قال محمد بن عبد الحكم: وكذلك إن أراد الزوج أن يسافر بها فإن، أَجَّرت نفسها بإذنه لم يكن له ذلك، وإن كان بغير إذنه فله ذلك وتفسخ الإجارة.
[فصل: 3 - الظئر ترضع الطفل حيث اشترط وما يلزمها غير الإرضاع]
ومن المدونة قال: وترضعه حيث اشترطوا، فإن لم يكن شرط فشأن الرضاع عن الأبوين، إلا امرأة لا يرضع مثلها عند الناس، أو يكون الأب وضيعًا لا يرضع مثلها عند مثله فذلك لها، وإنما ينظر في هذا إلى أفعال الناس.
قال محمد بن عبد الحكم: وإن مات زوج الظئر فإنها تبيت في منزلها بالليل، وتنفسخ الإجارة إن طلبوا ذلك، وإن رضوا بمصير الصبي إلى منزلها ثبتت الإجارة.
ومن المدونة قال: ويحملون فيما يحتاج الصبي من المؤونة في غسل خَرقه، وحميمه، ودَهنه، ودق ريحانه وطيبه على ما تعارفه الناس.
قال ابن حبيب: وإن لم يكن عرف فليس عليها غير الرضاع فقط، إلا أن يشترط ذلك.
قال أبو محمد: وقال محمد بن عبد الحكم: على الظئر المستأجرة أن تغسل خَرق الصبي ولحافه وما يحتاج إليه، وتدق ريحانه، وتقوم من أمره بما تقوم به الأم، وتوضئه إن احتاج إلى ذلك، وتحمله إلى الطبيب إن احتاج إلى ذلك، وأما ما ترقد فيه الظئر من لحاف وفراش فذلك على ما تعارفه الناس، فإن لم يكن عرف فذلك عليها، وكون على الأب لحاف الصبي ودثاره وما يرقد فيه.
[فصل: 4 - الظئر تحمل فيخشى منه على الصبي]
ومن المدونة: وإذا حملت الظئر، فخيف على الصبي: فلهم فسخ الإجارة، ولا يلزمها أن تأتي بغيرها ترضعه؛ لأنها إنما اكتريت على رضاعة بعينها، وإن سافر الأبوان فليس لها أخذ الصبي، إلا أن يدفعا إلى الظئر جميع الأجر.
[فصل: 5 - هل تنفسخ الإجارة بفوات المقصود منها]
قال مالك: وتنفسخ الإجارة بموت الصبي، ولها بحساب ما أرضعته.
ابن القاسم: وإن أراد والد الصبي أن يواجرها ترضع غير ابنه، أو يأتي بصبي سوى ابنه ترضعه، ويعطيها جميع أجرها: لم يكن له ذلك، ولا لها إن طلبته.
قال ابن المواز: وكذلك في الرائض إذا مات الفرس.
ابن ميسر: وكذلك معلم الكتاب إذا مات
الصبي لتفاوت اختلاف مؤنهم، واختلف في من استوجر على حصاد زرع فهلك الزرع قبل الحصاد، فقيل: يحصد له زرعًا غيره.
وقيل: تنفسخ الإجارة؛ لاختلاف الزرع، فإن كان أجره بنصفه وقد طاب فيضمن الأجير نصف قيمة الزرع.
م: لأنه ثمن إجارته، وهلاكه منه بعد عقد الإجارة كالشراء له، فكذلك وجب عليه رد قيمته.
ومن المدونة، قال ابن القاسم: وقد قال مالك في من اكترى دابة ليركبها بنفسه: ليس له أن يكريها من غيره، وإن كان في مثل حاله وخفته؛ لأنه قد يجد من هو مثله في الأمانة والحال والخفة ولا يكون مثله في الرفق، وكذلك الظئر ليس عليها أن ترضع غير ما استؤجرت على رضاعة.
قال سحنون: ليست مثلها.
م: والجواب صحيح، وإنما أنكر عليه سحنون التمثيل؛ لأنه يقول في الدابة: إذا مات الراكب أكريت من مثله، وفي الصبي إذا مات انفسخت الإجارة؛ لأن الرضاع والمؤونة تختلف اختلافًا بينًا والركوب متقارب فافترقا.
[فصل: 6 - الشريفة تواجر نفسها للرضاع]
قال ابن القاسم: وإذا وأجرت الشريفة نفسها لرضاع صبي: لزمها ذلك، وإن لم يقض على مثلها برضاع ولدها؛ لأنها ألزمت ذلك نفسها، كما لو شاءت رضاع ولدها لم تمنع.
[فصل: 7 - الظئر تمرض مرضًا لا تقدر معه على الإرضاع]
وإذا مرضت الظئر مرضًا لا تقدر معه على رضاع: فسخت الإجارة، ولو صحت في بقية المدة جُبرت على الرضاع بقيمتها، ولها من الأجر بقدر ما أرضعت، وليس عليها أن ترضع قدر ما مرضت.
قال غيره: إلا أن يكون الكراء فسخ بينهم فلا يعود.
قال ابن القاسم: وإذا تمادى مرضها حتى انقضى وقت الإجارة فلا تعود إلى رضاع.
قال محمد بن عبد الحكم: ولو تكفَّلت الظئر بوجه رجل فغاب، وقام عليها رب الدين فلا تحبس له؛ لأن الحمالة تطوع منها، وليس لها أن تتطوع بما يفسخ إجارتها، فإذا انقضى وقت الإجارة طولبت.
م: كلما صنعته الظئر أو والد الصبي مما تنفسخ به الإجارة فليس له ذلك إلا بالطوع من الأخر، وكلما نزل به من أمر الله تعالى، مما لا صنع لهما فيه، فهذا يفسخ الإجارة، وإن كره الآخر.
[فصل: 8 - الظئر تؤاجر على إرضاع صبيين فيموت أحدهما،
والظئران تؤاجران على إرضاع صبي فتموت واحدة]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو واجرها على رضاع صبيين حولين، فمات أحدهما بعد حول، ووضع عنه قدر ما ينوبه، وذلك ربع الإجارة، إلا أن يختلف ذلك رخص الكراء أو غلائه باختلاف الأزمنة من شتاء وصيف، وصبي صغير وكبير فيحسب ذلك، ثم لها أن ترضع مع الباقي غيره بإجارة.
وقال سحنون: تفسخ الإجارة؛ إذ لا يحاط بذلك.
قال ابن القاسم: ولو واجرها على رضاع صبي، لم يكن لها أن ترضع معه غيره.
ومن واجر ظئرين، فماتت واحدة فللباقية ألا ترضع وحدها، قال سحنون: تنفسخ الإجارة؛ لاختلاف من يأتي بها مكان الميتة.
