الجامع لمسائل المدونةصفحات 624-663

[الباب الأول]

في جناية العبد على الحر وما فيه القصاص من ذلك

قال مالك رحمه الله: والسنة الا قود بين الأرقاء والأحرار في الجراح كلها، فأما في النفس فلا يقتل حر بعبد.
قال ربيعة، وابن شهاب: إلا في حرابة.
قال مالك: ويقتل العبد بالحر إن شاء ولاة الحر، فإن استحيوه خير

سيده بين إسلامه أو فداه بدية الحر.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: "يقاد للحر من العبد من الجراح إذا رضي الحر، ولا يقاد من الحر للعبد وإن رضي الحر"، وبه يقول محمد بن عبد الحكم.
محمد: قال أشهب: أخبرنا بعض أهل العلم: أن جعفر بن محمد حدثه أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "إذا قتل العبد رجلاً عمداً دُفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤا قتلوه وإن شاؤا استحيوه فكان لهم

عبداً".
قال مالك: إلا أن يفديه سيده بالدية كاملة، ويصير حينئذ بمنزلة الخطأ.
أشهب: وقال نحوه يحيى بن سعيد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن.
1 - فصل [في العبد يقتل رجلاً له وليان فيعفو أحدهما] قال ابن القاسم: وإذا قتل عبد رجلاً له وليان فعفا أحدهما عن العبد على أن يأخذ جميعه ورضي بذلك سيد العبد؛ فإن دفع السيد إلى أخيه نصف الدية جاز، وإن أبى خيّر سيده العافي بين أن يكون العبد بينهما أو يرده فإن رده فلهما القتل أو العفو؛ فإن عفوا عنه خُيّر السيد بين اسلامه أو فداه منهما بالدية.
وقد قال ابن القاسم أيضاً: إن للأخ الدخول في العبد فيكون بينهما لشركتهما في الدم.
وكذلك إن عفا أحدهما على أن دفع إليه السيد العبد القاتل وزاده عبداً آخر؛ فإن سيده إن دفع إلى الذي لم يعف نصف الدية تم ما صنع، وإن

أبى قيل للعافي: ادفع إلى أخيك نصف القاتل وحده، فيتم فعلك، فإن أبى رد العبدين وكانا على أمرهما، وقد قيل: إن للآخر الدخول مع أخيه في العبدين بالقضاء؛ لأنهما ثمن للدم الذي بينهما.
وقاله بعض الرواة.
قال: وإذا قتل عبدٌ رجلاً له وليان فعفا أحدهما ثم قال: إنما عفوت ليكون لي نصف العبد؛ لم يصدق إلا أن يأتي بدليل، فإن جاء به كان العبد بين الوليين إلا أن يفديه سيده بجميع الدية، وله فداء نصفه بنصفها من أحدهما، وإسلام نصفه إلى الآخر.
محمد: ولم يكن لواحد منهما أن يأبى ذلك على السيد.
[2 - فصل: في العبد يقتل عمداً فيعفو عنه المقتول] قال ابن القاسم: ومن عفا عن عبد قتله عمداً؛ جاز عفوه، وبقي العبد لمولاه، إلا أن يعفو على أن يسترقه؛ فيرجع الخيار إلى سيده بين أن يفديه بالدية أو يسلمه، وإن كان القتل خطأ فكانت قيمته قدر ثلث تركة القتيل؛ جاز عفوه، وإلا جاز منه قدر الثلث.

قال أبو محمد: إنما ينظر إلى ما تركه المقتول، وإلى ما يجب له في الدية؛ فإن كان قيمة العبد مثل ثلث جميع ذلك؛ جاز عفوه.
م: يريد: لأن الذي يجب له في الدية العبد إلا أن يفديه سيده، فلما عفا عنه صار كأنه أوصى به إلى سيده، فينظر؛ فإن كان قيمة العبد مئة، وما تركه المقتول مئتين؛ جاز عفوه، وإن كان ما تركه المقتول مئة غير قيمة العبد؛ كان لسيد العبد ثلثا العبد، وخير في فداء ثلثه من الورثة بثلث الدية، أو إسلامه؛ وإن لم يترك شيئاً كان لسيد العبد ثلث العبد، وللورثة ثلثاه، ويخير السيد في فداء ذلك منهم بثلثي الدية أو إسلامه.
قال سحنون: وقيل إنما يكون في الثلث الأقل من قيمة العبد أو الدية.
م: يريد: لأن السيد لما كان مقدماً على المجني عليه في أن يسلم له العبد أو فيديه بالدية؛ كان الواجب له في الدم أحدهما، وبه أوصى له؛ فوجب أن يجعل في الثلث الأقل؛ لأنه الذي أتلف على الورثة، كما قال فيمن أوصى لرجل بمكاتبة: أن يجعل في الثلث الأقل من قيمة الرقبة، أو قيمة الكتابة، فكذلك هذا.

