[الباب الأول]
فيمن فاته الحج أو وقف غير يوم عرفة وكيف إن أفسد حجة مع ذلك.
روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من فاته الحج فليحل بعمرة وعليه الحج قابلاً».
قال مالك رحمه الله: ومن أحرم بالحج ففاته فله أن يثبت على إحرامه إلى قابل إن أحب ذلك، وأحبّ إليَّ أن ينفذ لوجهه في عمل العمرة على إهلاله الأوّل، ولا يهل بعمرة إهلالاً مستقبلاً ويقطع التلبية أوائل الحرم كمعتمر من ميقاته، ويحل من إحرامه ذلك ولا ينتظر قابلا.
ابن المواز: قال أشهب عن مالك: فإن بقي على إحرامه إلى قابل فليهد احتياطاً، وقال عنه ابن القاسم، وابن وهب: لاهدي عليه، وقال أصبغ.
قال مالك: فإن اختار المقام على إحرامه / إلى قابل ثمّ بدا له فذلك له، وله أن يحل متى شاء ما لم تدخل أشهر الحج فليس له حينئذ أن يحل حتى يتم حجه.
ومن المدونة: وإنما له أن يثبت على إحرامه ذلك إلى قابل ما لم يدخل مكة، فإذا دخل مكة فليحل منه بعمرة يطوف ويسعى ويحل من إحرامه ولا يثبت عليه، فإذا كان قابلاً قضى الحج الذي فاته وأهرق دماً.
قال في كتاب ابن المواز: وهذا ما لم تدخل أشهر الحج أيضاً، ولو دخلت أشهر الحج فحلَّ فيها بعمرة فبئس ما صنع.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا دخلت أشهر الحج فلا يعجبني أن يحل فيها بعمرة، فإن فعل أجزأه، ثم إن حج من عامه لم يكن متمتعاً؛ لأنه لم يبدأ بالعمرة، وإنما كان إحرامه بحج، وإحلاله منه بعمرة رخصة له، كذلك جاء في هبار بن الأسود وصاحبه حين فاتهما الحج، فقال لهما عمر: طوفا وأحلاً وعليكما الحج
من قابل والهدي.
وقال ابن القاسم أيضاً: إن فسخ ذلك في أشهر الحج في عمرة كان فعله باطلاً، وهو على إحرامه، وقال أيضاً: إنْ جهل ففسخ في عمرة في أشهر الحج، ثم حجّ من عامه كان متمتعاً، ولو ثبت على أوّل إحرامه بعدما دخل مكة حتى حجّ بإحرامه ذلك قابلاً أجزأه من حجة الإسلام.
واختلف عن مالك هل عليه هدي أم لا؟ قلت لابن القاسم: فإن أراد أن يطوف ويسعى قبل أشهر الحج من قابل ويجعل ذلك لحجه قابل؟
قال: أخاف ألا يجزئه.
قال ابن القاسم: ومن فاته الحج فليس له أن يحرم بحجة أخرى، فإن فعل لم يلزمه، وهو على إحرامه الأول، وليس له أن يردف حجاً على حج، إنما له أن يحل منه بعمرة أو يقيم على إحرامه الأول إلى حج قابل فيجزئه حجه.
م: وذكر ابن المنذر أنه اختلف قول مالك إذا فاته الحج فأقام على إحرامه إلى قابل هل يجزئه أن يحج مع الناس بإحرامه الأول أم لا؟ فروى عنه ابن نافع فذكر مثل رواية ابن القاسم.
قال: وروى عنه ابن وهب أنه إن أقام حراماً إلى قابل فلا يجزئه أن يحج به مع
الناس من قابل، وهذا قول الشافعي، وأصحاب الرأي.
قال: وقول الشافعي صحيح.
قال مالك كتاب ابن المواز: من فاته الحج بحصار العدو، أو بمرض، أو بخفاء من الهلال، أو بأي وجه غير العدو فلا يحله إلا البيت، ويحج قابلاً ويهدي، وأهل مكة وغيرهم في ذلك سواء.
قال ابن المواز: ومن دخل مفرداً بالحج أو قارناً من الحل من مكيّ وغيره ثم فاته الحج فليحل بعمرة ولا يخرج إلى الحل، ولو دخل بعمرة فحل منها ثم أنشأ الحج من مكة، أو أردف الحج بمكة أو بالحرم، ثم فاته فهذا يخرج إلى الحل فيدخل منه، ويحل بالطواف والسعي.
وقد تقدم هذا.
قال عيسى عن ابن القاسم في العتبية فيمن أتى عرفة بعد الفجر يوم النحر فليرجع إلى مكة فيطوف ويسعى ويقصّر، وينوي بها عمرة، ويحج قابلاً ويهدي.
وقال عنه يحي بن يحي: إذا أخطأ أهل الموسم فكان وقوفهم بعرفات يوم النحر مضوا على عملهم وإن تبيّن ذلك لهم وثبت عندهم في بقية يومهم ذلك أو بعده، وينحرون من الغد، ويتأخر عمل الحج كله الباقي عليهم يوماً، ولا ينبغي لهم أن يتركوا الوقوف من أجل أنّه يوم النّحر، ولا أن ينقصوا من رمي الجمار الثلاثة الأيام بعد يوم النحر، ويجعلون يوم النحر للغد بعد وقوفهم، ويكون حالهم في شأنهم كله كحال من لم يُخْط.
قال: ولو وقفوا يوم النزوية لأعادوا الوقوف يوم عرفة.
م: أمّا هذا فصواب، وأمّا الأوّل فكان يجب أن يفوتهم الحج، ولا أراه أجزأهم إلاّ لأنهم اجتهدوا وهم أهل موسم، ولما يلحقهم من ضرورة الإعادة ومشقّتها؛ لأنهم وقفوا يوم الحج الأكبر، واختص وقوفهم بالمكان وبعض الزمان فقام ذلك مقام القضاء، والله أعلم.
ولأن غيرها من الفرائض كالصلاة والزكاة والصيام إذا فاتت جاز قضاؤها في غير وقت لها، وإنما فارقها الحج فلم يقض إلا في وقت حج؛ لأنّ فرضه لا يتكرر فاختير له ألاّ يقضي إلاّ في وقت حج، فإذا وقع مثل هذا الغلط جعل ذلك قضاءً لما فات كسائر الفرائض، والله أعلم.
وقد سئل عن هذه المسألة أبو القاسم ابن الكاتب القروي / فأجاب فيها وأطال، وأنا أذكر عمدة فوائد جوابه وردّه على من منع من إجزاء الحج، ومعنى قول سحنون في ذلك.