قال ابن القاسم: وكذلك الأجيرين في رعاية غنم يموت أحدهما فله ألا يرعى وحده حتى يأتيه رب الغنم بمن يرعى معه عوضًا عن الميت.
قال: وإن واجر ظئرًا.
ثم واجر أخرى تطوعًا فماتت الثانية، فالرضاع للأولى لازم كما كانت، وإن ماتت الأولى فعليه أن يأتي بمن يرضع مع الثانية.
[فصل: 9 - الأب الموسر يستأجر ظئرًا ثم يموت فهل أجرتها باقي
المدة في ماله أم من مال الولد؟]
قال: وإن هلك الأب: فحصة باقي المدة من الأجر في مال الولد، قدمه الأب أو لم يقدمه، ويرجع بحصة باقي المدة إن قدمه الأب ميراثًا؛ لأن ذلك نفقة للصبي قدمها الأب لم تكن تلزمه إلا ما دام حيًا، فإذا مات، انقطع عنه ما كان يلزمه من أجر الرضاع، وليس ذلك عطية وجبت، إذ لو مات الصبي لم تورث عنه، وكان ذلك للأب خاصة دون أمه، ففارق معنى الضمان في الذي يقول لرجل: اعمل لفلان عملاً، أو بعه سلعتك والثمن لك على، فالثمن في ذمة الضامن إن مات، ولا طلب على المبتاع، ولا على الذي عمل له.
م: والفرق بينهما: أن أجر الرضاع أمر يلزم الأب فأنما قدمه وهو يظن أن الصبي يحي، وأن ذلك لازم له، فلما مات الصبي بان أن ذلك لم يكن يلزمه، فوجب أن يرجع فيه.
والذي قال: بع من فلان سلعتك والثمن لك عليَّ، هو متطوع بذلك ولم يكن يلزمه، فلما تطوع به وضمن للبائع ثمن سلعته لزمه ما تطوع به، ولم تكن له حجة.
وقال بعض فقهاء القرويين: وإذا قدرنا أن الأب دفع ما هو واجب عليه من رضاع الولد لم يكن ذلك هبة منه لوجوبه عليه، إلا أن عقد الإجارة في الظئر يجب أن تكون لازمة للأب وإن مات؛ إذ هو العاقد لذلك فهو المطلوب بثمنها سواء نقد ذلك أو لم ينقده، ويصير على هذا إنما أعطى للابن اللبن الذي ظن أنه لازم له، فلما مات سقط عند بقيته كما سقطت عنه نفقته، فيجب على هذا أن يكون الرضاع هو الموروث عن الأب، وإذا كان الرضاع هو الموروث، لم يكن أن يأتي كل وارث بصبي يرضعه، وإذا لم يكن هذا: فسخ الكراء، وكان حينئذٍ الكراء هو الموروث.
وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: إذا نقد الأب أجر مدة الرضاع، ثم مات الأب قبلها فما بقي للصبي، إلا أن يموت الصبي قبل ذلك فيكون ما بقي بين ورثة الأب أو للأب إن كان حيًا.
م: وهذا استحسان، ووجهه: كأن الأب لما نقد الإجارة إنما نقد ذلك للصبي إن حيي؛ لأن ذلك يلزمه فإنما نقد له ما يلزمه، فإن مات فقد بان أن ذلك لم يكن
يلزمه، فوجب أن يرجع إليه أو إلى ورثته، وكضمانه صداق ابنه البالغ ودفعه إياه عنه، ثم يطلق الابن قبل البناء: أن نصف الصداق يرجع للأب؛ لأنه إنما دفعه وهو يظن أن ذلك يلزمه فموت هذا الابن كطلاق هذه.
م قال بعض فقهاء القرويين: وكذلك قال أشهب: يكون الصبي أحق به إن نقده الأب، وهذا تفريق ضعيف؛ لأن الكراء قد انعقد في حياة الأب فهو المطلوب بثمنه سواء نقده الأب أو لم ينقده ويجب على هذا أن لو مات الأب لكان موروثًا عنه، وأشهب يقول: إن مات الابن لا يكون موروثًا عنه، وإن مات الأب كان للابن.
وشبَّه ذلك بالمُخَدّم حياته، إن مات المُخدِّم رجع إلى المُخدِّم، وإن مات المخدم بقى في يد المُخَدِّم حياته.
قال: وإنما ينبغي أن تكون هبة للابن ما كان يبقى، ولا يلزمه إن فعله مثل أن يستأجر له معلمًا فيما لا يلزمه أن يعلم، فيكون ذلك للابن إن مات الأب؛ لأنه قد وهبه الإجارة وحازها الابن بتعليم المعلم إياه، وذلك بخلاف تعليم ما يلزمه فذلك كأجرة الرضاع.
قال: وانظر إذ مات الأب وقد استأجر لابنه ظئرًا -على مذهب ابن القاسم- فرأى وصي الصبي أن يشتري جملة الرضاع خلا نصيب الولد، فينبغي أن يكون ذلك له؛ إذ تَرْكُ شرائه يؤدي إلى فسخ الإجارة.
[فصل: 10 - هل تنفسخ إجارة الظئر التي لم تأخذ
أجرتها بوفاة الأب الذي لم يدع مالاً؟]
ومن المدونة وإن مات الأب، ولم يدع مالاً، ولم تأخذ الظئر من إجارتها شيئًا: فلها فسخ الإجارة، ولو تطوع رجل بأدائها: لم تفسخ، يريد ولو قبضت أجرتها ثم مات الأب ولم يدع شيئًا، لم يكن للورثة أن يفسخوا الإجارة، ويأخذوا منها حصة باقي المدة، ولكن يتبعون الصبي بما ينوبهم من أجرة باقي المدة.
م: وهذا أيضًا استحسان وتوسط بين القولين.
ومن المدونة، قال ابن القاسم: ولو لم تقبض شيئًا حتى مات الأب، فحصة ما مضى في ذمة الأب، ولا طلب فيه على الصبي، ولو أرضعته باقي المدة: لم تتبعه بشيء، وكذلك لو قالت: أنا أرضعته باقي المدة على أن أتبعه: فهي متطوعة، كمن أنفق على يتيم لا مال له، وأشهد أنه يتبعه إن طرأ له مال فذلك غير لازم له، وهذا على وجه الحسبة.
[فصل: 11 - الرجل يواجر أمة أو أخته أو ذات رحمه على رضاع ولده]
ولا بأس أن يواجر الرجل أمه أو أخته أو ذات رحمه على رضاع ولده، أو يواجر زوجته أو خادمها على رضاع ولده من زوجة له أخرى.