م: قال بعض فقهائنا: وهذا لا يخالفه ابن القاسم، وهو تفسير لقوله، وأصل مذهبه.
م: وظاهره خلاف ما تقدم لابن القاسم.
والله عز وجل أعلم.
[3 - فصل: في العبد يقتل خطأ فيوصي المقتول بالعفو عنه] محمد: وقال أشهب في عبد قتل رجلاً خطأ فأوصى أن يعفا عنه، ويرد إلى سيده ولا مال له، ولم يُجز الورثة، قال: يقال لسيده إن شئت فديت جميعه بثلثي الدية؛ لأن ثلثها عنك ساقط بالوصية، وإلا فأسلم إليهم جميع العبد بثلثي الدية كما لو جرح عبدك حراً جرحاً ديته مئة دينار، فيطرح المجروح عن سيده خمسين ديناراً؛ لكان سيده بالخيار؛ إن شاء أفتك جميعه بالخمسين، وإن شاء أسلم جميعه بالخمسين، بمنزلة الرهن يضع المرتهن بعض حقه؛ فيكون جميع الرهن رهناً بما بقي.
محمد: ولم يعجب أصبغ قول أشهب في وصية المقتول بالعفو، وقال: ليس للورثة إلا ثلثا العبد لثلثي الدية؛ فإن شاء سيده أسلم ثلثيه وإن شاء

افتكها بثلثي الدية، وأما ثلثي العبد فهو لسيده بالوصية، أسلم بقيته أو فداه، بخلاف المجروح، وقوله في المجروح صواب، وهو بمنزلة الرهن كما قال.
محمد: وقول أصبغ جيد؛ لأنه لو تمسك الورثة بجميع العبد بثلثي الدية ولعله لا يسوى؛ لم ينفذ للميت من وصيته شيء، ومنعوه الوصية، ألا ترى أنه لو أوصى المقتول بالعبد لأجنبي ولا شيء له غيره؛ لكان له ثلث العبد بثلث الدية، إن فدا منه بذلك كانت له، وإلا كان له ثلث الرقبة فكذلك السيد سواء؛ لأن الميت إنما أراد ألا يعرض للعبد وأن يسلم لسيده.
قال أصبغ: وكذلك قال أشهب في وصيته به لأجنبي: أن للموصى له ثلث العبد؛ فإن شاء سيده أفتكه منه بثلث الدية أو أسلمه بها، وإن شاء أيضاً أن يفتك من جميع الورثة ثلثيه بثلثي الدية فذلك له، ولا يدخل الموصى له على الورثة في شيء مما فدى به، وإن شاء افتك من بعض الورثة قدر ما يقع له من العبد، وأسلم إلى الباقين نصيبهم.

قال أصبغ: صواب كله.
قال محمد: فهذا كوصيته بالعفو عن قاتله.

[الباب الثاني]

فيمن جنى عبده ثم أعتقه أو باعه

[4 - فصل: فيمن جنى عبده فأعتقه فليُسأل: هل أراد حمل الجناية أم لا؟] قال مالك: ومن أعتق عبده بعد علمه أنه قتل قتيلاً خطأ؛ سئل، فإن أراد حمل الجناية فذلك له، وإن قال: ظننت أنها تلزم ذمته ويكون حراً يتبع بها؛ حلف على ذلك، ثم يرد عتقه، ثم إن كان للعبد مال قدر الجناية؛ أخذ منه في جنايته وعتق، وإن لم يكن له مال ووجد من يعينه بمال؛ لم يرد عتقه أيضاً.
قال مالك: وكذلك إن جرح عبد حراً، ثم أعتقه سيده وقال: ما أردت حمل الجناية؛ حلف على ذلك، ورد عتقه؛ فإن كان للعبد مال قدر الجناية، أو وجد معيناً على أدائها مضى عتقه، فإن لم يجد معيناً، وكان في رقبته فضل عن الأرض بيع منه بقدر الجناية، وعتق ما فضل، وإن كان

لا فضل فيه؛ أسلم رقاً لأهل الجناية.
وذكر ابن المواز عن مالك: أن السيد إذا حلف أنه لم يرد حمل الجناية؛ رد عتق العبد، ثم خير سيده في افتكاكه، أو إسلامه، فإن أفتكه كان حراً، وإن أسلمه نظر: هل للعبد مال أو يجد معيناً، نحو ما في المدونة.
م: وهو تفسير لما في المدونة.
وكذلك قال في المدونة في المدبر يجني ثم يعتقه سيده، ويحلف أنه لم يرد حمل الجناية: أن السيد يخير أولاً؛ فإن أسلمه نظر: هل له مال، أو يجد ميعناً وهو والعبد في ذلك سواء.
قال ابن المواز: وإذا لم يجد العبد معيناً، وكان في قيمته فضل عن الأرش، ولسيده مال يعتق فيه ما بقي؛ عتق كله، وغرم السيد دية الجرح.
م: قال بعض أصحابنا: ويجب على هذا إذا كان السيد موسراً؛ ألا يحلف أنه لم يرد حمل الجناية؛ لأنه إذا أسلمه فبيع بعضه في الجناية،

وعتق باقيه؛ أن يقوم عليه ما بيع منه فيلزمه أرش الجناية، شاء أو أبى.
قال محمد: وقال ابن عبد الحكم: إذا حلف السيد أنه لم يرد حمل الجناية؛ فليرد عتقه، ثم يخير السيد في أن يفديه، ويبقى له عبداً أو يسلمه عبداً، فعجبت من قوله، ثم أخبرت بمثله عن أشهب.
وقال المغيرة في المجموعة: إذا أعتقه عالماً بالجناية؛ فهو ضامن، كما لو أولد أمته.
[5 - فصل: في العبد يجرح رجلين فأعتقه سيده بعد علمه بأحدهما] محمد: قال ابن القاسم: وإذا جرح رجلين، فعلم السيد بأحدهما، فأعتقه رضاً بتحمل الجناية التي علم بها، ودفعها إليه، ثم قام الثاني والجنايتان سواء؛ فعليه أن يعطي الثاني الأقل من أرش جرحه، أو نصف قيمة العبد.
قال محمد: وله أن يرجع على الأول فيدفع له مما دفع إليه قدر نصف قيمة العبد إن كان ما دفع إليه أكثر من ذلك، ويأخذ ما بقي؛ لأنه فدا منه جميعه، وظهر أنه إنما استحق نصفه وهو لا يقدر أن يسلم إليه نصفه بما أحدث فيه من العتق.