قال أبو القاسم: ومن الدليل على صحة تأويل شيخنا أبي محمد أن الحج يجزيء ظاهر في كلام ابن القاسم وهو قوله: ولو أخطئوا فقدّموا الوقوف بعرفة يوم النزويةلم يجزئهم ذلك، فدل بذلك أن في المسألة يجزئهم إذْ أمرهم بتمام الحج، وهو قول جميع علماء الأمصار، ولا خلاف بينهم في ذلك.
والذي ذكر أبو محمد عن سحنون إنّما ذكره عقيب قول ابن القاسم إذا وقفوا يوم النزوية بعرف فإنهم يعيدون الوقوف من الغد يوم عرفة ولم يجزئهم الوقوف الأوّل.
قال: وقد اختلف قول سحنون في ذلك، ثم لم يذكر ما هذا الاختلاف، فيحمل إنما اختلف قوله فيمن وقف يوم النزوية؛ لأن عندنا عن سحنون أنّ الحج إذا وقع يوم النحر غلطاً أنّ ذلك مجزيء، وقد ذكر الباجي في كتابه أن هذا قول مالك، واللّيث، والأوزاعي والشافعي، وأبي حنيفة، وذكر جماعة من العلماء يكثر عددهم.
قال أبو القاسم: وإنما اختلف العلماء فيمن أخطأ فوقف يوم النزوية، فعند أصحابنا: أنه لا يجزئهم؛ لأن يوم عرفة بين أيديهم، وهذا مثل قولنا في الأسير تلتبس عليه الشهور، فإن صام قبل رمضان لم يجزه، وإن صام بعده أجزأه.
وقال الشافعي: إن حجه يوم النزوية يجزئه، واختلف قوله في الصوم، فقال مرة مثل قوله في الصوم، فقال مرة مثل قولنا، وهذا قول أبي ثور، وأصحاب الرأي.
وقال مرّة: يجزئه، صام قبل رمضان، أو بعده، واحتج بمسألة الحج يوم النزوية.
واحتج في الحج بأنّ أبا بكر حج بالناس في سنة ثمان من الهجرة ذي القعدة.
وحج أبي بكر عندنا لم يكن عن فرض، ومُحال أن يُفرض الحج أبو بكر دون النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما حج أبي بكر لينذر المشركين بسورة براءة، وأنذرهم ألا يقربوا المسجد الحرام بعد ذلك العام.
م: وقد ذكرنا الحجة في ذلك قبل هذا.
قال أبو القاسم: وقد قال ابن الماجشون في المحصر بعدوّ بعد أن أحرم بحجّة الإسلام وحل منها عن سنة الإحصار أنّها تجزئه من حجة الإسلام، وإنما استحب له مالك القضاء، فأين هذا من غلط هؤلاء ووقوفهم يوم النحر حتى علمهم فيه.
قال أبو محمد: واختلف فيه قول سحنون فيما أخبرنا به أبو بكر عن حمد يس عن سحنون.
وأخبرنا عن يحي بن عمر في أهل الموسم ينزل بهم ما نزل بالناس سنة العلوي، وهروبهم عن عرفة ولم ينمو الوقوف قال: يجزئهم ولا دم عليهم.
م: وهذه مثل الأولى إنما أجزأهم لمشقة الإعادة، ولعله يريد إنّ هربهم كان بعد وقوفهم بعد الزوال فأجزئهم لقوة الاختلاف فيه، وقوله: ولا دم عليهم، يريد: لأجل هروبهم ولم يتموا الوقوف لأنهم مغلوبون على ذلك، وهذا إذا عملوا بقية المناسك من المبيت بالمزدلفة، والوقوف بها، والرّمي، والإفاضة، فإن لم يعملوا شيئاً من ذلك فلا يحلّوا من إحرامهم إلا بطواف الإفاضة، ويكون عليهم لجميع ما فاتهم من الوقوف بالمزدلفة، والرمي يوم النحر وأيام منى الدّم، على اختلاف قولهم فيمن أٌحصر بعدوّ بعد وقوف عرفة، فقيل: لا دم عليه، وقيل: عليه لجميع ما فاته من الرمي، والوقوف بالمشعر هدْي واحد، بخلاف من أُحصر قبل الوقوف بعرفة، هذا لا هدي عليه عندنا، وقد بينا ذلك في الحج الثاني.
فصل [1 - فيمن فاته الحج ثم أصاب النساء والطيب والصيد والسيد قبل أن يحل منه بعمرة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن فاته الحج، ثم أصاب النساء، والطيب، والصيد قبل أنْ يحل منه بعمرة فليحل منه بعمرة، وعليه في ذلك ما على الصحيح إلا أنه يهريق دم الفوات ودم الفساد / في حجة القضاء، وما أصاب من الصيد أو الطيب ألبس فليهريق له الدم متى شاء، والهدي عن جماعه قبل أن يفوته الحج، أو بعده أن فاته هدي واحد، ولا يعي
العمرة لوطنه في إحرامها، كما ليس عليه إذا وطئ في الحج قبل يوم عرفة ثم فاته الحج منه في عمرة أنْ يقض هذه العمرة.
م: هذا بيان هذه المسألة، وهي في كتاب ابن المواز بينة، قال فيه: فإذا فاته الحج ثم وطئ فليحل بعمرة ويهدي لوطئه فيها وعليه حج قابل وهدي آخر للقضاء، ولا بدل عليه لهذه العمرة لوطئه فيها، كما ليس عليه قضاء عمرة إذا وطئ في الحج، يريد: قبل الحج ثم فاته.
قال ابن القاسم: وسواء أفسد حجه ثم فاته، أو أفسده بالوطء بعد الفوات قبل أن يطوف للعمرة، ويعمل عمل العمرة ويحل، وليس عليه غير حج واحد وهدّي للفساد وهدْى للفوات.
قال مالك: ومن أفسد حجّه ثمَ فاته فلا ينبغي أن يقيم إلى قابل على أمر فاسد وليحل بعمرة ثم يحج قابلاً.
م: يريد: ولو أقام على إحرامه هذا إلى قابل فحج به فليقضه في السنة الثالثة ويهدي هديين: هدّي للفساد، وهدْي للفوات.
[فصل 3 - في هدْي الفوات متى يُنْحر؟]
ومن المدونة قال مالك: ومن فاته الحج فلا يُقدّم هدْي الفوات وإن خاف الموت، ولا ينحره إلاّ في حجّة القضاء.