[فصل: 12 - استرضاع الفاجرة والكافرة والحمقى]
واتقى مالك استرضاع الفاجرة ولم يره حرامًا.
ابن حبيب: وكره استرضاع الكافرة، والحمقى، والمأبونة لما في الرضاع من الطباع.
[فصل: 13 - أجرة رضاع اللقيط ومن لا مال له]
قال في المدونة: وأجرة رضاع اللقيط، ومن لا مال له على بيت المال، وكثير من هذا المعنى في الرضاع.
[الباب الحادي عشر]
في ضمان الأجير لما أفسد أو كسر وضمان الحارس في الحمام
[فصل: 1 - ضمان الأجير لما أفسد أو كسر]
[وتحته مسائل]
[المسألة الأولى: هل يضمن حامل الطعام والدهن إذا هلك بالعثار؟]
قال مالك رحمه الله: ومن استأجرته يحمل لك دهنًا أو طعامًا، فحمله فعثر به فاهراق: لم يضمن؛ لأنه أجير، والأجير لا يضمن إلا أن يتعدى.
وإن أكذبته في ذلك وقلت له: لم تعثر، ولم يذهب لك شيء، فهو ضامن في الطعام والإدام.
[المسألة الثانية: هلي يضمن حامل الأمتعة؟]
وأما في البز والعروض إذا حملها: فالقول قوله، إلا أن يأتي بما يدل على كذبه.
قال ابن وهب عن مالك: ومن حمل على دابته شيئًا بكراء فانقطع حبل من أحبله فسقط ذلك وانكسر، أو ربضت الدابة فانكسر، أو زاحمت شيئًا، فإن عرف أنه غرر في رباطه أو، أخرق في سوق دابته حتى زاحمت، أو عرف أن دابته ربوض: فهو ضامن، وإن لم يعرف من ذلك شيء لم يضمن، وفي كتاب الأكرية إيعاب هذا.
[المسألة الثالث: هل يضمن أجير الخدمة ما أتلفه؟]
قال ومن استأجرته يخدمك في بيتك شهرًا فكسر آنية من بيتك، أو قدورًا، أو أمرته أن يخيط لك ثوبًا فأفسده أو تلف: لم يضمن إلا أن يتعدى؛ لأنك لم تسلم إليه شيئًا يغيب عليه، ولا ائتمنته على شيء، وحكم الأجير غير حكم الصَّناع.
وكذلك أجير الخدمة لا يضمن ما أفسد من طحين، أو اهراق من لبن، أو ماء أو نبيذ، أو وطئ عليه فكسره من قلال أو قصاع، أو أحرقه من ثيابهم،
أو خبز لهم فأحرق.
وقال غيره: ما عثر عليه أو وطئ فهي جناية، وأما ما سقط من يده أو عثر به لم يضمن.
فصل [2 - صاحب الحمَّام وجميع الحراس والرعاة هل يضمنون؟]
[المسألة الأولى: هل يضمن حارس الحمام الثياب؟]
قال مالك: ومن جلس يحفظ ثياب من يدخل الحَمَّام، فصاع منه شيء: لم يضمن؛ لأنه بمنزلة الأجير.
وقال في العتبية: وقد أمرت صاحب السوق أن يُضَمِّن أصحاب الحمَّامات ثياب الناس [فيضمنونها] أو يأتوا بمن يحرسها.
م: ورأيت في بعض الخوارج مثله عن ابن عبد الحكم، وزاد فيه: ولا ضمان على من يحرسها، وإن سعيد بن المسيِّب، ومكحولاً وغيرهما يُضَمِّنون حارس ثياب من يدخل الحمام، وحارس الفندق والراعي، ولم ير ذلك مالك.
[المسألة الثانية: المُسْتَأجر على حراسة هل يضمن؟]
قال ابن المواز: قال مالك: ومن استؤجر يحرس بيتًا فينام فيُسْرَق ما فيه: فلا يضمن، وإن غاب عليه، وله جميع الأجر، وكذلك حارس النَّخل.
قال ابن المواز: لا يضمن جميع الحراس إلا أن يتعدوا، كان ما يحرسونه مما يغاب عليه أم لا، طعامًا أو غيره، وكذلك من يعطي متاعًا يبيعه، فيضيع أو يضيع ثمنه إلا أن هذا لا أجر له ولا ضمان عليه.
وفي العتبية، قال مالك في من بُعث معه بخادم [يبلغه] موضع كذا بأجر مسمى فنام في الطريق [فأبق] أو [مات]: فإن [أبق] حوسب من إجارته، وإن [مات] فله الإجارة كلها.
قال ابن القاسم: الموت والإباق واحد وله الإجارة كلها، ويستعمله في مثل ذلك حتى يتم أو يبلغ، وقال ابن وهب: له من الإجارة حيث ما بلغ فقط.
[الباب الثاني عشر]
في الإجارة والجعل في البناء والحفر
[فصل: 1 - الإجارة على البناء] [المسألة الأولى: المستأجر على بناء الدار عليه الآلة والماء على مقتضى العادة] قال ابن القاسم: ومن واجرته على بناء دار فالأداة والفؤوس والقفاف والماء والدلاء على من تعارف الناس أنه عليه، وكذلك حثيان التراب على حافر القبر، ونقش الرحى وشبهه فإن لم تكن لهم سنة فآلة البناء على رب الدار، ونقش الرحى على ربه.
[المسألة الثانية: ومن واجرته على بناء حائط ثم
انهدم فله بحساب ما بنى]
ومن واجرته على بنا حائط، ووصفته له، فبنى نصفه ثم انهدم فله بحساب ما بنى من أجره؛ لأنك قابض لكل ما بنى، وليس عليه بناؤه ثانية، كان الآجر والطين من عندك أو من عنده.
وقال غيره: لا يكون هذا في عمل رجل بعينه، ولا يكون إلا مضمونًا وعليه في المضمون تمام العمل.
م: هكذا في الأمهات، ونقلها أبو محمد، قال غيره: هذا في عمل رجل بعينه، وعليه في المضمون تمامًا العمل.
م: فعلى ما في الأمهات، قول الغير خلاف لابن القاسم في الرجل المعين، وعلى نقل أبي محمد، قول الغير كله وفاق، وقال سحنون: أَردُ مسألة الحائط إلى مسألة القبر.
