل حلال ولا حرام لأنّه ميتة لم يصح للمحرم تذكيته.
وقال الشافعي: تصح تذكيته.

ودليلنا قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، والقتل في الشرع: عبارة عن الإتلاف الذي لا يبيح الأكل.
ومن المدونة: قال مالك: وإن أكل هو من لحمه لم يكن عليه جزاء آخر ولا قيمة ما أكل؛ لأنه أكل لحمه ميته وما لا يحل له.
وقال أبو حنيفة: عليه الجزاء وضمان قيمة ما أكل.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فلم يوجب سواه، ولأن الإتلاف بعد القتل لا يوجب جزاء كما لو قتله وأحرقه، ولأنه إنما أكل لحم ميتة فلا قيمة له.
ومن المدونة قال مالك: وما ذبح من أجل محرم بأمره أو بغير أمره ولي ذبحه حرام أو حلال فلا يأكله محرم ولا حلال.

ولم يأخذ مالك بحديث عثمان بن عفان حين قال لأصحابه: «إنما صيد من أجلي فكلوا» وأبى أن يأكل هو.
ومن العتبية قال ابن القاسم في المحرم يأكل من الصيد ولم يصد من أجله وهو عالم بذلك لا جزاء عليه وبئس ما صنع، وإنما يديه من صيد من أجله إذا أكل وهو عالم بذلك.
ابن المواز: قال أشهب عن مالك: فإن أكل منه من صيدَ من أجله وهو بذلك عالم وداه، وإن أكل منه غيره من أصحابه وهو يعلم فلا شيء عليه، لما جاء عن عثمان، ولكن لا ينبغي أن يأكل من ذلك حلال ولا حرام.
وقال أيضاً في محرم قُتِلَ من أجل صَيْد، أو من أجل محرم غيره، ثم أكل منه وهو عالم، فعليه جزاؤه، وإن لم يعلم فلا جزاء عليه، وروي مثله عن ابن القاسم.

وقد قيل: لا جزاء عليه علم أو لم يعلم؛ لأنه إنما يأكل لحم ميتة، إلا أن يعلمه قبل ذبحه فيذبحه على ذلك أو يأمرهم بصيده، فهذا عليه جزاؤه، ونحوه لأصبغ.
م: وقال الشافعي: لا جزاء عليه بحال.
ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: «لحم الصيد لكم حلال وأنتم محرمون ما لم تصيدوه أو يضاد لكم»، فقد ساوى عليه الصلاة والسلام بين تحريم ما صاده أو صيد له، وكذلك يجب أن يستويا في الجزاء.
قال عبد الوهاب: ولأن رضاه بصيده له كفعله بنفسه؛ ولأن فعل الوكيل كفعل الموكل في الحكم؛ ولأن في ذلك ذريعة إلى استباحة الاصطياد، فوجب حسم الباب.
ابن المواز: وقال أشهب بن مالك: لا بأس أن يأكل المحرم من صيد ذبح لِمُحْرِمْينِ قبل أن يحرموا أو صِيدَ من أجلهم قبل أن يحرموا، تقوم بأعيانهم، أو بغير أعيانهم.

قال عنه ابن القاسم: لا بأس بأكله للمحرم وإن صِيْدَ من أجله قبل أن يحرم، وروى عنه أيضاً أنه كره له أكله، فإن فعل فلا جزاء عليه.
قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة: لا يأكل المحرم لحم صَيْدٍ، وإن صاده حلال في الحل.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «لحم الصيد لكم حلال وأنتم محرمون.
ما لم تصيدوه أو يصاد لكم».
فصل [13 - في المحرم يقتل بازاً مُعَلّماً] ومن المدونة: قال: وإذا قتل المحرم بازاً مُعَلماً فعليه جزاؤه غير مُعَلم، وعليه قيمته لربه مُعَلَّماً.
م: وقال غيرنا: لا جزاء عليه.

ودليلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فعمّ، ولأنه ممنوع من قتله لحرمة الإحرام، كالذي ليس بمملوك.
فصل [14 - في الصبي يصيب صيداً سيداً أو ما تجب عليه به الفدية هل الجزاء والفدية على الأب أو في مال الصبي] قال ابن القاسم: وإذا أحرم الأخرس فأصاب صيداً حُكِمَ عليه كما يحكم على غيره، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ فعم.
قال: وإذا حج بالصغير الذي لا يعقل والده فأصاب صيداً أو لبس أو تطيّب، فالفدية والجزاء على الأب، وإن كان للصبي مال، وكذلك كل شيء وجب على الصبي من الدم في الحج، فذلك على والده؛ لأنه أحجه.
م: قال بعض أصحابنا: يكون ذلك على الذي أحجّه، وإن كان خروجه به نظراً إذ لا كافل له؛ لأنه كان قادراً أن يخرج به ولا يحجه، فلما أدخله في الحج، كان ما وجب على الصبي من أمور الحج على من أحجه.
وفي كتاب ابن المواز: قال ابن وهب عن مالك: ولا يحج بالرضيع، فأما ابن أربع سنين أو خمس فنعم، وإذا حجّ به أبوه فما أصاب من صيد أو ما فيه فدية ففي مال الأب، إلا أن يخرج به نظراً؛ لأنه لو تركه ضاع، فيكون ذلك في مال الصبي، وإن لم يكن له مال اتبعه به.
وقد قيل: إن ما أصاب من صيد في ماله، يريد: كالجناية.