6 - فصل [فيمن جنى عبده فباعه أو وهبه] قال ابن القاسم: ومن باع عبده بعد علمه أنه قد جنى؛ حلف ما أراد حمل الجناية، ثم إن دفع الأرش لأهل الجناية وإلا كان لهم إجازة البيع وقبض الثمن، ولهم فسخه، وأخذ العبد.
قال غيره: إلا أن يشاء المبتاع دفع الأرض إليهم فذلك له ويرجع على البائع بالأقل مما افتكه به أو الثمن.
قال ابن القاسم: ولو افتكه البائع فللمبتاع رده بهذا العيب إلا أن يكون البائع بينة له؛ فيلزمه البيع.
قال غيره: هذا في العمد وإما في الخطأ فلا، وهو كعيب ذهب.
قال بعض القرويين: يجب أن يكون إذا افتكه المشتري بأقل من الثمن أن تكون عهدته على البائع؛ لأن البيع الأول قائم، وإنما يرجع عليه بما غرم لسبب الجناية التي كانت عنده، وإن افتكه بالثمن فأكثر؛ فالعهدة على أهل الجناية؛ لأن البائع قد رد الثمن الذي أخذ فيه، وانتقض بيعه، وكأن المشتري

اشتراه بما فداه به ممن استحق رقبته والله أعلم.
قال في قول ابن القاسم: وللمبتاع رده بهذا العيب إلا أن يكون البائع بينة له؛ فيلزمه.
يريد: إذا جنى عنده جناية أتلف بها مالاً، ولو كانت جناية يجب على العبد فيها قصاص؛ لكان في هذا البيع غرر؛ لأن المشتري لا يدري هل يقتض منه أم لا، فكان يجب أن لا يجوز، وهذا بين والله أعلم.
قال ابن القاسم في كتاب الحبس: ولو وهبه بعد علمه بالجناية فلم يرض بأداء الجناية وحلف ما أراد حملها؛ فإن الجناية أولى به.
ومن كان الجنايات قال مالك: ومن جنى عبده جناية فقال: أبيعه وأدفع الأرش من ثمنه؛ فليس له ذلك إلا أن يضمن، وهو ثقة مأمون، أو يأتي بضامن ثقة فيؤخر اليومين ونحوها، وإلا فداه أو أسلمه.
قال ابن القاسم: وإن باعه ودفع إلى المجني عليه دية الجرح؛ جاز بيعه، وإلا لم يجز.

[الباب الثالث]

في الأمة تلد بعد الجناية، وجناية المأذون له، وتكرر جناية العبد

[7 - فصل: في الأمة تلد بعد الجناية] قال ابن القاسم: وإذا ولدت الأمة بعد أن جنت؛ لم يسلم ولدها معها، إذ يوم الحكم يستحقها المجني عليه وقد زايلها الولد قبله، ولكن تسلم بمالها، وهو قول أشهب في المال والولد؛ أنها تسلم بمالها ولا يسلم ولدها معها.
وقال المغيرة: إن ما ولدت بعد الجناية فهو رهن معها في الجناية.
قال ابن القاسم: ولو ماتت فأهل الجناية أحق بمالها إلا أن يدفع السيد الأرش إليهم.
8 - فصل [في جناية المأذون له، وفي أم الولد تُسبى وتُغنم أكثر من مرة] وإذا جنى عبد مأذون وعليه دين من تجارته، ثم أسره العدو فابتاعه رجل من العدو فلم يفده سيده بالثمن؛ فليس لأهل الجناية أخذه إلا بدفع الثمن الذي

صار به لمبتاعه، إذ لو أسلمه سيده أولاً بالجناية لم يكن لمن صار له أخذه إلا بدفع الثمن وأما الدين فباق في ذمته، وإنما يسقط عن العبد وعمن يصير له ما كان قبل أن يؤسر العبد في رقبته، وأما ما كان في ذمته فهو ثابت عليه يؤخذ به.
وقال سحنون في العتبية: يفتكه السيد بالأكثر من أرش الجناية أو بما ابتاعه هذا به، أو صار له في سهمانه، فإن كان أخذه بعشرة دنانير وأرش الجناية عشرون؛ أفتكه بعرين، فيأخذ من هو بيده عشرة والمجني عليه عشرة، وإن كانت الجناية عشرة والذي صار به في السهمان عشرون؛ دفع السيد العشرين إلى صاحب السهمان، وليس لصاحب الجناية شيء.
وكذلك لو أن أم ولد رجل سباها العدو ثم غنمها المسلمون فصارت في سهمان رجل بمئتي دينار، ثم سبيت ثانية، ثم غنمت فصارت في سهمان آخر بمئة دينار، ثم سبيت ثالتة، ثم غُنمت فصارت في سهمان ثالث بخمسين، ثم أتى السيد الأول وكل من صارت في سهمانه، وهي