م: وقال بعض فقهاء القرويين: ويحتمل أن يكون ابن القاسم أراد أن صاحب الحائط يبني القدر الذي انهدم، ويبني له البنَّاء تمام البِناء، ولا تنفسخ الإجارة فيما بقي إذا أمكن أن يبنى الذي انهدم له، أو يجد موضعًا مثله يبنيه له البنّاء، إلا أن يتعذر ذلك فتنفسخ بقية الإجارة، كما قال أشهب: إذا استأجره على أن يحصد له شيئًا من الأرض فهلكت: أن الكراء لا ينفسخ، وإن كان ابن القاسم قال فيها: أن الكراء ينفسخ، وأما ما كان على طريق الجعل، مثل البئر يحفرها له، ومثل القبر فيما لا يملك من الأرض، فينهدم قبل تمامه، فلا يلزم الجاعل شيئًا إلا أن ينهدم بعد تمامه.
[فصل: 2 - الإجارة على الحفر]
[المسألة الأولى: من واجرته على حفر بئر فحفر نصفها ثم انهدمت]
قال ابن القاسم: ولو واجرته على حفر بئر من صفتها كذا وكذا، فحفر نصفها ثم انهدمت فله بحساب ما عمل، ولو انهدمت بعد فراغها: أخذ جميع الأجر، حفرها في ملكك أو في غير ملكك.
م: لأنها إجارة، والإجارة تجوز في ملكك، أو في غير ملكك من الفلوات، إلا أن تكون بمعنى الجعل، تجعل له دراهم معلومة على أن يحفر لك بئرًا من صفتها كذا
وكذا، فحفر نصفها ثم انهدمت، فإن انهدمت في هذا قبل إسلامها إليك فلا شيء له، وإسلامها إليك فرغه من حفرها.
وقد قال مالك في الأجير على حفر قبر: إن انهدم قبل فراغه فلا شيء له، وإن انهدم بعد فراغه فله الأجر.
قال ابن القاسم: وهذه الإجارة فيما لا يملك من الأرضين.
م: يريد أنه جعل.
قال ابن المواز: ولا يكون الجعل في شيء إذا أراد المجعول له ترك العمل بعد أن شرع فيه يبقى من عمله شيئ ينتفع به الجاعل.
وقال أبو محمد: وهذا أبين.
فرق بينه وبين الإجارة.
قال ابن المواز: فأما البناء والحفر فيما يملك من الأرضين، فلا تجوز فيه إلا الإجارة، فإن انهدم ذلك قبل تمام، كان على الأجير أن يعمل له قدر ما بقي له من ذلك فيما يشبه ذلك من حفر أو بناء، وليس عليه أن يعيده له، أو قال له: احفر لي بئرًا في موضع كذا، فيما لا يملك من الأرضين: جاز فيه الجعل؛ لأنه إن ترك لم ينتفع الجاعل بما عمل فيه، وليس له شيء إن انهدم قبل تمامه، ولو تركها بعد أن حفر بعضها فواجر الجاعل غيره، أو جعل لأحد جعلاً فأتمها، كان للأول بقدر ما
انتفع به الآخر من عمله.
قال ابن القاسم: بالاجتهاد فقد يصادف الأول أرضًا رخوة أو صلبة، ويصادف الثاني خلافها.
وقال مالك في العتبية.
قال عيسى: قال ابن القاسم: ويعطى الثاني جعله كاملاً وعلى رب البئر للأول قدر ما انتفع به من عمله كان أقل من جعل الأول أو أكثر.
وقال أشهب عن مالك: إذا جعل له على حفر قبر فانهار قبل تمامه، فليحفر لهم ثانيًا، وإن انهار بعد تمامه فلا شيء عليه، وله جعله كاملاً؛ لأنه قد فرغ من عمله وبرئ منه، فإن شاؤا عجلوا بميَّتهم أو أَخْرُوه.
[المسألة الثانية: الإجارة على حفر بئر يصف موضعها وعمقها]
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بالإجارة على حفر بئر بموضع كذا عمقها كذا وقد خبرا الأرض، وإن لم يخبراها لم يجز.
قال يحي بن يحي عن ابن القاسم: إن عرفا الأرض يلين أو شدة أو جهلاها جميعًا: جاز، وإن علم ذلك أحدهما وجهله الآخر: لم يجز الجعل فيه.
[المسألة الثالثة: الإجارة على حفر بئر بحيث يخرج الماء]
ومن المدونة قال أبو الزناد: وعلى حافر البئر إخراج الماء.
قال ربيعة: إنما ذلك في أرض متقاربة في خروج الماء، وأما المختلفة فمذارعة أحب إليَّ.
م: حفر المختلفة بالأيام أجوز.
[المسألة الرابعة: إذا حفر القبر شقًا فقلت أردته لحدًا حملا على العادة]
قال ابن القاسم: ومن واجرته على حفر قبر فحفره شقًا فقلت له: ما أردته إلا لحدًا حملته على سنة الناس.
[المسألة الخامسة: مواجرة رجلين على حفر بئر فحفرا بعضها ثم
مرض أحدهما فَأَتَمَّها الآخر فالأجر بينهما]
قال ابن القاسم: وإن وأجرت رجلين على حفر بئر بكذا، فحفرا بعضها، ثم مرض أحدهما فَاَتَّمها الآخر، فالأجر بينهما، ويقال للمريض: أرض الحافر من حقك، فإن أبى: لم يقض عليه، والحافر متطوع له.
وقال سحنون في غير المدونة: هو متطوع لرب البئر لا للمريض، ووجه بعض القرويين قول ابن القاسم قال: لمَّا لم يكونا شريكين يلزم أحدهما ما عجز عنه صاحبه، صار على كل واحد حفر حصته فلما حفر أحدهما ما يجب على صاحبه، لم يلزم صاحبه أن يعطيه فيه أجرًا كمن خاط ثوب رجل، أو حرث أرضه متعمدًا فلا شيء له.
قال: ووجه قول سحنون: كأنه رأى أن بمرض الآخر تنفسخ الإجارة؛ لأنه أمر لا يمكن التراخي فيه، كموت الدابة في السفر، فإذا كان الفسخ واجبًا بمرضه وإن لم يحكم به حاكمًا للضرورة صار الحافر متطوعًا لرب لابئر، ولو كانا شريكين لم يكن متطوعًا لرب البئر ولا لشريكه؛ إذ عليه أن يعمل ما على صاحبه من الحفر إذا مرض صاحبه.
[الباب الثالث عشر]
في دفع إجارة الأجير والصُّناع والتداعي في ذلك أو غيره
[فصل: 1 - هل للصناع والأجراء منع ما عملوا حتى يأخذوا أجرهم؟]
قال مالك: وللصَّناع منع ما عملوا حتى يقبضوا أجرهم، وهم أحق به في الموت والفلس، وكذلك حامل الطعام والمتاع على رأسه أو على دابته أو في سفينته.