قال ابن القاسم: فإن اعتمر بعد أن فاته الحج فنحر هدْي الفوت في عمرته أجزأه؛ لأنّه لو هلك قبل أن يحج أُهْدِي عنه بعد الموت لمكان ذلك، ولو كان لا يجزئه إلاّ بعد القضاء ما أهْدي عنه بعد الموت، وبلغني أن مالكاً كان يُخففّه ثم استثقله، وأنا لا أحب له أن يفعل إلا بعد القضاء، فإن فعل قبله ثم حج أجزأ عنه.
قال أشهب: لا يجزئه.
قال ابن القاسم: وهدْي الغوات إنما يُنحر في قول مالك في حجة القضاء بمنى بعد أن يقف به بعرفة، فإن فاته أن ينحره بمنى اشتراه فساقه إلى الحل ثم قلده وأشعر إن كان مما يقلد ثمَ أدخله مكة فنحره بها وأجزأه.
فصل [3 - من أفسد نسكه أو فاته فإنه يقضي مثل الإحرام الذي أفسده أو فاته مِنْ إفْراد أو قِرانٍ أن تمتع]
قال ابن القاسم: ولا يقضي قارناً عن إفراد ولا مفرداً عن قران، فإن فعل لم يجزئه، فإذا فات القارن فلا يفرّق القضاء الحج وحده والعمرة وحدها ولكن يقضي قارئاً.
قال: وإن أفرد الحج ثم جامع فيه فلا يقضي قارناً، فإن فعل لم يجزئه إلا أن يفرد
كما أفسد؛ لأن القارن ليس حجّه تاماً كتمام حج المفرد إلاّ بما أضاف إليه من الهدي.
قال أبو محمد: ورأيت لعبد الملك أن من أفسد حجّه مفرداً فقضى قارناً أنّه يجزئه.
م: ووجه ذلك: أن القران مع الهدي كالإفراد؛ لأنه قضاء لحج ناقص فجبره بالدّم فصار كالصحيح، كما لو أفسده مفرداً فقضى متمتعاً أنّه يجزئه.
وفي كتاب ابن المواز: من أفسد حجّه مفرداً لم يجزئه أن يقضيه قارناً، ولو أفسده قارناً لم يجزئه أن يقضيه مفرداً، ولو تمتع، ثمّ أفسد حجه فقضاه مُفْرِدَاً أجزأه، وعليه دم التمتع، وهدْي للفساد، وذكرها عيسى في العتبية عن ابن القاسم، وقال: يُعجّل هدْي التمتع ويؤخّر هدّي الفساد إلى حجّة القضاء.
[الباب الثاني]
جامع القول في فساد الحج
قال الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
فالرفث: ذكر النساء، ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن نكاح المحرم.
ورأى عمر، وعلي، وأبو هريرة لمن أفسد حجه بإصابة أهله وهما محرمان أن يتما حجهما ويحجا قابلاً ويهديا.
م: كالوطء في الصوم أنّه يتمه ويقضيه ويكفر.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ويفترق الزوجان في حجة القضاء، وروى ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم.
[فصل -1 الإيلاج في الفرج مفسد للحج والعمرة، وكذا كل إنزال عن استمتاع]
قال عبد الوهاب: ولا خلاف إذا وطئ متعمداً، وكذلك الناسي عندنا خلافاً للشافعي.
ودليلنا: أنّه وطء صادف إحراماً منعقداً كالعمد.
قال: ولا خلاف أنّ الإيلاج وإن لم يُنزِل يُفسد الحج والعمرة، وكذلك كل إنزال يكون على أي نوع من الاستمتاع يُفسد/ الحج والعمرة عندنا، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾.
ولأن الإنزال هو المقصود فهو أبلغ من الإيلاج، فإذا كان الإيلاج يفسد فالإنزال أولى.
ولأنها عبادة يفسدها الوطء في الفرج، فالإنزال مع المباشرة أو اللمس يُفْسِدها، أصله الصوم.
[فصل 3 - في التفريق بين الزوجين إذا أفسدا حجهما]
ومن المدونة قال مالك: وإذا حج الرجل والمرأة فجامعهما فليفترقا إذا أحرما بحجة القضاء ولا يجتمعا حتى يحلا.
م: وروي ذلك عن عثمان، وعلي وابن عباس رضي الله عنهم.
م: ولأنهما يتذاكران ما كانا فيه فيدعوهما إلى الإفساد ثانية.
الأبهري: وقيل: إن ذلك عقوبة لهما إذْ فعلا ما لا يجوز لهما فعله في الإحرام فعوقبا أن لا يجتمعا في إحرام القضاء، كما مُنِعَ قاتل العمد من الميراث عقوبة لفعله الذي قصد به استعجال الميراث قبل وقته، فكذلك هذا استعجل الوطء قبل وقته فحُرمَه.
[فصل 3 - الإحرام في حجة القضاء لابدّ أنْ يكون من الميقات]
ومن المدونة: قال مالك: ومن أفسد حجّه أو عمرته بإصابة أهله فليحرم لقضائها من حيث أحرم في الأولى إلاّ أن يكون إحرامه الأول أبعد من الميقات فليس عليه أنْ يحرم الثانية إلا من الميقات، فإنْ تعدى الميقات في القضاء ثم أحرم أجزأه، وعليه دم؛ لأن من أفطر في قضاء رمضان متعمداً إنما يقضي يوماً بلا كفارة.
وإذا طاف القارن أوّل ما دخل مكة وسعى، ثم جامع فليقض قارناً؛ لأن طوافه وسعيه إنما كان للعمرة والحج جميعاً، ألا ترى أنه لو لم يجامع ومضى على القرن صحيحاً لم يلزمه إذا رجع من عرفات أنْ يسعى لحجه، وأجزأه السّعي الأوّل.
ومن أفسد حجّه بالوطء فلم يتمه حتى أحرم بحج القضاء لم يلزمه ذلك ولا قضاؤه، وهو على حجّه الذي أفسده فيتمه، ويقضيه، ويهدي، ولا يكون ما جدد من إحرامه نقضاً لحجته الفاسدة.
م: وقال غيرنا: له أنْ يرفضه ويستأنف إحراماً جديداً.
وما قلناه: عليه إجماع الصحابة، وقال علي، وعمر، وابن عباس، وغيرهم.
قال ابن القاسم: ومن أحرم بعمرة فجامع فيها ثمّ أحرم بالحج قبل تمامها لم يكن قارناً ولا يرتدف الحج على العمرة الفاسدة.
قال ابن المواز: وإرادفه الحج باطل لا يلزمه، ويرجع فيتم عمرته الفاسدة ثم يقضيها، وإن أحرم بالحج قبل أن يقضيها لزمه وعليه قضاء عمرته بعد تمام حجه.
م: وقال عبد الملك: يرتدف الحج على العمرة الفاسدة.