م: وهذا نص خلاف ما تأوله من ذكرنا، وإن كان ما قال له وجه في القياس، ولكن الصواب ما قاله مالك، لأن ما يتخوف أن يطرأ عليه في إحجاجه إياه من الجزاء والفدية أمر غير متيقن، وإحجاجه إياه طاعة وأجر لمن أحجه، لقوله صلى الله عليه وسلم للتي سألته: ألهذا حج؟ وكان صغيراً، فقال: «نعم ولك أجر».
م: فهذا حج تطوّع للصبي وأجر لمن أحجّه، فلا يُترك لأمرٍ قد يكون، أو لا يكون، وهذا هو أصلنا أنّه لا يترك أمر متحقق لأمر يكون أو لا يكون؛ لأن الأمر الطارئ لا حكم له، فلما أبيح له إحْجَاجه لم يلزمه ما طرأ عليه من أمور الحج؛ لأنه غير متعدّي في إحجاجه إيّاه، وبالله التوفيق.
ومن المدونة: قال ابن القاسم ولا يصوم عنه والده في الجزاء والفدية، ولكن يُطعم عنه أو يهدي.
فصل [15 - ما لزم العبد من جزاء سيد أو فدية فذلك عليه إن كان إحرامه بإذن سيده ولا يمنعه سيده من الصوم] وإذا أحرم العبد بإذن سيده فما لزمه من جزاء صيد أو فدية لإماطة أذى من ضرورة أو فوات حج أصابه لم يتخلف له عامداً فلزمه هدي في ذلك كله على العبد، وليس له أن يُخْرِخَ ذلك من مال سيده إلاّ بإذنه، فإن لم يأذن له صام، ولا يمنعه سيده من الصوم وإن أضرّبه أن يهدي عنه أو يطعم.

وما أصاب العبد عمداً مما وجب عليه به الهدي أو الفدية، فلسيده مَتْعه أن يفتدي بالنُّسك، أو بالصدقة، ولا يمنعه من الصوم، إلا أن يضرٌ به في عمله فيمنعه.
وكذلك قال مالك في العبد إذا ظاهر: أنه لا سبيل له إلى زوجته حتى يكفر، ولا يمنعه سيده من الصوم إلا أن يضر سيده في عمله فيمنعه إن شاء؛ لأنه أدخل الظهار على نفسه وليس له أن يضرّ سيده.
وقال ابن الماجشون في الواضحة: إذا تظاهر العبد فليس لسيده منعه من الصوم وإن أضر به في عمله.
م: ووجه هذا: فلأن السيد أذن له في النكاح، وعنه يحدث الطلاق والظهار فقد ملكه ذلك فلا يمنعه من الصوم وإن أضرٌ به، إذ هو أصل ذلك.
فصل [16 - إن أتلف المحرم أو الحلال بيضاً في الحرم فعليه عشر ثمن أمه] ومن المدونة: قال مالك: وإذا كسر المحرم أو الحلال بيض طير وحشي في الحرم فعليه عُشْر ثمن أمه، كجنين الحرة من دية أمّه، كان فيه فرخ أم لا، وكذلك لو خرج الفرخ يَضْطَرب ما لم يستهل صارخاً، فإذا صرخ ففيه ما في كبير ذلك الطير.
قال ابن المواز: بحكومة عدلين، قال: وأحب إلينا إن خرج فيه فرخ أن يُجزى

للشك في حياته، ولعله مات من الكسرة.
وقال ابن القاسم: إلا أن يوقن أنه مات قبل ذلك بالرائحة ونحوه.
م: يريد: فلا يكون عليه شيء.
قال: وفي بيض حمام مكة ثمن شاة.
ابن المواز: قال مالك: وإذا دخل مكة حمام إنسي أو وحشي فللحلال أن يذبحه، وإن ذبحه بها محرم فعليه قيمته طعاماً، وليس عليه شاة في هذا إذا لم يكن من حمام الحرم.
وحمام الحرم كحمام مكة عند مالك، ولم يره ابن القاسم مثله، وقال: فيه حكومة.
قال أصبغ: / ويقول مالك أقول.
وقماري مكة كحمامها.
قال أصبغ: وكذلك يمامها، وقماري الرحم، ويمامه.
وقال عبد الملك: في القماري واليمام حكومة إلا حمام مكة والحرم ففيه شاة، فإن لم يجد صام عشرة أيام، قاله مالك وليس في ذلك صدقة ولا تخيير؛ لأن الشاة فيها

تغليظ.
قال في الواضحة: وسبيل هذه الشاة سبيل هدي الجزاء لا يُذْبح إلا بمكة بخلاف النسك.
الأبهري: وإنما جعل في حمام مكة شاة؛ لأن ذلك مروي عن عمر، وعثمان وابن عباس؛ وإنما خصوا حمام مكة والحرم بالشاة، تغليظاً لحرمة الحرم، ولأن الحمام يكثر فيها ويأوي إليها، فلو جعل فيها قيمتها لتسرّع الناس إلى قتلها لخفّة أمر القيمة عليهم.
قال في كتاب الصيد: ولا بأس بصيد حمام مكة في الحل للحلال.
م: فهذا من قوله يدل: أن المحرم إذا أصابها في الحل إنما عليه قيمة ذلك وإنما فيه شاة إذا أصابه بمكة أو بالحرم.
قال في المختصر: وفي بيض النّعَامة عُشر ثمن البَدَنة وفي بيض الطير عشر ثمن أمه، وكذلك في الموطأ، وفي بعض الموطأت في بيض النعامة عشر ثمن النعامة.

جارٍ التحميل