[فصل: 2 - إذا أراد الصُّناع أو الأُجراء تعجيل الأجرة]
قال مالك: وإذا أراد الصناع أو الأجراء تعجيل الأجر قبل الفراغ، وامتنع رب العمل: حملوا على المتعارف بين الناس فيه، فإن لم تكن لهم سنة: لم يُقض لهم إلا بعد فراغ أعمالهم، وأما في الأكربة في دار، أو راحلة، أو في إجارة بيع السلعة ونحوه: فبقدر ما مضى، وليس للخياط إذا خاط نصف الثوب أخذ نصف الأجرة حتى يتم العمل؛ إذ لم يأخذه على ذلك.
م: ولأنه لو خاطه كله ثم ضاع الثوب ببينة لم يكن له أجر عند ابن القاسم، فكذلك إذا خاط بعضه.
فصل [: 3 - رب المتاع يدعي أنه عمله بغير أجر والصانع ينكره]
وإذا ادعى رب المتاع أن الصانع عمله له باطلاً، وقال الصانع: بل بأجر كذا، صدق الصانع فيما يشبه من الأجر، وإلا رد إلى أجر مثله.
وقال غيره: يحلف الصانع ويأخذ الأقل مما أدعى أو من أجر مثله.
م: فوجه قول ابن القاسم: أن رب الثوب قد أقر أنه استعمل الصانع، وقال: بغير أجر، فقد ادعى أن الصانع وهب له عمله، والصانع يقول: بل بعته عملي، فكان القول قول الصانع؛ لأنهم إنما جلسوا يعملون بالأجر لا ليهبوا أعمالهم، فصار الصانع ادعى ما يشبه، ورب الثوب ادعى ما لا يشبه، وكمن قال: وهبتني هذا الثوب، وقال ربه: بل بعته منك.
ووجه قول الغير لم يصدق واحدًا منهما؛ لأن رب الثوب ادعى الهبة والصانع مدع [ثمنًا] في ذمة رب الثوب، وهو يقول: ما اشتريت شيئًا، فكل واحد منهما مدع على صاحبه، فيحلفان جميعًا ثم تكون عليه
القيمة يحلف الصانع ليكون له الأجر الذي ادعى، ويحلف رب الثوب ليسقط ما زاد على إجارة المثل.
وقول ابن القاسم أبين.
[فصل: 4 - رب المتاع يدعي الوديعة فيما صُنع والصانع ينكره]
وقال ابن القاسم: ومن ادعى على صانع أو صباغ فيما قد عمله أنه أودعه إياه، وقال الصانع: بل استعملتني فيه فالصانع مصدق؛ لأنهم لا يُشهدون في هذا، ولو جاز هذا لذهبت أعمالهم.
وقال غيره: بل الصانع مُدَّع.
وقاله ابن حبيب.
قال: وكذلك لو قال ربه: سرق مني، ويحلف ثم يأخذ ثوبه مصبوغًا أو مغسولاً بغير غرم، إلا أن ينقصه الصبغ ويفسده فربه مخير في أخذه أو تركه وأخذ قيمته، وإن [زاده] الصبغ فله أخذه بلا غرم.
فوجه قول ابن القاسم أن الصانع لما كان جلوسه للصنعة صار كأنه أتى بما يشبه والآخر بما لا يشبه، فكان القول قول الصانع إذا أتى بما يشبه من الأجر.
ووجه قول غيره: أن الصانع مدَّع أنه باع منه صنعته، ورب الثوب يقول ما اشتريت منه شيئًا، فهو كمُدَّع عليه الشراء لثوب أو غيره، فوجب أن يكون القول قوله.
[فصل: 5 - المصنوع له يدعي على الصانع فيما قد عمله أنه سرقه]
ومن المدونة، قال ابن القاسم: وإن قال الصانع استعملتني هذا المتاع، وقال ربه بل سرق مني، تخالفا، ثم قيل لربه: ادفع إليه أجر عمله وخذه، فإن أبي قيل للعامل ادفع إليه قيمة ثوبه غير معمول، فإن أبى كانا شريكين، هذا بقيمة ثوبه غير معمول، وهذا بقيمة عمله؛ لأن كل واحد منهما مُدَّع على صاحبه.
قال أبو محمد وغيره: يُحَلَّف أولاً صاحب الثوب أنه ما استعمله، ثم يقال للصانع ادفع إليه ثوبه وإلا فاحلف أنه استعملك، فإن حلف، قيل لربه: ادفع إليه أجر عمله وخذه، فإن أبى قيل للصانع: أعطه قيمة ثوبه، فإن أبى كانا شريكين.
وقال غير ابن القاسم: العامل مدَّع، ولا يكونان شريكين.
قال ابن القاسم: وكذلك إن ادعى أنَّ الصانع سرقه منه، إلا أنه هاهنا إن كان الصانع ممن لا يشار إليه بذلك، عوقب رب الثوب وإلا لم يعاقب.
[مسألة: الرجل يقيم بينة في قميص بيد
أنها كانت ملحقةً له]
وكذلك إن قمت بينة في قميص بيد رجل/ أنها كانت ملحفة لك لم تأخذها إلا بغرم قيمة الخياطة, وإلا قضى بما ذكرنا في السرقة
وقاله مالك في يتيم باع ملحفة فتداولتها الأيدي بالبيع, وقد صَبَغَها أحدهم: فإنهم يترادون الربح, وفي بعض الكتب: الثمن فيما بينهم, ولا شيء على اليتيم من الثمن إلا أن يكون قائماً بيده فيرده, ويكون اليتيم والذي صبغها آخراً شريكين, هذا بقيمة الصبغ, وهذا بقيمة الملحفة بيضاء, وبيعه للملحفة كلابيع.
وقال بعض فقهاء القرويين: إذا قال رب الثوب: سرق مني, وقال الصائغ -وقد صبغه- بل استعملني: لا يتحالفان حتى يقال لصاحب الثوب ما تريد, فإن قال: أريد تضمين الصانع؟ قيل له: فاحلف أنك ما استعملته, فإن حلف, قيل للآخر احلف لقد استعملك لتبرأ من الضمان, ثم يقال لرب الثوب: ادفع إليه
قيمة الصبغ؛ لأنه قد برئ من المسمى بيمينه أولاً, فإن أبى, قيل للآخر ادفع إليه قيمة ثوبه, فإن أبيا كانا شريكين, وإن قال صاحب الثوب أولاً: أريد أن آخذ ثوبي: نظر إلى قيمة الصَّبغ, فإن كانت مثل دعوى الصانع فأكثر, فلا أيمان بينهما؛ لأنه يقال لرب الثوب: هبك أن الأمر كما قلت: أنه سرق لك, وأردت أخذه, لم تقدر على أخذه إلا بدفع الإجارة التي قال الصانع, إذا كانت مثل الإجارة أو أقل, ولا يمين هاهنا.