[فصل 4 - من قرن الحج والعمرة فجامع فيهما]
ومن المدونة: ومن قرن الحج والعمرة فجامع فيهما فعليه الآن دم لقرانه هذا الفاسد يفعل فيه كما يفعل لو لم يفسده، وعليه أن يقضي قابلاً قارناً، وعليه مع حجة القضاء هديان: هدي لقرانه الثاني، وهدي لفساده الأول، وليس له أن يُفرّق القضاء فيقضي العمرة وحدها والحج وحده، فإن فعل لم يجزئه وأعاده قارناً، ويهدي إذا قرن هديين كما ذكرنا.
قال ابن المواز: قال أشهب عن مالك: فإن لم يجد صام ستة أيام، وإن شاء أفطر بين كل ثلاثة، وإنْ شاء وصلها، ثم يصوم أربعة عشر يوماً بعد ذلك، ولو وجد هدياً واحداً صام عن الآخر ثلاثة أيام ثم سبعة.
وقال أبو زيد عن ابن القاسم: وإنْ أفسد هذا القارن حجه ثم فاته الحج مع ذلك فعليه أربع هدايا: هدي لقرائه الأول، وهدي ثانٍ حين صار يعمل عمل العمرة.
ابن المواز: كأنه وطئ فيها ثم هدي لقران القضاء، وهدي للقضاء في الفوات.
ابن المواز: وروى أصبغ عن ابن القاسم إنما عليه ثلاث هدايا، والأوّل أحبّ إلينا.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تمتع ثم أفسد حجه فعليه الآن دم المتعة، وهدي للفساد في حجة القضاء.
وقال اصبغ - في غير كتاب ابن المواز - عن ابن القاسم فيمن تمتع فاته الحج بعد الإحرام أنه يسقط عنه دم المتعة بخلاف / المفسد لحجه المتمتع.
م: كما قال فيمن تعدى ميقاته ثم فاته الحج أنه يسقط عنه دم التعدي بخلاف المفسد له.
[فصل 5 - فيمن أفسد حجه فقضاه ثم أفسد القضاء]
ابن المواز: قال ابن القاسم: ومن أفسد حجّه فقضاه قابلاً فأفسده أيضاً فعليه قضاء حجتين.
وقال مالك فيمن فطر في قضاء رمضان أنّه يقضي يومين.
قال ابن مواز: قال أصبغ: هذه الرواية في الصوم، ونقل: وليس عليه إلاّ قضاء يوم بخلاف الحج، وما ذلك في الحج بالقويّ، وهو أحبّ إلينا أن يقضي حجّه الآخر، ثم يقضي الأوّل.
وقال عبد الملك: ليس عليه إلاّ حجة واحدة ولا يعيد القضاء الذي أفسد.
وقال ابن المواز بقول عبد الملك.
ومن المدونة: قال: ومن جامع في حجة فاسدة ثم أصاب بعد ذلك صيداً بعد صيد، ولبس وتطيب مرة بعد مرة في مجالس شتى، وحلق مرة بعد مرة، ثم جامع مرة بعد مرة، فعليه فيما فعل من ذلك لكل مرة فدية وإنْ بلغ ذلك عدداَ من الفدية، وعليه جزاء كل صيد أصابه، وأما وطئه مرة واحدة أو مراراً، إمراة واحدة أو عدداً من النساء فليس عليه في ذلك إلاّ هدي واحد؛ لأنه بالوطء فسد حجه ولزمه القضاء.
قال عبد الوهاب: إنما لم يجب عليه بتكرار الوطء هدي خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن الثاني وطء لم يفسد الحج فلم يجب به هدي أصْله إذا وطيء المتظاهر ثانية قبل التكفير.
م: لأن الوطء الأول هو الذي أدخل الفساد له الحكم، كالثلاثة شركاء في عبد، يعتق أحدهم حصته منه، ثم يعتق الثاني بعده، فإنما التقويم على الأول؛ لأنه هو الذي أدخل الفساد، ولا تقويم على الثاني.
م: وفارق ذلك الصيد لقوله تعالى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، فهو لو قتل صيداً فعليه جزاء مثله، وكبيراً عليه جزاء مثله فكذلك جماعة صيد عليه جزاء مثلهم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما ما فيه الفدية، فأن تأول أو جهل أن ليس عليه إتمام ما أفسد من الحج لما لزمه من القضاء فتطيّب ولبس وقتل الصيد مراراً عامداً لفعله يرى أن الإحرام سقط عنه فليس عليه فدية واحدة، إلا في الصيد فإن عليه لكل صيد قتله جزاءه.
[فصل 6 - فيمن أكره نساءه وهنّ مُحْرِمَات فوطئهن]
قال مالك: وإن أكره نساءه وهنّ محرمات فوطئهن أحجّهن وكفّر عن كل واحدة منهن كفّارة وإنّ بِنّ منه منه ونكحن غيره، وأما إنْ طاوعته فذلك عليهن دونه.
قال في كتاب ابن المواز في التي أكرهها، ثمّ طلقها وتزوجت غيره أنّ على الأول أن يُحجّها، ويُجْير الثاني على الإذن لها، وإنْ وطئ أمته وقد أذن لها في الحج فعليه أنْ يحجّها ويهدي عنها.
قال ابن القاسم: والإكراه فيها من السيد وغير الإكراه سواء، وطوعها له كالإكراه.
قال عبد الملك: ولو باعها لكان ذلك عليه لها.
ابن المواز: وهو كعيب تردّ به إلا أن يبرأ منه السيد قال عبد الملك: ويهدي عنها ولا تصوم.
قال العتبي: روى عيسى عن ابن القاسم في محرم وطى أهله مكرهة وليس معه ما يهدي عنها وهي مليّة فليس عليها حج ولا صيام؛ وإنما ذلك على من أكرهها.
قال عنه ابن المواز: إذا لم يجد الزوج ما يحججها ويهدي عنها فلتفعل هي ذلك، وترجع به عليه، فإنّ صامت لم ترجع عليه من قبل الهدي بشيء.
وكذلك المُدْحل على المْحرِم شيئاً كرها يوجب الفدية.
م: إذ الصوم لا عوض له.
ولو أطعمت عن فدية الأذى لرجعت عليه بأقل من النسك والإطعام.
وإذا فلس الزوج فلزوجته محاصّة غرمانة بما وجب لها من ذلك ويوقف ما يصير لها حتى تحج به وتهدي، فإن ماتت قبل ذلك رجع حصة الإحجاج إلى الغرماء وأنفذ الهدي عنها.
ابن المواز قال ابن القاسم وأشهب: ومن تزوج بعد بعد رمي جمرة العقب قبل أن يفيض فسخ نكاحه، قال مالك: بغير طلاق، وقاله أشهب، وقال ابن القاسم: بطلاق.