في يد صاحب الخمسين؛ فإن السيد الأعلى يأخذها بمئتين، فيعطي الذي هي بيده خمسين؛ لأنه أحدثهم ملكاً فهو أولى، ثم يعطى الذي يليه مئة، ثم يعطى الثالث ما بقي وهو الذي كانت في يديه بمئتين.
ولو كانت صارت للأول بخمسين، وللثاني بمئة، وللثالث بمئتين؛ فإن السيد الأول أولى بها بالخيار، فيدفع مئتين إلى من هي بيده ويسقط حق الباقي، وكذلك لو كان موضع أم الولد عبد فاسلك به هذا المسلك.
قال عنه ابن عبدوس: وإنما كان على السيد الأكثر؛ لأن الجناية قد لزمته قبل أن يوسر، وإنما بدأت بمن هو بيده؛ لأنه أحدثهم ملكاً.
قال: وإن صار في سهمان رجل ثم جنى، ثم قام ولي الجناية وأبى السيد؛ خُيّر السيد في أن يسلمه أو يفتكه بالأكثر، فإن كانت الجناية أكثر أخذ ذلك

المجني عليه ولا شيء للآخر، وإن كان الذي صار له في السهمان أكثر أخذ منه المجني عليه قدر جنايته، وكان الفضل لصاحب السهمان، وإن أسلمه السيد؛ خير من هو بيده بين أن يسلمه فيرق للمجني عليه، أو يفتكه فيبقى في يديه.
قال: وإن جنى ثم صار في السهمان، ثم جنى؛ فإن بعضهم لا يدخل على بعض، والآخر منهم مبدأ.
9 - فصل [في تكرار جناية العبد] ومن المدونة قال مالك: وإذا جنى عبد فلم يحكم فيه حتى جنى جنايات على قوم؛ فإن سيده يخير فأما فداه بدياتهم أجمع، وإلا أسلمه إليهم فتحاصوا فيه بقدر مبلغ جناية كل واحد منهم، ولو فداه ثم جنى؛ فعليه أن يفديه ثانية أو يسلمه.

[الباب الرابع]

في جناية المعتق بعضه، والجناية عليه، والقضاء أن كل من لم تتم حريته فله حكم العبد في حرمته

[10 - فصل: في جناية المعتق بعضه قبل عتق بقيته] قال ابن القاسم: ومن أعتق نصف عبده ثم جنى قبل القضاء بعتق بقيته؛ لم يكن كالحر، إذ لو مات السيد، أو لحقه دين قبل الحكم؛ رق باقيه، ولكن يلزم السيد الأقل من نصف قيمته أو من نصف الأرش للمجني عليه، ويعتق جميعه؛ لأنه لو أسلمه لقوّمته عليه أيضاً إن كان موسراً وعتق، ويكون نصف الأرش الباقي في ذمة العبد بكل حال، ولو مات السيد قبل القيام كان نصف الأرش في ذمة العبد ويخيّر الورثة في النصف الرقيق بين اسلامه رقاً وبين أن يفدوه، ويكون لهم رقاً.

[11 - فصل: في العبد بين رجلين عتق أحدهما حصته منه وهو موسر فجنى العبد قبل تقويمه عليه، أو وهبه المتمسك بالرق لغيره] ولو أعتق المليء شقصاً من عبد بينه وبين رجل ثم جنى العبد قبل التقويم خيّر المتمسك بين أن يفدي شقصه منه ثم يقومه على المعتق، أو يسلمه فيقومه المسلم إليه على المعتق بقيمته يوم الحكم معيباً، ويتبع العبد لا العاقلة بنصف الجناية وإن جاوزت ثلث الدية؛ لأن العاقلة لا تحمل عن عبد.
ومن أعتق شقصه من عبد، ثم وهب المتمسك نصيبه منه لرجل بعد العتق؛ جاز ذلك، وكان التقويم للموهوب له بخلاف بيعه لنصيبه، هذا يرد بيعه إذا كان الذي أعتق موسراً؛ لأنه في البيع باع نصفه بعين أو عرض، على أن يأخذ المبتاع قيمة مجهولة، فذلك غرر، ولا غرر في الهبة.
12 - فصل [تخيير سيد المعتق نصفه إذا جنى بين إسلامه أو فداه] قال مالك: وإذا جنى المعتق نصفه؛ خيّر سيده في أن يسلم ماله فيه

رقاً بنصف دية الجناية أو يفدي نصفه نصف دية الجناية ويكون نصف دية الجناية الآخر على العبد في نصفه الحر، فإن كان له مال؛ أخذ منه في نصف دية الجناية، وإن قصر ذلك، أو لم يوجد له شيء؛ اتباع به على كل حال.
محمد: قال أشهب: هذا قول مالك حرفاً بحرف.
محمد: ولم يختلف فيه قول مالك، ولا أحد من أصحابه.
[13 - فصل: في الجناية على المعتق نصفه، وحكمه كعبد كله] قال فيه وفي المدونة: واختلف قول مالك إذا كان العبد مجنياً عليه، فقال مرة: يكون أرش ما جني عليه للسيد نصفه، وللعبد نصفه، كما أنه إذا جنى هو كان عليهما، وأخذ به ابن القاسم.
قال محمد: وهو القياس؛ لأنه إنما يكون له من الحكم كما يكون