وإن كان ما ادعاه الصانع أكثر حلف المستحق وحده ليحط عن نفسه الزائد على قيمة الإجارة من التسمية التي ادعاها الصانع, فعلى هذا يصح الجواب في قوله سرق مني.
قال: وأما قوله سرقته أنت فهو مُدعٍ عليه أنه يضمن الثوب بتعديه, فاليمين عليها جميعاً بيَّن؛ ليوجب أحدهما الضمان ويبرأ منه الآخر.
[فصل: 6 - اختلاف الصانع والمصنوع له في رد المتاع]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا أقر الصَّانع بقبض متاع وقال: قد علمته ورددته: ضمن, إلا أن يقيم بينة برده.
قال ابن المواز: فإن لم يقم بينه حلف ربه, وأخذ قيمته بغير صنعته.
ولو قال مكتر/ ما يغاب عليه: قد رددته لصدق مع يمينه, كما يصدق في تلفه, أخذه ببينه, بخلاف العارية والقراض.
وقال أصبغ: الكراء والقراض والوديعة سواء يصدق في التلف وفي الرد, إلا أن يأخذه ببينة, فلا يصدق في الرد خاصة إلا ببينة.
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: الصَّناع مصدقون في رد المتاع إلى أهله مع أيمانهم؛ إلا أن يأخذوه ببينة, فلا يبرؤا إلا ببينة.
[فصل: 7 - رب السلعة يدعي دفع المتاع للصانع وهو ينكر ذلك]
ومن المدونة: وإن أدعى أحد على صانع أنه دفع إليه متاعاً فأنكر, لم يؤخذ إلا ببينة أن المتاع قد دفع إليه, وإلا حلف وبرئ.
[فصل: 8 - الحجام يقلع ضرساً غير التي أمر بقلعها هل عليه شيء؟]
وإذا قلع الحجام ضرس رجل بأجر, فقال له: لم آمرك إلا بقلع الذي يليه, فلا شيء له عليه؛ لأنه علم به حين قلعه فتركه, وله أجره إلا أن يصدقه الحجام فلا يكون له أجر.
يريد ويكون عليه العقل في الخطأ والقصاص في العمد.
وقال غيره: الحجام مُدع.
قال سحنون في غير المدونة -يريد في الأجر-.
قال سحنون: كل
واحد مدع على صاحبه فيتحالفان, ويكون للحجام أجر مثله ما لم يجاوز التسمية, يريد إنما يتحالفان إذا كانت التسمية أكثر من أجر مثله؛ لأن يمين الحجام ترفع عنه حكم العِداء, وتوجب له التسمية, ويمين الآخر ترفع ما زاد على أجر مثله, وإذا كانت التسمية كأجر المثل أو أقل, فلا معنى ليمين المقلوع ضرسه, إلا أن ينكل الحجام عن اليمين فيحلف الآخر ويسقط عنه الأجر.
وقاله بعض شيوخنا, وهو أبين.
[فصل: 9 - تعدى الصانع وغلطه]
ومن المدونة: قال ابن القسام: ومن لَتَّ سويقاً بسمن, وقال لربه: أمرتني أن ألتَّه بعشرة, وقال ربه: لم أمرك أن تلتَّه بشيء, قيل لصاحب السويق: إن شئت فاغرم له مثل ما قال, وخذ السويق ملتوتاً, فإن أبى, قيل للاتِ: أغرم له مثل سويقه غير ملتوت, وإلا فأسلمه إليه بلتاته ولا شيء لك, ولا يكونان شريكين في الطعام لوجود مثله.
قال أبو محمد: يحتمل أن يكون معنى قول ابن القاسم أنه لم يقر أنه دفعه إليه إيداعاً ولا لصنعة, إذ لم يقر بإسلامه, إليه ففارق/ الصانع الذي أقرَّ أنه حوَّزه إياه بإيداع, فيصدق الصانع, إذ الغالب منهم إنما يدفع إليهم للصنعة, فينبغي على هذا أن يقال لربه: إن شئت فادفع إليه أجره وخذ السويق ملتوتاً, أو فاحلف أنك لم
تستعمله إياه, فإن حلف, قيل للات: ادفع إليه مثل سويقه, أو أسلمه إليه بلتاته كما قال ابن القاسم.
وقال غير ابن القاسم في المدونة: إذا امتنع رب السويق أن يعطيه ما لتَّه به: قضي على اللَّات بمثل سويقه غير ملتوت.
م: وهذا وفاق لابن القاسم على تأويل أبي محمد؛ لأنه لابد من يمين رب السويق ويقضي له بمثل سويقه, فإن دفع إليه اللَّات سويقه ملتوتاً لم يجبر على أخذه إلا أن يشاء والله أعلم.
قال ابن المواز: وهذا غلط, واللَّات مصدق, ويحلف إن كان أسلم إليه السويق, فإن نكل: حلف ربه وأخذ منه مثل سويقه, وليس لربه أخذه بعينه, إلا أن يدفع إليه ثمن السمن, أو يشاء رب السمن أن يدفعه إليه بلتاته.
م: وهذا أيضاً على تأويل أبي محمد في المسألة لا يخالف ابن القاسم؛ لأن ابن المواز اشترط في جوابه إن كان رب السويق أسلمه إليه, وابن القاسم لم يذكر ذلك, فترجع الأقوال على هذا إلى قول واحد والله أعلم.
قال بعض فقهاء القرويين: إذا كان معنى المسألة أنه سرق مني وكان اللَّاتُ على قول صاحبه إنما لتَّه بوجه شُبَّهة, فكيف يقال لصاحبه: ادفع إليه الأجر وخذ السويق
ملتوتاً, إذا كان له أن يضمن اللات مثله؟ لأنه أفاته كقطع الثوب, وذبح الشاة على قول أبي محمد.
فيصير على هذا قد وجب له في ذمته سويق, فتركه ودفع معه درهماً, وأخذ سويقاً ملتوتاً, وهذا لا يحل, فإن قيل: إنما هذا على القول الذي يرى ألا يضمن المشتري بالقطع, كذلك لا يضمن باللَّتات, قيل كان الأمر هكذا منع من الشركة.
وقال: إذا امتنع/ من دفع الأجر, وامتنع الأجير من دفع مثل السويق أمره أن يسلمه بلتاته, وهو متعد, ولم يجب عليه ضمان.