ومن المدونة: قال لابن القاسم: وإذا ذكر المحرم إمرأنه بقلبه وأدام التذكرة للذة حتى أنزل فقد أفسد حجه، وعليه حج قابل.
قلت: فإن عبث المحرم بذكره فأنزل؟ قال: يفسد حجه.
وقد قال مالك: إذا كان راكباً فهزته دابته فاستدام ذلك حتى أنزل فقد أفسد حجه، وكذلك المحرمة إذا فعلت ما يفعل شرار النساء من العبث بنفسها حتى أنزلت فسد حجها.
قال مالك: وإذا لمس المحرم أو قبّل أو باشر فأنزل، أو أدام النّظرة للذة حتى أنزل فسد حجه، وعليه حجُّ قابل والهدي.
قال: فأمّا إنْ نظر المحرم ولم يتابع النظر ولا أدامه فأنزل فحجه تام،
وعليه الهدي.
الأبهري: إنما يهدي على طريق الاستحسان، ويجوز أن يكون ترك التحرز حتى وقع منه النظر.
قال مالك: وكذلك لو قبّل، أو غمز، أو جس، أو باشر، أو تلذذ بشيء من أهله إلا أنه لم ينزل ولم تغب الحشفة منه في ذلك منها فإنما عليه الهدْي، وحجّه تام.
[الباب الثالث]
ما يلقيه المحرم عن نفسه، أو بعيره، وغسل ثيابه، وبيعها، وجامع ما يجتنبه من اللباس، والطيب، وإلقاء التفث، وغير ذلك.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، فجعله مخيراً، وفي الآية من الاختصار في قوله تعالى: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ يريد: فأماطه أذاه ففدية، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ يريد: فأفطر فعدّه من أيام أخر، وهذا في كتاب الله كثير.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، فأباح ذلك بعد التحلل.
وقوله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: «أتؤذيك هوام رأسك؟» قال: نعم، فأمره بالحلاق، والفدية.
ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم المحرم عن لباس العمائم، ومخيط الثياب، والبرانس، والسراويلات، والخفاف، وما مسْه وَرْس، أو زعفران، وأرخص لمن لم يجد نعلين قطع الخفين أسفل من الكعبين ولبسهما.
وقد تقدم هذا في الكتاب الأول.
قال في الثالث: ولا يطرح عن نفسه القمل؛ لأنه من إلقاء التفث.
قال مالك: ولا بأس أن يطرح عن نفسه الحلمة والقراد والحمنان والبرغوث أو العلقة، ولا شيء عليه، وكذلك إنْ طرح العلق أيضاً من دواب جسد البعير والداب.
فأما لو طرح الحمنان والحلم والقراد عن بعيره أو دابته فليطعم شيئاً من طعام.
قال مالك: ولا يغْسل المحرم رأسه بخِطْمِيّ.
م: وهو زريعة الخُبيز، قال: فإن فعل افتدى أي الفدية شاء، قال: وله أن يفعل ذلك إذا حل له الحلاق قبل أن يحلق، وهو الشأن.
قال: وإن أصابته جنابة صب على رأسه الماء وحركها بيده، ولا بأس أن يصب الماء على رأسه وبدنه لحرّ يجده أو لغير حرّ.
م: لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلوا ذلك؛ ولأن ذلك لا يقتل شيئاً من الدواب ولا يمنع من التبرد؛ لأن ذلك من الحرج.
ومن المدونة: قال مالك: وأكره له غمس رأسه في الماء خيفة قتل الدواب، فإن فعل أطعم شيئاً من طعام.
قال: وأكره للصائم الحلال أيضاً أن يغمس رأسه في الماء، فإن فعل فلا شيء عليه إذا لم يدخل الماء حلقه.
قال: ولا يدخل المحرم الحمام لينقي وسخه، فإنْ دخله فتدلك وأنقى الوسخ افتدى.
وقال: وأكره أنَ يغسل ثوبه إلا أن يصيبه جنابة فيغسله بالماء وحده.
ومن المدونة: قال: ولا يغسل ثوبه بالحُوَض خشي قتل الدواب.
قال مالك: ولا أرى للمحرم أنَ يغسل ثوب غيره خفية قتل الدواب، زاد في رواية الدّباغ قال مالك: فإنَ فعل افتدى، قال ابن القاسم: يتصدّق بشيء من طعام لموضع الدواب التي قتل في الثياب.
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يبدّل ثيابه التي أحرم فيها وأنّ يبيعها لقمل آذاه فيها أو غيره
وقال سحنون: إذا باع الثياب فقد عرّض القمل للقتل.
قال مالك في العتبية: ولا بأس للمحرم يرى القملة في ثوبه أو بدنه فينقلها في مكان آخر من ثوبه أو جلده.
فصل [1 - فيما يجتنبه المحرم من اللباس]
ومن المدونة: وكره مالك أن يدخل منكبيه في القَبَاء وإن لم يدخل يديه في كميّه ولا زرّه عليه؛ لأن ذلك دخول فيه ولباس له، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن لباس البرانس ومخيط الثياب.
قال ابن القاسم: ولم يكره له أن يطرح قميصه على ظهره ينزدى به من غير أن بدخل فيه، وكره له أن يَزُرّ الطيلسان على نفسه، أو يُخَللّ عليه كِسَاءه، وأجاز له
أم يَحْتبي، وأن يتوشَح بثوبه ما لم يعقد ذلك، فإنْ عقد على نفسه ثوبه الذي توشّح به وذكر ذلك مكانه فحلّه، أو صاح به رجل فحلّه فلا شيء عليه، وإنْ طال ذلك حتى ينتفع به افتدى.
قال ابن القاسم: وكذلك إنْ خلّل عليه كساءه، أو لبس قميصه فنزعه، أو صاح به أحد فنزعه فلا شيء عليه، وإن طال ذلك حتى انتفع به افتدى.
قال مالك: وجائز للمحرمة لباس الحرير والخز والعصب والحلى، قال: وجائز للمحرمة لباس السراويل ومخيط الثياب.
قال ابن القاسم: وغير المحرمة عندي أحرى.
وكره مالك للمرأة لباس القباء في الإحرام وغيره لحرة أو أمة لأنه يصفهن.
وكره للمحرم لباس الجوربين والجرموقين والقفازين، قال: وإذا لم يجد نعلين ووجد خفين فلقطعهما أسفل من الكعبين ويلبسهما، ولا شيء عليه، وإن وجد نعلين فاحتاج إلى لبس الخفين لضرورة بقديمه فقطعهما أسفل من الكعبين فليلبسهما ويفتدي، قال ابن القاسم: لأنّ لباسه الخفين لضرورة يشبه الدواء فلذلك لذمته الفدية، والأوّل غير متداوي وقد جاء فيه الأثر.