عليه.
قال فيه وفي المدونة: وقد كان مالك يقول: إن عقل جميع ذلك لسيده وحده وليس للعبد منه شيء.
محمد: وبهذا أخذ أشهب استحساناً.
قال أشهب: وإنما استحسنت أن يكون للسيد وإن كان القياس أن يكون بينهما كما يكون ذلك عليهما لو جنى هو من قبل أنه عبد في جميع أموره، وليس ما أصيب به العبيد بمال من أموالهم، ألا ترى أنه لو قتل لكانت قيمته قيمة عبد كله لسيده، فكذلك ما قطع منه، والعبد إذا جنى هو المجترم للجناية، فلذلك لم أحمل على سيده إلا ما يخص ما يملك منه فقط، ولا أسقط عن العبد ما يخصه، فيكون ذلك ذريعة إلى تعاونه بالجناية إذا لم يلزم ذلك ماه الذي بيده ولا ذمته، فرأيت ذلك أحسن، وأديت عنه في المستقبل، وكذلك قاله مالك.
قال محمد: وهذا قول حسن، ولكن ما أخبرتك مما أخذت به

أقيس القولين، وهو قول ابن القاسم، وابن وهب، وعبد الملك، والمخزومي، وابن دينار: أن ذلك بينهما.

[الباب الخامس]

في جناية الموصى بعتقه، والجناية عليه

[14 - فصل: في جناية الموصى بعتقه والثلث لا يحمله] قال ابن القاسم: ومن أوصى فقال: عبدي حر بعد موتي بشهر، فمات السيد والثلث لا يحمله، قيل للورثة: أجيزوا الوصية وإلا فاعتقلوا منه ما حمل الثلث بتلاً؛ فإن أجازوا خدمهم تمام الشهر ثم خرج كله حراً، فإن جنى قبل مضي الشهر قيل للورثة افتدوا خدمته أو سلّموها، فإن سلموها خدم العبد في الجناية، فإن تم الشهر عتق واتبع ببقية الأرش في ذمته، وإن افتكه الورثة خدمهم بقية الشهر ثم عتق، ولم يتبع بشيء؛ فإن لم يجيزوا الوصية؛ عتق من العبد محمل الثلث، ثم إن جنى اتبع بما يقع على ما عتق منه، ويخير الورثة في إسلام ما رق منه أو فداه، ولو جنى قبل تخيير الورثة في

ضيق الثلث؛ خيروا بين أن يفدوه ويخدمهم إلى الأجل ويعتق ولا يتبع بشيء فيكونوا قد أجازوا الوصية، وإن أبوا عتق منه بتلاً ما حمل الثلث، واتبع من الأرش بحصة ذلك، وخيروا في فداء ما رق منه أو اسلامه.
[15 - فصل: في جناية الموصى بعتقه قبل موت السيد وتغيير الوصية] وإذا جنى موصً بعتقه قبل موت السيد؛ خير سيده في اسلامه أو فداه؛ فإن فداه كان على الوصية إذا لم يغيرها قبل موته، وإن أسلمه بطلت الوصية؛ إذ له أن يغيرها، فإن لم يقم ولي الجناية حتى مات السيد فالعبد رهن بالجناية إن أسلمه الورثة رق للمجني عليه، وإن افتكوه عتق في ثلث سيده.
قال ابن المواز: وتفسيره أن يسقط قيمته من مال الميت؛ لأن العبد قد استُحقت رقبته، فيخرج قيمته من رأس ماله، وقد أوصى بعقته وأقر وصيته، فهو بمنزلة من أوصى بعتق عبد لغيره، فإذا أسقطت قيمته من رأس المال

كان ما بعده هو ماله، فإن فدوه بثلث ما يبقى من مال الميت بعد العتق؛ نفذ العتق، وإن فدوه بأكثر من الثلث؛ لم يعتق إلا ما حمل الثلث.
محمد: وخالفه أشهب وقال: يكون للورثة فيه من الأمر ما كان لميتهم إن شاؤا أسلموه للمجروح رقيقاً، أو يفدوه منه فيكون رقيقاً لهم بعد أن يحلفوا ما علموا أن الميت أقره تحملاً للجناية، فإن نكلوا؛ أخرجوا الدية من رأس المال، وأعتقوا العبد من ثلث ما بقي.
[16 - فصل: في جناية الموصى بعتقه بعد موت السيد حمله الثلث أم لم يحمله] ومن المدونة قال: وإن أوصى بعتق عبد بعينه بعد موته فجنى العبد بعد موت السيد قبل أن يقوّم في الثلث فهو كما لمدبر يجني بعد موت السيد؛ فإن حمله الثلث عتق، وكانت الجناية في ذمته، وحرمته وجدوده كالعبد فيما جنى أو جني عليه، وإن كان الثلث يحمله حتى يعتق في الثلث إلا أن تكون أموال السيد مأمونة فيكون في جنايته، والجناية عليه كالحر.

قال سحنون: وقد أعلمتكم باختلافهم في المال المأمون.
قال ابن القاسم: وإن لم يحمله الثلث عتق منه محمله واتبع بما يقع عليه من الأرش، وخيّر الورثة في فداء ما رق منه بما يقع عليه من الجناية أو إسلامه فيه.