وقد وقع في كتاب محمد في من اشترى جديدة من رجل, وسمناً من آخر فخلطهما ثم فلس: أنهما يكونان أحق بذلك.
قال: يكونان شريكين على قدر ما لكل واحد منهما, فعلى هذا, كان يجب أن يكونا شريكين.
[فصل: 10 - اختلاف الصانع والمصنوع له في الأجرة]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: وإن قال اللات: أمرتني أن ألتَّه بعشرة ففعلت, وقال ربه: بل أمرتك بخمسة وبها لنتَّته, فاللَّات مصدق مع يمينه إن أشبه أن يكون فيه سمن بعشرة؛ لأنه مدعي عليه الضمان, مقول مالك في الصَّباغ إذا صبغ الثوب بعشرة دراهم عصفراً, وقال لربه: بذلك أمرتني, وقال ربه: ما أمرتك أن تجعل فيه إلا بخمسة دراهم عصفراً: أن الصَّباغ مصدق مع يمينه, إن
أشبه أن يكون فيه بعشرة, وإن أتى بما لا يشبه صدق رب الثوب مع يمينه, فإن أتيا بما لا يشبه فله أجر مثله.
قال ابن القاسم: واللَّات مثله سواء.
قال سحنون في غير المدونة, وقال غيره: يتحالفان ثم يكون له أجر عمله, ما لم يجاوز عشرة فهذا أصل جيج.
ومن المدونة ولو قال رب الثوب: كان لي فيه صبغ متقدم, أو في السويق لتات متقدم: لم يصدق؛ لأن ائتمن الذي أسلمه إله, والقول قول الصباغ واللات مع أيمانهما.
وهذا في جميع ما ذكرنا إذا أسلم إليه السويق أو الثوب, فأما إن لم يسلمه إليه, ولم يغب عليه: فرب السويق مصدق في قوله: أمرتك بخمسة إذ لم يأتمنه, فهو كمبتاع يقول: لم اشتر إلا بخمسة, فالقول قوله, فإن قال أهل النظر فيه سمن بعشرة, فإن لم يَدعِ ربه أنه تقدم له فيه سمن فاللات مصدق, وإن قال ربه: كان لي فيه لتات فهو مصدق إذ لم يسلمه إليه, ولو أسلمه إليه لصدق رب السمن, ولم يصدق ربه أنه تقدم له فيه لتات.
قال أبو محمد: أخبرني أبو بكر قال: قال يحيى بن عمر في من دفع ثوباً إلى صباغً/يصبغه أحمر بدرهمين, فصبغه أحمر بستة دراهم ويدعي الغلط: فربه مخير بين دفع قيمة الصبغ وأخذ ثوبه, أو يأخذ قيمة ثوبه يوم دفعه, وإن سوى ثلاث دراهم أو أقل بما لا يغلط الصباغ في مثله, فإن لربه أن يأخذه, ولا يغرم شيئاً غير ما سمي وهذا قريب.
[الباب الرابع عشر]
في إجارة الوصي من يلي عليه وإجارته ربْعَه
[فصل: 1 - إجارة الوصي ليتيمه ثم يحتلم قبل ذلك]
قال ابن القاسم: ومن واجر يتيماً في حجره ثلاث سنين, فاحتلم بعد سنة, ولم يظن ذلك به, فلا تلزمه باقي المدة إلا أن يبقى كالشهر ويسير الأيام, ولا يواجر وصي يتيمه, ولا أب ولده بعد احتلامه.
قال يحيى: ورشده.
[فصل: 2 - إجارة الوصي لربع يتيمه ودوابه ورقيقه]
وإن أكرى الوصي رَبَع يتيمه ودوابه ورقيقه سنين, فاحتلم بعد مضي سنة, فإن كان يظن بمثله إلا يحتلم في مثل تلك المدة, فعجَّل عليه الاحتلام, وآنس منه الرشد فلا يفسخ له ويلزمه باقيها؛ لأن الوصي صنع ما يجوز له.
وقال غيره: لا يلزمه إلا فيما قل.
م: يريد مثل إجارة نفسه.
قال ابن القاسم: وأما إن عقد عليه أمراً يعلم أنه يبلغ فيه: لم يلزمه في نفسه, ولا فيما يملك من ربع وغيره, وكذلك الأب.
وأما سفيه بالغ وأجر عليه ولي أو سلطان رَبْعَه ورقيقه سنتين أو ثلاثاً, ثم انتقل إلى حال الرشد فذلك يلزمه؛ لأن الولي عقد يومئذِ ما يجوز له, قال غيره: إنما يجوز لولي هذا أن يكري عليه هذه الأشياء, كالسنة ونحوها؛ لأنه جل كراء الناس, وإذ ترجي إفاقته كل يوم, وأما ما كثر فله فسخه.
[الباب الخامس عشر]
بقية القول في الجعل على البيع والشراء وطلب الآبق
[فصل: 1 - جعل السمسار]
وقد تقدم في باب ما يحل ويحرم في الجعل, أن جعل السمسار جائز في شراء كثير الثياب بخلاف بيعها.
قال مالك: ومن دفع إلى بزاز مالاً, وجعل له قي كل مئة دينار يشتري له بها بَزَاً كذا وكذا جاز, وهذا جعل.
قال ربيعة: إن كان ذلك موجوداً فإن اشترى/ أخذ وإلا فلا شيء له.
قال مالك: وله رد المال متى شاء, وإن ضاع بيده لم يضمن, وإن فوَّض إليه في شراء مئة ثوب, ولم يصفها له, فاشترى له ما يشبهه في تجارته أو في كسوته لزمه ذلك.
[المسألة الأولى: صاحب البستان يجعل لرجل جعلاً إن باعه ثم يبيعه
هو فهل للمجاعل شيء؟]
قال ابن المواز: قال مالك في من قال لرجل: بع ثمر حائطي هذا ولك كذا, ثم جاء صاحب الحائط قوم فساوموه حتى باع منهم, فطلب الرجل جعله فلا شيء له, إنما جعل له على أن يبيع ويماكس فهذا بايعهم وماكسهم ليس هو.
[المسألة الثانية: من قال لرجل إن جئتني بمثل ثوبي فلك كذا فجاء به]
قال ابن أبي أويس عن مالك في من قال لرجل: إن جئتني بمثل ثوبي هذا فلك كذا, فجاءه به فأراد الرجل ألا يأخذه.
قال مالك: فيلزمه ذلك, وإني لأستحب أن يوقت في ذلك وقتاً يأتيه به؛ لئلا يتباعد ذلك فيأتيه به بعد شهر ولا حاجة له به.