وإن وجد النعلين بشراء فلا رخصة له في قطع الخفين إلا أن يرفع عليه في الثمن كثيراً، وإن زيد عليه يسيراً فليشترهما.
فصل [3 - إحرام الرجل في وجهه ورأسه، وإحرام المرأة في وجهها ويديها]
قال مالك: وإحرام الرجل في وجهه ورأسه، والمرأة في وجها ويديها، والذقن هما فيه سواء لا بأس بتغطيته لهما.
وقد تقدمت الحجة في ذلك في الكتاب الأول.
ومن المدونة: قال مالك: وإن غطى المحرم وجهه أو رأسه ناسياً أو جاهلاً فإن
نزعه مكانه فلا شيء عليه، وإن تركه حتى انتفع به افتدى.
قال ابن القاسم: وكذلك المحرمة إن غطت وجهها مثل الرجل إلا أن مالِكاً وسّع لها أن تسدِل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت ستراً.
يريد: لا من حرّ ولا من برد، قال: فإن لم ترد ستراً فلا تسدل، وما علمت أنّ مالكاً كان يأمرها إذا أسدلت رداءها أنن تجافيه عن وجهها، ولا ينهى أن يصيب الرّداء وجهها، وإن رفعت خمارها من أسفل رأسها على وجهها افتدت بخلاف السدل لأنه لا يثبت إذا رفعته حتى تعقده.
وكره لها مالك أن تتبرقع، أو أن تلبس القفازين فإن تعلمت افتدت كفدية الرجل.
فصل [3 - إذا حلق الحلال رأس المحرم أو طيّبه أو غطى رأسه ووجهه فالفدية على الفاعل]
قال مالك: وما جره المحرم على وجهه من لحافه وهو نائم فانتبه فنزعه فلا شيء عليه وإنْ طال، بخلاف المستيقظ.
وإن نام فغطىّ رجل رأسه ووجهه أو طيبه أو حلق رأسه ثم انتبه فنزع ذلك، أو نزع الطيب عنه فلا شيء عليه، والفدية على من فعل ذلك به.
قال ابن المواز: ولا يجزيء الفاعل أن يفتدي بالصيام ولكن بالنّسك أو الإطعام، وإن كان الفاعل عديماً أو لم يقدر عليه فليفتد هذا المحرم عن نفسه ويرجع على الفاعل إن أيسَر أو قدر عليه بالأقل من ثمن الطعام أو ثمن النسك إن افتدى بأحدهما، وأما إن صام فلا يرجع على الفاعل بشيء.
م: وما ذكره ابن المواز من أنه إذا كان الفاعل عديماً أن يفتدي هذا المحرم عن نفسه إلى آخر ما ذكره إنما ذلك وعلى روايته فيمن أكره زوجته فوطئها وهما محرمان وهو عديم أنّ عليها هي أن تحج قابلاً وتتْبَعُ بذلك زوجها، فإن لم تجد هي ما تهدي صامت، ولم ترجع على زوجها بشيء من ثمن الهدي؛ لأنها لم تهد وإنما صامت، والصيام لا ثمن له.
م: فما ذكره محمد: إنما يجوز على هذه الرواية في الذي أكره امرأته، وقد قال ابن القاسم في العتبية: إنّ الزوج إذا كان عديماً وهي مليئة فليس عليها هي حج ولا صيام، فعلى هذه الرواية: ليس على النائم المُطِّيب إذا كان الفاعل عديما أن يفتدي هو عن نفسه؛ لأن الفدي إنما تعلقت بغيره.
م: وهذا بّين: واختلف أبو محمد، وابن القابسي إذا طيّب محرم محرماً نائما، قال ابن القابسي: يجب على الفاعل فديتان: فدية لمسّه الطيب، وفدية لتطيييبه النائم.
وقال أبو محمد: ليس عليه إلاّ فدية واحدة؛ لأني لو ألزمته فديتين لألزمته ذلك إذا طيب نفسه لمسَّه الطيب ولتطيبه، ولكن إنما تلزمه فدية واحدة فكذلك تطييبه غيره.
م: وقول أبي الحسن أصوب.
وقال أشهب في مدونته: ما فعل بالمحرم وهو نائم مما يكون عليه فيه الفدية لو فعله بنفسه فلا شيء عليه ولكنه إذا انتبه غسل عنه الطيب مكانه، فإن أخّره فعليه الفدية، وهذا فيما لا يبقى له في منفعة بعد انتباهه، فأما لو قص من شعره أو حلق رأيت عليه الفدية؛ لأنه بقي له الانتفاع بما فعل به، ثم يرجع بما افتدى على الذي فعل ذلك به يرجع عليه بالأقل من ثمن النسك أو الإطعام، وإن افتدى بالصوم فلا يرجع عليه بشيء إذْ لا ثمن له.
م: وهذا خلاف للمدونة في التفرقة بين ما يبقى وما لا يبقى.
وفي آخر الكتاب مسألة من تقلّب في نومه على جراد أو ذباب أو غيره أنّ عليه الكفارة.
فصل [4 - يجوز للمحرم أن يحمل على رأسه ما تدعو الحاجة إليه من زاده ونحوه]
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يحمل المحرم على رأسه إذا كان راجلاً ما لابد له منه مثل خرجه فيه زاده أو جرابه.
قال ابن حبيب: ولا شيء عليه.
قال مالك: ولا يحمل ذلك لغيره على رأسه طوعاً ولا بإجازة، فإن فعل افتدى.
قال ابن القاسم: ولا أحب له أن يحمل على رأسه تجارة لنفسه من بز أو غيره، ولا ينبغي له أن يتجر فيما يغطي به رأسه في إحرامه.
قال ابن حبيب: فإن فعل افتدى، وقال أشهب: إلا أن يكون ذلك عيشه فله ذلك.
ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس أن يَشُدِّ منطقته التي فيها نفقته على وسطه ويدخل السيور في الثقب ويربطها من تحت إزاره، قال ابن القاسم: فإن ربطها من فوق إزاره افتدى؛ لأنه قد احتزم من فوق إزاره، وقد قال مالك: إذا لم يرد المحرم العمل فلا يحتزم، فإن احتزم من فوق إزاره بحبل أو خيط افتدى، وإن أراد أن يعمل فلا بأس أن يحتزم.