[17 - فصل: فيمن أوصى بشراء عبد بعينه وعتق فجنى العبد قبل العتق] قال ابن القاسم: وإن أوصى أن يُشترى عبد بعينه فيعتق، فاشتروه ثم جنى قبل العتق؛ كان كالموصى بعتقه بعينه يجني بعد موت السيد؛ فإنه يعتق ويتبع بالجناية في ذمته، بخلاف عبد ليس بعينه؛ لأن لهم إذا اشتروه ألا يعتقوه ويستبدلوا به غيره إذا كان ذلك خيراً للميت.

[الباب السادس]

[181/أ] في جناية المبتل في المرض، والجناية عليه

[18 - فصل في جناية المبتل في المرض ولسيده مال مأمون أو كثير غير مأمون] قال ابن القاسم: ومن بتل في مرضه عتق عبده ثم جنى، فإن كان يوم بتله له مأمون من ريع أو عقار، كان كالحر في جنايته والجناية عليه، يقتص في العمد، ويتبع العاقلة في الخطأ، وإن كان ماله كثيرًا وليس بمأمون؛ وقف إلى موته، وكان كالمدبر، وكالموصى بعتقه، يجني بعد موت السيد، إن حمله الثلث، عتق واتبع بالجناية، وإن لم يحمله الثلث اتبع بحصة ما حمل منه، وخير الورثة فيمارق منه، وقد تقدم هذا.

[19 - فصل: في جناية المبتل في المرض وليس لسيده مال ثم أفاد السيد مالاً مأمونًا بعد الجناية] قال ابن القاسم: ولو بتله في المرض ولا مال له، أو له مال غير مأمون، فجنى العبد جناية، فلم ينظر فيه حتى أفاد السيد في مرضه مالاً مأمونًا فإني أبتل عتق العبد، ويتبع بالجناية في الذمة، ولا تحملها العاقلة؛ لأنه يوم جنى كان ممن لا تحمل العاقلة جريرته، والعاقلة لا تحمل جريرته حتى يحمل هو معهم ما لزمهم من الجرائر، ولو جُني عليه في مرض السيد أو قُتل، فعقله عقل عبد، إذ لا تتم حرمته حتى تكون أموال السيد مأمونة.
والذي قال مالك في المال المأمون أنه الدور والأرضون والنخل.
[20 - فصل: في المبتل في المرض يجني ويموت سيده ولا مال له غيره] وإن بتله في المرض فجنى جناية ثم مات السيد ولا مال له غيره عتق ثلثه، واتبع بثلث الأرض، وخير الورثة في فداء منه أو إسلامه، وهذا كالمدبر سواء، وإن صح السيد عتق العبد واتبع بالجناية.
[21 - فصل: في وقف المبتل في المرض إذا جنى، وكيف يُصنع في ماله] وإذا جنى المبتل في المرض وقف، ولا يقال لسيده أسلمه أو أفده، كما

يقال له في المدبر؛ لأن هذا لا خدمة له فيه ولا رق، له في المدبر الخدمة إلى الموت.
قال سحنون: وعلى هذا ثبت ابن القاسم بعد أن قال غيره، وهو أصل قوله وأحسنه، فكل قول تجده له أو لغيره على خلاف هذا فأصلحه على هذا.
قال ابن المواز: اختلف فيه قول ابن القاسم، فذكر عنه مثل ما تقدم ها هنا، قال: وقال مرة: يخير سيده في أن يسلم خدمته إلى المجروح إلى موت سيده، أو يفتديها مثل المدبر.
وقال أشهب مثل [181/ب] قول ابن القاسم هذا: أما أن يفتديه سيده أو يسلمه يختدمه المجروح، ويحسب ذلك كالمدبر.
قال محمد: الذي هو أحب إلينا: أن ليس له أن يسلمه ولا يكون مثل المدبر؛ لأن المدبر له فيه الخدمة إلى الموت ولا خدمة له في المبتل.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا وقف المبتل في المرض وقف ماله معه، وإن جنى لم يسلم ماله معه في جنايته؛ لأنه قد يعتق بعضه إن مات

سيده ولا مال له غيره.
م: يلزمه على هذه العلة أن المدبر أيضًا لا يسلم ماله في جنايته؛ لأنه قد يعتق بعضه بعد موت سيده، ولكن العلة: أن المبتل في المرض يتبعه ماله إذا لم يشترطه السيد حين بتله، فالسيد حينئذ لا يملك منه خدمة ولا مالاً فلم يكن له أن يسلم منه مالاً يملكه، كما ليس له أن يسلم رقبته وله في المدبر الخدمة، وانتزاع المال، فله أن يسلم ذلك في جنايته، فهذه العلة أصح والله أعلم.
قال ابن القاسم: وليس للورثة إن افتكوا مارق منه أن يأخذوا ماله، وإن أسلموه فلا يأخذ منه المجني عليه شيئًَا، ويكون المال موقوفًا معه؛ لأن من دخله شيء من الحرية وقف ماله معه، ولم يكن للذي له بقية الرق أن يأخذ من ماله شيئًا.
قال سحنون: هذه المسألة أصل مذهبهم، فلا تعدها إلى غيرها.
قيل: فلم وقف مالك جميع مال العبد المعتق بعضه معه؟ قال: لأنه شريك في نفسه، وكل عبد بين رجلين فليس لأحدهما أن يأخذ من ماله قدر نصيبه، إلا أن يجتمعا على أخذ ماله، وإن أذن