[فصل: 2 - الجعل على الاتيان بالعبد الآبق]
[المسألة الأولى: من أبق له عبد فقال من جاء به فله كذا]
ومن المدونة, قال مالك: ومن قال لرجل: إن جئتني, أو قال: من جاءني بعبدي الآبق فله أو فلك عشرة دنانير, وسمى موضعاً هو فيه.
أو لم يسم ولم يعرف السيد موضعه: جاز ذلك, ولمن جاء به العشرة.
[المسألة الثانية: من أبق له عبد فقال من جاء به فله نصفه]
وإن قال: من جاءني به فله نصفه: لم يجز, كما لا يجوز بيعه؛ لأنه لا يدي ما دخله ولا كيف يجده, وما لا يجوز بيعه فلا يجوز أن يكون ثمن الإجارة أو الجعل, فإن جاء به على مثل هذا: فله أجر مثله هذا, وإن لم يأت به فلا شيء له.
[المسألة الثالثة: من جعل لرجل في عبدين أبقا له عشرة دنانير
إن أتى بهما]
قال: ومن جعل لرجل في عبدين أبقا له عشرة دنانير إن أتى بهما: لم يجز, فإن أتى بأحدهما: فله أجر مثله في عنائه لا خَمْسة, وقال ابن نافع: له خَمْسَةَ.
م: يحتمل في قول ابن نافع, أن له خمسة إذا استوت قيمتها, ويحتمل أن يكون إنما قسم العشرة على عددهما؛ إذا الكلفة فيهما سواء, وكذلك قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز: أن له خمسة, وقال فيه أشهب وأصبغ: أن له الجعل بقدر قيمته من قيمة الآخر.
م: يريد من العشرة.
وكذلك لو كان عبداً ودابة.
م: كما لو باعهما في صفقة, فاستحق أحدهما وفات الآخر.
قال بعض الفقهاء القرويين على قوله في من جعل لرجل في عبدين أبقا له عشرة دنانير: إن أراد وإن لم يأت بهما جميعاً فلا شيء لك, فهذا بيَّن أنه لا يجوز؛ لأنه إن أتاه
بأحدهما انتفع الجاعل, ولم يأخذ المجعول له شيئاً, وإن أراد إن جاء بأحدهما فض الجعل على ما يعرف من قيمتهما يوم أبقا, فلا يجوز أيضاً على مذهب من منع جمع السلعتين لرجلين في البيع, ولم يسم ثمن كل واحدة؛ لأنه لا يدري إن أتى بأحدهما ما ينوبه من جملة الجعل, وقيل: إنما يكون الجعل على الأعداد لا على القيم, فعلى هذا يجوز؛ لأن حق ما يأتي به معلوم.
م: والاختلاف الذي جرى في المسألة إنما هو إذا أبهم اللفظ ولم يبين, فأما أن بيَّن فقال: إن أتيت بهما فلك عشرة, وإن أتيت بأحدهما فلا شيء لك, فهذا فاسد عند جميعهم.
[المسألة الرابعة: من أبق له عبدان فقال لرجل لك من الجعل قدر قيمة
من أتيت من الآخر يوم الآباق]
وإن قال: فلك من الجعل قدر قيمة من أتيت به قيمة الآخر يوم أبقا, فهذا يدخله الاختلاف الذي في جمع السلعتين في البيع, وإن بيَّن أن الجعل يقسم على العدد فلا يختلفوا: أن هذا جائز.
والله تعالى أعلم.
[المسألة الخامسة: من أبق له عبيد فقال لرجل إن أتيت بهم فلك كذا
أو في كل رأس كذا, أو لك في فلان كذا وفي الآخر كذا..]
قال ابن المواز: إن قال له: فلك في كل رأسٍ خمسة, فقول ابن القاسم أحسن, وقد أجاز مالك في بيع الثياب: فلك في كل ثوب درهم, ولم يجز: فلك في كل دينار درهم, وكذلك قال في الإباق إن شارطه في كل رأس يأتي به دينار أنه لا بأس به إذا انتهى عددهم.
قال ابن ميسر: لا يضر ترك تسمية العدد.
وقد روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية في العبدين: لا أحب أن يقول: إن جئتني بهما فلك عشرة, حتى يسمى في كل واحد شيئاً معلوماً, فإن وقع على الوجه الأول وقيمتهما سواء فله في الذي جاء به خمسة, وإن لم يستويا فله من العشرة بقدر قيمته الآخر.
قال أبو محمد: يريد قيمتهم حين أبقوا.
قال في كتاب محمد: إن قال: إن جئتني بهم وهم خمسة, فلك عشرة دنانير, أو قال: في كل رأس ديناران, فإن كان/ على أن لم يأت بجميعهم فلا شيء له: لم يجز.
قال: فإن قال له: إن جئتني بفلان فلك ديناران, وإن جئت بفلان فلك ثلاثة, وإن جئت بفلان فلك أربعة, هكذا حتى يسمى لكل رأس منهم شيئاً مسمى, فلا بأس بذلك كله إذا كان المجعول له عارفاً بهم قبل إباقهم, ثم قال: ذلك جائز عرف أو لم يعرف.
قال: ولو كان عارفاً بهم قبل إباقهم وغير عارف بما حدث لهم في إباقهم من قطع أو عور أو عمى فهو جائز, لم يزل ذلك من عمل الناس.
[المسألة السادسة: من أبق له عبيد فقال لرجل لك كذا إن جئت بهم
فإن جئت ببعضهم فلك من الجعل بقدر ما جئت به من قيمة من لم تجد]
قال مالك: فإن قال فلك في الخمسة أعبد عشرة دنانير, فإن لم تجد إلا بعضهم, فلك من العشرة بقدر قيمته من قيمة من لم تجد, فإن شرط على قيمة ما كان يعرف منهم قبل الإباق فهو جائز, وإلا فلا خير فيه.
[المسألة السابعة: الرجل يجعل جعلين مختلفين
لرجلين في عبد أبق منه]
ومن المدونة: قال مالك: ومن جعل لرجلين في عبد أبق منه جعلين مختلفين لواحد أتى به عشرة.
وللآخر إن أتى به خمسة, فآتيا به جميعاً, فالعشرة بينهما على الثلث والثلثين.
م: لأن جعل أحدهما [مثلي] جعل الآخر.
وقال ابن نافع: لكل واحد منهما نصف ما جعل له.
ابن المواز وقاله ابن عبد الحكم: وكذلك لو خرج في طلبه ثلاثة نفر فوجدوه كلهم, لكان لكل واحد منهم ثلث ما جعل له.
ابن المواز: وهذا أحب إلينا؛ لأن كل واحد جاء بثلثه.