قال ابن حبيب: وقد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم رجلا محتزما بحبل وهو محرم فقال له: "انزع الحبل، ويلك، انزع الحبل، ويلك"، وقال رجل لابن عمر: أخالف بين طرفي ثوبي ثم أَعْقده من ورائي وأنا محرم؟ فقال له ابن عمر: "لا تعقد عليك شيئاً إلا منطقتك التي فيها نفقتك فأوثقها.
ومن المدونة: ولم يّوسع له مالك أن يجعل منطقته التي فيها نفقته إلاّ في وسطه، وكره أن يجعلها في عضده أو فخذه أو ساقه، قال ابن القاسم: فإن فعل فأرجو أن يكون خفيفاً ولا فدية عليه.
وقال أصبغ: إن هو جعلها في عضده افتدى.
قال ابن القاسم: / ولا يجوز أن يحمل نفقة غيره في وسطه ويشدّها على بطنه، فإن فعل افتدى، وإنما أرْخَص له في حمل نفقة للضرورة إلى ذلك.
قال: ولو ربطها أوّلاً لنفقته، ثمّ أودعه رجل نفقته فجعلها فيها فلا شيء عليه؛ لأن أصل ما شدّها لنفسه لا لغيره.
قال بعض المتأخرين فإن نفدت نفقة المحرم لم يسغ له بقاء وديعة غيره فيها لارتفاع ما من أجله أبيح له ذلك.
قال ابن حبيب: وإن كان في منطقته لؤلؤ أو جوهر للتجار فلا يشدّه على وسطه، فإن فعل افتدى.
م: كما ليس له أن يحمل التجارة على رأسه، وله أن يحمل زاده.
ومن المدونة: قال مالك: وإن ألجيء المحرم إلى تقليد السيف فلا بأس به.
قال عنه ابن المواز: فإن تقلده لغير حاجة فلا فدي عليه ولينزعه، وقاله أصبغ.
وقال ابن وهب: إن تقلّده لغير ضرورة افتدى.
قال ابن القاسم: ولم يكره مالك أنْ يعصب المحرم على جراحه خٍرّقاً، وكان يرى عليه إذا فعل ذلك الفدية.
قال: وإن عصب رأسه من صداع أو جرح، أو عصب على جسده أو على بعض جسده لجرح أو غير ذلك، أو ربط الجبائِر على كسر به، أو ألصق على صدغيه مثل ما يصنع الناس فليفقد، إن شاء صام، أو أطعم، أو نسك.
قال: ولو ألصق على قروح به خرقاً صغاراً فلا شيء عليه، وإن كانت كباراً افتدى، وإن جعل على أذنيه قطناً لشيء وجده فيهما افتدى، كان في القطنة طيب أو لم يكن.
م: لأن ذلك موضع الإحرام بخلاف الجسد، وسواء فعله لضرورة أو غيرها، وحكي نحو هذا لأبي محمد.
ومن المدونة: وكره مالك للمحرم شمّ الطيب وإن لم يمسه بيده، قال ابن القاسم: فإن تعمّد شمه ولم يمسه بيده فلا شيء عليه، قال مالك: وإن مسّه افتدى، قال عنه ابن حبيب: وجد ريحه أو لم يجد، لصق بيديه أو لم يلصق.
محمد: ومسّ الطيب أشد من شمه، وشربه أشد من مسه، والفدية في شربه أو مسه.
م: وإنّما منع المحرم من الطيب؛ لأن الطيب من دواعي الوطء، فمنع منه كما منعته المعتدّه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكره له مالك أن يمرّ في موضع العطارين، ورأى أن يقام العطارون من بين الصفا والمروة أيام الحج، وكره له أن يتجر بالطيب إذا كان قريباً منه يمسه أو يشمّه، وكره له مالك شمّ الريحان، وقال: إن شمه أو مسّه رأيته خفيفاً ولا شيء عليه، وكذلك الورد والياسمين والخِيرِيُّ وما أشبهه، بخلاف الطيب المطّيب إن مسه افتدى.
قال مالك: وإن مسه خلوق الكعب فأرجو أن يكون خفيفا، ولا شيء عليه إذْ لا يكاد يسلم منه إذا دخل البيت.
قال في غير المدونة: وإن أصابه من ذلك كثير فلينزعه عنه، وإن كان يسيراً فإن شاء غسله أو تركه.
وقال ابن وهب: عليه الفدية.
قال مالك: وإن أصاب كفّه خلوق الركن فأحبّ إليّ أن يغسل الكثير، وهو من اليسير في سعة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا أري أن تُخَلّق الكعبة أَيام الحج.
فصل [5 - في المحرم يخضب رأسه أو لحيته بحناء أو يدّهن أو يأكل أو يشرب ما فيه طيب]
قال ابن القاسم: وإذا خضب المحرم رأسه أو لحيته بحنّاء أو بوسِمَة أو خضبت
المحرمة يديها أو رجليها أو رأسها أو طَرقت أصابعها فليفتديا.
وإن خضب الرجل أصبعه بحناء لجرح أصابه فإن كانت رقعة كبيرة افتدى، وإن كانت صغيرة فلا شيء عليه، وأمّا إن داوى جرحه بما فيه طيب برقعة صغيرة أو كبيرة فليفتد بخلاف الحّناء كالرّيحان ليس بمنزلة المؤنث من الطيب.
وكره مالك للمحرم أن يتوضأ بالريحان، يريد: غسل يديه، فإن فعل فلا فدية عليه، قال: ولا بأس أن يتوضأ بالحرض، وأكره له أن يغسل يديه بالأشنان المطيب بالريحان، ولا شيء عليه إن فعل.
قال: وإن كان طيب الأشنان بالطيب افتدى.
قال: ولا بأس أن يغسل يديه بالأشنان غير المطيب، والغاسول، وشبه ذلك.
قال: وإن دهن قدميه وعقبيه من شقوق فلا شيء عليه، وإن دهنهما لغير علّة، أو دهن ذراعيه أو ساقيه ليحسنهما لا مِن علّة افتدى.
قال: وإن دهن / شقوقاً في يديه أو رجليه بزيت أو بشحم أو دك فلا شيء عليه، وإن دهن ذلك بطيب افتدى.
قال مالك: وإن دهن بطون قدميه أو بطون كفيه من شقوق ليمرنهما للعمل فلا بأس بذلك، وأما إن دهن ظهور قدميه أو باطن ساقيه أو ركبتيه لخوف أن يصيبه شيء فلفْتَدْ.
وكره مالك للمحرم والحلال شرب الماء فيه الكافور لناحية السرف.
قال: وإن شرب المحرم دواء فيه طيب افتدى، وكره مسالك أن يشرب شراباً فيه كافور، أو يأكل دِقة مُذَعفَرة، فإن فعل افتدى.