أحدهما لصاحبه في أخذ حصته من المال، وأبقى هو نصيبه في يد العبد جاز؛ لأنه إن كانت هبة منه أو مقاسمة فهي جائزة، ثم إن باعا العبد بعد ذلك واشترط المبتاع ماله، فالثمن بينهما نصفين، لا يحاص هذا بما زاد المال في ثمنه، إذ لا حصة له من الثمن.
محمد: ولو استثنى ماله الذي أبقى حصته بيده ليخص به نفسه، لم ينفعه ذلك، وكان بينه وبين شريكه نصفين.
قال أصبغ: لأن ما أبقي صار مالاً للعبد [182/ أ] لو أراد الذي تركه أن يأخذ منه شيئًا لم يكن له ذلك إلا باجتماعهما.
قال أبو محمد: يريد لأنه أبقاه ملكًا للعبد حتى لو أخذه مع صاحبه ثم رد إليه أحدهما ما أخذ منه أو شيئًا منه ليكون بيده للذي رده؛ كان له أخذه بعد ذلك.
قال في المدونة: ومن بتل في مرضه عتق عبده وماله غير مأمون وللعبد مال، فهو كمن لا مال له.

[الباب السابع]

في جناية المخدم، والمعتق إلى أجل، والجناية عليه

[22 - فصل: في جناية العبد الُمخدم سنين معلومة] قال مالك رحمه الله: ومن أخدم عبده رجلاً سنين معلومة، فجنى العبد، خُير مالك رقبته، فإن فداه بقي في خدمته، وإن أسلمه خُيِّر المخدم، فإن فداه خدمه، فإذا تمت خدمته، فإن دفع إليه السيد ما فداه به أخذه، وإلا أسلمه للمخدم رقًا., قال ابن القاسم: وكذلك إن كانت خدمة العبد حياة الرجل.
[23 - فصل: في جناية الموصى بخدمته لرجل مدة وبرقبته لآخر] وأما الموصى بخدمته لرجل سنة، وبرقبته لآخر، والثلث يحمله إذا جنى، فإن صاحب الخدمة يبدأ، فإن فداه خدمه ثم أسلمه بعد الأجل إلى الموصى له بالرقبة ولا يتبعه بشيء مما أدى، وإن أسلمه خير صاحب الرقبة، فإن فداه أخذه، وسقطت الخدمة.

قال ابن القاسم وهذا الذي سمعت، وبلغني عن مالك.
قال سحنون: قد اختلف قول ابن القاسم في هذا الأصل، وأحسن ما قال هو وغيره من كبار أصحاب مالك: أن من أخدم عبده رجلاً سنين، أو أوصى بذلك ثم برقبته لآخر، والثلث يحمل الموصى بذلك فيه ثم جنى، أن يبدأ صاحب الخدمة بالتخيير للخدمة التي له فيه، وإذ لا سبيل لصاحب الرقبة إليه إلا بتمامها، فإن فداه خدمة بقية الأجل، ثم لم يكن لصاحب الرقبة سبيل إليه حتى يعطيه ما افتكه به، وإلا كان للذي فداه رقًا، وإن أسلمه المخدم سقط حقه، وقيل لصاحب الرقبة: أسلمه أو افتكه، فإن اسلمه استرقه المجني عليه، وإن فداه صارت له وبطلت الخدمة، فكلما جاءك من هذا الأصل فرده إلى ما أعلمتك، فإنه أصح مذاهبهم.

[24 - فصل: في جناية العبد المُخدم سنين ثم مرجعه إلى سيده، أو إلى حرية، أو إلى رجل ملكًا] محمد: قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم يقول: اختلف قول مالك فيمن أخدم عبده رجلاً سنين معلومة ثم مرجعه إلى سيده، فجنى العبد جناية، فقال: [182/ب] أولاً يبدأ بالمخدم فيخير، فذكر مثل ما اختار سحنون، قال: ثم رجع مالك فقال: بل يبدأ السيد أولاً، فذكر مثل ما تقدم في أول المسألة لابن القاسم.
قال: وروى أشهب القولين عن مالك مثل ما روى ابن القاسم، وأبى ما رجع إليه مالك، ثم قال: ولكن الذي آخذ به: أن يكونا جميعًا فيه كالشريكين يقوم مرجع رقبته، فإن قيل عشرة دنانير، قومت خدمته أيضًا، فإن كانت عشرة دنانير؛ صار حقهما فيه سواء النصف والنصف، فإن فدياه جميعًا دفع كل واحد منهما نصف دية الجرح، وكان العبد على حاله، وإن أسلماه رق مكانه للمجني عليه، وإن افتك أحدهما بنصف دية الجرح وأسلم الأخر، فإن أسلم صاحب الخدمة لم يكن للمجني عليه غير بقية الخدمة، وإن أسلمه صاحب الرقبة، كان للمجني عليه بعد الخدمة.