وقال أشهب في غير المدونة: لا يفتدي من أكل أو شرب ما فيه طيب، بخلاف التداوي به، ورواه ابن وهب عن مالك.
قال ابن المواز: وهذا عندنا فيما مسته النار أو تغّير لونه ولم يوجد له لون مثل التِرْيَاق وشبهه.
وكره مالك في كتاب محمّد، وابن حبيب الفالوذج وإن طبخته النار، لأنه ربما صبغ الفم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أكل طعاماً مسته النار فيه زعفران أو ورس فلا شيء عليه، وإن لم تمسه النار فلا خير فيه.
قال: وإن دهن رأسه بزيت أو زَنْبَق أو بان أو شيرج الجُلْجُلان أو زيت
الفجل وشبه ذلك افتدى، كان شيئاً من ذلك مطيّباً أم لا.
م: بخلاف من أراد الإحرام هذا له أن يدهن رأسه بالزيت وباليان السمح، قاله في الحج الأول.
م: لأنّه غير محرم بعد، وهو شيء لا يبقى ريحه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وجائز أن يأتدم في طعامه بدهن الجلجلان، وهو كالسمن، ويكره أن يأتدم بالزَّنْبَق والبَنَفْسَج وشبهه أو يَشْتَعط بذلك، وجائز له أن يستعط بالزيت والسمن ولا بأس بأكله.
فصل [6 - في اكتمال المحرم]
قال مالك: ولا بأس أن يكتحل المُحْرِمُ من حرّ يجده في عينيه بالإِثْمِدِ والصبِر والمرّ زنحوه، ولا فدية عليه إلاّ أن يكون فيه طِيْب فليفتدي.
وكره مالك أن يكتحل لزينة، قال ابن القاسم: فإم فعل افتدى.
قال مالك: ولا تكتحل المُحْرِمَةُ لزينةٍ ولا بإثمد لغير زينة؛ لأنه زينة لها، فإن
اكتحلت بالإثمِد لزينة افتدت، وإن اضطرت إلى الإثمد لوجع بعينها فاكتحلت به فلا فدية عليها.
ابن المواز: وكذلك الرَّجُل.
قال ابن القاسم: وإنما لم يكن عليها فدية لأن الإثمد ليس بطيب، وإنما اكتحلت به لضرورة لا لزينة، والضرورة عند مالك مخالفة لغير الضرورة في هذا، ألا ترى أن لو دهن المحرم يديه ورجليه بالزيت لزينة لزمته الفِدية عند مالك، ولو دهن شُقوقاً في يديه ورجليه بالزيت لم يفتد، فكذلك اكتحاله بالإثمد.
م: وإنما فرق بين هذا وبين اللباس والطيب؛ لأن هذا لم يرد نص في اجتنابه كما ورد في الطيب واللباس، وقد قال عليه والسلام لمن آذاه هوامً رأسه: "إحلق وافتد"، فرأى مالك أن ما ورد النص في اجتنابه لا تُسْقِط الضرورة الفدية عن فاعله قياساً على حلق الرأس، وما لم يرد نصِّ في اجتنابه خففه في الضرورة؛ لأن ذلك حرج، والله رؤوف بعباده.
فصل [7 - في المحرم يحلق رأسه حال، وفي الحجامة للمحرم]
ومن المدونة: قال مالك: ولا يحلق المرحم رأس حلال، فإن فعل افتدى، قال ابن القاسم: وأنا أرى أن يتصدى بشيء من طعام لموضع الدواب التي في الرأس ويجزئه، وقال سحنون.
قال بعض البغداديين: فوجه قول مالك في أنه ألزمه الفدية التي نص الله عليها:
فلانّه لما كان أصل الفدية هو الحلق، وكان المحرم منهياً عنه، فوجب إذا فعل حلقاً أن يفتدي.
ووجه قول ابن القاسم: أن الفدية إنما يجب على من أماط عن نفسه أذى، وهذا لم يمط عن نفسه أذى، وإنما ألقى عن غيره قملاً، فوجب عليه الإطعام لذلك.
م: وقول ابن القاسم أبين إن أراد مالك أن عليه الفدية التي نص الله عليها، ويحتمل أن يكون معنى قول مالك: يفتجي: أن يفتدي بشيء من طعام لقتله القمل فتتفق القولان، أو يكون ذلك على ما روى عنه فيمن قتل قَمْلاً كثيراً أنه يلزمه الفدية الكاملة.
وقد قال ابن الماجشون في المحرم يحلق / رأس محرم وهو نائم أنه يلزمه فديتان: فدية لقتله القمل، والفدية المرجوع بها عليه، فظاهر هذا أنّ على من قتل قملاً كثيراً الفدية الكاملة.
قال مالك: ولو حجم المحرِم حلالاً فحلق موضع المحاجم فإن أيقن الحجام أنه لم يقتل قملاً فلا شيء عليه، ولو اضطر مُحْرِم إلى الحجامة جاز لمحرم غيره أن يحلق موضع المحاجم ويحجمه إذا أيقن أنه لا يقتل قملاً، والفدية على المفعول به ذلك.
قال ابن حبيب: وأكره الحجامة للمحرم إلا لضرورة ولا فدية عليه في ذلك إذا لم
يحلق شعراً، وإن حلق لها شعراً في القفي أو في الرأس أو سائر الجسد فليفتد كان ذلك لضرورة أو غيرها.
وقال سحنون: لا بأس أن يحتجم إذا لم يحلق الشعر، ولا يحتجم في الرأس وإن لم يحلق شعراً خيفة قتل الدواب.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أراد محرم أن يسوي شعره أو يحلق قفاه فلا ينبغي له أن يفعل ذلك.
وإن دعى مُحْرِمٌ إلى أن يفعل به ذلك فَأكْرَهُ للحجام أن يُعِيْنه على ذلك وإن أيقن أنه لا يقتل دواباً، فإن فعل فلا شيء على الحجام، والفدية على المحرم.
قال مالك: وإن قَلم مُحْرِمٌ أظفار حلال فلا بأس عليه، ولا ينبغي للمُحْرِم أن يُقلم أظفاره، فإن فعل ناسياً أو جاهلاً افتدى، وإن قلمها له محرم بأمره فالفدية على من قُلَمت أظفاره.
وإن كان مُكْرَهاً أونائماً فقلمها له محرم أو حلال فالفدية على الفاعل.
وإن قلم المحرم ظفراً واحداً لإماطة أذى افتدى، وإن لم يمط به عنه أذى أطعم شيئاً من طعام، وإن انكسر ظفره فقلّمه فلا شيء عليه.
م: كاكتحاله وادهانه لضرورة به.