قال أصبغ: وقول مالك: الذي رجع إليه أحب إلينا، وهو قول ابن القاسم.
قال محمد: وهو أحب إلي، وذلك أن رقبته لسيده، وإليه مرجعه، ولو قُتل لكانت له قيمته، ولم يكن للمخدم فيه قليل ولا كثير.
قيل: فإن كان مرجعه إلى حرية؟ قال: يكون بمنزلة المعتق إلى أجل، يحل المخدم محل مالك الرقبة، فيخير بين أن يفدي خدمته فإذا تم الأجل لم يتبعه بشيء أو يسلمها فيخدم المجروح، فإن تمت الخدمة خرج حرًا وأتبعه المجروح ببقية جنايته، فإن استوفى دية جرحه قبل تمام الخدمة، رجع إلى المخدم بخدمة بقية الأجل.
قيل: فإن كان مرجعه إلى رجل آخر ملكًا؟ قال: هو بمنزلة من مرجعه إلى حرية، إن شاء المخدم افتكه بدية الجناية واختدمه بقية الأجل ثم أسلمه إلى المبتل بلا شيء، كما لا يتبع العبد نفسه إذا كان مرجعه إلى حرية، قال: وهو بخلاف إذا كان مرجعه إلى سيده.
قال أصبغ: ذلك عندي سواء، وخيّر من له المرجع أولاً، فإن فداه بقي على حاله، وإن أسلمه خير المخدم، فإن فداه خدمه بقية الأجل، ولم يكن لمن له مرجع الرقبة أخذه إلا بدفع ما فداه به؛ لأنه إنما أحيا بالفداء خدمته

كالمرتهن يحوز رهنه، فما افتكه به ثابت في رقبته مبدأ قبل دين المرتهن، وكذلك المخدم [183/أ] وأما من مرجعه إلى حرية فهو كالمعتق إلى أجل إن فداه سيده لم يرجع عليه بشيء.
قال محمد: وقول ابن القاسم أحب إلي؛ لأن صاحب المرجع لم تصر له رقبته بعد، ولو مات لم يرثه، ولو قتل لم يأخذ قيمته.
[25 - فصل: في المُوصى بخدمته يُقتل أو يُجرح] ومن المدونة: وإذا أوصى بخدمة عبده لرجل سنة، وبرقبته لآخر، والثلث يحمله، فمات السيد، وقبضه المخدم، فقتله رجل، كان ما لزمه من قيمته للموصى له برقبته.
وكذلك من أوصى لرجل بخدمة عبده سنين معلومة فقتله رجل، أو قطع يده في الخدمة، كان ما يجب في ذلك للذي له الرقبة.
قال سحنون: ولم يزل هذا قول مالك، واختلف فيه أصحابه، فكل ما سمعت خلاف هذا فرده إلى هذا، فإنه أصل مذهبي مع ثبوت

مالك عليه.
قال ابن المواز: الذي لم يختلف فيه قول مالك وأصحابه: إذا أخدم عبده رجلاً سنين ثم مرجعه إلى سيده، أو أبتله لرجل بعد سنة، فقُتل في الخدمة، أو في السنة، فإن قيمته لسيده؛ لأن رقبته له بعد.
قال أشهب: ألا ترى أن السيد لو أحدث دينًا لكان دينه أولى به ممن أبتله له بعد سنة، ولو مات كان العبد ميراثًا؛ لأن المبتل له بعد سنة لم يحزه بعد قبل موت صاحبه، ولا قبل فلسه.
قال محمد: وإنما اختلف قول مالك وأصحابه: في الذي أخدمه رجلاً سنة ثم مرجعه لفلان بتلا فقبضه المخدم ثم قتله رجل في الخدمة.
قال ابن القاسم: فاختلف فيه قول مالك.
فمرة قال: هو لصاحب البتل.
ومرة قال: هو للسيد الأول.
قال ابن القاسم: وأحب إلى أن يكون لسيده الأول، وهو بمنزلة ما لو جعله حرًا بعد خدمة هذا فقتل في الخدمة، أو مات، فإن قيمته وميراثه لسيده

الذي كانت له رقبته، وقاله مالك في الذي مرجعه إلى حرية.
وقال أشهب في الذي مرجعه إلى آخر بتلاً، قبض المخدم إياه حيازة له، وللمبتل له معه، وخروج ملك سيده منه لا يدخله دين استحداثه، ولا يبطله موت سيده، فإذا قتل فقيمته مثل رقبته فيشتري منها من يخدم مكانه بقية السنة، ثم يصير لصاحب المرجع.
قال أصبغ: وقول ابن القاسم هو الصواب، وأقيس الأقوال؛ لأن الرقبة بعد لم تتم لصاحب البتل، ولا تتم له إلا بعد [183/ب] الخدمة، وإنما المخدم حائز لنفسه، وإنما تكون حيازة للمبتل إذا بقيت الحيازة حتى يأتي وقت البتل.
قال أصبغ: وقد قال أشهب مثل قول ابن القاسم، هذا الذي عليه رأيي.
قلت: فمن أخدم عبده سنة فقبضها المخدم فقتله سيده؟ قال: إن كان ذلك خطأ فلا شيء عليه، وعليه في العمد غرم قيمته،

يوقف بيد عدل فيؤآجر منها للمخدم بقية الأجل أو العُمْرى إن كان أعمره إياه، فما فضل فلسيده، وما عجز فلا شيء له عليه.
قال ابن القاسم: يشتري منها من يخدمه، والإجارة عندي أبين، ولو اشترى عبدًا لجاز.
قال أصبغ: كل ذلك حسن، ولا حجة للسيد، ولا للمخدم، والقياس أن يؤآجر له، كان يرجع إليه أو إلى حرية.
[26 - فصل: من أخدم أمته لرجل فجرحته] قال: ومن أخدم أمته رجلاً ثم هي حرة، فجرحته، فليختدمها بالجناية، فإن استوفى رجعت تخدم بقية الأجل، وإن انقضت الخدمة ولم يستوف اتبعها بما بقي، فكذلك إن جنت على غيره، كقول مالك في المدبر يجني على سيده.

جارٍ التحميل